ثـمن الأمانـة كـاملة بقلـم انجي الخطيب
ثـمن الأمانـة كـاملة بقلـم انجي الخطيب
الجزء الأول: الغربة والطعنة
رجعت من السعودية من غير ما أقول لمخلوق.. بعد 5 سنين شقى ونحت في الصخر.
لا قولت لأمي..
ولا لأختي..
ولا حتى لمراتي "ليلى".
5 سنين وأنا شغال تحت شمس تحرق الحجر، لدرجة كنت بحس إن جلدي هيتشقق من لهيبها. 5 سنين بتنفس تراب وعرق وحديد، وسط صمت الغربة اللي بياكل في الروح. كنت عايش في أوضة ضيقة مع عمال زيي، بناكل أي حاجة وننام أي نوم، عشان أبعت كل مليم لبيتي.. عشان "ليلى" وابني "ياسين" يعيشوا ملوك في البيت اللي بنيته طوبة طوبة بدم قلبي.
كل شهر كنت بحول 80 ألف جنيه لأمي "كريمة".
لما سافرت، ليلى مكنش عندها حساب في البنك، وقولت مفيش آمن من حضن الأم.. استأمنت أمي على مالي وعيالي. كل شهر كنت أقولها نفس الكلمة:
"يا أمي، ليلى مش عايزها ينقصها حاجة..
وياسين ابني، خليه ميتمنعش عن حاجة أبداً."
وكان الرد دايمًا جاهز ومحفوظ:
"مراتك لسه راجعة من المول.."
"دي عند الكوافير بتدلع.."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
"مش فاضية تكلمك دلوقتي.."
صدقتها.. أصل هصدق مين لو مصدقتش أمي؟
الواحد بيصدق دمه ولحمه حتى لو الكلام فيه "إن"، حتى لو السكوت بين الجمل بيطول، حتى لو في حتة جواك بتقولك إن في ريحة خيانة بتفوح.. بس كنت بكدب قلبي.
عقدي خلص بدري، وقررت أنزل مصر فجأة.. مفاجأة.
كنت عايز أشوف الفرحة في عين ليلى لما أفتح الباب.
جبت شكولاتة غالية، غويشة دهب لليلى، وشنطة ألعاب لياسين اللي كمل 6 سنين وأنا مش جنبه. طول الطريق وأنا بتخيل
المشهد.. ليلى بتضحك، وياسين بيجري يحضنني على رخام الصالة في "الفيلا" اللي دفعت فيها عمري وشبابي.
البيت كان في التجمع، قصر منور، بوابات حديد، وشوارع هادية متسمعش فيها إلا صوت ركنة العربيات الفارهة.
بس أول ما رجلي خطت قدام البيت.. قلبي انقبض.
صوت مزيكا عالي طالع من الصالة..
أنوار النجف كلها قايدة..
ضحكات عالية جايبة لآخر الشارع..
وخيالات ناس بترقص ورا الستائر.
أمي وأختي "فايزة" كانوا عاملين عزومة تانية لصحابهم "الهاي".. ناس بتشرب وتضحك بفلوسي، والبيت اللي بنيته عشان يكون "سكن" لمراتي، قلبوه "قاعة احتفالات" لمنظرتهم الكدابة.
قررت أدخل من باب المطبخ اللي ورا.. الباب اللي مبيفتحهوش إلا الشغالين.
الجنينة اللي ورا كانت ضلمة كحل.
ريحة المكان رطوبة، وزيت محروق، ورز حمضان.
خطواتي كانت تقيلة ومكتومة.. لحد ما سمعت الصوت.
صوت طفل بيعيط بـ "هسهسة".. كأنه خايف حد يسمعه.
وبعدين صوت صغير بيقول:
"يا ماما.. أنا جعان.. أنا عايز حتة من الفراخ اللي جوا دي."
نفسي اتقطع.. الدم جمد في عروقي.
رد عليه صوت ست، واطي ومكسور، كأنه طالع من تحت الأنقاض:
"هسسس.. يا حبيبي اسقط. لو ستك سمعتنا هتيجي تبهدلنا تاني. خد كل ده.. أنا غسلت الرز اللي كان بايت عشان طعمه ميبقاش لازع."
قلبي اتخلع من مكانه.. قربت من باب "المطبخ القديم" وبصيت.
كانت هي.. "ليلى".
مراتي.. حبيبتي.
قاعدة على كرسي بلاستيك مكسور في ضي ونايض، لابسة جلابية مقطوعة من
الكتف.. معصم إيدها بقى رفيع زي الشمعة.. شعرها مربوط بأستك قديم. كانت ماسكة طبق "ميقبلهوش كلب" وبتحاول تأكل ابني.
ابني.. حتة مني.
ياسين كان بياكل ببطء.. بهدوء مرعب.. هدوء الأطفال اللي الدنيا أدبتهم بدري وعلمتهم إن الطلب ملوش لازمة.
وراهم في الركن.. كان مرصوص "شقاهم".
مخدة دايبة..
جردل بلاستيك..
غيارين هدوم..
وحلّة صغيرة.
ساعتها الحقيقة خبطت في وشي زي القلم:
مراتي وابني مش عايشين في الفيلا.
دول عايشين "وراها".
مخبينهم زي "العار"..
زي "الخدامين"..
زي حاجة زيادة ملهاش لازمة مش عايزين الضيوف يلمحوها.
وفجأة.. الباب اللي واصل بين المطبخ والصالة الكبيرة اتفتح.
النور "النضيف" اللي جاي من جوا كشف ليلى وكسرها زيادة.
دخلت "فايزة" أختي شايلة صينية عليها فراخ مشوية، ريحة البرفان سابقاها، والغرور مرسوم على وشها وهي لابسة حرير وماكياج كامل. بصت لهم بقرف وقالت:
"إياك تمدي إيدك على أكل الضيوف.. كلي أنتي وابنك من البواقي لما الناس تمشي.. لو اتبقى حاجة أصلاً."
ليلى وطت راسها في الأرض.
ياسين كلبش في الطبق اللي فيه الرز الحمضان.
وفي اللحظة دي.. الدنيا اسودت في عيني.
سيبت الشنط من إيدي.
وقعوا على الأرض بهبدة هزت المكان.
فايزة لفت برعب.. الصينية اترعشت في إيدها.
شافتني.
وأمي دخلت وراها.. عينها جت على الشكولاتة المرمية، وبعدين في عيني، وبعدين على ليلى اللي قاعدة وسط القرف والذل.
شوفت اللون وهو بيهرب من وش أمي بالتدريج.
شفايفها ابيضت..
خدودها اتخطف لونها..
وإيدها سابت الباب.
ساعتها مكنتش عارف أبص لمين..
للست اللي كسروها وذلوها؟
ولا لـ "دمي ولحمي" اللي غدروا بيا وخدعوني 5 سنين؟
قولولي.. في غدر أوسخ من إنك تحول شقى راغب في الغربة لـ "جوع" في بطن ابنه؟
وأنا واقف في المطبخ الضلمة ده، والناس بتضحك وبتاكل بمالي في الصالة، فهمت حاجة واحدة بس:
أياً كان اللي هيحصل دلوقتي..
العيلة دي مستحيل ترجع زي الأول تاني.
الجزء الثاني: الحساب والعقاب
صينية الفراخ اتهزت في إيد "فايزة" لدرجة إن الأكل كان هيقع منها على الأرض.
أمي "كريمة" كانت واقفة وراها، لسه لابسة العقد اللولي وواخدة وضع "الهانم" اللي بتستقبل الضيوف.. الهيئة اللي أتقنتها طول الـ 5 سنين وهي بتصرف من مالي اللي مكنش بيجي بالساهل، كان بيجي بحرق الدم والشقاء.
لثواني، السكوت كان سيد الموقف.. لحد ما "ياسين" ابني رفع عينه من طبق البلاستيك المكسور اللي في حجره، وشافني واقف على الباب.. جسمه اتخشب، ورعشة خفيفة هزت كتافه وجعت قلبي.
كان المفروض أروح لأمي الأول أعاتبها..
كان المفروض أمسك أختي أهزأها، وأسألها إزاي الست اللي سافرت عشان أحميها، قاعدة في مطبخ الخدم بجلابية مقطوعة ورز حمضان، والضيوف "الهاي" بيشربوا أفخر العصائر على بُعد خطوات؟
بس عيني راحت لمكانها الطبيعي.. راحت لـ "ليلى". تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
كانت بتبصلي كأني "عفريت" طالع لها من الحلم.. شفايفها اتفتحت من الصدمة، وصوابعها كلبشت في المعلقة.
. وخرج منها صوت، مش حتى اسمي، كان مجرد نَفَس مكسور.. نَفَس هدّ جبال جوه صدري.
نزلت على ركبي قدام ياسين.
طول عن لما سبته.. خدوده خست.. وفي جرح صغير تحت دقنه عمري ما شوفته.. الجرح ده لوحده خلاني عايز أهدم البيت على اللي فيه. كان بيبص لوشي، وللشنط والهدايا اللي وقعت مني، كأنه اتعلم إن "التمني" شيء خطر وممكن يوجع.
"بابا؟" .. همس بيها وهو مش مصدق.
هزيت راسي، لأني لو نطقت، صوتي هيطلع زي الجرح النازف.
ياسين رمى نفسه في حضني بقوة، الطبق وقع والرز الحمضان اتقلب على الأرض.. حضنني بكل قوته، حضن فيه وجع سنين مش ثواني.. وبدأ يعيط في كتفي، عياط مكتوم بتاع طفل عوّد نفسه ميتطلبش كتير عشان ميتهانش.
من ورايا، أمي أخيراً لقت لسانها وقالت:
"يا ابني.. الموضوع مش زي ما أنت شايف خالص."
قمت ووقفت وأنا شايل ياسين في حضني، ولفيت ليها.
في كدب بيبقى غبي لدرجة إنه بيشتم الوجع نفسه.. والجملة دي كانت واحدة منهم. ليلى قاعدة على كرسي بلاستيك جنب جردل غسيل، وياسين ريحته صابون مواعين ورز قديم.. وفايزة واقفة فوق راسهم بصينية أكل "ملوكي" للناس اللي بتعتبرهم "مقامهم من مقامها".
بصيت لأمي وقولت بصوت غريب حتى عليا:
"أمال إيه اللي أنا شايفه؟ فهميني."
فتحت بوقها، بس فايزة سبقتها:
"يا أخويا متكبرش الموضوع.. هما كانوا بياكلوا هنا عشان العزومة جوا، ومردناش المطبخ يتزحم والضيوف يلمحوهم باللبس ده."
ليلى وطت راسها في الأرض فوراً.
الكسرة دي أكدت لي إن الـ 5 سنين اللي فاتوا كانوا جحيم.. ليلى كانت "عفية" ومبكتسش.. صوت فايزة بقى بالنسبة لها "جرس إنذار" بيخليها تنكمش على نفسها.
مشيت ناحية ليلى بالراحة، ونزلت لمستواها وقولت:
"بصيلي يا ليلى."
رفعت عينها.
. وشوفت "العار".. مش عارها هي، ده "الخزي" اللي الناس الواطية بتصبه على الشرفاء لحد ما يحسوا إنهم هما اللي غلطانين.
مديت إيدي ليها وقولت:
"قومي ادخلي جوا."
أمي صرخت فجأة: "لأ!"
الكلمة طلعت منها زي الكرباج. ياسين اتنفض في حضني، وليلى جسمها اتشد.
لفيت راسي ليها ببطء مرعب:
"لأ؟"
أمي حست إنها غلطت، بس بدل ما تتراجع، لبست وش "كبير العيلة" وقالت:
"في ضيوف في الصالة.. ناس مهمة.. مش وقت فضايح وعمل مشاكل دلوقتي."
بصيت من وراها على الصالة المنورة..
صوت الضحك، والمزيكا الهادية، وريحة اللحمة المشوية والزبدة.. التناقض كان مقرف لدرجة تخلي الواحد عايز يرجع.
وطيت أخدت الطبق المكسور من على الأرض.. الرز كان كتل وريحته تصد النفس. ياسين خبى وشه في رقبتي مكسوف إن ده كان عشاه.
قولت ببرود: "تمام.. خليهم كلهم يسمعوا."
دخلت الصالة بالطبق والرز الحمضان في إيدي.
فايزة جريت ورايا وهي بتترعش: "أنت مجنون؟ متبوظش العزومة!"
قولتلها بكلمة واحدة: "جربي تقربي مني."
دخلت وسط الضيوف.. 20 أو 30 واحد، رجالة ببدل غالية وستات بالماس والحرير.. اللي بيضحك واللي بياكل.. وفي النص تورتة وتجهيزات "خطوبة".
أختي فايزة كانت بتقبض تمن شقايا "عريس لقطة" ومنظرة كدابة.
المزيكا وقفت.. والوشوش لفت ليا.. لراجل هدومه عليها تراب السفر وشايل طفل وماسك طبق رز معفن.
أمي دخلت ورايا بابتسامة صفراء:
"يا جماعة.. ابني لسه راجع من السفر وتعبان.. معلش.."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
حطيت طبق الرز في نص السفرة اللي بتلمع.
الريحة وصلت للضيوف.. ستات بدأت تسد مناخيرها، والعريس "عمر" بص للطبق وبص لياسين بصدمة.
بصيت للكل وقولت:
"
الطبق ده.. هو اللي مراتي وابني بياكلوه ورا البيت.. في الوقت اللي أنتم فيه بتتحلوا وتضحوا بفلوسي."
السكوت كان مرعب.
أمي حاولت تلم الدور: "ليلى هي اللي كانت عايزة تقعد ورا.. هي انطوائية وبقت صعبة من ساعة ما سافرت."
ليلى كانت واقفة على باب الصالة، هدومها المقطعة كشفت كل الكدب. روحت سحبتها من إيدها وقعدتها هي وياسين في صدر السفرة.. في مكان "أمي".
"اقعدي.. ده بيتك."
أمي كانت هتموت من الغيظ: "أنت بتهين أمك قدام الغرب عشان دي؟"
بصيت لليلى وسألتها والكل بيسمع:
"خرجوكِ من أوضتنا من إمتى؟"
فايزة زعقت: "مش وقت مشاكل عائلية!"
زعقت فيها لأول مرة: "اسكتي خالص! ليلى.. انطقي."
ليلى بكت وقالت بصوت واطي: "بعد سفرك بـ 3 شهور.. أمك قالت البيت كبير عليا، وخدت الحساب البنكي، وقالتلي أوضة النوم الكبيرة لازم تفضل نظيفة للضيوف المهمين.. ورمونا ورا."
فايزة ردت بوقاحة: "عشان ابنك كان بيبوظ العفش!"
ياسين همس وهو بيعيط: "أنا كان عندي 4 سنين بس يا بابا."
سألتها: "وفين تليفونك؟"
ليلى وطت راسها.. أمي قالت: "ضيعته."
ليلى ردت بكسرة: "حماتي خدته.. قالتلي كتر الكلام مع جوزك هيعطله وهيخسرك فلوس كتير.. وقالتلي إنك بقيت مديون والفلوس قلت، ولازم أرضى بلقمتي عشان متطردش أنا وابني في الشارع."
كل كلمة كانت بتنزل زي السكين في قلب الصالة.
العريس "عمر" قام وقف.. وبص لـ فايزة بقرف:
"أنتي قولتيلي إن الفيلا دي بتاعتك.. وانك اللي بتديري كل حاجة.. أتاريكم عايشين على دم أخوكي ومجوعين ابنه؟"
طلع علبة الشبكة من جيبه، رماها على السفرة وقال:
"أنا مبيتشرفش بيا ناس بياكلوا حق اليتيم
وأبوه عايش.. فايزة.. انسي إنك عرفتيني."
خرج هو وأهله، والضيوف بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني والوشوش مليانة قرف واشمئزاز.
أمي قعدت على الكرسي وهي منهارة.. مش عشان ندمانة، عشان "بريستيجها" ضاع قدام الناس.
طلعت تليفوني..
أمي سألت برعب: "بتعمل إيه؟"
قولتلها: "بمسح 5 سنين من الهبل."
بصمة إيدي فتحت حساب البنك.. لغيت كل "التوكيلات" اللي كنت عاملها لأمي وأختي.
وقفت كل الكروت.. وسحبت صلاحيات التصرف في أي مليم.
كلمت المحامي بتاعي، وبلغته بـ "تبديد أمانة" واستغلال مالي ومنع إعالة.. وطلبت منه يرفع قضية "طرد" فورية لأي حد في البيت غير مراتي وابني.
بصيت لأمي وقولت:
"قدامكم ساعة.. تلموا هدومكم وتمشوا."
أمي صرخت: "تطرد أمك في الليل؟"
قولتلها: "أنتي طردتي مراتي وابني 4 سنين في الضلمة والبرد.. أنا بس برجع الحق لأصحابه."
فايزة بدأت تولول وتشتمني.. بس الأمن اللي طلبته وصل، وخرجوهم بالشنط تحت نظرات الجيران اللي عرفوا الحقيقة.
بعد ما الباب اتقفل.. البيت صوته اتغير.
مبقاش "لوكاندة" للضيوف الكدابين.. بقى بيت.
ليلى كانت لسه مش مصدقة.. بتعتذر لو طلبت مياه، بتستأذن وهي داخلة المطبخ.. وجعها محتاج سنين عشان يلم.
بس أول قرار خدته.. إني مش هرجع السعودية تاني.
الفلوس اللي فاضلة، والفيلا، والشركة اللي هفتحها هنا.. كلها هتكون تحت إيد ليلى.
أمي وأختي حاولوا يرجعوا بالدموع والتمثيل، بس اللي ينهش في لحم ابني وهو جعان، ملوش مكان في حياتي.. حتى لو كان دمي.
دلوقتي، ياسين بيلعب في الجنينة وهو شبعان.. وليلى رجعت تضحك من قلبها.. وأنا عرفت إن الغربة مش في بلاد بره.. الغربة إنك تآمن للي من دمك وتخون اللي من روحك.
**النهاية.**


تعليقات
إرسال تعليق