رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخامس والستون 65بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخامس والستون 65بقلم سيلا وليد حصريه
الفصل الخامس والستون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
في عينيه عتابٌ مكبوت، وفي صدره عشقٌ ما زال يتشبّث بالبقاء رغم الانكسار. يقف على حافة الانهيار، ولا يسقط، لأنه ما زال يراها.
لا يدري أأتى ليعاتبها أم ليعترف بما ظلّ حيًّا فيه رغم كل شيء. كل ما فيه يميل نحوها، حتى صمته. يراها فيشتعل ما ظنه انطفأ، ويقف العشق كجمرٍ عنيد يرفض أن يبرد. وفي داخله اعترافٌ لا يكتمل: أنه ما زال يحبها كأن ما بينهما لم يُمحَ أصلًا.
أما هي، فقد أرادته سندًا لا لغزًا، حضورًا لا غيابًا. لكنها وجدت نفسها وحدها، تحمل الأسئلة حتى احترقت بها. ومع ذلك، حين تراه، يخونها كبرياؤها قبل قلبها، فيخرج عتابها ثابتًا، بينما داخلها يتصدّع.
وفي النهاية، ليس العتاب كلمات، بل جرحٌ يُفتح على مهل في موضعٍ لم يلتئم أصلًا.
وليس العشق خلاصًا، بل معركةٌ تُخاض بصمت، ويظل فيها القلب واقفًا حتى وهو ينكسر.
اعتدل يوسف بعنف، وعيناه تقدحان شررًا وهو يرمق بلال:
_إيه اللي بتقوله ده يا بلال!! إنت اتجنِّنت؟!
تقدَّم آسر بخطواتٍ حذرة، يحاول احتواء الموقف:
_يوسف..إحنا ما لناش دعوة..مراتك وأبوك قالوا عايزين مأذون، وإحنا نفَّذنا بس…
لم يمهله، قاطعه بصوتٍ انفجر كالرعد:
_اطلعوا برَّه!!
ساد الصمت لثانيةٍ ثقيلة، ثم التفت إليها بعينين مشتعِلتين:
_إنتي مش مراتي..فاهمة، إنتي اتجنِّنتي ولَّا إيه؟!
وقبل أن يردَّ أحد، دوت طرقاتٍ خفيفة على الباب، أعقبها دخوله.
دخل أستاذه بهيبةٍ وابتسامةٍ دافئة:
_ما شاء الله…دكتورنا بقى كويس.
تجمَّد يوسف للحظة، ثم اعتدل بسرعة، يرسم ابتسامةً باهتة تخفي عاصفة داخله:
_الحمد لله يادكتور، الفضل لله ثم لحضرتك.
اقترب منه الأستاذ، يتفحَّصه بعينٍ فاحصة يغلبها الفخر:
_لا، ما شاء الله…كده كان عندي حق أجِّل سفري علشان المناسبة الحلوة دي..هوَّ أنا عندي أغلى منك يا يوسف؟
تاهت نظرات يوسف بكلمات أستاذه..
تدخَّل بلال سريعًا، يسحب مقعدًا:
_اتفضل يا دكتور…ما هو علشان علاقتكم ببعض، يوسف أصرّ إن حضرتك تكون الشاهد على كتب الكتاب.
اتَّسعت عينا يوسف بذهولٍ صادم، بينما ضحك أستاذه بخفَّة:
_وأنا عندي أغلى من يوسف؟! ده ابني اللي ما خلفتوش…ولو مش غالي عندي، مكنتش أجِّلت مؤتمر مهمّ زي ده عشانه.
تمتم يوسف، يحاول استيعاب ما يحدث:
_لحظة بس يا دكتور، مين اللي قال لحضرتك..
قاطعه بلال بسرعة، وهو يشير ناحية الباب:
_معرفش عمُّو إلياس اتأخَّر ليه، بس بابا في الطريق، على وصول، معلش يا دكتور تعبناك.
ابتسم الأستاذ بمحبَّةٍ صادقة:
_لا يا حبيبي، مفيش تعب..كفاية إنِّ يوسف رافع راسنا كلِّنا برَّه.
ثم انحنى قليلًا، ينظر مباشرةً في عينيه: _أنا فخور بيك جدًّا يا ابني، وترشيحي ليك كان في محلُّه…بس عندي عتب عليك.
اعتدل، ولا تزال نظراته معلَّقة بوجه يوسف.
أمَّا يوسف…فكان في عالمٍ آخر.
نارٌ صامتة تشتعل داخله، تلتهم صدره ببطء..الوجوه حوله تتحرَّك، الأصوات تتداخل، لكنه لا يسمع شيئًا.
لقد فعلها والده مرَّةً أخرى، قيَّده، وقرَّر عنه، وساقه إلى زواجٍ لا يريده.
قبض على يده بقوة، حتى ابيضَّت مفاصله.
_يوسف…رد على أستاذك..تمتم بها بلال.
رفع عينيه ببطء، نظرة تائهة تحمل انكسارًا مكتومًا:
_آسف يا دكتور…سرحت شوية.
ربت الأستاذ على كتفه بحنان:
ولا يهمَّك..أتمنى تستقرّ في حياتك، وبلاش الحكاية دي تفضل تتكرَّر.
ثم رفع الأستاذ عينيه نحو ضي، بابتسامةٍ تحمل عتابًا خفيفًا:
_ وإنتِ يا أستاذة…فيه حد يزعَّل دكتورنا؟
وقبل أن تُجيب، انفتح الباب ودخل أرسلان بخطواتٍ ثابتة، وصوتٍ هادئ:
_السلام عليكم..آسف على التأخير، مكنتش أعرف إن يوسف مُصرّ إن كتب الكتاب يكون في حضور حضرتك.
أومأ الأستاذ بابتسامةٍ صافية:
_وعليكم السلام…لسه كنت بقولهم، يوسف ابني.
جلس أرسلان مقابله، وقال بثقةٍ دافئة:
_وهوَّ كمان بيعزَّك جدًّا.
كان يوسف يجلس بينهم كالغريب.
ينظر، يسمع، لكن لا يستوعب..كأنَّ لا أحد يخصُّه.
كأنَّهم يتحدَّثون عن رجلٍ آخر… يعيش حياته بدلًا عنه.
ارتفعت عيناه نحو أرسلان، وحدَّق به طويلًا، وصوتٌ داخليّ يصرخ:
_إزاي وافق، بعد كلِّ اللي قلتهوله؟! ولَّا…أمِّي قالت لهم؟!
انتقلت عيناه ببطءٍ نحو ضي،
فالتقت بنظرتها..نظرة ثابتة متحدِّية،
وعلى شفتيها ابتسامة خبيثة لم تصل إلى عينيها، لم يجد فيها شفقة، لم يجد حبًّا..
فقط إصرار.
اشتعل صدره:
بتعملي كده ليه!! انتقام؟!
قطع أفكاره صوت المأذون، رسميًا:
_اسم حضرتك؟…واسم العروسة؟
تجمَّد، نظر حوله بتيهٍ حقيقي.
هل يصرخ..هل يطردهم جميعًا و ينهي هذا العبث؟! لكن عينيه سقطتا على أستاذه،
الرجل الذي أجَّل مؤتمرًا مهمًّا فقط من أجله..أغمض عينيه بقوة.
ارتفع صدره وهبط بعنف، بين نارين، كرامته، وصمته.
أمَّا ضي…
فكانت تراقبه في صمتٍ موجع.
ترى كلَّ شيءٍ تجلَّى بملامحه، الصدمة، الغضب، الانكسار.
تعرف أنه لن يمرَّ الأمر بسهولة..
لكنها لن تتراجع..ليس بعد كلِّ ما حدث.
غصَّة خنقتها، وهي تتذكَّر حالته، وما علمته.
ظلَّت عيناها عليه وتذكَّرت كلمات ميرال إليها بعد إهانة يوسف لها حين
خرجت من عنده، بعدما طعنها بكلماته.
_"عديمة كرامة…"
كانت الكلمة ما تزال تصرخ داخلها.
خرجت سريعًا، حتى لا تنهار أمامه.
لكنها ما إن ابتعدت، انهارت..خرجت تغلق الباب خلفها تبكي بصمت ، لمحتها ميرال، فتقدَّمت بقلق :
_ ضي…إيه اللي حصل؟
رفعت عينيها…عينانٍ مثقلتانِ بالدموع والجراح:
_مفيش، هنزل أتمشَّى شوية.
أمسكت ميرال بكفِّها، تمنعها من الحركة، ونظرت داخل عينيها بصدق:
_أنا مش هضحك عليكي وأقولِّك إني مضايقتش من اللي حصل منك، بس إدِّيتك عذر.
توقَّفت لحظة، وتابعت بنبرةٍ ليِّنة:
_لمَّا شوفتك كنتِ بتموتي من خوفك عليه…لو كنت شاكَّة في حبِّك لابني، كنت طردتك من حياته بنفسي للأبد.
ارتعشت شفتي ضي، تنظر إليها بألم وهي تستمع لباقي حديثها..
_مش عارفة إيه اللي حصل بينكم دلوقتي بعد ماخرجت… بس عايزة أقولِّك حاجة: يوسف بيحبِّك، وبيحبِّك أوي كمان.
تنهَّدت بألم: آه غلط، وأنا كمان غلطت، بس غصب عنِّنا.
ثم همست بصوتٍ مثقل: يوسف مستحيل يقولِّك الحقيقة، وأنا كنت بين نارين، أدافع عن ابني، ولَّا أحفظ سرُّه.
تزاحمت الذكريات بقلب ضي؛ فخرجت على هيئة نيرانٍ تقبض على صدرها وهي تتذكَّر ضغطها عليه وإجباره.
ترقرقت الدموع بعينيها ثم رفعت رأسها، بانكسارٍ موجع:
_ طب ليه قالِّك ومقاليش..ليه يعيِّشنا في الوجع ده..ليه يوصَّلني أشك فيه وأتهمه بحاجات صعبة؟!.
هزَّت ميرال رأسها ببطء:
_ هوَّ ما قالش، أنا اللي فهمت..شفت كسرته بعيني، لمَّا جه وطلب مني إنك تأجِّلي موضوع الحمل.
هنا شعرت بانشقاق قلبها نصفين، كيف لم تلاحظ كمَّ الوجع الذي كان يداريه، كيف أوصلته لتلك المرحلة، تذكَّرت قبلته الأخيرة لها ودموعه التي ودَّعها بها، تعاظم الألم داخلها وانسابت دموعها كشلَّال.
رفعت ميرال ذقنها، ومسحت دموعها، طالعتها بعينينِ ترتجفان:
_هوَّ محتاج وقت، يمكن ربِّنا يرزقكم، ويمكن ما يكونش فيه نصيب.
شدَّدت على كفَّيها بتنهيدةٍ ثقيلة، ونظرت لها بجديَّةٍ حاسمة:
_ بس دا ميمنعش قبل أي حاجة، أنا كأم لازم أسألك..ما هو إنتي بنتي برضو، وربِّنا أعلم بغلاوتك عندي ، صمتت لحظة..
ثم أكملت:
_إنتِ عايزة يوسف…بعد كل اللي عرفتيه؟
اقتربت أكثر، تدقِّق النظر:
_ فكَّري كويس، دي حياة كاملة. والقرار ده مفيش رجوع فيه..وأنا والله مش هزعل منك، بس برضو مش هسمح لحد يكسر ابني حتى لو أبوه نفسه.
صمتت وظلَّت تنظر إليها ثوانٍ كأنها عمرٌ كامل..
ثم ردت ضي بصوتٍ مكسور:
هوَّ فيه حد بيتسأل عايز يعيش، ولَّا يموت؟
انزلقت دمعة على خدِّها،
وتابعت، وكلُّ كلمة تخرج من قلبها:
_يوسف حياة ضي.
شهقت بصعوبة:
_رغم كل اللي عمله…أنا مش قادرة أتنفِّس من غيره.
أغمضت عينيها، ودموعها تنهمر:
_جرَّبت الحياة من غيره، كانت موت، بموت كلِّ يوم وكلِّ لحظة.
رفعت عينيها لميرال، برجاءٍ موجع:
_أنا راضية بكلِّ حاجة، أي حاجة، بس أفضل جنبه.
استندت على الجدار ثم انهارت بكلماتها:
_بحبُّه أوي…بحبُّه لدرجة كرهت نفسي على الحبِّ ده، مش عارفة أعيش من غيره يا طنط، للأسف مش عارفة أعيش من غير ابنك، واخد قلبي وحياتي كلَّها.
لم تحتمل ميرال انهيارها، جذبتها إلى صدرها، تضمُّها بقوة.
كأنها تحاول أن تحمي قلبين…ينزفان في آنٍ واحد.
_وهوَّ بيحبِّك يا ضي، وبيموت عليكي.
خرجت من أحضان ميرال:
_كان، دلوقتي لا، مبقتش أشوف في عيونه الحبّ زي زمان.
_مش صح، يوسف زي باباه، مستحيل يبيِّن ضعفه قدَّام أي مخلوق، هوَّ بيعمل كدا علشان مش عايزك تقرَّبي ويضعف.
_نفسي أصدَّقك، بس مش لاقية دا.
احتضنت ميرال وجهها، تنظر لمقلتيها:
_طيب أنا هدخلُّه دلوقتي، وهتسمعي بودانك، المهمّ خلِّي بالك ميعرفش إنِّك عرفتي حاجة، لو عرف مستحيل يرجع لك.
أومأت بدموعها...
فاقت من شرودها على صوت المأذون:
_موافقة يا بنتي الزواج من يوسف إلياس جمال الشافعي؟.
نظرت إليه وجدته ينظر بعيدًا بوجهٍ جامدٍ خالٍ من أي مشاعر..
_موافقة يا عمُّو الشيخ.
تمتمت بها بهدوء، ورغم هدوئها، لكنَّ قلبها شعلةً من الجمر.
أمَّا بلال، فكان يتابع حالة يوسف بقلبٍ يتألَّم لأجله…الآن فقط فهم لماذا فعل ما فعل.
ظلَّ يراقب صمته القاتل، وكأنَّ كل لحظةٍ تمرُّ تمزِّق شيئًا بداخله.
ابتلع ريقه، وحاول بصعوبة أن يخفِّف الأجواء، رغم يقينه أن الغفران لم ولن يحدث بسهولة.
رفع عينيه إلى أخته، فوجدها تتابعه هي الأخرى…وعيناها تفضحان كمَّ الألم الذي تحمله.
تنهَّد ببطء، ثم نكز آسَر بخفَّة، وغمز له بطرف عينه، بينما الجميع منشغل بكلمات المأذون.
نهض فجأة، سحب الدفتر من يد المأذون، وأخرج قلمًا أنيقًا، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها خفيفة:
_تعرف القلم ده..جايبه مخصوص من باريس…علشان إيدك الحلوة دي تمضي هنا.
مال قليلًا وهو يبتسم:
_هوَّ أنا بس اللي أمضي على الورقة دي مرِّتين..مش إحنا شركا في كلِّ حاجة يا دوك؟
رفع يوسف عينيه نحوه ببطء،
نظرة واحدة فقط، كانت كفيلة بأن تقتله لو خرجت من عينيه.
سحب القلم من يده دون كلمة، ونظر إلى الورقة التي كُتب عليها اسمها، لحظاتُ صمتٍ ثقيلٍ مرَّت،
كأنها سيفٌ معلَّق على رقبة الجميع، الأنفاس محبوسة، والعيون معلَّقة بيده.
رفع رأسه أخيرًا..
نظر إلى ضي…لكنَّها أشاحت بوجهها بعيدًا.
نقل نظره إلى أرسلان، فوجد في عينيه عتابًا صامتًا، أثقل من أي كلام.
تنحنح بلال بسرعة، وقد شعر أنَّ يوسف على وشك التراجع:
_امضي يا دوك، بإيدك اليمين، خلِّي ربِّنا يبارك في الجوازة.
تدخَّل آسَر فورًا، بابتسامةٍ يحاول بها كسر التوتُّر:
_يا ريتك طلعت أشول يا ابن عمِّتي، مش الدكاترة بيكتبوا بالصيني؟
ردَّ بلال بسرعة:
_لا يا ظريف بالهندي.
قال آسَر وهو يهزُّ رأسه:
_تصدَّق؟ كنت عايز أروح أعيِّد على أبو لهب.
ضحك الاثنان بجوٍّ من المرح، ولم يكترثا لذلك الذي يرمقهم بنظرةٍ غاضبة..
وضع القلم على الورقة، وخَطَّ توقيعه.
دون حديث
تنفَّس الجميع، وكأنهم كانوا يغرقون.
سحب أآسَر بلال جانبًا، وهمس:
_أنا عايز أفهم، ليه يوسف رافض يرجَّع ضي رغم إنه بيحبَّها؟
_زفر بلال، وهزَّ رأسه:
أختي لسانها طويل…وأنا لو مكانه، كنت عملت عملية ربط على الجواز.
عقد آسَر حاجبيه:
_يعني إيه؟
ردَّ بلال بملل:
_يعني إيه؟! هقعد أشرحها لك إزاي دي، أقولَّك لمَّا تكبر شوية..قالها ثم ربت على كتفه بمزاح..
_بقولَّك إيه من الآخر قول ورايا ترتاح:
_لا أرى، لا أسمع، لا أتكلَّم..علشان ترتاح.
رفع آسر حاجبه بسخرية:
بتتريق؟
تحرَّك بلال وهو يهزُّ رأسه، لكنه توقَّف فجأة..على نظرة يوسف التي تؤلمه من عتابٍ قاسٍ.
بعد فترة انتهى عقد القران، خرجت بعدما أذن لها، كانت تتخبَّط بسيرها.. نظراته التي لم تعد تعلمها، دمعة انبثقت عبر وجنتيها، وصلت إلى مقعدٍ خشبي بالحديقة، هوت عليه بعدما فقدت ساقيها القدرة على الحركة، وضعت كفَّها على صدرها، علَّها تسحب هواءً لرئتيها بعد شعورها بالاختناق.
ضاعت نظراتها بالمكان، ولم ترَ سوى نظراته التي تخنقها، ألم يشعر بألم الفراق الذي ينخر العظام حتى اذابها؟!
ظلَّت لفترةٍ ليست بقليلة، فجأةً هاجت ضربات قلبها بعنف، وهي ترى اسمه يسطع فوق شاشة هاتفها، لقد جاءت اللحظة الحاسمة، لم تنكر هذا الخوف الذي تعاظم بداخلها من ردِّ فعله المنتظر، ورغم ذلك ارتدت قناع البرود وخطت بثقة متَّجهةً إلى غرفته، دلفت للداخل وجدت الغرفة فارغة من الجميع.
تحرَّكت إلى فراشه، كان منشغلًا بهاتفه، أنهى المكالمة، وألقى الهاتف بغضبٍ عنيف، يتذكَّر كلمات والدته عن حب ضي، ومافعلته في غيبوبته
اقتربت منه بعدما وجدت صمته، انحنت تسحب هاتفه من فوق الأرضية، تنظر إلى المتَّصل، وضعته بجواره، ولم تتحدَّث، ظنًّا أن مكالمته على ما صار، استدارت إلى الشرفة ولكنها توقَّفت على كلماته:
_متفكَّريش إنِّك لويتي دراعي، وما دام ما بقاش عندك كرامة يبقى ما تزعليش منِّي.
أغمضت عيناها وهي تواليه ظهرها، ابتلعت جمرات كلماته الحارقة، واستدارت إليه:
_ليه يا يوسف، ليه بتحاول تكرَّهني فيك؟.
سحب نظراته بعيدًا عنها ولم يرد.. ظلَّت تنظر إليه للحظات ثم تحرَّكت للنافذة، عقدت ذراعيها تنظر للخارج بصمت، فجأةً لمعت عيناها تحدِّث نفسها:
_المفروض تكوني أسعد واحدة، صدَّقتي اللي بيعمله، أومال لو ما سمعتيش بودانك إنه بيحبِّك بجنون، لازم تقنعيه إنُّه غلطان في اللي بيعمله.
بقصر الجارحي…
كانت تجلس أمام المسبح، تتحدَّث بهاتفها وتستمع إلى صوته الذي ينساب لقلبها قبل أذنيها:
_أكيد وحشتني…المهمِّ هترجع إمتى؟ عايزة أزور بابا…يوسف هيرجع بكرة، وماما كلِّمتني النهاردة وقالت هيكتب كتابه على ضي، كنت عايزة أحضر، بس إنتَ مش موجود.
جاءها صوته هادئًا، يحمل اعتذارًا صادقًا:
_آسف يا حبيبتي، زميلي عمل حادثة، ومكنش ينفع أسيبه في الوقت ده.
ابتسمت رغم اشتياقها:
_لا طبعًا…أنا بس بسأل، المهمّ خلِّي بالك من نفسك، ومتنساش صلاة الفجر.
_بحبِّك…
ساد الصمت لثوانٍ، لكن عينيها لمعتا بسعادةٍ خجولة.
_شموسة مبترديش ليه؟
همست بدلالٍ تعرف أنه يذوِّبه:
_ ما إنت عارف يا حمزة.
ضحك بخفَّة:
_عارف إيه يا شموسة، مستخسرة في جوزك كلمتين حلوين؟
أغمضت عينيها، وكأنها تعيش الكلمة قبل أن تقولها:
_أنا بحبَّك، أكتر من روحي يا حمزة.
ابتسم، وكأنَّ قلبه امتلأ بها:
_طب اقفلي يا شمس، أحسن تلاقيني عندك دلوقتي.
أطلقت ضحكةً ناعمة، اخترقت قلبه:
_طب متزعلش وتبقى طفل صغنَّن كدا، أكيد عارف إنِّي بعشقك، قالتها ثم أغلقت الهاتف ببطء، وابتسامة بريئة تزيِّن ملامحها، وحمرة خفيفة على وجنتيها.
نظرت إلى صورته التي تضيء شاشة الهاتف، ومرَّرت أناملها عليها بحنان: _بعشقك يا حبيبي، مش بس بحبَّك.
أطلقت تنهيدة عميقة، ثم أمالت رأسها للخلف وأغمضت عينيها، تستسلم للموسيقى الرومانسية من حولها..
لتأخذها ذاكرتها إلى ليلة زفافهما،
بعدما أشار إليها:
_شمس…متخافيش منِّي، أنا مش هاكلك، بس والله أموت وأعملها.
تورَّدت وجنتاها بشدَّة، وفركت كفَّيها بتوتُّر، وهي تتجنَّب النظر إليه:
_أصل…أصل.
أشارت إلى منامتها بخجلٍ واضح:
_هنام إزاي كده، الروب لو اتشال، القميص شفَّاف أوي، مش هينفع.
ابتسم بمكر وهو يرفع حاجبه:
_عندك حق يا روحي، ما ينفعش طبعًا، أحسن حل تخلعيه خالص.
انحنت تضربه بخفَّة على كتفه:
_يا قليل الأدب! وأنا اللي مفكَّراك مؤدَّب!
ارتفعت ضحكته، وجذبها نحوه فجأة، لتسقط فوقه دون مقاومة، لحظة سكون غريبة، لا يُسمع فيها سوى أنفاسهما المتلاحقة ودقَّات قلبيهما المتسارعة.
تعلَّق نظرها بعينيه، وارتجف صدرها مع قربه الذي أربكها بالكامل..حاولت أن تتكلَّم، لكن الكلمات خانتها.
مدَّ أنامله بهدوء، يزيح خصلات شعرها عن عينيها برفق:
_إنتي بنتي، قبل ما تكوني مراتي.
توقَّف لحظة، وقال بصوتٍ يلين أكثر:
_تفتكري ممكن أب يأذي بنته؟
لمعت عيناها بالدموع، فاختبأت في صدره، وكأنها وجدت ملاذها أخيرًا.
ضمَّها إليه بقوة، مغمضًا عينيه، وقلبه يصرخ داخل صدره بما يعجز لسانه عن قوله.
مرَّر كفِّه على شعرها بحنان:
_أنا يكفيني إنِّك في حضني، ملكي لوحدي.
تنهَّد بخفَّة:
_مش طمَّاع…خدي وقتك براحتك.
تشبَّثت به أكثر، وهمست بصوتٍ مرتعش:
_أنا بحبَّك أوي، بس مش عارفة مالي..مش خايفة منَّك، بس…تايهة شوية.
رفع ذقنها برفق، ونظر في عينيها الدافئتين:
_حبيبتي براحتك خالص، أنا عمري ما هغصبك على حاجة.
ابتسم يطمئنها:
_وده طبيعي…خصوصًا بعد اللي حصل في الفرح، وقلقك على أخوكي.
انتبهت فجأة، واعتدلت قليلًا:
_يوسف جه إزاي، إنتَ كلِّمته؟
أشار إلى خدِّه وهو يبتسم بمشاكسة:
_بوسيني…وأقولِّك.
ضحكت وهي تلكمه بخفَّة:
_ إنتَ مفيش حاجة بتعملها ببلاش!
مطَّ شفتيه بتظاهر:
_من ناحيتك لا…وبعدين الحاجات دي أي عيِّلة تعملها عادي.
انتفضت من فوقه بسرعة:
_عيِّلة! إنتَ بتلعب مع العيال؟
كبح ضحكته بصعوبة، وأشار إليها:
_ أومال إنتي إيه، مش عيِّلة؟
اشتعل غضبها، واستدارت تضربه بجدية:
_أنا مش عيِّلة، سمعتني!
انفجر ضاحكًا، وجذبها إليه مرَّةً أخرى:
_خلاص خلاص…أنا العيِّل، يلَّا رضيتي؟
هدأت بين ذراعيه، واستكانت، قبل أن تتمتم:
_ قولِّي بقى يا كبير…يوسف جه إزاي؟ أنا اتحايلت عليه، وماما كلِّمته، وبلال راح له كمان…
رفع كفَّيه يحتضن وجهها، وعيناه تلمعانِ بشيءٍ خفي…
_مش أنا وعدتك هرجَّعه، إيه الغريب؟
رفعت حاجبها بعدم تصديق:
_ أنا مستغربة إنه جه الفرح…كنت متأكدة إنه مش هيسبني، مش عارفة بقى.
اقترب منها قليلًا، وعيناه تلمعان بمكر:
_رحت له…وقولت له شموسة زعلانة أوي، وبتعيط ليل نهار…وبتقول مش هتجوز غير بوجود أخويا...أنا عايزة يوسف، أنا عايزة يوسف.
شهقت وهي تدفعه بخفَّة:
_ لا! يا راجل!
انفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، فعبست وهي تنظر له بغيظ، ليضمُّها إليه بذراعيه:
_يوسف بيحبِّك أوي على فكرة، وكان دايمًا بيتواصل معايا، ومع بلال البارد كمان..
جبته إزاي بقى لمَّا أخد حق جيِّته.
_لا والله..هسأل بلال.
_بلال في عينك..
ضحكت، ثم قالت بنبرةٍ تحذيرية مصطنعة:
_متغلطش على بلال.
رفع يديه باستسلام:
_تصدَّقي خوفت!
_بس بقى…
قالتها وهي تحاول كتم ضحكتها على غيرته من بلال، حاولت الابتعاد لكنه سبقها، واحتوى وجهها بين كفَّيه، ناظرًا لعينيها بجديَّة مفاجئة:
_ولا بلال، ولا يوسف حتى..أنا مش عايز غير حمزة وبس ياشمسي.
تاهت في نظراته، وكأنها سُحبت من العالم كلِّه نحوه:
_وأنا…أنا أصلًا مبفكرش غير في حمزة بس.
أغمض عينيه لحظة، يحاول السيطرة على شيء يتصاعد داخله، ثم ابتعد عنها بصعوبة، وهو يحمحم:
_طيب يلَّا علشان ننام، إحنا تعبنا أوي النهاردة.
ظلَّت تراقبه بصمت، نظرة طويلة مليئة بشيءٍ جديدٍ عليها.
ثم نهضت ببطء، وفكَّت روبها بهدوء، دون مبالغة، تحاول أن تكون طبيعية، لكن قلبها كان ينبض بعنف.
أغمض عينيه فورًا، متظاهرًا بالنوم، وكأنَّه يهرب من معركةٍ يعرف نتيجتها.
توقَّفت للحظات تنظر إليه، ثم تمدَّدت جواره بحذر.
مرَّت ثوانٍ ثقيلة، ساكنة، وصوت والدتها عاد يتردَّد داخلها:
“حبيبتي النهاردة بتبني حياة جديدة، أهمّ حاجة سعادة جوزك، هوَّ هيكون حياتك، بلاش كلِّ شوية ماما وبابا، ولا حتى أخوكي…
حسِّسيه إنه أهمّ حاجة، حمزة راجل بمعنى الكلمة، وبيحبِّك أوي، وده أهمِّ حاجة للست…
اسعديه يا شمس، هتحسِّي إنِّك عايشة في جنَّة.
وأي حاجة بينكم تفضل بينكم، حتى أنا معرفهاش…مش كلِّ حاجة تتحكي
وأنا واثقة إنه مش هيزعَّلك، وإنتي كمان حاولي متزعلهوش.
فتحت عينيها ببطء، التفتت إليه..
كان ساكنًا، هادئًا، لكن أنفاسه لم تكن كذلك.
اقتربت أكثر…ورفعت يدها بتردُّد، تمرِّر أناملها على ملامح وجهه برقَّة.
فتح عينيه فجأة، ونظر إليها بصمت.
صمتٌ مليء بكلِّ المشاعر بينهما، كلام لم يُقال، ومشاعر لم تعد تُخفى.
مرَّر أنامله على وجنتيها، إلى أن وصل إلى شفتيها، وعيونٌ تحكي ما عجز اللسان عن نطقه.
ابتسمت ببراءة، فرفع كفَّها وقبَّله، فقالت:
_أنا بحبَّك أوي…لم يمنح نفسه شيئًا، سوى أنه جذبها إلى أحضانه فورًا، كأنَّ الكلمة وحدها كانت كفيلة بأن تُسقط آخر حواجزه.
أغمضت عينيها، تستسلم لدفءِ احتوائه..
_ياالله…ما هذا الشعور الذي تسلَّل إليها دون استئذان؟
كأنها لأوَّل مرَّة تشعر بالأمان كاملًا.
نظرت إلى ذراعه الملتفِّ حولها،
فاقتربت أكثر، أكثر ممَّا توقَّعت،
حتى استقرَّت عند عنقه، تهمس بأنفاسٍ مرتجفة:
_حبيبي أنا جاهزة خلاص.
توقَّفت أنفاسه للحظة، ودقَّ قلبه بعنف، كأنه يُحارب نيرانه المتأجِّجة بداخله..
لم يفهم لماذا ارتبك الآن، وهو الذي تمنَّى تلك اللحظة مرارًا.
نظر إليها طويلًا تائهًا فيها:
_شمس…أنا مش مستعجل يا حبيبتي.
رفعت يدها تلامس وجهه برقَّة، وعيناها تقولان ما عجزت الكلمات عنه، طمأنينة، وثقة، واختيار...رغم خجلها الواضح، إلَّا أنَّ نظراتها تطمئنه بأنَّها ستصبح له الليلة.
لحظات صمت، لكنَّها كانت كافية، تردده بدأ يذوب شيئًا فشيئًا.
تحرَّكت أنامله بحذر على جسدها، يخشى أن يخيفها، يراقبها، ينتظر ردَّة فعلها.
لكنَّها لم تبتعد، بل اقتربت أكثر.
وهنا لم يعد هناك خوف، ولا تردُّد.
اقترب منها، بأنفاسٍ هادئة، وترك مشاعره تقوده…حتى ذابت المسافات بينهما، وتلاقت القلوب قبل أن تلتقي الأنفاس.
لحظة..لم تكن مجرَّد قرب، بل وعد، وبداية وانتماء كامل.
غاصا سويًا في عالمهما الخاص، عالمًا لا يعرفه سواهما.
مليء بالدفء والاحتواء، ونبضٍ واحد يجمعهما.
بعد وقت..
ابتعد عنها قليلًا، وقلبه لا يزال معلَّقًا بها، وعيناه تبحثان عن ملامحها بقلق:
_شمس إنتِ كويسة؟
اختبأت في صدره بخجل، تهزُّ رأسها بصمت.
كأنَّ الشفاه عجز ت عن النطق
ابتسم بحنان…وسحب الغطاء حولها، يدثِّرها بعناية، ثم طبع قبلةً دافئة فوق جبينها:
_ألف مبروك يا شمسي.
همست بصوتٍ خافت، متقطِّع من الخجل والرهبة الجميلة:
_الله يبارك فيك.
تشبَّثت به، فاحتواها فورًا، يضمُّها إلى صدره…يدفن وجهه في شعرها، ويغمض عينيه براحةٍ عميقة.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يشعر فقط بالسعادة، بل بالاكتمال الذي انتظره منذ أن رآها لأوَّل مرَّة.
أمَّا هي…
فكانت تستمع لدقَّات قلبه، وتبتسم،
لأنها أدركت أخيرًا…
بأنَّ قلبها وجد مكانه.
أغمضت عينيها بابتسامةٍ خجلة، وهي تتذكَّر لحظات أجمل ما عاشت، لم تكن تعلم أنَّ هذه المشاعر ستجنيها في يومٍ ما، قلبها يصرخ بحبِّه أكثر، تسأل نفسها، ماذا فعل بي لأصبح بهذه الحالة، تمنَّت أن تظلَّ حياتها دائمًا مثل هذه الليلة...لم تشعر بنفسها وهي تضع رأسها بعنقه وتطبع قبلة؛ ولا تعلم بحركتها العفوية قد ألهبت مشاعر، صعب عليه تفاديها في هذه المرحلة..
تعلَّقت عيناه بها طويلًا:
_ما هذا الذي تفعليه بي صغيرتي؟
كيف لامرأةٍ واحدة أن تُربك روحه هكذا، أن تُشعل فيه هذا القدر من الشوق، وتُغرقه في خوفٍ لم يعرفه من قبل؟
مدَّ يده إليها، ثم توقَّف، كأنَّ بينه وبينها خيطًا رفيعًا من رهبةٍ مقدَّسة..
_هي أصبحت لي…همس بها داخله، لكن قلبه ارتجف فورًا:
_بل أنا أصبحت لها، أنا الأضعف أمامها.
أغمض عينيه لحظة، يحاول أن يهدِّئ تلك المشاعر الفيَّاضة..
_بين رجلٍ يريدها مرَّةً أخرى بكلِّ جوارحه.
وقلبٍ يرتعد خشية أن يؤذيها، ولو بنظرة.
كيف له أن يقرِّبها إليه دون أن يخيفها؟..
كيف يضمُّها، دون أن ترتجف بين ذراعيه، من قوة مشاعره؟..
تنفَّس بعمق، ونظر إليها من جديد،
فازداد اضطرابه.
كانت قريبة، أكثر ممَّا ينبغي، وآمنة أكثر ممَّا يحتمل..
_ياالله.
كيف أكون ملجأها، وأنا الغارق فيها إلى هذا الحد؟
كيف لي هذا الشوق والاحتياج إليها مرَّة أخرى، وكأنِّي لم ألمسها منذ قليل؟..
خفض بصره قليلًا، وكأنَّه يفرُّ من سحرها، ثم عاد يرفع عينيه إليها بعجزٍ صادق:
_والله وتالله إنِّي لا أخاف عليها منِّي، بل أخاف عليَّ منها، من هذا الحبِّ الذي يجعلني أذوب ضعفًا أمامها.
شدّت أنامله قليلًا حول جسدها، دون أن يشعر ثم ارتخت سريعًا، وكأنَّه يذكِّر نفسه:
_رفقًا بها إنَّها أمانة قلبك، لا مجرَّد شوقك.
مال برأسه قليلًا، بعد أن غرقت بنومها بين ذراعيه، وعيناه تفيضان بعشقٍ صامت:
_لن أكون لها خوفًا بل وطنًا.
ولئن احترق قلبي شوقًا، فحسبُه أن يطمئن قلبها.
ثم ابتسم ابتسامة خافتة، فيها وجعٌ جميل:
_ما أعجب هذا الحب، يجعلك تتمنَّى القرب، وتخشى أن تبلغه.
دفن وجهه بشعرها يستنشق رائحتها بوله، في محاولةٍ ألَّا يضعف أمام سحرها.
خرجت من ذكرياتها على صوت دينا:
_شمس الجوِّ برد حبيبتي، هدومك خفيفة.
رفعت عيناها إليها، ثم نظرت لثيابها:
_مش خفيفة أوي يا طنط، مش بردانة.
اقتربت دينا بعدما أمرت الخادمة:
_اعملي مشروب دافي لشمس هانم.
أومأت بطاعة..ثم تحرَّكت للداخل، بينما اقتربت دينا من جلوس شمس:
_حمزة كلِّمك النهاردة؟.
أومأت بخجل، ابتسمت دينا وقالت:
_أنا بسأل علشان اتَّصل وإنتي نايمة، كان قلقان.
_كلِّمته، وقالِّي مش هيرجع غير آخر الأسبوع.
_متزعليش منه حبيبتي، شغله صعب شوية.
هزَّت رأسها باعتراضٍ سريعًا:
_أبدًا أنا مش زعلانة، دا مستقبله ربِّنا يوفقه، الكلام جه عادي، لكن عمري ما هزعل يا طنط، ربِّنا يحفظه أهمّ حاجة.
_حبيبتي يا بنتي ربِّنا يسعدك، له حق حمزة يحبِّك أوي كدا.
تورَّدت وجنتيها ونظرت للأسفل دون حديث، قاطعهم وصول الخادمة بالمشروبات:
_عمران باشا، جه وبيسأل على حضرتك يا هانم.
توقَّفت دينا وأشارت على شمس:
_خلِّيكي مع الهانم لو احتاجت حاجة.
توقَّفت شمس، تحمل كوب مشروبها:
_لا خلاص، أنا هدخل جوَّا، عندي كام حاجة أتسلى بيهم.
أوقفتها دينا:
_عايزة تروحي لماما حبيبتي؟.
_لمَّا يجي حمزة يا طنط.
أومأت لها وتحرَّكت للداخل.
بمنزل طارق..
كانت تجلس بالحديقة تتابع طفلها وهو يلهو بدرَّاجته مع مربيته، شعرت بوقوف أحدٍ خلفها، التفتت إليه.
_عايز أخرج بكرة مع صحابي عرَّفي جوزك.
نهضت من مكانها تنظر إليه باستفهام، اقترب منها ذاك العنيد:
_صحابي طالعين رحلة للمتحف المصري، وأنا قولت لهم هروح معاهم.
_الرحلة دي تبع المدرسة؟.
_لا...خاصَّة بينا.
_بيكم مين..إزاي تخرج مع ولاد متعرفهمش؟!.
_إنتي مالك، أنا بقولِّك علشان تجيبي فلوس من جوزك، أنا كبرت مش منتظر حد يقول رأيه.
_كبرت إيه يا حبيبي، إنتَ لسة مكملتش خمستاشر سنة، إنتَ حتى مكملتش اتناشر سنة، عايز تخرج إزاي لوحدك؟.
نظر إليها ببغض ثم استدار وهو يقول:
_أنا قولت اللي عندي.
قالها وتحرَّك للداخل، بينما جلست هي مرَّةً ثانية تتنهَّد بألم:
_وبعدهالك يا مازن، هتفضل تعاملني كدا، أقول لطارق ولَّا أعمل إيه، الواد كلِّ شوية بيقسى ويتعصَّب أكتر.
مسحت على وجهها، وعيناها ذهبت لضحكات طفلها، ابتسمت تضع كفَّيها على أحشائها تحدِّث نفسها:
_مش عارفة بابا هيفرح بيكي، ولَّا هيزعل علشان حملت من غير ما أقولُّه، ربِّنا يستر.
بمنزل مالك..
عاد من عمله على صوت ضحكات والدته مع أولاده..
_برافو فريدة.
هكذا نطقتها ليال والدة مالك.
لمحت فريدة دخول والدها..ركضت إليه:
_بابي..بابي جه.
انحنى يحملها:
_أحلى بابي في الدنيا، حبيبة بابي عاملة إيه؟.
قبل أن ترد قاطعه صوت ابنه:
_وأنا حضرتك مش حبيب بابي؟.
فتح ذراعيه إليه:
_إزاي بقى، دا إنتَ سيد الناس يا عم فارس.
توقف ينظر لوالده ثم قال:
_لا أنا كبرت يا سي بابا.
ضيَّق مالك عيناه:
_الله، أومال زعلان ليه؟!.
_زعلان علشان حضرتك كان المفروض تحضر مبارة التنس ومجتش.
وصلت غادة وهي تحمل مشروباتهم:
_خلاص حبيبي، مش أنا رحت، وقولت لك بابا مشغول، خلاص بقى.
عقد ذراعيه يهزُّ رأسه:
_لا..ماليش دعوة، هوَّ وعدني.
اقترب مالك منه، وجلس على عقبيه:
_أنا آسف يا أستاذ فارس، ووعد المرَّة الجاية مش هنشغل، بابا ما حضرش مش علشان نسي، هوَّ كان في بلد بعيدة عن القاهرة، وكان صعب عليه يرجع ويلحق المباراة، بس أوعدك هعمل حسابي بعد كدا..اتَّفقنا؟
صمت الصغير، ثم هزَّ رأسه:
_اتَّفقنا يا سي بابا.
ضحك مالك بصوتٍ مرتفع وسحبه لأحضانه:
_كبرت وبقيت تحاسب بابا، يا أستاذ فارس.
تعلَّق بعنق والده وضحك:
_لسة زعلان منك، ومخاصمك، إلَّا إذا وافقت نروح عند جدُّو وتيتا فريدة.
_لا ياراجل...
بمنزل أرسلان..
كانت تدور بالحديقة ذهابًا وإيابًا بانتظار أرسلان، أو بلال، رفعت نظرها تجاه منزل إلياس، وتردَّدت تذهب إلى ميرال وتسألها عمَّا حدث...خطت خطوتين ولكنها تراجعت، فالعلاقة بينهم متوتِّرة منذ طلاق يوسف وضي.
زفرت بامتعاض لما تشعر به، جلست على المقعد تنتظر أي خبر، وقعت عيناها على سيارة رولا تدلف الكمبوند، نهضت واتجهت إليها، أوقفت رولا السيارة ماإن لمحتها:
_طنط غرام فيه حاجة؟.
اقتربت منها:
_بلال كلِّمك ولَّا لسة؟.
_لا ماكلمنيش من الصبح، فيه حاجة ولَّا إيه؟.
_طيب اتصلي بيه، شوفيه اتاخَّر ليه.
_هوَّ فيه حاجة؟.
نظرت إليها ولم تعلم بماذا تجيبها:
_راحو علشان يكتبوا كتاب ضي ويوسف من تلات ساعات ولسة مرجعوش.
هنا ترجَّلت رولا من سيارتها، وتجلَّت السعادة بعينيها:
_والله، ألف مبروك، بس ليه محدش قالي، يعني يكتبوا الكتاب من غير ما أعرف.
_مش زي ما إنتي مفكَّرة يا بنتي، بلال لمَّا يجي هيحكي لك، المهم اتصلي وطمِّنيني ليه اتأخَّروا، ليكون يوسف رفض.
_رفض!.أومال إزاي هيكتبوا الكتاب؟.
_رولا هتسمعي الكلام ولَّا لأ.
_حاضر...هكلِّمه.
رفعت هاتفها وانتظرت ردِّه ولكنه لم يرد.
_ما بيردش.
هنا شعرت غرام بالاختتاق، حين توقَّعت رفض يوسف وحالة ابنتها.
لحظات ودلفت سيارة بلال وخلفها سيارة آسر، ظلَّت تراقبهما إلى أن وصل إلى وقوفهما، ترجَّل من السيارة لتقترب منه بسرعة:
_إيه اللي حصل؟.
نظر لرولا ثم إلى والدته:
_واقفين كدا ليه؟.
_رد عليَّ يا بلال، إيه اللي حصل، يوسف عمل إيه؟.
_محصلش حاجة، كتبنا الكتاب، وضي قالت هتقعد معاه، هو خف،الحمد لله، عايز علاج طبيعي بس،علشان فقرات ضهره، وبابا قال هيعدِّي على تيتا.
تنهَّدت براحة ثم استدارت دون حديث ترفع هاتفها، تهاتف ابنتها، بينما اقترب بلال بعدما أشار لآسر بالمرور:
_واقفة كدا ليه؟.
_ليه ما قولتش على كتب الكتاب دا؟
حاوط جسدها وتحرَّك إلى منزل والده:
_مكنتش أعرف غير من كام ساعة، وانشغلت.
توقَّف ينظر إليها:
_إنتي لسة راجعة، إيه اللي أخَّرك كدا؟.
ظلَّت تنظر إليه بصمت، رفع حاجبه:
_فيه إيه مالك؟
_ليه مكنتش عايزني أعرف بكتب الكتاب؟
امتعض وجهه وقال باعتراض:
_إيه اللي بتقوليه دا، ما أنا قولت لك، مكنتش أعرف، ضي أصرِّت.
اقتربت منه وما زالت نظرات الشك تحاوطه:
_يعني إيه يوسف يكتب كتابه ومكنش يعرف، لا وكمان كان رافض، إيه اللي بيحصل بالظبط؟.
سحبها بقوة من خصرها حتى اصطدمت بصدره؛ لتشهق بذهول:
_بلال..اتجنِّنت إحنا في الشارع!
رفع يده على وجهها يتلمَّسه:
_حضرتك مش مصدَّقة كلام جوزك؟.
_جوزي، هوَّ فين جوزي دا؟! دا أنا بشوف عمُّو عثمان البواب أكتر منك.
رفع حاجبه وتساءل:
_والله، دلوقتي إنتي اللي بتقولي كدا؟!
تلاعبت بزرِّ قميصه ونظرت إليه بخبث:
_هوَّ أنا بقيت أشوف حاجة منك علشان تعجبني ولَّا متعجبنيش يا دوك، دا إنتَ أقلّ واحد بشوفه في اليوم، وممكن كل أسبوع مرَّة أو مرِّتين.
_بقى كدا؟.
قالها وهو يسحبها من كفِّها متَّجهًا إلى منزلهما.
_بلال رايحين فين؟
توقَّف ينظر إليها:
_بيتنا، كفاية بقى، هنفضل لحدِّ إمتى، الكلِّ عارف بإنِّنا بنتقابل، يبقى نرجع بيتنا وخلاص.
_بلال استنى مينفعش، ولكنه لم يستمع إليها وتحرَّك إلى المنزل.
سحبت كفَّها باعتراض:
_مينفعش، اللي بتعمله دا مينفعش.
استدار إليها بكامل جسده:
_إيه هوَّ اللي مينفعش، هنفضل عايشين كدا، خلاص كلِّ حاجة رجعت لأصلها، من حقِّنا نعيش.
_رولا متفكَّريش إنِّي راضي على كدا، متعلَّقين وبحاول أضغط على نفسي علشان الكل، بس النهاردة خلاص، كلِّ حاجة خلصت.
صمت للحظات ثم أشار بكفِّه على المنزل:
_أنا هطلع بيتنا، عايزة تيجي براحتك، مش عايزة براحتك برضو، لكن الليلة دي لازم نحط حد.
دنت منه تحتضن وجهه:
_حبيبي اسمعني، مش حلو في حقِّنا بعد اللي حصل، نرجع من نفسنا، إنتَ قولت الدنيا بقت تمام، خلاص، روح لعمُّو إلياس وباباك، وكلِّمهم يجوا لبابا، أنا مش هرجع من غير موافقة بابا، أنا متأكدة مش هيمانع لكن لازم يوافق.
ظلَّ يستمع إليها بصمت، لتقترب منه تطبع قبلة على شفتيه:
_وحياة رولا عندك ما تكسر خاطري المرة دي.
نظر إلى عينيها التي لمعت بالدموع خشية أن يرفض، ابتسم قلبه قبل عيناه، سحبها لأحضانه يضمُّها إليه بقلبٍ ينبض عشقًا:
_وحياة رولا عندي مستعد أهدِّ الدنيا كلَّها علشان تبقى في حضني.
رفعت رأسها اليه، وليتها لم ترفع، لتنساب دمعةً عبر وجنتيها:
_بحبَّك أوي يا بلال.
لم يهدأ قلبه الذي تمرَّد وطالب بقبلةٍ تهدِّئ نيران العشق والشوق، ضاعت بين ذراعيه بقبلته المجنونة، لحظات حتى سلب أنفاسها، ثم تراجع بعيدًا يشير بيده بعدما فقد السيطرة:
_تصبحي على خير حبيبتي.
وقفت تراقبه بعيونٍ عاشقة، ثم وضعت كفَّها على أحشائها:
_وإنتَ دايمًا حبيبي..تبسَّمت حين تخيَّلت ردَّ فعله حينما يعلم.
بمنزل إلياس..قبل عدَّة ساعات..
كانت تجلس بمواجهة ميرال، وعيناها تجولان في أرجاء المكان بانبهارٍ واضح، تتفحَّص التفاصيل وكأنها تحاول حفظها داخل ذاكرتها.
تمتمت بإعجابٍ صادق:
_قصركم…يبدو مبهرًا.
ابتسمت ميرال ابتسامة خفيفة، وقالت بنبرةٍ ودودة:
_شكرًا حبيبتي…دا مش قصر، دي فيلَّا.
_هل يوجد فرق؟.
_يعني..لكن هناك فرق، ثم سكتت لحظة، قبل أن تعود بنظرةٍ متفحِّصة إليها:
_ما قولتيش…تعرفي يوسف منين؟
رفعت نارين عينيها إليها، وقالت بهدوءٍ واضح:
_نحن نعمل معًا ف Cleveland Clinic.
أومأت ميرال برأسها، بينما انزلقت نظراتها إلى ساعتها..لاحظت نارين ذلك، فسألت:
_هل المستشفى بعيدة؟
هزَّت ميرال رأسها:
_لا…مش أوي..هو هيرجع على تسعة او عشرة بالكتير
تجمَّدت ملامح نارين للحظة، وكأنَّ الكلمة علقت داخلها.
_"هيرجع…"
تردَّدت في ذهنها بدهشةٍ وقلق.
خرج سؤالها هذه المرَّة بنبرةٍ أكثر حذرًا:
_أيعني هذا أنَّه بخير الآن؟
دقَّقت ميرال في ملامحها، ثم قالت بهدوء:
_أيوة بقى كويس.
وقبل أن تُكمل، قاطعهم دخول إلياس.
نهضت ميرال فورًا، واتَّجهت نحوه:
_إلياس…اتأخَّرت ليه، وقعت عيناه على دارين، فقالت ميرال:
_دي نارين، زميلة يوسف في كاليفورنيا.
وقفت نارين، ومدَّت يدها بابتسامة مهذَّبة:
_مرحبًا…أنا نارين، ويمكنك أن تناديني دارين.
نظر إلياس إلى يدها لحظة، ثم اكتفى بإيماءة خفيفة:
_مرحبًا.
تردَّدت يدها قليلًا، ثم سحبتها بهدوء، وارتسم ضيق خفيّ على ملامحها، قبل أن تقول:
_أتيتُ لأطمئن على يوسف، هل يمكنني رؤيته؟
ظلَّ إلياس ينظر إليها بصمت، ثم استدار قائلًا:
_ممكن…ارتاحي، هوَّ هيرجع بعد ساعات.
جلست نارين مجدَّدًا، والتفتت إلى ميرال:
_ولِمَ لا نذهب إليه الآن؟
أجابتها ميرال:
_علشان خلاص، هوَّ جاي بنفسه بعد شوية.
في تلك اللحظة، دلفت رحيل:
_ميرال…
استدارت ميرال:
_تعالي يا رحيل.
تقدَّمت رحيل، ونظرت إلى نارين، فأشارت ميرال:
_دي زميلة يوسف.
ابتسمت رحيل:
_أهلًا حبيبتي.
ردَّت نارين بلطف:
_شكرًا لكِ.
ضيَّقت رحيل عينيها قليلًا، ثم سألت:
_إنتي عربية؟
أجابت نارين:
_نعم.
مالت رحيل نحو ميرال هامسة:
_يزن قال إنِّ يوسف هيخرج النهاردة… صح؟
نظرت ميرال إلى ساعتها:
_أيوة…بس
بالمشفى عند يوسف..
كانت تجلس إلى جوار فراشه، تُسند ظهرها إلى المقعد، وتضع ساقًا فوق الأخرى في هدوءٍ مصطنع، تقلِّب هاتفها بلا تركيز..
وفجأة، انفرجت شفتاها عن ابتسامة، رفعت الهاتف سريعًا، ونهضت بخفَّةٍ مبتعدةً قليلًا عنه، تخشى أن توقظه.
_أهلًا حبيبتي…
جاءها صوت صديقتها مازحًا:
_إيه الحلاوة دي!
ابتسمت أكثر، وردَّت بدلالٍ خفيف:
_ميرسي يا قلبي…عجبتك الحلقة؟
_تحفة يا ضي ماشاء الله عليكي.
_طب يلَّا يا ستي، سبت لك القناة تلات شهور كمان.
_أيوة عرفت، لسه المدير قايلي، يارب تكوني كويسة وبخير حبيبتي.
تسلَّلت عيناها دون وعي نحو يوسف، الراقد في سكونٍ يوهم بالراحة، فهدأت نبرتها وهي تقول:
_الحمدلله…كويسة جدًّا، عايزة أرتاح شوية، بقالي سنة ما أخدتش إجازة.
_إجازة سعيدة يا حبيبتي.
ضحكت بخفوت:
_حبيبتي يا أمولة..سلام.
أنهت المكالمة، ثم اتَّجهت نحو الشرفة.
وقفت، تحدِّق في الزحام أسفلها، لكن عينيها لم تكن ترى شيئًا..كانت غارقة في صدى كلماته، في قسوته التي ما زالت تنبض داخلها..إنَّه لايريدها.
ارتجف قلبها، وكأنه يردُّ عليها بصوتٍ أقوى من أي عقل:
_"المهمّ إنك قريبة منه…المهم إنه بيحبِّك."
همست لنفسها:
_بيحبِّك…
لمعت عيناها بدموعٍ أبت أن تسقط، وهي تتذكَّر كلماتها…كلماتها التي ألقتها عليه كالسكاكين، بلا رحمة.. حين أرادت قهره، ولا تعلم أنَّ القهر يأكله حيًّا.
تنفَّست بعمقٍ مؤلم…نعم، أخطأت لكنَّها لم تكن وحدها..هو أخطأ معها حين أوهمها بالخداع.
ومع ذلك، أقسمت في داخلها بوجعٍ صامت، أنها لن تتركه…لن تتخلَّى عنه مهما حدث.
استدارت نحوه ببطء، تظنُّه غارقًا في نومه، لا يشعر بشيء.
بينما هو في الحقيقة كان يراها، يلتقط كلَّ تفصيلة، كلَّ همسة، كلَّ شيءٍ تفعله.
أشعلت داخله بنيران الغيرة حين كانت تبتسم بالهاتف…
ظنَّ بغباء الألم داخله أنَّها تحدِّث رجلًا آخر خلف تلك الابتسامة.
اقتربت منه بخطواتٍ متردِّدة، حتى جلست على طرف فراشه.
مدَّت يدها، ولمست وجهه بحنانٍ مرتجف، ثم همست، وصوتها يختنق بين الرجاء والانكسار:
_ربِّنا يقدَّرني..وأقدر أسعدك يا يوسف.
نفسي تحسِّ بوجع قلبي…تعرف إنِّي بموت من غيرك.
انحنت ببطء، وطبعت قبلةً خفيفة على وجنته…قبلةً تحمل اعتذارًا، واعترافًا، وحبًّا لم يعد يحتمل الفراق.
لم تشعر بتلك الدمعة التي انزلقت من طرف عينه.
دمعةُ رجلٍ يقاوم…يقاوم أن يفتح عينيه، أن يضمَّها، أن ينهار أمامها ويعترف أنه ما زال يعشقها حدَّ الوجع.
أيُعقل أن تكون حبيبته على هذا القرب
وهو يُجبر نفسه أن يبتعد؟
نعم…
إنه قلبٌ مُثقل، وطبيبٌ مجروح،
يدعو الله مرارًا وتكرارًا، أن تكرهه، فقط كي لا يؤلمها حبِّه.
استندت على كفِّها بجوار رأسه، وانحنت قليلًا، تداعب خصلات شعره بأنامل مرتجفة…
لم تستطع هذه المرَّة أن تمنع دموعها، فانسابت بصمتٍ ثقيل، وهي تستعيد شريط حياتهما…لحظةً تلو الأخرى.
خلَّلت أصابعها بين أصابعه، كأنها تستعيد حقَّها، وابتسمت…ابتسامة موجوعة، مشبعة بحنينها إليه.
اقتربت أكثر، حتى وضعت رأسها بجوار رأسه، وأغمضت عينيها، تتنفَّس بعمق،
تسرق أنفاسه…وكأنَّها تحاول أن تعيش منه، هنا لم يعد يحتمل، فتح عينيه فجأة.
انتفضت هي مبتعدة، وكأنها أُمسكت متلبِّسة بحبِّها، مسحت دموعها سريعًا قبل أن يراها، وقالت بصوتٍ خافتٍ مرتبك:
_هشوف الدكتور جه ولَّا لسه، قالتها وخطت بعض الخطوات..
ولكن استوقفها صوته:
_استني عندك.
تجمَّدت مكانها، تعطيه ظهرها، تخفي ما تبقَّى من ضعفها..
ليقول ببرودٍ متعمَّد:
_شوفي بلال في مكتبه، خلِّيه يجي لي.
وسكت لحظة، ثم أضاف:
_ومش محتاج دكتور…أنا كويس.
التفتت إليه ببطء، ثم عادت تقترب من الفراش:
_اسمعني يا يوسف، شكل الغربة نسِّتك مراتك يا حبيبي.
أنا موجودة، أي حاجة تخصَّك أنا موجودة.
حاول الاعتدال، فارتجف جسده من الألم، لتتحرَّك عيناها عليه بلهفةٍ خائفة، لكنه أصرّ، الاعتدال بنفسه وكأنَّ الألم أهون من الاستسلام لها.
قال بجمودٍ قاسٍ:
_أنا مش متجوز…والعقد اللي حصل ده..
لم تدعه يُكمل.
انحنت فجأة، تقطع كلماته بنظرةٍ حادَّة استقرَّت في عينيه، وقالت بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل تهديدًا حقيقيًّا:
_أي كلمة تجريح تاني…
أقسم بالله همشي، ومش هتعرف لي طريق.
يمكن هم وصلوا لك، وعرفوا مكانك…إنما أنا لأ.
استقامت واقفة، أنفاسها متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط.
رفع عينيه إليها، بوجعٍ حقيقي هذه المرَّة:
_إنتِ ليه بتعملي كده يا ضي؟
ضحكت بخفَّةٍ موجوعة، لا تخلو من مرارة:
_علشان آخد حقّي منَّك…يا ابن عمِّي.
مش ضي الشافعي اللي جوزها يطلَّقها من غير حق.
توقَّفت لحظة…ثم استدارت إليه، نظرتها هذه المرَّة كانت أكثر قوة، أكثر تحدِّيًا:
_ومتخافش…وقت ما أحبِّ نطلَّق، أنا اللي هقولَّك.
إنَّما مش بمزاجك..يا ابن عمِّي.
قالتها وكأنها تنهي معركة.. تحاول أن تقنعه أنها لا تعلم شيئا، لابد أن تكون قوية قاسية
استدارت بسرعة، وخطت نحو الخارج.
كانت خطواتها ثابتة…
لكن قلبها، كان ينهار في كلِّ خطوة.
وما إن أغلقت الباب خلفها…
حتى سقطت أوَّل شهقةٍ مكتومة من صدرها، بعيدًا عنه..
حتى لا يراها، وهي تضعف..رغم كلِّ هذا الكبرياء.
بعد ساعتين، وصل إلى الكمبوند برفقتها.
كان الجميع بانتظاره.
اقترب بلال منه بابتسامةٍ واسعة، وهو يربت على كتفه بخفَّة:
_يا هلا يا دوك..نوَّرتنا، والله ليك وحشة.
رمقه يوسف بنظرةٍ هادئة تحمل ما لا يُقال، وتمتم ببرود:
_حسابنا بعدين.
اقترب يزن وطارق سريعًا، فمدَّ طارق ذراعه يحاوطه ليساعده على السير:
_نوَّرت الدنيا يا حبيبي.
ابتسم يوسف بخفوت وهو يحاول أن يبدو متماسكًا
_حبيبي يا خالو…أنا كويس.
ثم التفت إلى يزن، بنبرةٍ أقرب للبحث منها للسؤال:
_فين آسر؟
أدار يزن عينيه حوله:
_زمانه جاي..اطلع إنتَ مع خالك علشان ما تتعبش.
لكن يوسف لم يتحرَّك، وعيناه تجوب الوجوه بقلقٍ خفيّ:
_فين إلياس باشا، مش باين ليه؟
وقبل أن يأتيه الرد…
خرجت والدته، وبجوارها فتاة.. اندفعت نحوه بسرعة.
انتظروا القسم الثاني
القسم الثاني
يوسف! لقد اشتقت إليكَ كثيرًا!
تجمَّدت ملامحه للحظة، ثم التفت للصوت، يتمتم باسمها بدهشة:
_نارين؟.
اقتربت منه بابتسامةٍ مبهرة، وعيناها تفيض اهتمامًا:
_كيف حالك؟ حزنت كثيرًا لما أصابك.
_أنا كويس…قالها باختصار.
لكن الجميع كان ينظر بجهل، وخاصَّةً حين اقتربت أكثر، ووضعت كفَّها على كتفه بدلالٍ واضح.
_لم أستطع الانتظار حتى أطمئنَّ عليك…حين علمت أتيت فورًا، وصلت اليوم.
تسلَّلت نظرات يوسف إلى يدها فوق كتفه…ثم، دون وعي، ارتفعت عيناه نحو ضي.
كانت تقف بعيدًا صامتة، لكن عيناها تتحدَّثان.
سحب جسده خطوةً للخلف، مبتعدًا عن لمستها:
_شكرًا يا دارين.
ثم قال بصوتٍ مسموعٍ للجميع:
_دارين زميلة عمل.
قالها وهو يرمق ضي بطرف عينه، وكأنَّه ينتظر شيئًا.
لكن ضي لم تنتظر.
رفعت صوتها فجأةً للخادمة.
التفتت الخادمة سريعًا.
تقدَّمت ضي بخطواتٍ ثابتة نحو دارين، وابتسامة باردة ترتسم على شفتيها:
_وصَّلي الضيفة مكان الضيوف.
ثم نظرت إليها نظرة تحمل ما بين الترحيب والتحذير:
_نوَّرتينا يا دكتورة، الدكتور تعبان، لمَّا يرتاح هنبعتلك.
قالتها دون أن تنظر إلى يوسف، ثم سحبت ذراعه بقوة خفية، تدخله للداخل.
لكن دارين لم تتركه بسهولة:
_لحظة…
توقَّفت، وعيناها تتفحَّصان ضي:
_هذه أختك..هل هي شمس؟
ارتجف قلب ضي، وامتلأت عيناها بالدموع.
هل كان يتحدَّث معها عن ما يخصُّه؟
نظرت إليه تنتظر كلمة..تفسير…أي شيء.
لكنه صمت، ثم قال بهدوءٍ مقتضب:
_دي بنت عمِّي..هكذا نطقها فقط.
علَّقت عيناها بعينيه، تبحث عن بقية الحديث…لكنَّه لم يمنحها شيئًا.
أشار للخادمة دون أن ينظر مرَّةً أخرى:
_خلِّيكي مع دكتورة دارين…شوفي طلباتها.
ثم التفت، ونظر إلى بلال بنظرةٍ عابرة… قبل أن يتحرَّك للداخل بصعوبة.
اقتربت ميرال منه سريعًا، تسير بجواره:
_عامل إيه يا حبيبي؟
لم يجبها…سأل فقط، وكأنَّ السؤال عن والده أهمَّ من أي شيء:
_فين بابا؟
تردَّدت ميرال قليلًا:
_معرفش…يمكن عنده شغل.
توقَّف فجأة، ونبرته شابها ضيقٌ واضح:
_شغل إيه يا ماما..الساعة داخلة على 11.
مالك يا يوسف، زعلان علشان مرحش المستشفى، هوَّ مش كان عندك الضهر.
توقَّف وهو يمسك الدرج:
_يعني متعرفيش عمل إيه؟.
التفت على اقتراب ضي تشير للخادمة:
_طلَّعي الشنطة فوق.
أوقفها ونظر لوالدته:
_مش عايز حد يقرَّب منِّي، سمعتيني، يا إمَّا على أول طيارة هسافر.
نظرت إليه بضياع، مع اقتراب يزن:
_فيه إيه، مالك يا يوسف؟
_مفيش، عايز أرتاح...قالها واتَّجه إلى المصعد، بينما ظلَّت ضي تراقب تحرُّكه بقلبٍ يئنُّ بصمت.
ربتت ميرال على كتفها:
_روحي دلوقتي حبيبتي، سبيه النهاردة.
رفعت عيناها إليها:
_دا قال لزميلته بنت عمِّي، حتى مهانش يقول مراتي.
_ميرال اللي بتعملوه غلط، سبوه براحته.
هزَّت كتفها بضياع:
_انا مش عارفة يا يزن، ولسة إلياس لمَّا يعرف بموضوع كتب الكتاب دا، مش هيسكت.
_يعني إيه مش فاهم؟.
قصَّت له ميرال ما صار.
شهق يزن باعتراض:
_هوَّ دا اسمه كلام، واحد خارج من الموت، تضغطوا عليه كدا!.
_عمُّو يزن لو سمحت، أنا تعبت، ليه محدش بيفكَّر فيَّا، تعبت خلاص.. مبقتش قادرة أتحمِّل الضغط دا
قالتها وصعدت خلفه، أغمضت ميرال عيناها:
_مبقتش عارفة أعمل إيه، أنا كمان تعبت.
_طيب اهدي حبيبتي، كلِّ حاجة وليها حل.
_إلَّا يوسف يا يزن، دا تعب حياتي كلَّها.
سحبها لأحضانه:
_إن شاءلله خير حبيبتي، ضي شجاعة وحمولة ومتأكد هتعرف تخلِّيه ينسى.
_يارب...المهم مش عايزة حد يعرف زي ما اتفقنا.
_متخافيش، حتى طارق ميعرفش حاجة.
دلفت دارين الى المنزل المخصَّص للضيوف..
تجوَّلت عيناها بالمكان، ثم أشارت للخادمة:
_أريد حقيبتي.
أومأت لها الخادمة بطاعة، ثم خرجت. اتَّجهت إلى هاتفها:
_نعم سيدي، الأخبار التي وصلت إلينا لم تكن صحيحة، يوسف خرج اليوم، ورأيته يتحرَّك بسهولة.
_كيف...وموسى قال غير ذلك؟!
تذكَّرت حديث موسى بالاجتماع:
_لقد تمَّت العملية بنجاح سيدي.
_حقًّا، هل مات؟!
_يقولون أنَّه بحالة ليست جيدة، لا تقلق سيموت، لاحقًا.
_لا أعلم سيدي، أنا وصلت الى منزل إلياس، نعم هو ذلك الذي رأيناه بذلك الفيديو، ولكنه كبر قليلًا.
_إيفا...كوني حذرة، إنَّك في منزل لأحد كان يعمل ضابطًا بالأمن الوطني، لازم تؤدين مهمتك سريعًا.
_وكيف لي أن أصل لذاك المنزل؟.
_لا أعلم، ولكنَّك ذكية وستفعلينها، هل دواء موسى معك؟
_نعم..لا تقلق سأعمل حتى أصل لهدفي.
أعطيني الاسم كاملًا، وهل يربطه شيئًا بالعروس؟.
_نعم..أقول لك الشيء مرَّةً واحدة عليك حفظه، إسحاق الجارحي.
_علمت...لا تقلق، سأعود قريبًا بأخبارٍ جيِّدة.
بقصر الجارحي..
ترجَّل من سيارته والغضب يأكل أحشائه:
_الباشا موجود؟
_أيوة يا أرسلان باشا، لسة واصل حالًا.
لحظات قليلة، حتى هبط إسحاق:
_يا هلا يا هلا، وأنا بقول القصر منوَّر ليه.
اقترب منه كالمجنون الذي فقد عقله:
_تضحك عليَّ يا إسحاق، أنا تضحك عليَّ، وتقولِّي دا كانت زيارة عابرة؟!
_اتجنِّنت يلا مالك، فيه إيه، كبرت وخرَّفت؟!
_حادثة يوسف بفعل فاعل، استلقَّى بقى لمَّا إلياس يعرف تخطيطك.
_إنتَ بتقول إيه؟!
قاطعهم رنين هاتف إسحاق..
_أهلًا إسحاق باشا، فيه حاجة شوفها بعتهالك.
_تمام...التفت إلى أرسلان:
_أنا مستحيل، أحط يوسف في خطر.
_اسمعني يا إسحاق، زمان لمَّا كنت بتطلب مني حاجة مكنتش بتأخَّر، حتى بعد مابعدت، لكن عند أولادي، فأنا بحذَّرك تقرَّب من واحد فيهم، قدَّامك تمانية وأربعين ساعة، وتجب لي اللي عمل كدا، وإلَّا..
_خلاص يا أرسلان، أنا هتصرَّف.
تطلَّع إليه بصمتٍ لاذع ثم تحرَّك وغادر القصر.
بغرفة يوسف..
نهضت من فوق الأرض، لحظات تنظر إليه، ثم دون أن تفكِّر كثيرًا، نزعت حجابها، مع حذائها وتسلَّلت إلى أحضانه، يكفي ما صار إلى الآن، لم يعد لديها قدرة الإحتمال، وضعت رأسها بحنايا عنقه، وأغمضت عيناها، لا تريد أن تفكِّر في شيء، سوى أنها بأحضانه فقط، دقائق قليلة لتذهب بنومها، بعدما شعرت بدفء قلبها الذي تجمَّد بالبرد والخواء، وصل إلياس إلى غرفته مع اقتراب ميرال تحمل مشروبًا دافئًا:
_لسة منمتيش؟.
_هشوف يوسف صحي، ولَّا لأ يشرب حاجة دافية.
مدَّ يده وتناوله منها:
_هاتيه وروحي ارتاحي شوية، وأنا هشوفه.
أمسكت ذراعه:
_لسة مااتكلمش معاك في حاجة؟.
_ميرال روحي نامي، هتوقعي من طولك.
_أنام إزاي وابني كدا؟
_ميرال، إحنا نقول الحمدلله.
_الحمدلله..تمتمت بها، واستدارت للمغادرة، مع دلوف إلياس الى غرفته، تجمَّدت أقدامه بمكانها، التفتت ميرال إليه مع كلماته:
_ياربِّي عليكي يا بنت أرسلان!.
تحرَّكت ميرال للداخل، توسَّعت عيناها وهي ترى ضي نائمة بأحضان ابنها، رفعت عيناها لإلياس:
_أنا فكَّرتها مشيت.
التفت إليها:
_ادخلي صحِّيها، وفهِّميها مينفعش اللي بتعمله دا، هوَّ مش جوزها دلوقتي.
ابتلعت ميرال ريقها بصعوبة:
_ماهو..ماهو..
نظر إليها بتدقيق:
_ماهو إيه، مالك؟.
_مش هيَّ كانت بتسألك على مأذون؟
_مش فاهم تقصدي إيه؟.
اقتربت منه بحذر:
الصبح كانت بتقولَّك إيه؟.
ذهب بذاكرته:
_أمم، وبعدين كمِّلي سامعك.
_إيه هوَّ اللي أمم، حضرتك ما بتدردش ليه على اللي قولته؟.
كتم أرسلان ضحكاته، وهو يبعد بعينيه عن إلياس.
_بت إنتي طبيعية؟!
_حضرتك شايفني نافخة مثلًا، دي خدود طبيعية، وشفايف طبيعية، حتى اسأل ابنك.
جزَّ إلياس على أسنانه:
_مش موافق.
_هوَّ أنا هتجوزك إنتَ علشان آخد رأيك، أنا بقولَّك تشوف مأذون.
نظر لأرسلان الذي ارتفعت ضحكاته:
_مش جيباه من بعيد، نسخة مصغَّرة من عمَّها، والكلّ بيشهد بكدا.
_ليه عمَّها بجح كدا؟!
_وأكتر..مش كدا يا ماما؟.
_بالظبط يا حبيبي، اسألني أنا.
_مفهمتش برضو.
سحبته للخارج وأغلقت الباب وقالت:
_يوسف كتب كتابه عليها النهاردة.
ضيَّق عيناه وتساءل:
_يعني إيه، مش فاهم، إزاي وهوَّ مكنش عايزها تفضل معاه في المستشفى، هيَّ عرَّفته إنها عرفت حالته؟.
_ولو عرَّفته كان عمل كدا.
_ميرال أنا مصدَّع، ما تقولي، هو سر.
قصَّت له ما صار من اتفاق ضي مع بلال وأستاذه.
جحظت عيناه، كوَّر قبضته بعنف:
_إنتِ إزاي تسمحي بحاجة زي كدا؟!.
بغرفة رولا..
كانت تتحدَّث معه بالهاتف:
_خلاص، بكرة مفرقتش يا حبيبي.
تنهَّد على الجانب الآخر:
_ما تنزلي نقعد شوية في الحديقة.
_لا تعبانة وهلكانة وعايزة أنام، بكرة نتكلِّم تصبح على خير.
_وإنتي من أهله حبيبي.
ابتسمت وأغلقت الهاتف، تضع كفَّيها على أحشائها:
_باقي ليلة واحدة بس، وبابي يعرف يوجودك، صمتت تنظر للبعيد:
_عايزة أشوفه هيعمل إيه لمَّا يعرف انه هيبقى أب.
أغمضت عيناها وسحبت نفسًا طردته بهدوء:
_يارب بقى الساعات دي تعدِّي بسرعة.
قطع الصمت رنين هاتفها:
_مدام رولا، عرفت مكان معتز يا هانم.
اعتدلت سريعًا:
_فين؟!.
بروح نايت كلاب في ( )
ابعت لي اللوكيشين بسرعة.
_تحت أمرك.
نهضت سريعًا، ترتدي ثيابها وهي تمتم:
_أنا هعرَّفك يا حيوان ازاي تلعب عليَّ.
قالتها وسحبت مفاتيح سيارتها متَّجهة للخارج.
_رولا رايحة فين دلوقتي؟.
ارتبكت قليلًا، ثم اقتربت منه:
_آسفة يا بابا، نازلة رايحة لبلال، اتصل وقالِّي تعبان.
_رايحة فين بالظبط، بيتكوا ولَّا بيته؟.
ابتلعت ريقها تفكِّر سريعًا حتى لا ينكشف أمرها:
_بيتنا طبعًا
_مش قادرين تتحمِّلوا ليلة واحدة؟
اقتربت منه وقبَّلته على وجنتيه:
_خلاص بقى يا يزون، لازم تحرج بنتك، سلام بقى.
_شوف البت..خرجت رحيل على صوته:
_مالك؟.
_بنتك..من غير خجل قالت رايحة لبلال.
ضحكت رحيل وقالت:
_ربِّنا يسعدهم، خلاص بقى يازيزن ما تسيبهم.
_مكنش ينفع الفترة اللي فاتت، ابن أختي بين الحياة والموت وأنا بفكَّر في بنتي.
_الحمدلله، ربِّنا يحفظه.
_يارب...هعدِّي على كريم شوية، وأشوف آسر مرجعش ليه لحدِّ دلوقتي.
بغرفة يوسف..
تململ في نومه يشعر بثقلٍ خفيّ على صدره، فتح عينيه ببطء، ليقع بصره على خصلاتٍ ناعمة تنسدل على وجهها، تلامس بشرته في حميميةٍ صامتة..تأمَّلها للحظات، ثم رفع يده بحنوِّ غريزي، يزيح تلك الخصلات برفق، يخشى أن يوقظها، انسابت أنامله فوق ملامحها بهدوء، تتبَّع وجهها كأنَّه يقرأه من جديد…حتى انكشف وجهها كاملًا، قريبًا منه حدَّ الوجع.
ظلَّ يمرِّر أصابعه عليها، مأخوذًا بسكونها، إلى أن تجمَّدت يده فجأة… حين تذكَّر ما أصابه، ابتعد بجسدٍ مرتعش، يهمس لنفسه:
_كيف عليه أن يتحمَّل ألم قربها، في نفس الوقت دوى في رأسه كلماتها كصفعةٍ قاسية ارتطمت بروحه.
انتفض وسحب ذراعه بعنفٍ من تحت رأسها، كأنه ينتزع قلبه من شعورٍ خانَه.
فتحت عينيها على إثر حركته، نظرت حولها بارتباك، قبل أن تتذكَّر..اعتدلت سريعًا، تجمع خصلات شعرها، وعيناها تستقرَّان عليه:
_ إيه اللي جابك هنا، مش قولت مش عايز حد؟
زفرت بإرهاق، ونهضت تعدِّل ثيابها، بينما اعتدل هو في جلسته، يرمقها ببرودٍ متعمَّد.
ردَّت بثباتٍ متعب، كأنها تتشبَّث بما تبقَّى لها:
_ اللي أعرفه…إن مكاني جنب جوزي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، خالية من أي دفء:
_ جوزك، اللي اتجوزتيه بالعافية؟
اقتربت منه أكثر، تتحدَّى المسافة بينهما، ونظرتها ثابتة:
_ ريَّح نفسك يا يوسف…أنا عاجبني كده، ومهما تقول مش هغيَّر رأيي.
أمال رأسه قليلًا، وكأنَّ كلماتها أثارت داخله شيئًا معقَّدًا، ثم قال ببرودٍ أشد:
_ تمام…براحتك، وأنا كمان مستفيد.
ارتبكت ملامحها رغم محاولتها التماسك:
_ يعني إيه؟
دنا منها أكثر، حتى تداخلت أنفاسهما،
واحتضن شفتيها بقبلةٍ جامحة، مؤذية لكلاهما، كأنه يعاقبها على اقترابها منه، ويعاقب نفسه بحرمانه منها، دامت القبلة حتى انسحبت أنفاسها، ليبتعد قليلًا، وما زالت أنفاسها تمتزج بأنفاسه.
رفعت عيناها إليه، وقلبًا يرتجف من الاشتياق:
_وحشتني أوي.
كلمة كصوت الكروان لليل العاشقين، تنبع دفء، سوى برود قلبه الذي ينشطر، غاص بعينيه في عينيها، قبل أن ينطق بكلماتٍ خرجت هادئة، لكنها حادَّة كالسكاكين..ليتوقَّف الزمن عندها.
اتَّسعت عيناها، وانسحبت أنفاسها من صدرها، كأنَّ الهواء تخلَّى عنها، لم تستطع أن تمنع دموعها التي انسابت بصمت، تتساقط فوق وجنتينِ شاحبتين.
أمَّا هو…فتراجع إلى الخلف ببرود، وكأنَّ شيئًا لم يكن، وكأنه لم يهدمها للتوّ بكلماته.
بقيت تنظر إليه…بصمتٍ موجع، بعينينِ غارقتين، ووجهٍ شاحب… كشحوب الموتى.
منتظرة ريفيوهاتكم، وسامحوني على عدم ردي على اخر فصل كنت مرهقة جدا
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق