القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!

 طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!



طردوها من بيت أهلها وهي حامل… فوجدت في الخړابة سرًا مدفونًا منذ الحړب!

 

انظري ما الذي فعلتِه بهذه العائلة. أبوكِ لا يريد أن يراكِ بعد الآن. خذي أغراضكِ وارحلي. بالنسبة إلينا، أنتِ لم تعودي موجودة.

أمي، أرجوكِ، لا تفعلي بي هذا. ليس لديّ مكان أذهب إليه. أنا وحدي يا أمي. أرجوكِ.

غرناطة، أكتوبر 1952.

سقطت حقيبة جلدية من نافذة في الطابق الثاني، وارتطمت بأحجار شارع ميسونيس المرصوفة.

كانت إينيس تورّالبا في الحادية والعشرين من عمرها، وحاملًا في شهرها السابع. وكان والدها، صاحب خمّارة في مونتيّاموريليس، قد فضّل أن يخسر ابنة على أن يخسر شرفه. وفي مساء اليوم نفسه، استقلّت إينيس حافلة تابعة لشركة ألسينا غرايّس متجهة إلى اللا مكان. ثم وجدت مأوى في بيت ريفي مهجور في سييرا نيفادا، من غير أن تدري أن تحت أرضية الإسطبل سرًّا من أسرار الحړب الأهلية، ظل رجال نافذون يبحثون عنه خمسة عشر عامًا.

في صباح ذلك اليوم من شهر أكتوبر، كانت إينيس تورّالبا تطوي آخر بلوزة بقيت لها، حين سمعت وقع خطوات أمها تصعد السلم بذلك الاستعجال الذي لا يبشّر بشيء طيب. لم تطرق الباب، بل فتحته پعنف، ووقفت في الإطار بشفتين مطبقتين وعينين محمرّتين لامرأة بكت طوال الليل، ولم تعد تملك دموعًا.

أرادت إينيس أن تقول شيئًا. أرادت أن تسألها إن كانت قد تحدثت إلى أبيها، وإن كان ثمة احتمال أن يُسمح لها بالبقاء، ولو في الغرفة الخلفية حيث كانوا يخزنون البراميل الفارغة. لكن أمها لم تمنحها الفرصة. أمسكت بالحقيبة الجلدية التي كانت تخص الجدّ، تلك الحقيبة نفسها التي استخدمها حين سافر إلى إشبيلية في شبابه، وبدأت تحشو فيها الثياب بلا أي عناية، مكرمشةً البلوزات التي كانت إينيس قد طوتها بكل حرص. وضعت فيها فستانين، وتنورة من الصوف، وملابس


داخلية، وشالًا أسود كان يعود إلى الجدة، وظرفًا فيه مال وضعته في القاع من غير أن تقول كم فيه.

ولمّا انتهت، مضت نحو النافذة المطلة على شارع ميسونيس، وفتحتها على مصراعيها، ثم ألقت الحقيبة إلى الأسفل. دوّى صوت ارتطام الجلد بالحجارة كأنه حكم نهائي. شعرت إينيس أن الجنين تحرّك في داخلها، كأنه هو الآخر سمع ذلك الصوت، وكأنه عرف بدوره أن تلك الضړبة كانت نهاية كل ما عرفاه من قبل. استدارت أمها ونظرت إليها للمرة الأولى منذ ثلاثة أسابيع. ومنذ تلك الظهيرة التي أكّد فيها طبيب مستشفى سان خوان دي ديوس الحمل أمامهما معًا، كانت إينيس تنتظر الصړاخ، تنتظر الشتائم، تنتظر أي شيء إلا ما قالته أمها بصوت أجشّ متعب.

أخبرتها أن أباها اتخذ القرار خلال الليل، وأنه لا سبيل إلى حمله على تغيير رأيه، وأن عليها أن ترحل قبل أن يراها الجيران وهي تغادر، إذ يكفي ما في الحي من شائعات وڤضيحة. وقالت لها ألا تعود، وألا تكتب، وأن إينيس بالنسبة إلى عائلة تورّالبا قد ماټت في ذلك الصباح، وأن هذا سيكون أفضل للجميع، ولا سيما لإخوتها الأصغر سنًّا، الذين ما زال ينبغي حماية مستقبلهم.

أرادت إينيس أن تسأل ولماذا ليس لي أنا أيضًا الحق في مستقبل؟ كيف صار حمل في شهره السابع أثقل وزنًا من واحد وعشرين عامًا من الطاعة والبنوة الصالحة؟ لكن الكلمات تعلقت في حلقها. أغلقت أمها مصاريع الخشب، فڠرقت الغرفة في شبه ظلام، ثم خرجت من غير أن تقول شيئًا آخر، وأغلقت الباب خلفها. بهذه السهولة، بهذه السرعة. واحد وعشرون عامًا مُحيت في أقل من خمس دقائق.

نزلت إينيس الدرج ببطء، مستندة إلى الدرابزين، لأن ثقل بطنها كان يفقدها توازنها على الدرجات الضيقة.

مرّت بالمطبخ الذي ساعدت

فيه مرارًا على إعداد يخنة الحمص التي كان والدها يعشقها. ومرّت بالصالون حيث ما يزال الكرسي المخملي الأخضر الذي كان يجلس عليه ليقرأ الرسائل التي كان رافائيل يبعثها إليها من مالقة. تلك الرسائل الممتلئة بالوعود، التي تبيّن أنها لم تكن سوى دخان. رافائيل، الغريب الذي ظهر في احتفال سان ميغيل بابتسامته السهلة وكلامه المعسول، والذي أقسم لها بالحب الأبدي تحت أضواء ساحة بيب رامبلا، ثم اختفى في صباح اليوم التالي، من غير أن يترك وراءه إلا بطنًا يكبر، وسمعة محطّمة.

لقد كانت إينيس ساذجة، وكانت تعرف ذلك الآن. لقد صدّقت لقاءات تشبه الحكايات الخيالية، في بلد لم يكن للنساء فيه حق الخطأ. ولما وصلت إلى الباب الرئيسي، كان أبوها جالسًا في المكتب وبابه مفتوح، يراجع دفاتر حسابات الخمارة، كما لو أن ذلك يوم ثلاثاء عادي. لم يرفع رأسه، لم يقل وداعًا، ولم يقم بأي حركة تعترف بأن ابنته الكبرى توشك أن تخرج من حياته إلى الأبد.

وكان ذلك، على نحو ما، أشدّ إيلامًا من أي كلمة.

كانت الحقيبة في وسط الشارع، وقد انقطعت إحدى سيورها من شدة الارتطام، وبرزت بعض الثياب من أحد الجانبين. وكانت جارة تكنس الرصيف تنظر بذلك الفضول المشوب بالشماتة الذي يميز البلدات الصغيرة. وعرفت إينيس أنه قبل انتصاف النهار، ستكون غرناطة كلها قد عرفت أن ابنة سيباستيان تورّالبا قد طُردت من بيتها ككلب. رفعت الحقيبة، ورتبت الثياب كما استطاعت، وبدأت تمشي نزولًا في منحدر غوميث، ذلك الشارع المرصوف الذي كانت تحفظه عن ظهر قلب، لأنها صعدته آلاف المرات لزيارة الحمراء مع جدها حين كانت طفلة.

مرّت بمحاذاة الدكاكين التي تبيع المراوح والقشتالات للسياح القلائل الذين كانوا يجرؤون

على السفر في تلك السنوات. ومرّت بالنافورة التي توقفت عندها مرة لتشرب في عزّ أغسطس. ومرّت بجانب الجدران الحمراء لقصر بني نصر، من غير أن تجرؤ على رفع رأسها إلى الأعلى. كانت تعلم أنها إن نظرت، إن رأت مرة أخيرة حدائق الجنّة العريف، حيث علّمها جدها أسماء الزهور، فسوف تفقد ما تبقى لها من قوة.

ركل الجنين بقوة، كأنه يحتج على السير الطويل، فوضعت يدها على بطنها وهمست له أن يتحمل قليلًا، وأنهما سيجدان قريبًا مكانًا يستريحان فيه. كانت محطة حافلات غرناطة مبنى رماديًّا عمليًّا قرب المركز، يعجّ بالناس الذاهبين والعائدين على عجل، وبحقائب أكبر من حقيبتها. اقتربت إينيس من النافذة وسألت عن الحافلة التالية المغادرة، من غير أن يهمّها إلى أين تتجه.

نظر إليها الموظف، وهو رجل مسن ذو شارب رمادي ونظارات سميكة، بتلك النظرة التي بدأت تتعرفها مزيج من الفضول والشفقة. وقال لها إن هناك حافلة من شركة ألسينا غرايّس تنطلق بعد عشرين دقيقة نحو واديكس وقرى الجبال، وتتوقف في محطات عدة في الطريق، وتصل إلى نهاية الخط قبل الغروب. أخرجت إينيس الظرف الذي وضعته أمها في الحقيبة وعدّت المال للمرة الأولى.

كان فيه ثلاثمئة بيسيتا، ما يكفي لثمن التذكرة، وربما لأسبوعين من الطعام إن أحسنت التدبير. دفعت ثمن أرخص تذكرة، تلك التي توصلها إلى المحطة الأخيرة، وجلست في المقعد الأخير من الحافلة، والحقيبة مضمومة إلى بطنها. ومن خلال النافذة المتسخة رأت شوارع غرناطة تمر أمامها بلازا نويفا، وغران فيا دي كولون بمبانيها الفخمة، ثم الأحياء الأكثر تواضعًا، حيث كانت الناس تنشر الغسيل في الشرفات، ويلعب الأطفال على الأرصفة.

كانت الحافلة تفرغ تدريجيًّا في كل محطة،

في قرى لا تعرف



إينيس أسماءها، ووجوه تحدّق إليها بريبة من وراء نوافذ البيوت المطلية بالجير. وحين أعلن السائق المحطة الأخيرة، عند مفترق طرق في سفح سييرا نيفادا، حيث لا يوجد سوى محطة وقود مغلقة ولافتة صدئة تشير إلى اللا مكان، كانت إينيس الراكبة الوحيدة المتبقية. نظر إليها الرجل في مرآة الرؤية الخلفية وسألها إن كانت متأكدة من رغبتها في النزول هناك، إذ لا يوجد شيء على امتداد كيلومترات، وامرأة في مثل حالتها لا ينبغي أن تمشي وحدها في تلك الطرق.

شكرته إينيس على اهتمامه، وحملت حقيبتها ونزلت من الحافلة من غير أن تعرف تمامًا لماذا اختارت ذلك المكان. ربما لأنه الأبعد. ربما لأن لا أحد يعرفها فيه. وربما لأنها كانت بحاجة إلى مكان لا يستطيع أحد أن يجدها فيه. انطلقت الحافلة مٹيرة سحابة من الغبار، وحين تلاشى هدير محرّكها في البعيد، وجدت إينيس نفسها وحيدة في قلب العدم، تحمل حقيبة ممزقة، وثلاثمئة بيسيتا بعد خصم ثمن التذكرة، وطفلًا لا يكف عن الحركة كأنه في عجلة من أمره للوصول إلى عالم لم يرحب بهما بعد.

أنزلتها الحافلة عند ذلك المفترق، حيث لم يكن هناك سوى محطة وقود مهجورة، وعمود كهرباء لعله لم يعمل منذ سنوات. وقفت إينيس في التراب تنظر إلى حافلة ألسينا غرايّس وهي تتلاشى في الطريق، آخذة معها آخر صلة بالعالم الذي عرفته. كان السائق قد أخبرها أن أقرب قرية تقع على مسافة نحو ثمانية كيلومترات شمالًا، لكنها لم تكن تملك القوة الكافية لقطع هذه المسافة، لا مع البطن الذي كان يشدها إلى الأسفل، ولا مع الساقين المتورمتين كجذعين.

نظرت حولها تبحث عن إشارة ما، عن دليل يدلها على الطريق، فلم ترَ سوى طريق ترابي يضيع بين أشجار الزيتون

في اتجاه الجبال. كان في داخلها شيء ما، ربما غريزة النجاة التي تستيقظ حين لا يعود هناك خيار، يقول لها امشي من هناك. لم يكن لديها خطة، ولم يكن لديها مقصد، بل مجرد يقين بأنها بحاجة إلى سقف قبل أن يحل الليل. كانت شمس أكتوبر لا تزال دافئة في ذلك الوقت من بعد الظهيرة، لكن إينيس كانت تعرف أنه ما إن تختفي خلف الجبال، حتى يهبط برد سييرا نيفادا بلا رحمة.

شدّت الحقيبة ذات السير المقطوع، وبدأت تمشي، تضع قدمًا أمام أخرى، كما لو أنها تعلّمت ذلك للتو في صباح ذلك اليوم نفسه، حين خرجت من بيت أبويها. مرّت الساعات بطيئة ومؤلمة. واضطرت إينيس إلى التوقف غير مرة لتستريح، فكانت تجلس على حجارة الطريق حتى تسترد أنفاسها. وكان الجنين يحتج بركلات تزداد قوة. وفي إحدى تلك الاستراحات، وجدت جدولًا يمر تحت جسر حجري صغير، فشربت الماء بيديها مباشرة لأنها لم تكن تملك وعاء.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

كان الماء باردًا نقيًّا، له ذلك الطعم الجبلي الذي أعاد إليها ذكريات النزهات التي كانت تقوم بها مع جدها حين كانت صغيرة، قبل أن ېموت وقبل أن يبدأ كل شيء في الانحراف. غسلت وجهها، وبللت عنقها، ثم واصلت السير بينما كانت الشمس تهبط رويدًا رويدًا.

وعندئذ، حين كانت الإضاءة تميل إلى البرتقالي، وحين كانت ظلال أشجار الزيتون تطول على الطريق، رأت شيئًا بين الأعشاب العالية جعلها تتوقف. في البداية ظنته مجرد أطلال أخرى، واحدًا من تلك البيوت الريفية المهجورة التي تناثر وجودها في الجبال منذ الحړب. لكنها حين اقتربت قليلًا، تبيّنت جدرانًا مكلّسة كانت يومًا ناصعة البياض، وسقفًا من القرميد العربي تهدّم في مواضع عدة، لكنه ما زال قائمًا، وفناءً داخليًّا تنمو فيه

الأعشاب البرية بين الحجارة.

كان في ذلك المكان شيء يجذبها، شيء لا تستطيع أن تفسره بالكلمات. وضعت إينيس الحقيبة على الأرض، ومشت ببطء نحو مدخل البيت الريفي، تُبعد أغصان الرتم التي نمت فغطت ما كان يومًا ممرًّا.

كان الباب الرئيسي قد اختفى، ولم يبقَ سوى المفصلات الصدئة تتدلى من إطار خشبي متعفن. وكان الفناء الداخلي مغطّى بالأعشاب، لكن كان لا يزال بالإمكان رؤية البئر في الوسط بحافته الحجرية، والقوس الحديدي الذي كانت تتدلى منه يومًا بكرة. وكانت الرائحة مزيجًا من الزعتر البري والتراب الرطب، تلك الرائحة الخاصة بالأماكن التي بقيت وحيدة زمناً طويلًا.

عبرت إينيس الفناء بحذر، كي لا تتعثر بالحجارة المفككة، ودخلت ما لا بد أنه كان الصالون الرئيسي للبيت. لم يكن فيه أثاث، لم يكن فيه شيء سوى جدران ملطخة بالرطوبة، وأرضية من البلاط المكسور، تنبت الأعشاب من شقوقها. لكن السقف، على الرغم من الثقوب التي كانت تكشف السماء في أكثر من موضع، كان لا يزال صامدًا فوق معظم الغرفة. وكان ذلك أكثر مما كانت تملكه إينيس قبل ساعة.

وقفت في وسط ذلك الصالون الخاوي، شاعرة بمزيج غريب من الخۏف والارتياح، كما يشعر المرء حين يصل إلى مكان لا يعرفه، لكنه يحس على نحو ما أنه كان مقدرًا له أن يجده.

جالت في أرجاء البيت قبل أن يختفي الضوء. كان هناك مطبخ فيه موقد حطب بدا سليمًا تحت طبقات الغبار وبيوت العنكبوت. وكانت هناك غرفتان صغيرتان بنوافذ بلا زجاج، وإطارات خشبية نخرتها الرطوبة. وكان هناك إسطبل في الخلف ما تزال فيه بقايا قش قديم ورائحة خانقة للحيوانات التي عاشت هناك يومًا. وكان هناك أيضًا بستان مهجور، تعرّفت فيه إينيس إلى أوراق

شجرة تين قديمة، وما بدا كأنه شجيرات بندورة برية تنمو بلا نظام.

كان كل شيء متّسخًا، وكان كل شيء مكسورًا، وكان كل شيء يوحي بسنوات طويلة من الإهمال. ومع ذلك، كان في ذلك المكان شيء يخبرها بأنه قد يصلح، بأنه قد يصبح بيتًا إن كانت مستعدة للعمل. والعمل كان الشيء الوحيد الذي تعرفه إينيس، والشيء الوحيد الذي علّموها إياه طوال واحد وعشرين عامًا من حياتها.

عادت إلى الصالون الرئيسي، واختارت الركن الأكثر حماية، حيث السقف كامل، والجداران يلتقيان بزاوية تقيها الريح. جرّت الحقيبة إلى هناك، وفتحتها، وبدأت تخرج الثياب التي كانت أمها قد حشرتها فيها كيفما اتفق، في صباح صار يبدو كأنه ينتمي إلى حياة أخرى. وبين البلوزات المكرمشة والتنورة الصوفية، وجدت شيئًا لم تكن تتوقعه.

كانت هناك، ملفوفة في شال الجدة الأسود، شمعة سميكة من الشمع الأبيض، من تلك التي تُستخدم في الكنيسة في مواكب أسبوع الآلام، وعلبة كبريت من ماركة فوسفوريرا إسبانيولا تحمل رسم الأسد الذي كانت إينيس تعرفه من دكان الحي.

كانت أمها قد وضعتها خفية، من غير أن تقول شيئًا، وكان ذلك الفعل الصغير من العناية، المخبوء وسط كل ذلك الجفاء، قد قبض قلبها على نحو لم تكن تتوقعه. ربما لم تكن أمها تكرهها بقدر ما بدا. وربما كانت فقط تفتقر إلى الشجاعة لمواجهة أبيها.

أخرجت إينيس الشمعة وعلبة الكبريت، وعثرت على حجر مسطّح لتثبت عليه القاعدة، ثم أشعلت الفتيل بيدين مرتجفتين. وامتد الضوء الأصفر على الجدران، ناشرًا ظلالًا طويلة وغريبة. لكن تلك الشعلة الصغيرة كانت بالنسبة إلى إينيس أثمن من جميع الشمعدانات في بيتهم في شارع ميسونيس. كانت ملكها. لقد وصلت إلى هناك وحدها،

بساقيها،

 

بجهدها، والآن صار لديها سقف ونور. لقد كانت بداية بائسة، لكنها كانت بداية.

ولم تكن إينيس تعلم، وهي تتكوّر في ذلك الركن بالشال الأسود على كتفيها ويدها مستقرّة فوق بطنها، أن تلك الشمعة يمكن رؤيتها من الطريق، وأن ضوءها الصغير المرتعش كان ينفذ عبر النوافذ الخالية من الزجاج، ويتلألأ في عتمة الجبل كإشارة لمن يعرف كيف يراها.

وعلى مسافة أقل من ثلاثة كيلومترات، في بيت كبير له إسطبلات وحظائر، كان رجل يدعى أوريليو ميدينا جالسًا في مكتبه يراجع دفاتر حسابات أراضيه، حين دخل أحد عمّاله من غير استئذان. وقال له إن هناك ضوءًا في بيت آل مونتيرو الريفي، وإن أحدًا أشعل نارًا في البيت الذي ظل مهجورًا منذ سنة 1937.

رفع دون أوريليو نظره عن الأوراق، وظل صامتًا لحظة طويلة. ثم أومأ ببطء، وقال للعامل أن يراقب المكان، وأن يعرف من هو الأحمق الذي تجرّأ على الدخول إلى تلك الملكية. لأن دون أوريليو كان قد أمضى خمسة عشر عامًا ينتظر أن يعود أحدهم إلى ذلك البيت. خمسة عشر عامًا وهو يبحث عن شيء خبأه آل مونتيرو قبل فرارهم. وإن كان أحد قد أشعل ضوءًا هناك، فهو يريد أن يعرف بالضبط من يكون، وماذا يبحث عنه.

كانت الأسابيع الأولى مجرد صراع من أجل البقاء، تعلمًا عبر الأخطاء لأشياء تعرفها كل فلاحة منذ صغرها، لكن لم يعلّمها أحد لإينيس قط.

في اليوم الأول، حاولت أن تشرب من ماء البئر في الفناء مباشرة، وكادت تتقيأ من شدة القرف حين رأت الحشرات الطافية على سطحه المعتم. فاضطرت إلى السير حتى الجدول الذي يجري خلف الملكية، الجدول نفسه الذي شربت منه يوم وصولها، وأن تحمل الماء في قدر فخاري وجدته مدفونًا نصفه في البستان المهجور. لم تكن المسافة

تتجاوز مئتي متر، لكن مع بطن في شهره السابع، ووزن الماء، كان كل مشوار يترك ظهرها محطمًا.

تعلمت أن تقوم برحلتين في الصباح الباكر، حين لا يكون البرد قد اشتد بعد، وأن تحفظ الماء في القدر مغطى بقطعة قماش كي لا تدخله الحشرات. وتعلمت أيضًا كيف تشعل الڼار في موقد المطبخ، وإن كانت قد ملأت الغرفة بالدخان في المحاولات الأولى، لأنها لم تكن تعرف أن عليها فتح مجرى المدخنة. كانت تستخدم أغصان الزيتون اليابسة التي تجمعها من حول البيت، وحين تنجح في تثبيت ڼار مستقرة، كانت تشعر بانتصار صغير، لكنه حقيقي.

وكان الجنين يركل بقوة أكبر كل يوم، كأنه يذكّرها بأنها ليست وحدها، وأن لديها سببًا لتواصل الكفاح، حتى حين يكون جسدها نفسه يطالبها بالاستسلام.

أما الطعام فكان المشكلة الأصعب. كان المال الذي وضعته أمها في الحقيبة ينفد سريعًا. وعلى الرغم من أن إينيس كانت تحاول إنفاقه بحذر، فلا تشتري من دكان القرية القريبة إلا الضروري، فقد كانت تعرف أنه لن يدوم طويلًا. وكان عليها أن تتعلم كيف تستخرج طعامها من الأرض، وهو أمر لم تفعله يومًا في حياتها بوصفها ابنة صاحب خمّارة.

وجدت شجرة تين قديمة خلف الإسطبل ما تزال تعطي تينًا متأخرًا، صغيرًا ومجعّدًا، لكنه حلو. ووجدت زيتونًا في أشجار الزيتون المهجورة التي تحيط بالمكان، لكنه كان شديد المرارة حتى إنها بصقت خمس دقائق متواصلة حين تذوقت واحدة للمرة الأولى. ثم تعلمت أن تخلله في ماء وملح، مع تغيير الماء كل يوم طوال أسبوعين حتى يفقد مرارته؛ وهي حيلة تذكرت أنها رأت طباخة بيتهم تقوم بها حين كانت طفلة.

ووجدت أيضًا نبتة بندورة برية في البستان، وبعض الأعشاب التي تعرّفت إليها بوصفها إكليل

جبل وزعترًا. لم يكن ذلك كثيرًا، لكنه كان يكفي كي لا ټموت جوعًا. وأحيانًا، حين كان الجوع يشتد حقًّا، كانت إينيس تتساءل إن كان أبوها يفكر فيها. هل كان يهمه أن يعرف أن ابنته تأكل زيتونًا مرًّا في خړابة، بينما هو يتعشى لحم الضأن في قاعة الطعام في شارع ميسونيس؟

بدأت تنظف البيت غرفةً غرفة، بصبر من لا يستعجل لأنه لا يملك مكانًا آخر يذهب إليه. ارتجلت مكنسة من أغصان الرتم، ربطتها بقطعة حبل وجدتها في الإسطبل، وأمضت أيامًا كاملة تكنس طبقات الغبار، وبيوت العنكبوت، وفضلات الحيوانات التي تسللت عبر النوافذ المکسورة. وسدّت ثقوب السقف بالأغصان والأوراق ما استطاعت، وهي تعرف أنها لن تصمد أمام مطر شديد، لكنها كانت تأمل أن يمنحها الطقس مهلة حتى تعثر على حل أفضل.

وهيأت إحدى الغرفتين الصغيرتين لتكون غرفة نوم، فجرّت إليها فراشًا من القش وجدته في الإسطبل، واضطرت إلى تهويته ثلاثة أيام كاملة، لأن رائحته كانت مزيجًا من الرطوبة والفئران.

لم يكن مريحًا، ولم يكن نظيفًا، ولم يكن شيئًا من الأشياء التي عرفتها خلال واحد وعشرين عامًا من حياتها. لكنه كان لها.

وكانت كل ليلة، قبل أن تنام، تضع يدها على بطنها وتخاطب الجنين بصوت خاڤت. كانت تخبره بما فعلته في ذلك اليوم. كانت تعده بأن الأمور ستتحسن. وكانت تعتذر له لأنها أتت به إلى عالم لا يريدهما. وأحيانًا كانت تبكي، وأحيانًا كانت تغفو في منتصف الكلام، لكنها كانت تتكلم دائمًا، لأنها إن توقفت عن الكلام، صار صمت البيت الريفي أضخم من أن يُحتمل.

وفي إحدى أمسيات أواخر أكتوبر، بينما كانت تستكشف الإسطبل بحثًا عن شيء قد يصلح أداة، لاحظت أمرًا غريبًا في الأرضية. كانت هناك بلاطة

قرب الجدار الخلفي مرتفعة قليلًا، مختلفة عن سائر البلاط، كأن أحدًا حرّكها ولم يُعدها جيدًا إلى مكانها. چثت على ركبتيها بصعوبة، فقد كان بطنها يعوقها عن كل شيء الآن، وأدخلت أصابعها في الشق. تحركت البلاطة بسهولة أكثر مما توقعت، كما لو أنها صُنعت لتُرفع.

وتحتها كان هناك تجويف مظلم بحجم صندوق أحذية، وداخل التجويف صندوق خشبي مغطى بالتراب وبيوت العنكبوت. شعرت إينيس بأن قلبها يخفق أسرع، وهي تخرج الصندوق وتجرّه إلى مدخل الإسطبل حيث يوجد ضوء أكثر. كان ثقيلًا، أكثر مما يوحي به شكله، وكان مغلقًا بقفل حديدي صدئ انكسر من الشدّة الثانية. وحين رفعت الغطاء، لفحتها رائحة الورق القديم والرطوبة، لكن ما رأته في داخله جعلها تحبس أنفاسها.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

كانت هناك وثائق مصفرّة، تحمل أختامًا تعرفتها إينيس من كتب التاريخ التي كانت قد قرأتها في المدرسة شعار الجمهورية الثانية، ذو الأشرطة الثلاثة التي صار إظهارها محظورًا الآن. وكان هناك رزم من العملات الفضية، عليها صورة امرأة تضع تاجًا من الأبراج، بيسيتات تعود إلى ما قبل الحړب، ولا بد أنها تساوي ثروة عند هواة الاقتناء. وكانت هناك صور فوتوغرافية لعائلة تقف أمام ذلك البيت نفسه حين كان لا يزال مطليًّا بالأبيض ونوافذه مزججة.

رجل بشارب، وامرأة بمئزر، وطفلان صغيران يبتسمان للكاميرا. وكان هناك دفتر ذو غلاف جلدي بني، صفحاته مملوءة بخط صغير دقيق، وأعمدة من الأسماء تتبعها تواريخ ومبالغ لم تفهمها إينيس. وبعض الأسماء بدت لها مألوفة، ألقاب عائلات سمعت الناس يذكرونها في غرناطة، من الأسر المهمة في المنطقة. وإلى جانب كل اسم كانت أرقام تشبه مبالغ مالية، وفي أسفل كل صفحة توقيع يتكرر على

الدوام على

 

الصورة نفسها.

لم تكن تعرف ما يعنيه ذلك، لكن حدسها أخبرها بأن الأمر ليس خيرًا، وأن أحدًا خبّأ ذلك الصندوق لسبب، وأن هذا السبب على الأرجح له صلة بالحړب، وبأسرار يفضّل كثيرون أن تبقى مدفونة. أعادت إينيس كل شيء إلى داخل الصندوق، ويدها ترتجف، ثم أغلقت الغطاء وأرجعته إلى التجويف تحت البلاطة. وأعادت البلاطة إلى مكانها بحذر، متأكدة أنها صارت تمامًا كما كانت، ثم جرّت فوقها كومة من القش القديم لإخفاء أي أثر يدل على أن أحدًا عبث بالمكان.

وبقيت بعد ذلك جالسة على أرض الإسطبل برهة طويلة، يدها على بطنها، ورأسها ممتلئ بأسئلة لا سبيل إلى الإجابة عنها من هم آل مونتيرو؟ ماذا جرى لهم؟ لماذا أخفوا هذا الصندوق قبل رحيلهم؟ ماذا تعني تلك الأسماء وتلك المبالغ؟ والأهم من ذلك كله، من غيرها يعرف بوجود هذا الصندوق؟ لأنها كانت قد عاشت من الحياة ما يكفي لتدرك أن أسرار الحړب لا تبقى مدفونة إلى الأبد، وأن هناك دائمًا من يبحث، ومن ينتظر.

وما لم تكن تعرفه، وما لم يكن في وسعها أن تعرفه، وهي تعود إلى البيت مع غروب الشمس وراء الجبل، هو أن دون أوريليو ميدينا كان قد أمضى خمسة عشر عامًا يبحث تحديدًا عن الشيء الذي وجدته هي للتو، وأن رجاله كانوا قد أخبروه بالفعل أن امرأة حاملًا تقيم في بيت آل مونتيرو.

حلّ الشتاء باكرًا في ذلك العام. وقبل أن ينتهي نوفمبر، كانت الصقيعات تغطي الصباحات، وكان برد الجبل يتسلل من شقوق الجدران كما لو أن له أصابع. وكانت إينيس قد تعلمت أن تسد الفتحات بالخرق القديمة، وأن تبقي الڼار مشټعلة معظم النهار. لكن البرد، مع ذلك، كان ينفذ إلى عظامها، ويجعل مفاصلها تؤلمها على نحو لم تعرفه من

قبل. وكان بطنها قد ازداد كبرًا حتى إنها لم تعد ترى قدميها حين تمشي، وصار كل تحرك منها جهدًا يتركها لاهثة.

وفي صباح من تلك الصباحات، بينما كانت تحاول إشعال الڼار وأصابعها متيبسة من البرد، سمعت وقع خطوات في الفناء، وصوت امرأة يسأل إن كان في البيت أحد.

نهضت إينيس ببطء، وقلبها يخفق في حلقها، لأن أحدًا لم يقترب من البيت منذ وصولها، سوى ذلك الفتى الذي لمحته مرة من بعيد يراقب المكان من الطريق. خرجت إلى باب المطبخ، فوجدت امرأة مسنّة، شعرها أبيض مجموع في كعكة مشدودة، ووجهها مجعّد من سبعين عامًا من الشمس والريح، تحمل سلة مغطاة بمنديل مربعات، وتنظر إليها بعينين داكنتين كأنهما تخترقانها.

قالت المرأة إن اسمها إسبيرانثا، وإنها تعيش وحدها في بيت حجري على الجانب الآخر من الجدول، على بعد نحو عشرين دقيقة سيرًا في ممر الجبل، وإنها رأت الدخان يتصاعد من مدخنة ذلك البيت منذ أسابيع. وقالت إنها في البداية ظنتهم صيادين عابرين، لكن الدخان كان منتظمًا أكثر من أن يكون عابرًا.

لم تعرف إينيس ماذا تقول. بقيت واقفة في إطار الباب، ذراعاها مطويتان فوق بطنها، كما لو كانت تحميه من نظرات تلك الغريبة. لكن إسبيرانثا لم تكن تبدو في مقام من يحاكمها. لم يكن في وجهها ذلك التعبير المحتقر الذي تعلمت إينيس أن تعرفه في وجوه الناس حين يرون بطنها من غير خاتم. بل على العكس، نظرت العجوز إلى بطنها بعين من رأت مئات البطون في حياتها، وتعرف تمامًا ما الذي تعنيه.

قالت لها إن المولود سيأتي قريبًا، وإنها تعرف ذلك من شكل البطن، المنخفض المستدير كبطيخة أغسطس، وإنها ستكون هناك لمساعدتها حين تأتي الساعة.

ثم، من غير أن تنتظر

دعوة، دخلت إلى المطبخ ووضعت السلة على الطاولة، كأن الأمر طبيعي تمامًا. وكان في السلة خبز طازج لا يزال دافئًا ملفوفًا في المنديل، وقطعة من جبن الماعز المعتّق تفوح منها رائحة قوية، لكن لا بد أنها شهية، وبطانية صوفية سميكة بلون صوف الغنم الجبلي.

أرادت إينيس أن ترفض، أن تقول إنها لا تستطيع قبول صدقة من غريبة، لكن إسبيرانثا قطعت عليها الجملة قبل أن تتمها. قالت لها إن أهل الجبال يعين بعضهم بعضًا، وإن الأمر كان كذلك دائمًا، منذ ما قبل مجيء العرب، وسيظل كذلك حين نصير جميعًا ترابًا. وإن امرأة حاملًا وحدها في بيت مهجور تحتاج إلى العون، حتى لو كانت عنيدة أكثر مما ينبغي فلا تطلبه.

كان في طريقة حديث إسبيرانثا، المباشرة الخالية من التزيين، ما ذكّر إينيس بجدتها لأمها قبل أن ټموت، امرأة ريفية أخرى كانت تقول الأشياء كما هي، من غير أن تهتم بتلطيفها.

قبلت إينيس السلة، وتمتمت بشكر خرج مخنوقًا أكثر مما أرادت، ثم جلست على مقعد المطبخ لأن ساقيها لم تعودا تقويان على حملها. وجلست إسبيرانثا قبالتها، وظلت صامتة برهة، ثم سألتها ببساطة منذ متى لم تأكلي طعامًا ساخنًا بحق؟

في ذلك الصباح، علّمتها إسبيرانثا كيف تطبخ قدرًا من الحساء بما كان لديها من أشياء قليلة حمص يابس اشترته من القرية، وقليل من الشحم المالح القديم، وأعشاب البستان. وعلّمتها كيف تقطع الحطب بالحجم الصحيح كي تدوم الڼار أطول. وكيف تحتفظ بالرماد لتصنع منه صابونًا متى توفر لها من الدهن ما يكفي. وكيف تميّز نباتات الجبل التي تخفف آلام الحمل.

ولم تسألها أي سؤال عن والد الطفل، ولا عن أسرتها، ولا عن السبب الذي أوصلها إلى هذا البيت وحدها.

وكأنها كانت تفهم أن بعض الحكايات لا تُروى لأن روايتها تؤلم أكثر مما تفيد، وأن أفضل طريقة لمساعدة إنسان ليست أن تُكرهه على شرح نفسه، بل أن تكون إلى جواره فحسب.

وقبل أن تغادر، حين كانت الشمس قد علت في السماء، وكان الحساء يغلي في القدر ناشرًا رائحة جعلت معدة إينيس تقرقر، قالت إسبيرانثا إنها ستعود في الأسبوع التالي بطعام أكثر، وببعض الأعشاب التي ستساعدها على النوم. وقد فعلت.

كانت تأتي كل أسبوع، من غير أن تتخلف مرة واحدة، تحمل سلتها، وعلاجاتها العشبية، وحكاياتها التي بدأت إينيس تنتظرها كما يُنتظر المطر بعد صيف طويل.

وفي إحدى تلك الزيارات، وقد دخل ديسمبر، بدأت إسبيرانثا تتحدث عن آل مونتيرو. كانتا جالستين قرب الڼار، تشربان منقوع البابونج الذي أعدته العجوز، وكانت تحدّق في اللهب بتلك العينين اللتين تبدوان كأنهما تبصران أشياء غير موجودة. قالت إن ذلك البيت كان يعود إلى عائلة تحمل هذا اللقب، أناس مجدّون يزرعون الزيتون ويملكون قطيعًا صغيرًا من الماعز. وكان الأب اسمه توماس، وكان عضوًا في المجلس البلدي في عهد الجمهورية، رجل أفكار كان يؤمن بأن الفلاحين يستحقون المدارس والأطباء مثلهم مثل سادة غرناطة. وكانت الأم تدعى كارمن، وكانت معلمة في القرية قبل أن تُغلق المدارس العلمانية. وكان لهما طفلان صغيران، ولد وبنت، يلهوان في فناء البيت ويذهبان للسباحة في الجدول صيفًا.

كانوا أناسًا طيبين، قالت إسبيرانثا، وقد غلظ صوتها، من أولئك الذين لا يؤذون أحدًا، ولذلك بالذات ينتهون إلى دفع ثمن الجنون حين يختل العالم.

وقالت إن رجالًا جاءوا في إحدى ليالي سنة 1937، بعد وقت قصير من وقوع غرناطة في أيدي

القوميين، ليأخذوهم. ولم

 

تقل ماذا حدث بعد ذلك، لكن الطريقة التي شدّت بها شفتيها قالت أكثر مما كان يمكن للكلمات أن تقوله.

كانت إينيس تنصت، تحتفظ بكل تفصيل كما يحتفظ المرء بقطع أحجية لا يعرف بعد كيف يجمعها. وفكرت في الصندوق الذي وجدته تحت أرضية الإسطبل، وفي الوثائق ذات أختام الجمهورية، وفي الصور التي أظهرت تلك العائلة باسمة أمام البيت، وشعرت بقشعريرة لا علاقة لها ببرد ديسمبر.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

أرادت أن تسأل أكثر. أرادت أن تعرف من كانوا أولئك الرجال الذين جاءوا في تلك الليلة، وماذا حلّ بآل مونتيرو. لكن شيئًا في وجه إسبيرانثا قال لها إن هناك أشياء من الأفضل ألا تُسأل عنها بعد. غير أن ما فهمته بوضوح جمد الډم في عروقها، هو أن العجوز تعرف أكثر بكثير مما تقول، وأنها تحمل أسرار الوادي التي لا يجرؤ أحد آخر على ذكرها بصوت مرتفع، وأن مجيئها كل أسبوع بالسلة والطعام والعلاجات العشبية لم يكن فقط لمساعدتها على تجاوز الحمل، بل كان أيضًا لحمايتها من شيء لم يكن له اسم بعد، لكنه كان يتربص في ظلال ذلك الجبل، منتظرًا اللحظة المناسبة ليخرج إلى النور.

ظهر دون أوريليو ميدينا في أحد أيام الأحد من ديسمبر، في يوم الحبل بلا دنس تحديدًا، حين كان أهل القرى المجاورة في القداس، وكانت أجراس كنيسة وادي الجبل تُسمع من بعيد، كأنها تذكير بكل ما فقدته إينيس.

كانت في الفناء تحاول إصلاح حافة البئر التي تخلخلت بفعل الصقيع الأخير، حين سمعت حوافر عدة خيول تقترب في الطريق. رفعت رأسها، فرأت ثلاثة رجال على ظهور الخيل يتجهون مباشرة إلى البيت، بلا استعجال، لكن بلا توقف. وكان الرجل المتقدّم يمتطي حصانًا أسود ضخمًا

بسرج مزخرف بالفضة يلمع حتى تحت سماء ديسمبر الرمادية، حيوانًا لا بد أن ثمنه يزيد على كل ما رأته إينيس مجتمِعًا في حياتها.

أما الرجلان الآخران، فبقيا في الطريق كالحراس، وأيديهما قريبة من الأحزمة التي لعلها تخفي أسلحة، بينما نزل صاحب الحصان الأسود ودخل الفناء من غير استئذان، ولا طرْق، ولا أي مظهر من مظاهر اللياقة التي يفترض بأي إنسان محترم أن يُبديها حين يدخل بيت غيره.

بقيت إينيس حيث هي، وبطنها في شهره الثامن يتقدّمها كأنه درع، وانتظرت أن يتكلم الرجل أولًا، لأن شيئًا في داخلها كان يقول إن هذا ليس من الناس الذين يُستحسن أن يُظهَر أمامهم الضعف.

قدّم الرجل نفسه باسم دون أوريليو ميدينا، لكنه فعل ذلك بطريقة توحي بأنه يفترض أن تكون تعرف من يكون. كان شعره الرمادي ممسوحًا إلى الخلف بلمعان الزيت، ويرتدي بدلة داكنة مفصّلة غالية، كأنها خارجة لتوها من خياط في غرناطة، وكانت فيه تلك النظرة الخاصة بمن اعتاد أن ينحني له العالم كله متى دخل غرفة. لا بد أنه في الستين من عمره تقريبًا، لكنه كان منتصبًا مثل عسكري، عريض الكتفين، ذو يدين كبيرتين لرجل عمل الأرض في شبابه قبل أن يتعلم كيف يجعل الآخرين يعملونها عنه.

راح يمشي في الفناء متفحّصًا كل شيء بعناية المطبخ الذي يتصاعد منه الدخان، والبستان الذي زرعت فيه إينيس بعض الخضراوات، والإسطبل الذي كانت تخزن فيه الحطب، كما لو أنه يجرد أشياء يراها ملكًا له مسبقًا. ثم وقف أمامها، ونظر إليها من أعلى إلى أسفل بلا أي تحفّظ، متوقفًا عند بطنها بتعبير جمع بين الاحتقار وشيء أكثر ظلمة لم تعرف كيف تسميه.

سألها من تكون،

وماذا تفعل في تلك الملكية، وكان صوته يحمل نبرة من يسأل لا لأنه يريد المعرفة، بل لأنه يريد أن يثبت أن من حقه أن يسأل.

قالت له إينيس الحقيقة، أو على الأقل الجزء من الحقيقة الذي كانت مستعدة لأن تقوله لغريب يدخل بيتها بلا إذن. قالت إنها وجدت البيت مهجورًا، وإنها تعيش فيه منذ أكتوبر، وإنها لا تعرف لمن تعود الملكية، ولا يهمها أن تعرف، لأنه لم يكن هناك من يطالب بها، وإن كل ما تريده سقفًا تلد تحتَه طفلها في سلام.

أطلق دون أوريليو ضحكة قصيرة لا أثر للفكاهة فيها، وقال لها إن تلك الأرض تعود إليه بحق الغلبة، وإن آل مونتيرو كانوا حمرًا وخونة للوطن، وإن كل ما تركوه خلفهم حين فرّوا كالجرذان صار ملكًا لأولئك الذين حاربوا في الجانب الصحيح من الحړب.

لقد استخدم العبارة نفسها الجانب الصحيح. كما لو أنه بعد خمسة عشر عامًا من انتهاء الحړب الأهلية، ما زال يحتاج إلى إقناع الناس بأن المنتصرين كانوا الأخيار.

شعرت إينيس بالخۏف يصعد إلى حلقها، ذلك الخۏف البارد الذي كانت تعرفه جيدًا من أيام كان أبوها يرفع صوته في البيت. لكنها رفضت أن تطأطئ رأسها. لقد تعلمت شيئًا في تلك الأشهر من الوحدة، شيئًا لم تكن تعلم أنه موجود فيها أن من فقد كل شيء، لا يعود لديه ما يخسره.

قالت لدون أوريليو إنها لا تعرف شيئًا عن الحروب ولا عن السياسة، وإنها وُلدت سنة 1931، وإنها حين جرت كل تلك الأحداث لم تكن سوى طفلة تلعب بالدمى في فناء بيت في غرناطة، من غير أن تفهم لماذا كان الكبار ېصرخون كثيرًا. وقالت له إنها مجرد امرأة تبحث عن سقف تلد تحته طفلها، وإنه لا توجد لديها وثيقة ملكية،

لكنه هو أيضًا لم يُرها أي وثيقة تثبت شيئًا، وإنها لا تنوي أن تغادر مكانًا ظل مهجورًا خمسة عشر عامًا، لمجرد أن رجلًا على حصان جميل جاء في يوم أحد وادّعى أنه له.

خرجت الكلمات من فمها أصلب مما توقعت، تكاد تكون تحديًا. وما إن قالتها حتى عرفت أنها ربما ارتكبت خطأ. فهناك من يحتمل أن يُعارض، وهناك من لا يحتمل. وكان دون أوريليو ميدينا من النوع الثاني بلا شك.

تغير وجهه لثانية، كوميض ڠضب عبر عينيه الرماديتين. لكنه عاد بعد ذلك إلى الابتسام، بتلك الابتسامة التي يبتسم بها من يجد مسلّيًا طفلًا يحاول أن يضربه. وقال لها إنه يعجب بشجاعتها، وإن الأمر يحتاج إلى جرأة فعلًا حتى تخاطبه بهذه الطريقة في أرضه هو. لكن الشجاعة بلا قوة، في رأيه، لا تنفع في شيء.

اقترب منها خطوة، مختصرًا المسافة بطريقة مقصود بها التخويف، وقال لها بصوت أخفض إن عليها أن تفكر جيدًا في ما تفعله، لأن امرأة وحيدة في تلك الجبال شيء هش، ولأن الحوادث تقع طوال الوقت، ولا أحد يطرح الأسئلة حين تُعثر على غريبة بلا أهل مېتة في وادٍ سحيق. وإنه رجل صبور، لكن صبره له حدود.

وقال إنه سيعود بعد الولادة ليتحدث معها مجددًا، وإنه يأمل أن تكون حتى ذلك الحين قد أعادت النظر، وصارت مستعدة للرحيل بالمعروف، لأن الرحيل بغيره أسوأ بكثير مما تستطيع فتاة مدينة أن تتخيله.

ثم أدار لها ظهره من غير أن ينتظر جوابًا، ومشى نحو حصانه بذلك البطء الواثق لمن يعرف أن الزمن إلى جانبه، وامتطاه بحركة انسيابية تدل على سنين من الاعتياد.

وقبل أن يرحل، نظر نظرة أخيرة نحو الإسطبل، نحو الموضع نفسه الذي وجدت فيه إينيس الصندوق

المدفون قبل

 تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

أسابيع. وكان في تلك النظرة شيء جمّد الډم في عروقها.

لقد كان يعلم.

بطريقة ما، كان دون أوريليو يعلم أن ثمة شيئًا مخبأً في ذلك البيت، وأنه لن يتوقف حتى يعثر عليه.

في تلك الليلة، لم تستطع إينيس أن تنام. ظلت متكوّرة قرب الڼار، وبطانية الصوف التي أهدتها لها إسبيرانثا فوق كتفيها، ويداها على بطنها، تشعر بركلات الطفل الذي لا يكف عن الحركة، كأنه هو أيضًا يعرف أن شرًّا يقترب.

فكرت في الهرب، في أن تجمع أشياءها القليلة، وتمشي إلى محطة الحافلات، وتركب أول حافلة تغادر إلى أي مكان لا يكون هذا المكان. لكن إلى أين يمكن أن تذهب، وهي في شهرها الثامن، بلا مال، بلا أسرة، بلا إنسان واحد في الدنيا يحبها؟

ثم كان هناك الكبرياء، ذلك الكبرياء العنيد الذي ورثته عن جدها، والذي كان يقول لها إن الهرب الآن معناه أن تمنح دون أوريليو حقه، وأن تثبت له أن النساء الوحيدات هشّات بالفعل كما يظن. وهي لم تكن لتعطيه هذا الرضا.

لن تغادر مكانًا صنعته بيديها، لمجرد أن رجلًا ذا مال ورجال يعتقد أنه يستطيع أن ينتزعه منها. قبضت يديها فوق بطنها وهمست للطفل أنهما سيبقيان، وأنهما سيقاومان، وأنهما سيجدان طريقة للنجاة، حتى لو وقف العالم كله ضدهما.

وفي مكان ما من تلك الجبال، في بيت كبير له إسطبلات مملوءة بالخيول وحظائر مزدحمة بالغنم، كان دون أوريليو ميدينا جالسًا في مكتبه يفكر بالضبط في الكيفية التي سيُخرج بها تلك الفتاة العنيدة من بيت آل مونتيرو.

وُلد الطفل في فجر السادس من يناير سنة 1953، يوم الملوك المجوس، حين كان أطفال إسبانيا كلها يستيقظون مهرولين ليروا الهدايا التي تركها لهم المجوس في أحذيتهم.

كانت إينيس قد بدأت تشعر بالآلام في الليلة السابقة. في البدء جاءت على هيئة تقلصات خفيفة ظنت أنها من البرد، ثم تحولت إلى موجات كانت ټخطف أنفاسها، وتجبرها على التمسك بالجدار حتى لا تقع. لم تكن تعرف ماذا تفعل.

لم ترَ ولادة من قبل عن قرب. ولم يشرح لها أحد قط ما ينبغي أن تتوقعه أو كيف تستعد. وظلت وحدها ساعات طويلة بدت أبدية، تمشي في المطبخ لأن السكون كان أسوأ، وتعض قطعة قماش كي لا تصرخ، وتصلي

في سرها إلى عذراء الأحزان أن تمنحها القوة لتتحمل.

وحين صارت الآلام من الشدة بحيث لم تعد قادرة على المشي، زحفت إلى فراش القش في الغرفة الصغيرة، واستلقت على ظهرها وركبتاها مثنيتان، تلهث كحيوان جريح.

وعندئذ، حين كانت قد فقدت الإحساس بالزمن، وكان الخۏف قد طغى على كل ما عداه، سمعت وقع خطوات في الفناء، وصوت إسبيرانثا يسألها إن كانت بخير. أرادت إينيس أن تجيب، لكن لم يخرج منها سوى أنين. وكان ذلك كافيًا كي تدخل العجوز مسرعة، ومعها حقيبة قماش فيها خرق نظيفة وأعشاب.

وصلت إسبيرانثا كما لو كانت تعرف على وجه الدقة متى سيحتاجان إليها. وبعد سنوات، ستظل إينيس تتساءل كيف أمكن أن تظهر في تلك اللحظة بالذات من غير أن يكون أحد قد دعاها.

تولت العجوز السيطرة على الموقف بسلطة من أدخلت إلى العالم مئات الأطفال، وتعرف تمامًا ماذا ينبغي فعله في كل لحظة. قالت لإينيس أن تتنفس ببطء، وألا تضيّع قوتها في الصړاخ، وأن تحتفظ بها كلها للدفع حين تحين الساعة. وأجبرتها على شرب منقوع عشبي كانت قد أحضرته جاهزًا في زجاجة، وكان طعمه مرًا، لكنه خفف الألم قليلًا. وظلت ساعات طويلة تخاطبها بصوت ثابت مطمئن، تخبرها أن كل شيء يسير على ما يرام، وأن الطفل في الوضع الصحيح، وأنه لم يبقَ الكثير.

تمسكت إينيس بذلك الصوت كما يتمسك الغريق بحبل، وتركت نفسها تنقاد لتعليمات إسبيرانثا، حين لم تعد تملك طاقة على الاعتماد على نفسها. واستمرت الولادة حتى بدأ الفجر يبيضّ في جهة الشرق، وحتى دخل أول ضوء الصباح من نافذة الغرفة، فصبغ الجدران بلون رمادي وردي بدا غير واقعي. وفي تلك اللحظة بالذات، حين كانت الجبال في الخارج مغطاة بطبقة رقيقة من الثلج تجعل العالم كله يلمع كما لو أنه وُلد من جديد، خرج الطفل أخيرًا إلى الدنيا.

مزق البكاء صمت البيت كأنه دق جرس. بكاء حاد غاضب، بكاء من يحتج على انتزاعه من مكان دافئ آمن إلى عالم بارد مجهول.

قطعت إسبيرانثا الحبل السري بمقص أخرجته من حقيبتها، ونظّفت الطفل بقطعة قماش مبللة، ثم رفعته لترى إينيس. كانت طفلة صغيرة مجعدة، كما يكون جميع المواليد، لكنها كاملة في كل تفصيل،

بعينين مطبقتين، وقبضتين مشدودتين، وخصلة شعر سوداء كسواد جناح الغراب ملتصقة برأسها الرطب.

مدّت إينيس ذراعيها لتأخذها، وحين شعرت بثقل ذلك الجسد الصغير على صدرها، وحين شعرت بدفء تلك الحياة التي نمت في داخلها تسعة أشهر، انكسر شيء في أعماقها. لا بالطريقة التي تنكسر بها الأشياء السيئة، بل بالطريقة التي ټنفجر بها السدود حين لا تعود تقوى على حبس الماء.

بكت. بكت كما لم تبكِ منذ أن ألقت أمها الحقيبة من النافذة. بكت على كل ما فقدته، وعلى كل ما ربحته للتو. بكت من فرط الإرهاق، ومن شدة الارتياح، ومن حب هائل كان يؤلم في صدرها كما تؤلم الجراح المفتوحة.

وسمّتها ألبا، لأنها وُلدت مع الفجر، ولأن تلك الصغيرة كانت بعد كل ذلك الظلام نورها الأول.

ابتسمت إسبيرانثا حين سمعت الاسم، ابتسامةً ملأت التجاعيد وجهها كله، وأضاءت عينيها الداكنتين. وقالت إنه اسم جميل، اسم أمل، وإن البنات اللواتي يولدن يوم الملوك يجلبن الحظ إلى البيوت التي يدخلنها.

لفّت الطفلة في البطانية الصوفية البنية التي كانت قد أهدتها لإينيس قبل أشهر، البطانية نفسها التي كانت تدفئها في ليالي الشتاء الأشد بردًا، ووضعتها بين ذراعيها بعناية من يتعامل مع شيء لا يقدّر بثمن.

ثم ساعدت إينيس على تنظيف نفسها، وبدلت الملاءات الملطخة بأخرى كانت قد أحضرتها معها في حقيبتها، وأعدت لها منقوعًا آخر لتستعيد بعض القوة، وأرغمتها على أن تأكل قطعة خبز بزيت الزيتون، مع أن إينيس كانت تقول إنها لا تشعر بالجوع.

لا بد من الأكل، قالت لها بذلك الصوت الذي لا يترك مجالًا للاعتراض. أنت الآن اثنتان، والبنت تحتاج إليك قوية.

أطاعت إينيس، لأنها لم تكن تملك طاقة على الجدال، ولأنها كانت تعرف أن إسبيرانثا على حق. لم تعد وحدها، ولم يعد يحق لها أن تسمح لنفسها بالاڼهيار.

وكان ذلك لاحقًا، حين كانت ألبا نائمة في هدوء على صدر إينيس، وكانت شمس الصباح تدخل من النافذة وتدفئ الغرفة الصغيرة، حين جلست إسبيرانثا على حافة الفراش، وعلى وجهها جدية لم ترها إينيس من قبل.

قالت لها إن هناك شيئًا ينبغي أن تخبرها به، شيئًا كان يجب أن تقوله لها من قبل،

لكنها لم تجد الوقت المناسب. سألتها إن كانت تتذكر الصندوق الذي وجدته في الإسطبل، وحين أومأت إينيس، وقد تسارع نبض قلبها، أومأت العجوز بدورها كأنها تؤكد أمرًا كانت تعرفه مسبقًا.

ثم أخبرتها أن الدفتر ذا الغلاف الجلدي الذي رأته داخل الصندوق ليس مجرد سجل حسابات. إنه قائمة. قائمة بأسماء جميع

رجال الوادي الذين وشى بعضهم ببعض في الأشهر الأولى من الحړب. أولئك الذين أشاروا بأصابعهم إلى الجمهوريين، وأولئك الذين زودوا رجال الكتائب بالأسماء، فكانوا يطوفون من قرية إلى قرية ويجعلون الناس يختفون.

كان توماس مونتيرو أمين سر البلدية، وكان يملك حق الاطلاع على الوثائق كلها، وقبل أن يأتوا لأخذه، نسخ تلك القائمة بيده، وأخفاها في مكان لا يستطيع أحد أن يجده.

كانت إينيس تصغي، وفمها جاف، وقلبها يخفق پعنف حتى خاڤت أن تستيقظ ألبا. وسألت إسبيرانثا إن كان اسم دون أوريليو ميدينا واردًا في تلك القائمة. فأومأت العجوز ببطء، بتلك الرهبة التي ترافق تأكيد حكم بالإعدام.

وقالت إن أوريليو كان من أسوأهم، وإنه وشى بعائلات كاملة ليضع يده على أراضيها، وإن نصف الأملاك التي يملكها اليوم إنما حصل عليها لأنه أشار إلى أصحابها ليؤخذوا. وقالت إن هذا هو السبب الذي جعله يراقب بيت آل مونتيرو خمسة عشر عامًا، منتظرًا أن يظهر أحد ويعثر على ما عجز هو عن العثور عليه، مهما فتش.

وقالت لها أيضًا إن الآن، بعدما عرفت الحقيقة، صار عليها أن تختار

يمكنها أن ترحل، وأن تأخذ ألبا بعيدًا من هناك، وأن تنسى أن هذا الصندوق موجود. أو يمكنها أن تبقى، وأن تحمي الدليل الوحيد على جرائم رجال ما زالوا يعيشون كالسادة، بينما ضحاياهم يرقدون في مقاپر جماعية بلا أسماء.

نظرت إينيس إلى ابنتها النائمة، صغيرة، كاملة، بريئة من كل فظائع العالم، وعرفت في تلك اللحظة بالضبط ما الذي ستفعله.

ضمّت ألبا إلى صدرها، ووعدتها في سرها بأنها ستقاتل بكل ما تملك، كي تكبر ابنتها على تلك الأرض.

لأن النساء اللواتي فقدن كل شيء هنّ وحدهن اللواتي يعرفن ما الذي يستحق الدفاع عنه حقًا.

ما رأيك في شجاعة إينيس حين وقفت في وجه دون أوريليو وهي في

شهرها الثامن، ولا تملك شيئًا سوى كلمتها؟

 

تعليقات

التنقل السريع
    close