القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 قصه اخویا الصغیر واتنقامی لنفسي





قصه اخویا الصغیر واتنقامی لنفسي


​أخويا الصغير اللي ربيته على إيدي بص في عيني وقال لي بمنتهى البرود: "وجودك في البيت بقى خانقة يا وفاء، إحنا عرسان جداد ومحتاجين ناخد راحتنا.. شوفي لك مكان تاني!".


مفيش حتة في قلبي موجعتنيش.. اللي وجعني مكنش إني هسيب البيت، اللي وجعني إن عمري اللي ضاع عليهم اترمى في وشي كأنه ذنب مش تضحية.


​كنت لسه مخلصة غسيل مواعين الغدا اللي عملتهوله هو ومراته اللي نايمة للضهر. كنت دافعة فاتورة الكهربا، ومخلصة قسط عربيته اللي لسه بيدفعه، ومجهزة له هدومه المكوية عشان شغله. 20 سنة من عمري راحوا بعد وفاة أبويا وأمي عشان أربيه هو وأختي، رفضت الجواز، ونسيت نفسي، واشتغلت ليل نهار عشان "حسن" يبقى مهندس، و"سلوى" تتجوز أحسن جوازة.. وفي اللحظة دي، الباب خبط.


​طلعت "دينا" مراته من الأوضة ببيجامة حرير، بتتمطع وبتشرب النسكافيه اللي أنا سايباه على الرخامة. حسن وقف جنبها، حاطط إيده في جيبه، وباصص في الأرض شوية وفي السقف شوية.. نفس النظرة الجبانة بتاعت العيال اللي بتستخبى ورا ضل حد.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

​"إيه يا وفاء؟ مش هنخلص من الكركبة بتاعتك دي؟" قالتها دينا وهي بتبص على مكنة الخياطة بتاعتي اللي في الصالة، المكنة اللي كنت بخيط عليها للناس عشان أجيب مصاريف دروس


حسن زمان.


​حسن اتنحنح وقال بصوت واطي: "يا وفاء، دينا معاها حق.. إنتي كبرتي ومكانك مش هنا، البيت ده من حقنا، وإحنا بصراحة عايزين نفتح أوضتك على الصالة عشان نعمل ريسبشن كبير.. شوفي لك أي أوضة عند سلوى أختك، إنتي في الأول والآخر (عانس) ومسيرك تقعدي عند حد فينا".


​الكلمة اللي قطعت حبل الود

​"عانس"؟ الكلمة دي نزلت على ودني زي مية النار. أنا اللي العرسان كانوا طوابير على بابي ورفضت عشان مأدخلش غريب يشاركهم فيا!


أنا اللي بعت دهب أمي عشان أعمل له عملية الزايدة وهو طفل! أنا اللي بدفع من مرتبي كل شهر عشان أسد ديون جوازه اللي عملها عشان يرضي "دينا" وعيلتها!


​بصيت له.. كنت مستنية أشوف ذرة خجل في عينه.. كنت مستنية يفتكر لما كان بيسخن وأنا بفضل سهرانة جنبه أعمله كمادات وأبكي.. بس حسن كان بيبص لمراته مستنيها تبتسم له عشان يرضيها.


​في اللحظة دي فهمت.. أنا مكنتش "أم تانية" زي ما كانوا بيقولوا لي في عيد الأم.. أنا كنت "بنك" و"شغالة".. ولما البنك رصيده قل، والشغالة كبرت، قرروا يطردوها.


​مبكتش ولا رديت. مسحت إيدي في الفوطة، وبصيت لهم بهدوء مرعب، ودخلت أوضتي من غير ولا حرف. دينا ضحكت بصوت عالي وقالت له: "شايف؟ أهي زعلت وعملت لنا


فيها دراما!".


​قفلوا بابهم، وأنا فتحت دولابي. طلعت الصندوق الخشب القديم اللي تحت الهدوم. الصندوق اللي فيه ورقي، ومستنداتي، والسر اللي محدش فيهم يعرفه من 15 سنة.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

​هما فاكرين إن البيت الكبير ده "ورث" أبوهم اللي سابهولنا.. ميعرفوش إن أبوهم مات مديون للبنك، وإن البيت كان هيتباع في المزاد العلني ونتطرد في الشارع. ميعرفوش إني أخدت قرض بضمان وظيفتي، واشتغلت شفتين، ودفعت دم قلبي عشان أسدد دين البنك، واشتريت البيت ده من البنك وبقى بإسمي أنا وبعقد مسجل في الشهر العقاري.


​هما ضيوف عندي.. مش أنا اللي ضيفة عندهم!

​الهروب للراحة

​لميت حاجتي في شنطة سفر واحدة. أخدت هدومي، مصلاتي، مصاغي، ومستندات البيت. مسكتش، مأخدتش حتى طقم الكوبايات اللي جبته لجهازي زمان وفتحوه للضيوف.


​استنيت لحد الساعة 4 الفجر. البيت كان كحل، وهما غرقانين في النوم. سحبت شنطتي، وسبت مفاتيح الشقة على طرابيزة السفرة، وجنبها "ورقة واحدة".. مفيهاش عتاب، مفيهاش زعل، فيها بس جملة واحدة: "أنا ماشية، بس هشوفكم قريب".


​نزلت الشارع، الهوا كان ساقع بس لأول مرة من 20 سنة أحس إني بتنفس بجد. ركبت القطر المتجه لإسكندرية.. هناك ليا شقة استوديو صغيرة كنت شاريها بالتقسيط من


سنين عشان أأجرها وتجيب لي قرشين ينفعوني في كبرتي.. الشقة دي دلوقتي بقت "حصني".

​وصلت شقتي، ريحة البحر غسلت قلبي المكسور. الشقة كانت صغيرة، بس مليانة براح مكنش موجود في قصرهم. نمت يومين متواصلين من غير ما أسمع "يا وفاء جعانين"، "يا وفاء اكويلي".

​يوم التلات الصبح، فتحت تليفوني اللي كنت قافلاه.


70 مكالمة فايتة من حسن! رسايل من سلوى أختي: "إنتي مجنونة؟ رحتي فين؟"، "الكهربا مقطوعة عشان المدفوعات اللي كنتي عاملاها من الفيزا بتاعتك وقفت!"، "دينا مش عارفة تطبخ، ومفيش فلوس في البيت!".


​ضحكت وأنا بشرب كوباية الشاي بتاعتي في البلكونة وببص على البحر. هما لسه فاكرين إن دي مجرد "قرصة ودن" وإني هرجع عشان ادفع وأطبخ.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

​عدى أسبوع على قعدتي في إسكندرية. أسبوع رجع لي فيه لوني اللي اتخطف، وصحتي اللي اتهلكت في مسح السلالم والوقفة قدام البوتجاز. كنت قاعدة بقرأ كتاب قديم على صوت موج البحر، لحد ما تليفوني رن. كان الأستاذ "عصام"، المحامي بتاعي.

​"كله تمام يا أستاذة وفاء.. الإنذار وصلهم الصبح يد بيد، واستلموه بالتوقيع."

​قفلت معاه وخدت نفس عميق.. كنت متخيلة إني هحس بتأنيب ضمير، بس الغريب إني حسيت براحة غير عادية؛ راحة


المظلوم لما يسترد حقه من بين سنان اللي كلوه.


 

في نفس اللحظة دي، في القاهرة، كانت الدنيا مقلوبة. المحامي راح لحسن وهو بيفطر مع "دينا"، وسلمه إنذار رسمي بالإخلاء في خلال 30 يوم لبيع العقار. حسن في الأول ضحك باستهزاء وقال للمحامي: "عقار إيه اللي يتباع؟ ده بيت أبويا!".. بس لما المحامي طلّع له صور من عقد البيع المسجل، ونقل الملكية، وتاريخ الشراء اللي من 15 سنة، وش حسن جاب ألوان. دينا صرخت وسابت الأكل، وسلوى أختي جاتلهم جري من بيتها وهي مش مصدقة اللي بيحصل.

المواجهة.. وسقوط الأقنعة

تاني يوم، الباب خبط عندي في إسكندرية. مكنتش محتاجة أبص من العين السحرية عشان أعرف مين. فتحت الباب، ولقيت "حسن" و"سلوى" واقفين.. بس مكنوش نفس الشخصين اللي طردوني من أسبوع. حسن كان وشه أصفر، وعنيه مكسورة، وسلوى كانت بتعيط.

"ممكن ندخل يا وفاء؟" قالها حسن بصوت مهزوز.

فتحتلهم الباب ودخلوا. قعدوا على الكنب المتواضع بتاعي، وبصوا للشقة الصغيرة اللي اخترت أعيش فيها وأسيب لهم "القصر".

سلوى بدأت بالكلام كالعادة عشان تستعطفني: "كده يا وفاء؟ تهوني علينا ونهون عليكي؟ ترفعي على أخوكي قضية وتطرديه من بيت أبوه؟ دينا هتموت من العياط وحسن ممكن يتسجن بسبب ديونه!"

بصيت لها ببرود ورديت: "بيت أبوه؟ إنتوا لسه عايشين في الوهم؟"

قمت جبت الصندوق الخشب بتاعي، ورميت الورق قدامهم على

الترابيزة.

"أبوكم الله يرحمه مات وعليه شيكات وقروض للبنك أكتر من تمن البيت مرتين. البنك كان هيحجز على البيت وتترمي إنت وهي في الشارع وإنتوا لسه بعيال. أنا اللي لفيت على كعب رجلي، أنا اللي اشتغلت الصبح ممرضة، وبعد الظهر خياطة، وبالليل أعمل أكل بيتي وأبيعه عشان أسدد ديون أبوكم وأشتري البيت من البنك عشان محدش فيكم يحس بكسرة النفس! البيت ده حقي، بدمي وعرقي وشبابي اللي راح."

حسن وطى راسه وبدأ يعيط بانهيار: "حقك عليا يا وفاء.. أنا غبي.. دينا هي اللي سخنتني، هي اللي قالتلي إنك هتبقي حمل علينا، وإننا لازم نمشيكي.. أنا ماليش غيرك يا أختي، أبوس إيدك سامحيني، أنا لو طلعت من البيت ده هتشرد أنا ومراتي."

الابتزاز العاطفي اللي مبقاش يجيب نتيجة

زمان، كان ممكن دمعة واحدة من حسن تخليني أبيع كليتي عشانه. بس المرة دي، قلبي كان زي الحجر. الأقنعة وقعت، والدموع دي مكنتش ندم على كسرة قلبي، دي كانت رعب من الشارع ومن الفقر.

رديت عليه بصرامة عمري ما تخيلت إنها عندي:

"لما دينا سخنتك.. مكنتش راجل ليه ووقفتها عند حدها؟ لما قالت لك أختك (عانس)، مواجعتهاش ليه وقلت لها إن أختي دي عانست عشان تشتريلك إنت بدلة الفرح وتدفع لك مهرك؟ إنت مش زعلان إنك زعلتني يا حسن، إنت زعلان إن (البنك) بتاعك قفل أبوابه، وإن (الشغالة) تمردت.

"

سلوى حاولت تتدخل: "طب بلاش دينا.. أنا ذنبي إيه؟ أنا أختك برضه!"

ابتسمت بوجع: "وإنتي كنتي فين لما انطردت؟ متصلتيش بيا ليه تقوليلي تعالي اقعدي عندي في الأوضة الفاضية اللي في بيتك؟ اتصلتي بس لما لقيتي كارت الفيزا بتاعي اللي بتسحبي منه مصروفك كل شهر وقف! كلكم كنتوا بتنهشوا فيا طالما أنا ساكتة."

القرار الأخير والضربة القاضية

وقفت، وفتحت باب الشقة إشارة لإن المقابلة انتهت، وقلت كلمتي الأخيرة اللي قطعت كل شك: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

"البيت اتباع فعلاً لمقاول هياخده يهدّه ويبني مكانه عمارة. قدامكم بالظبط 21 يوم تفضوا الشقة وتاخدوا عفشكم. أنا سيبت للمحامي مبلغ بسيط، ده مش حقكم، دي (صدقة) مني عشان تأجروا شقة صغيرة تبدأوا فيها حياتكم على قد لحافكم. من النهاردة، أنا مليش إخوات، أنا ليا نفسي اللي ظلمتها معاكم."

خرجوا من الباب وهما بيجروا خيبتهم، ووراهم اتقفل الباب على مرحلة كاملة من حياتي.

الحصاد (بعد مرور سنة)

عدت سنة كاملة على اليوم ده.

البيت القديم اتهد، وطلعت مكانه عمارة جديدة. حسن اضطر يأجر شقة صغيرة جداً في منطقة شعبية، و"دينا" اللي كانت عاملة هانم مقدرتش تستحمل العيشة دي وطلبت الطلاق ورجعت لبيت أهلها بعد ما اكتشفت إن حسن من غير فلوس أخته ميسواش حاجة. سلوى اتعلمت تعيش بمرتب جوزها وبطلت منظرة كدابة.

أما أنا؟

فلوس

البيت اللي بعته حطيتها في البنك، وفتحت بيهم "أتيليه" تفصيل صغير على البحر في إسكندرية. بقى عندي زباين، وبقى اسمي "مدام وفاء" مش "وفاء العانس". صغرت في السن 10 سنين، بقيت بنام مرتاحة، وبصحى مرتاحة. اتعلمت أحب نفسي، وأشتري لنفسي الغالي، وأشرب قهوتي بمزاج من غير ما حد يصرخ فوق دماغي.

النهاية والخلاصة (الدرس المستفاد)

عارفين إيه الغلطة اللي أنا عملتها طول عمري؟

إني افتكرت إن التضحية المطلقة بتشتري الحب. الغلطة إني خليت نفسي "مضمونة" زيادة عن اللزوم، ولما بتبقى مضمون ومتاح طول الوقت، الناس بتبطل تشوف قيمتك، وبيعتبروا تضحيتك "حق مكتسب"، ولما تقصر مرة بتبقى إنت الجلاد.

الدرس اللي اتعلمته ودفعت تمنه من عمري:

متحرقش نفسك عشان تدفي حد، لأنهم أول ما يتدفوا.. هينسوا إنك كنت الحطب، وممكن يشتكوا من ريحة الدخان بتاعك.

العطاء اللي ملوش حدود بيخلق ناس أنانية ومستغلة وملهاش حدود.

العيلة مش بس دم ونسب.. العيلة هي اللي تصونك وقت ضعفك، مش اللي تستنزفك لحد ما تقع وتدوس عليك.

حبي نفسك الأول، وحطي حدود للي حواليكي، لأن اليوم اللي هتقعي فيه محدش هيسندك غير حيطة بيتك، وقرشك اللي شلتيه لليوم الأسود.

النهاردة أنا كسبت نفسي، وده كان أعظم انتصار في حياتي.

(تمت)



تعليقات

التنقل السريع
    close