عمري ما هنسى لما شوفت اللي ابني عمله.
عمري ما هنسى
لما شوفت اللي ابني عمله.. استعوضت ربنا في تربيتي ليه!
عمري ما هنسى اليوم اللي ابني “أحمد” كلمني فيه في التليفون، وبمنتهى البرود والضحك قالي:
“يا ماما، تصدقي ‘نهى’ مراتي كبرت وعجزت وبقت كركوبة أوي؟”
دمي غلي في عروقي لدرجة إني كنت هفرقع، بس مسكت نفسي ومردتش عليه بالصوت العالي.. قررت إني لازم أشوف بنفسي إيه اللي بيحصل في البيت ده.
روحتلهم البيت من غير ميعاد، وأول ما الباب اتفتح، قلبي اتوجع واتمليت خزي وكسوف من اللي شوفته.
شوفت “نهى”. مرات ابني الصابرة.
شعرها ملموم أي كلام، وعينيها دبلانة من قلة النوم، وهدومها متبهدلة من شيل العيال وشغل البيت اللي مبيخلصش. كانت واقفة بتغير لواحد من العيال، وفي نفس الوقت اتنين بيضــربوا في بعض، والتالت بيعيط عشان الواجب، والتوأم الصغيرين بيصرخوا من الجوع.
خمس عيال.. خمسة!
وابني بقى؟ “أحمد” الباشا؟
لقيته ممدد على الكنبة زي “السلطان المخلوع”، الريمـ .ـوت في إيد والموبايل في الإيد تانية، بيتفرج على الست وهي بتغرق قدامه ومن غير ما يرفع صباع يساعدها!
سألتها بكسرة قلب: “محتاجة مساعدة يا حبيبتي؟”
بصت لي بخضة وعينيها مليانة دموع محبوـسة ، وقالت بصوت واطي: “لا يا ماما، أنا كويسة.. بس تعبانة شوية.”
“تعبانة شوية”. الكلمة اللي بتقولها الست لما تكون وصلت لمرحلة الانهيار ومش فاكرة أصلاً يعني إيه راحة.
سألتها: “آخر مرة نمتي فيها ليلة كاملة كانت إمتى؟”
هزت كتافها كأنها ناسية يعني
إيه نوم أصلاً.
وأحمد؟ ولا اتحرك.
لا شال عيل، ولا جاب كوباية ميه، ولا حتى رد على عيل بيصرخ.
في اللحظة دي، نظرتي لابني اتغيرت تماماً.. شوفت في ملامح نهى “تمن” أنانية ابني وجحوده.
خطة “رد الاعتبار”
تاني يوم الصبح، روحت لنهى وقولتلها: “البسي.. إنتي جاية معايا.”
بصت لي بذهول: “والعيال يا ماما؟”
رديت بحزم: “أنا اتصرفت وجبت حد يقعد بيهم، الموضوع مش محتاج مناقشة.”
متوفرة على
أخدتها لمركز تجميل “كوافير” كبير. في الأول كانت قاعدة على الكرسي مكسوفة، كأن الاهتمام بنفسها بقى جـ .ـريمة. ولما بصت في المراية بعد ما خلصت، عينيها اتملت دموع وهمست: “أنا مش عارفة شكلي.. دي مش أنا.”
طبطبت عليها وقولت لها: “لا دي إنتي يا بنتي.. الست القوية اللي اتجوزت ابني، ولازم تفتكري إنتي مين كويس.”
وبعدها أخدتها اشترينا لبس شيك ومريح، يحسسها بأنوثتها وقيمتها. وبعدين روحنا “سبا” عشان تفك عضلاتها اللي اتشدت من شيل الهم. قضينا اليوم في هدوء، بعيد عن صراخ العيال وزن الطلبات.
بقل
واحنا بنتغدى في هدوء، قولت لها:
“الشركة عندي محتاجة منسقة إدارية.. المرتب محترم، والمواعيد مرنة، وفي حضانة للعيال تابعة للشركة.”
بصت لي بذهول وقالت بتلقائية غريبة: “بس ما أقدرش أسيب جوزي وبيتي!”
ردها كان سريع كأنها حافظاه.. كأنها حبست نفسها جوه سجـ .ـن هي اللي بنته.
ميلت عليها وسألتها بهدوء: “ليه؟ هو عملك إيه مؤخراً يستاهل التضحية دي؟”
وهنا نهى انهارت … عيطت
عياط السنين.
مش شهقات بسيطة، لا.. ده كان
وجع مكبوت لست اتهجرت وهي جوه بيتها، ست ابني سابها تتدفـ .ـن بالحيا واتعامل مع تعبها كأنه “فرض عين” عليها.
أصعب حاجة ممكن يعملها الراجل مش الخيانة ولا الضـ .ـرب.. أصعب حاجة إنه يفضل قاعد يتفرج على مراته وهي بتنطفي وبتختفي قدامه، ويتعامل مع تعبها ببرود وكأنه حق مكتسب.
بقل
في اللحظة دي، “أحمد” وشه جاب ألوان.. من الصدمة للغضب، وبعدين لكسوف مكسور ببرود. مكنش مصدق إن أمه – اللي المفروض “سنده” – هي اللي بتفتح لمراته باب الخروج من تحت طوعه.
بص لي بغضب مكتوم وقالي: “إنتي بتأوميها عليا يا أمي؟ جاية تهدي بيتي بدل ما تنصحيها بالصبر؟”
بصيت له بكل هدوء.. الهدوء اللي بيخوف، وقولت له:
“أنا اللي نصحتها بالصبر هي اللي علمتني يعني إيه أصل طيب.. لكن أنت يا ابني، أنت اللي هديت البيت يوم ما اعتبرت “نهى” حتة من العفش، يوم ما نسيت إنها بني آدمة ليها طاقة ولها حق عليك.”
أحمد حاول يبرر: “بس أنا بشتغل وتعبان طول النهار عشانهم!”
رديت عليه والكلمات خارجة زي الرصاص:
“وهي كمان بتشتغل.. بتشتغل 24 ساعة في اليوم، من غير إجازات، من غير مرتب، ومن غير كلمة شكراً. الفرق بينك وبينها إنك لما بترجع بتقلع تعبك على الباب وتمدد، لكن هي تعبها بيبدأ من قبل الفجر ومش بينتهي حتى وهي نايمة.”
بصيت لـ “نهى” وقولت لها: “قرارك في إيدك يا بنتي.. الشركة مستنياكي، والعقد جاهز، والعيال في رقبتي أنا قبل رقبتك.”
نهاية
الانكسار.. وبداية الروح
نهى في اليوم ده مخدتش قرارها بالعاطفة.
. خدته بكرامتها اللي كانت بتنزف. وافقت على الشغل.
أول أسبوع كان صعب.. “أحمد” كان عامل زي العيل التايه، مش عارف يغسل شراب ولا يسكت عيل بيعيط. كان فاكر إنها “نزوة” وهترجع، بس لما شافها كل يوم الصبح بتلبس وتنزل وهي واثقة في نفسها، وشها رد فيه الروح، وعينيها لمعت من تاني.. بدأ يحس بالخطر.
بدأ يحس إن “الكنز” اللي كان معاه وبيهينه، ممكن يضيع من إيده فعلاً.
بعد شهرين.. روحت لهم البيت.
المنظر كان مختلف تماماً.. “أحمد” مكنش ممدد على الكنبة. كان واقف في المطبخ بيجهز عشا خفيف للعيال، ونهى قاعدة بتراجع حسابات الشركة على اللابتوب بتاعها.
أحمد بص لي وابتسم بكسرة خفيفة وقالي: “تصدقي يا أمي.. أنا مكنتش شايف؟ مكنتش عارف إن البيت ده شايل جبال أنا مكنتش أقدر أشيل ربعها لوحدي.”
مت
نهى مقــتلتش أنوثتها عشان تثبت إنها “بنت بنوت”. ولا صغرت في السن بالمعجزات. نهى رجعت “هوانم” لما لقت اللي يقدرها، لما لقت اللي يقول لها “تعبك على راسي”.
أحمد اتعلم الدرس الصعب.. اتعلم إن الست مش بـ “تتخن وتكبر” من الفراغ، دي بتدبل لما الراجل اللي معاها يقطع عنها مية الاهتمام.
والأم؟ الأم مكنتش “حما” قاسية.. كانت “ست” عارفة إن الحق أحق أن يُتبع، حتى لو كان الحق ده ضد ابنها. عشان في الآخر، هي مش بس بتربي ابنها.. هي بتنقذ “رجل” كان ممكن يضيع في سكة الظلـم، وبتنقذ “عيلة” كانت هتتهد بسبب
كلمة “جارحة” اتقالت في ساعة غرور.
الست مابتكبرش بالسنين.. الست بتكبر بالإهمال، وبترجع تصغر بالحب والتقدير.
تمت…


تعليقات
إرسال تعليق