المخزن كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
المخزن كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
"مش قادرة آكل تاني يا طنط".. همست ليلى، البنت اللي لسه مكملتش سبع سنين، بصوت واطي ومكسور، كأنها مش بتعتذر عشان شبعت، كأنها بتعتذر إنها لسه بتتنفس وليها طلبات.
الست اللي قاعدة قدامها مرفعش صوتها ولا زعقت. بكل برود، وطت جابت الطبق من الأرض، حطته تاني على ركب البنت، وطلعت قفل حديد وبمنتهى الخفة والتعود قفلت الباب.. كأنها بتقفل قفص على حيوان مش مخزن كراكيب في جنينة البيت.
في البيت ده، اللي قدام الناس كله كلام معسول وتبرعات لجمعيات الأيتام، مكنش الصريخ هو المرعب.. المرعب كان السكوت اللي البنت بدأت تتعود عليه.
المخزن كان في أخر حتة في الجنينة، ورا البيت، جنب التكعيبة اللي مرصوص تحتها شكاير الرمل والقصاري القديمة وعلب البوية الصدية. ريحة المكان كانت صعبة؛ ريحة طينة على كمكمة، على أكل بايت، على ريحة الوجع اللي لما بيتحول لروتين يومي.
ليلى كانت قاعدة على طقطوقة خشب، ضامة رجليها لصدرها. وشها كان دبلان، وصوابعها من كتر ما نحفت بقت شبه شفافة وبتترعش وهي ماسكة المعلقة، لدرجة إن المعلقة كانت بتخبط في طرف الطبق وتعمل رنة حزينة. في الطبق كان فيه شوية بليلة معجنة وقطع جزر مسلوقة باردة.
ليلى مكنتش بتتكلم خالص من ساعة وفاة والدتها، كأنها انحبست جوه نفسها، وبقت ترد بس بنظرة عين أو بلمسة إيد. بس الليلة دي، الكلمات غلبتها وخرجت.. وده بالذات اللي جنن "ميادة".
ميادة كانت دايمًا هي الواجهة.. الست اللي بتتصدر الموائد والاحتفالات الخيرية في المنطقة. فستان شيك، شعر مترتب بالملي، حلق لولي وسيمترية في الملامح، وضحكة هادية تخلي أي حد يصدق إنها ملاك. كانت بتعرف تختار كلامها، وتعرف توطي راسها بحنان يخلي الناس تحبها أكتر من أهلهم.
بس دلوقتي، وشها مكنش فيه أي حاجة من دي.
— "هتخلصي طبقك كله"، قالتها ميادة بنبرة ناشفة زي الحجر. — "ومش عايزة أشوف دموع.. مفيش صريخ هيطلع من هنا، ومحدش هيسمعك".
ليلى نزلت عينيها في الأرض، وشفتها اللي تحت كانت بتترعش. حاولت ترفع المعلقة بس إيدها خذلتها وموصلتش لبقها.
— "ولا معلقة هتفيض.. فاهمة؟"
أصعب حاجة في القصص دي مش جبروت الكبار، لكن السرعة اللي الطفل بيتعلم بيها إنه ميعليش صوته وهو بيعيط، وإنه ميفكرش يطلب مساعدة، لإنه بيبقى واثق إن مفيش حد جاي.
في نفس الليلة دي، وعلى بعد كام كيلومتر، "أحمد" كان راجع بعربيته على الطريق الصحراوي أسرع من ميعاده.
رجع من شغله في الإسكندرية قبل يوم كامل وما قالش لحد. كان عايز يفاجئ بنته.
الصبح في التليفون وعدها بليلة حلوة: هيتفرجوا على كرتون قديم تحت اللحاف، ويجيب لها الفطير اللي بتحبه من المخبز اللي جنب المحطة، وكراسة رسم جديدة. ليلى كانت بتحب ترسم الشبابيك، والشجر، والإيدين.. بالذات الإيدين. أحمد كان دايمًا بيأجل القعدات دي، وبعدين يأنبه ضميره ويوعد نفسه يعوضها.
أول ما دخل البيت، انقبض قلبه.
هدوء مش طبيعي.
مفيش جزمتها الصغيرة المرمية في الصالة. مفيش ألوان على تربيزة المطبخ. مفيش الوناسة الصغيرة اللي كانت ليلى بتصمم تفضل شغالة طول ما هو مسافر. حتى كاتل الشاي كان طافي.
— "ليلى؟" نادى وهو بيقلع الجاكيت بسرعة.
كان عارف إنها مش هترد بكلمة، بس العادي إنها كانت بتظهر من ورا الستارة، بخفة، كأنها بتتأكد إن هو ده بابا فعلاً.
بدل ليلى، سمع صوت. صوت حاد.. ناشف.. ملوش علاقة بصوت ميادة الرقيق اللي بيستقبل بيه الضيوف.
أحمد عرف الصوت، بس في نفس الوقت كان غريب عليه.
عدى المطبخ، فتح باب التراس، ونزل السلالم المبلولة للجنينة. الجو كان غيم وبرد. ومن تحت التكعيبة، شمت ريحة تراب مكنون. باب المخزن كان
موارب.
الريحة خبطت في وشه الأول.
وبعدين شاف ليلى.
كانت قاعدة في الأرض، حاضنة نفسها، والبليلة ملقحة جنبها على الخشب. رجليها كانت حافية وسقعانة، وهدومها مبهدلة، وعينيها وارمة من كتر العياط. والنظرة اللي في عينها مكنتش نظرة طفلة زعلانة أو قمصانة.. كانت نظرة رعب قديم، ممزوجة براحة غريبة لما شافته.
ميادة كانت واقفة فوق راسها، بتشاور بصباعها للأرض:
— "هتلمي كل ده بإيدك. ولو ما أكلتيش، هتفضلي هنا للصبح."
— "ميادة!"
لفت ميادة بسرعة والشرر في عينيها، بس في ثانية، وشها اتغير. تقاسيمها هديت، وعينيها دمعت، وصوتها بقى مكسور:
— "أحمد.. إنت فاهم غلط.."
مبصلهاش. نزل على ركبه قدام ليلى، شال الطبق من جنبها ورفع بنته في حضنه. كانت تلج.. كانت خفيفة زيادة عن اللزوم، كأنها ريشة. اتشبثت في رقبته بكل قوتها، كأنها بتمسك في أخر طوق نجاة.
— "إيه اللي بيحصل هنا؟" سأل بصوت واطي بس مرعب، لدرجة إن ميادة رجعت خطوة لورا.
— "كنت بحاول أأكلها"، قالت بسرعة. — "مبتاكلش خالص. إنت دايمًا مش هنا، وماتعرفش شيل الهم لوحدي مع بنت حالتها صعبة كده بيبقى عامل إزاي."
أحمد لف راسه ببطء وبص في عينيها:
— "إياكي تتكلمي عن بنتي تاني كأنها حمل تقيل عليكي."
ميادة نزلت عينيها الأرض. أداء متقن. وبعدين، بالذكاء اللي بيميز الناس اللي بتعرف تكسب المواقف، رفعت راسها وقالت كلمة واحدة:
— "أنا حامل."
الكلمة نزلت في برد الجنينة زي الحجر. ليلى في حضنه اتنفضت وضمت إيدها أكتر.
أحمد مردش. دخل البيت، قعد بنته على كرسي المطبخ، غسل وشها بمية دافية، وإيديه كانت بترعش وهو بيعدل لها الهدوم. وهي لسه ماسكة في كمه.
عند الحوض كانت واقفة "سعاد"، الشغالة الجديدة اللي ميادة جابتها من شهر. كانت بتغسل المواعين وعينيها في الأرض. بس لما رفعت عينها وبصت لليلى، أحمد مشافش شفقة.. شاف "تعود".
وشاف "خوف".
دي نظرة حد شاف المنظر ده كتير، وسكت كتير.
الليلة دي أحمد ما عملش خناقة. مش لإنه صدق، بس لإنه فهم إنه قدام "ممثلة" محترفة، وهو مش عايز يغلط غلطة تخليه يخسر بنته.
نيم ليلى بإيده. فضلت فترة طويلة مش عارفة تنام، بتتفزع من أي صوت في الممر. وحتى لما نامت، كانت كفوفها مقفولة كأنها لسه ماسكة في حاجة.
أحمد قعد في مكتبه، مطفي النور، وباصص لشاشة اللاب توب المطفي. كراسة الرسم الجديدة جنبه. البيت كان سكت تماماً.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
على الساعة واحدة إلا ربع، سمع حركة.
خطوات هادية.. بس واثقة.
فتح باب المكتب حتة صغيرة وجمد مكانه.
ميادة ماشية في الممر، ماسكة ليلى من معصم إيدها بقوة. البنت كانت حافية، راسها في الأرض، لسه مفيطلة من النوم بس مابتفكرش تقاوم. كأنها متعودة تسلم للي بيحصل.
كانوا رايحين ناحية الباب اللي بيطل على الجنينة.
ناحية المخزن.
في اللحظة دي، فيه حاجة في قلب أحمد اتكسرت، وحاجة تانية ظهرت.. حقيقة مرعبة بس أخيراً واضحة.
استنى لحد ما سمع صوت القفل وهو بيقفل في الجنينة، ورجع مكتبه. إيده كانت متلجة. فتح سيستم الكاميرات.
بدأ يشوف..
أولاً الجنينة.. بعدين الممر الجانبي.. بعدين باب المخزن.
التسجيل كان فاضح كل حاجة.
ميادة بتجر ليلى بالليل.
ميادة بتفتح الباب وتزقها جوه.
ميادة بتمشي.. وترجع بعد ساعة بطبق أكل.
وترجع بعد ساعة تانية تاخد الطبق.
أحمد رجع الشريط ليوم.. واتنين.. وأسبوع.
مكنتش ليلة واحدة.
مكنش غلطة عارضة.
ده كان نظام.
في تسجيل يوم الثلاث اللي فات، ليلى كانت قاعدة في ركن المخزن على مرتبة قديمة، ضامة رجليها. في النور الضعيف بتاع اللمبة
اللي في السقف، مدت صباعها المرتعش على الأرض اللي عليها تراب، وكتبت كلمة واحدة:
**"بابا"**.
أحمد كتم صرخته بإيده.
بس الأرعب من كل ده.. كان التاريخ اللي ظاهر في ركن الشاشة.
في التاريخ ده بالذات، ميادة كانت بتكلمه في التليفون وبمنتهى الهدوء بتقول له: "ليلى نامت بدري يا حبيبي، كانت تعبانة شوية وقالت لي سيبوني أنام للصبح".
### الفصل الأخير: "صدمة العمر"
أحمد فضل قاعد قدام الشاشة، دموعه نزلت لأول مرة من سنين.. مش دموع ضعف، دي كانت دموع نار بتحرق كل ذكرى حلوة كانت بينه وبين ميادة. كل كلمة حب، كل "عزومة" شيك، كل تمثيلية "الأم الحنونة" كانت بتتعرض قدامه الآن كأنها فيلم رعب رخيص.
قفل اللابتوب بهدوء مريب. الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
قام وخرج للجنينة. مكنش ماشي، كان كأنه شبح بينتقم.
وصل عند المخزن، ميادة كانت لسه واقفة بتظبط لبسها وبتمسح دموع "التمثيل" وهي راجعة البيت.
— "خلصتي تمثيلية الحمل؟ ولا لسه فيه فصل أخير؟"
صوت أحمد كان طالع من حتة بعيدة.. هادي جداً لدرجة تخوف.
ميادة اتنفضت، وشها بقى لونه أصفر زي الكركم:
— "أحمد.. إنت
لسه صاحي؟ أنا كنت بس.."
أحمد قاطعها وهو بيشاور على الكاميرا المخفية اللي فوق باب المخزن:
— "شوفت ليلى وهي بتكتب اسمي في التراب يا ميادة. شوفتك وأنتي بتجريها زي الذبيحة كل ليلة. أنا مش هسألك ليه عملتي كده.. لإن اللي زيك معندوش 'ليه'.. اللي زيك عنده غل وبس."
ميادة حاولت تصرخ، حاولت تعمل "نمرة" الست المظلومة، بس أحمد مسك إيدها بقوة وطلع موبايله:
— "البوليس على وصول.. والفيديو ده هيلف مصر كلها. مش عشان أنتقم، عشان الستات اللي زيك، اللي بيستخبوا ورا وشوش الملايكة وهم شياطين، يعرفوا إن ربنا كبير."
### النهاية
بعد شهرين..
البيت مكنش هادي زي زمان، مكنش فيه "صمت" الرعب. كان فيه صوت راديو شغال، وصوت ضحك خافت جاي من أوضة ليلى.
أحمد كان قاعد جنبها، بيعلمها ترسم "شباك" كبير بيدخل شمس.
ليلى لسه مبطتلتش خجل، ولسه بتخاف من الضلمة شوية.. بس إيدها مكنتش بتترعش وهي ماسكة القلم.
بصت لباباها، ولأول مرة من سنين، نطقت كلمة واحدة بس كانت كفاية تداوي كل جروح قلبه:
— **"بحبك يا بابا"**.
أحمد خدها في حضنه، وبص للسما من الشباك اللي رسمته، وحس إن روح أمها دلوقتي بس.. تقدر ترتاح.
**تمت**


تعليقات
إرسال تعليق