كان عمّي قد خرج للتو من السجن، فأدارت العائلة كلّها ظهورها له، كأنّه لم يكن يومًا واحدًا منهم
كان عمّي قد خرج للتو من السجن، فأدارت العائلة كلّها ظهورها له، كأنّه لم يكن يومًا واحدًا منهم
مرّت السنون، ووضعنا القدر مرّةً أخرى أمام اختبارٍ قاسٍ، وكأنّه يُعيدنا إلى النقطة ذاتها، لكن بثقلٍ أشدّ.
في البداية، كانت الورشة التي عملتُ بها منذ تخرّجي من الثانوية. كنت أظنّها بداية الطريق، لكنّها كانت تُغلق من شهرٍ إلى آخر، دون أيّ تعويض يُذكر. وكان صاحبها، أبو صفاء، يُقسم في كلّ مرّة
إذا تحسّنت الأحوال، سأتصل بكم.
لكنّه لم يتصل أبدًا.
ثم بدأت أمّي، أم علي، تُصاب بالمرض أكثر من المعتاد. لم يكن مرضًا خطيرًا، لكنّه كان كافيًا ليجعل شراء الأدوية عبئًا جديدًا لا نحتمله.
أمّا بيتنا، الذي كان رغم بساطته نظيفًا ومتماسكًا، فقد بدأ ينهار ببطء
تسرّبات في كلّ يوم مطر،
طلاء يتقشّر من جدران المطبخ،
وثلّاجة تُصدر صوتًا يشبه أنين كائنٍ عجوز، توشك أن تتوقّف في أيّ لحظة.
كنتُ في السادسة والعشرين من عمري، ولأول مرّة، فهمت معنى الخراب.
لم يكن الأمر مجرّد قلّة مال
بل أن تبدأ في حساب كلّ شيء
الزيت الحليب الغاز وحتى الكرامة.
أن تفتح محفظتك كأنّك تفحص جرحًا مفتوحًا.
أن تبتسم أمام الناس وتقول
كلّ شيء بخير
بينما في الليل، تجلس وحدك، تُقلّب الأرقام في دفترٍ صغير ثم تمسحها، لأنّها لا تكفي مهما جمعتها.
وكالعادة لم يظهر الأقارب إلّا ليُدلوا بآرائهم.
ما كان يجب على أمّك أن تُدخل سجينًا سابقًا إلى البيت.
منذ عاد هذا الرجل، والنحس يلاحقكم.
هناك عائلات يختبرها الله وأخرى يُثقلها
بالبلاء.
كنتُ أضغط على أسناني وأغادر قبل أن أفقد أعصابي.
وأمّي لم تكن تُجادلهم.
كانت تكتفي بالصمت، ثم تعود إلى عملها
غسيل طبخ خياطة وصبرٌ لا ينتهي.
أمّا عمّي حسّون
فكان، كلّما سمع شيئًا من هذا الكلام، يزداد صمتًا.
لم يُدافع عن نفسه.
لم يُبرّر.
كان يخرج إلى الفناء، يحمل المجرفة، ويبدأ بحرث الأرض
كأنّه، وهو يغرس البذور، يحاول أن يدفن معها كلّ الإهانات التي أُلقيت عليه.
غضبتُ منه
ليس بسبب ماضيه، فقد أصبح بعيدًا، ضبابيًّا، لا أفهم تفاصيله أصلًا.
بل غضبتُ من هدوئه.
من ثباته الغريب، بينما كنّا نغرق.
كنت أراه يخرج كلّ صباح، ويعود ظهرًا بحذاءٍ مغطّى بالتراب، وحقيبة فيها بذور، أو أدوات قديمة، أو قطع خشب أعطاها له أحدهم.
أحيانًا كان يعمل في نقل الأكياس أو إصلاح الأسوار
وأحيانًا يعود بلا شيء.
لكنّه، في كلّ الأحوال، كان يفعل الشيء ذاته أولًا
يذهب إلى الحديقة.
تلك الحديقة بدأت تُثير غضبي.
لم تكن كبيرة.
مجرّد أحواضٍ غير منتظمة خلف البيت، بجوار غرفة الغسيل القديمة.
زرع فيها
طماطم فلفلًا حارًا نعناعًا بصلًا
ونباتاتٍ أخرى لم أعرف أسماءها.
كان يعتني بها كأنّها كنز.
ينزع الأعشاب الضارّة،
يُحرّك التراب بأصابعه،
ويهمس لها بكلماتٍ خافتة.
وأنا
كنت بلا عمل.
وأرى أمّي تُقسّم الطعام ليكفينا أيامًا أطول.
وبدأت أقتنع
أنّ السجن لم يترك عمّي كما كان.
وفي ليلةٍ لم أعد أحتمل.
انقطعت
الكهرباء بسبب تأخّر فاتورتين.
جلسنا نتناول العشاء في الظلام، على ضوء شمعةٍ صغيرة، وفولٍ مُسخّن.
حاولت أمّي أن تُخفّف الجو، فبدأت تحكي لي قصة قديمة عن والدي
لكنّ الغضب كان يخنقني.
انتهيت من الأكل، وألقيت الملعقة في الطبق بعصبيّة.
وما فائدة هذه النباتات؟!
صرختُ وأنا أنظر نحو الفناء.
هل ستسدّد ديوننا؟!
هل ستُعيد الكهرباء؟!
هل ستشتري دواء أمّي؟!
نظرت إليّ أمّي بحدّة
لا تتحدّث مع عمّك بهذه الطريقة.
لكنّي لم أتوقف.
لا يا أمّي!
نحن ننهار منذ شهور!
أبحث عن عمل ولا أجد!
وأنتِ تبيعين حُليكِ!
وهو يعيش في عالمٍ آخر!
وضع عمّي حسّون الكوب ببطء على الطاولة
لم يغضب.
لم يصرخ.
رفع عينيه نحوي وكان في نظرته شيء لم أره من قبل.
لم يكن استسلامًا بل كان عزيمة.
قال بصوتٍ هادئ، لكنّه هذه المرّة كان حاسمًا
تعال معي غدًا أريد أن أُريك شيئًا.
ضحكتُ ضحكةً جافّة، بلا رغبة، وقلت بسخرية
ماذا؟ نباتاتك المعجزة؟
كانت أمّي على وشك أن تُسكتني، لكنّه رفع يده بإشارةٍ خفيفة، ثم أعاد قوله دون أن يتغيّر صوته
غدًا، عند الفجر وإن أردتَ بعد ذلك أن تواصل كرهي، فافعل ذلك بكلّ حرّية.
لم أُجب.
ذهبتُ إلى فراشي وغضبي لا يزال مشتعلًا في صدري، أستمع إلى أزيز البيت الخافت في الظلام بعد انقطاع الكهرباء، وإلى نباح الكلاب البعيد. فكّرتُ ألّا أستيقظ، أن أتجاهله بدافع الكبرياء، أن أتركه في عالمه الذي لا
أفهمه. لكن عند الخامسة والنصف صباحًا، حين سمعتُ باب الفناء يُفتح، وخطواته تبتعد في السكون كان هناك شيءٌ أقوى من الغضب نفسه الفضول.
نهضتُ.
خرجتُ إلى الخارج، وكان الهواء باردًا يحمل رائحة الأرض المبتلّة. رأيت عمّي حسّون يتقدّم، يحمل مصباحًا صغيرًا، وعلى كتفه حقيبة ظهره القديمة، وعلى رأسه قبعته الباهتة التي لا يفارقها. لم يُلقِ عليّ تحيّة الصباح، فقط أشار إليّ بيده أن أتبعَه.
سرنا على الطريق الترابي خلف البلدة، ذلك الطريق الذي يمرّ بمحاذاة الجدول الجاف، ثم يصعد بين أشجار الصبّار والغاف. كانت السماء بالكاد تتفتّح من جهة الشرق، كأنّ النهار يتردّد في الظهور.
كنتُ ما زلت في مزاجٍ سيّئ.
قلتُ بحدّة
إن كان هذا سيُعلّمني المزيد عن الزراعة فأنا أُحذّرك، لستُ في مزاجٍ يسمح لي بذلك.
ابتسم ابتسامةً خفيفة، دون أن يلتفت إليّ، وقال
لا ما سترَاه لم يعُد يناسب أحواضًا صغيرة.
واصلنا السير أكثر من نصف ساعة. عبرنا بوّابةً ساقطة لم ألحظها من قبل، ثم مررنا بأرضٍ مهجورة تتدلّى فيها أسلاك قديمة، وبعدها طريقٍ ضيّق بين أشجار الغاف الكثيفة. وفجأة انفتح المشهد أمامنا.
توقّفتُ مكاني.
أمام عينيّ امتدّت قطعة أرضٍ واسعة أسفل وادٍ صغير ليست أرضًا عاديّة، ولا حتى صغيرة. صفوفٌ كاملة من أشجار الفاكهة، خلايا نحلٍ مصطفّة مطليّة بالأبيض، أخاديد محفورة بعناية، وفي الخلف مبنى منخفض بسقفٍ معدني جديد. كلّ شيء كان نظيفًا، منظمًا حيًّا.
رمشتُ مرّاتٍ عدّة، غير مصدّق.
ما ما هذا؟
التفت
إليّ عمّي أخيرًا، وقال ببساطة
هذا ما كنتُ أزرعه.
لم أعرف كيف أستوعب الأمر، فضحكتُ من شدّة الدهشة وعدم التصديق
ماذا تقصد بما كنتَ تزرعه؟! من أين جاء كلّ هذا؟
تقدّم بضع خطوات نحو أوّل صفٍ من الأشجار، ومدّ يده يلامس الأوراق برفقٍ غريب، كأنّه يلمس شيئًا عزيزًا عليه.
قال بهدوء
عندما خرجتُ من السجن، كنتُ أعلم أنّ أحدًا لن يثق بي حتى لو بعلبة ماء. كانت أمّك الوحيدة التي فتحت لي الباب. ولم أستطع ردّ ذلك بالكلام كنتُ أكبر من الاعتذار فقط. فبحثتُ عن طريقٍ آخر.
انحنى، وأخذ حفنة من التراب، ثم فتح كفّه أمامي.
هذه الأرض كانت قاحلة منذ سنوات. لم يُرِدها أحد، لأنّها لا تصلح لزراعة القمح، ومالكها سافر شمالًا ومات هناك دون أن يعود. بقيت مهملة، محلّ نزاع. كنت أعرف ابنه، فتوصلتُ إليه. عرضتُ عليه أن أعمل في الأرض مقابل جزءٍ منها وأشتري الباقي بالتدريج.
نظرتُ إليه بذهول
تشتري؟ بأيّ مال؟
ابتسم ابتسامةً جانبية
بما جمعته من الأعمال البسيطة بحمل الأكياس، وإصلاح الأسوار، وبما ادّخرته من خياطة الأكياس وصنع بعض الأثاث. كنتُ أعمل، وأدّخر، وأبني بينما كنتَ تظنّ أنّني أزرع الفلفل خلف البيت فقط.
تجمّدتُ مكاني.
ليس لأنّ كلّ شيء أصبح منطقيًا فجأة بل لأنّني أدركتُ كم من الأشياء لم أكن أريد أن أراها.
واصل عمّي السير، وتبعته كأنّي في حلم.
أراني خلايا النحل قال إنّها موجودة
منذ أربعة عشر عامًا، وإنّه يبيع العسل بالفعل لمتجرين في مركز المحافظة. أراني أشجار الليمون المطعّمة، وأشجار الأفوكادو الصغيرة، ومضخّة ماءٍ موصولة بخزّانٍ مدفون. ثم دخلنا إلى المبنى أكياس مرتّبة، مرطبانات عليها ملصقات، طاولة تعبئة، ودفتر حسابات منظّم بدقّة.
كان كلّ شيء يعمل.
صغيرًا نعم.
صامتًا نعم.
لكنّه يعمل.
قال وهو ينظر حوله
لم أخبرك بشيء لأنّ أهل البلدة لا يصمتون. ولأنّي تعلّمت هناك درسًا الخطط تنجح حين لا يعرقلها أحد. كانت أمّك تعلم ليس كلّ شيء، لكن ما يكفي. لذلك لم تسألني حين كنتُ أغادر.
شعرتُ بوخزة في صدري.
أمّي كانت تعلم؟
أومأ برأسه
كانت تعلم أنّني أفعل شيئًا لأترك لكم شيئًا قبل أن أموت. والباقي كانت تخمّنه، كما تفعل النساء اللواتي يصنعن وجبةً كاملة من حبّتي طماطم وقليلٍ من النيّة الطيّبة.
استندتُ إلى إطار الباب، فقد شعرتُ بأنّ ساقيّ لم تعودا تحملانني كما يجب.
قلتُ بصوتٍ متقطّع
إذًا لماذا ما زلنا نعاني؟ لماذا لا نستخدم كلّ هذا؟
تغيّرت ملامحه، وصار أكثر جدّية.
مدّ يده إلى رفٍ علوي، وأخرج ملفًا، ثم وضعه بين يديّ.
فتحتُه
فوجدتُ داخله صكوك ملكيّة، وعقودًا، وإيصالات، وتصاريح استغلال، واتفاقية شراكة بسيطة
وفوق كلّ ذلك
ورقةً موقّعة منه ومن أمّي.
قرأتُ اسمي
ثم قرأتُه مرّةً أخرى، كأنّني أحاول أن أُقنع نفسي أنّه حقيقي.
لم تكن وصيّة بل
عقدًا.
نصف الأرض ونصف المشروع، الحاضر منه والمستقبل مسجّلٌ باسمي بالفعل.
رفعتُ رأسي ببطء.
قال عمّي حسّون بصوتٍ هادئ، لكنّه هذه المرّة كان ممتلئًا بثقةٍ لا تقبل الشك
لم أرد أن ألمسها من قبل كانت لا تزال تنمو. لو استعجلناها وهي طرية، لكنا خسرناها وربما خسرنا أنفسنا معها. أمّا الآن فقد اشتدّت. هي ليست كبيرة، لكنّها تُعطي. وإذا أحسنتَ رعايتها خلال ثلاث سنوات، ستكفيك أنت وأمّك ومن سيأتي بعدك.
نظرتُ إليه
لكن الكلمات لم تأتِ.
كلّ الغضب الذي كان يشتعل في صدري الليلة الماضية ذاب فجأة، وتحول إلى خجلٍ حادّ مؤلم.
خجل لم أعرف كيف أهرب منه.
بعد صمتٍ طويل، سألت
لماذا أنا؟
أطلق عمّي زفيرًا بطيئًا، ثم قال
لأنّ أمّك أنقذتني مرّتين. الأولى حين فتحت لي الباب والثانية حين لم تسمح لك أن تصبح نسخةً من مرارة بقيّة العائلة. ولأنّك رغم غضبك منّي لست رجلًا كسولًا. أنت متعب فقط وهناك فرق.
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ أخفض
وأيضًا لا أريد أن يُذكر اسمي بذلك اليوم الذي دمّرتُ فيه حياة إنسان. أريد، حين أموت أن يبقى شيءٌ واحدٌ طيّب ينمو في المكان الذي وضعتُ فيه يدي.
لم أستطع أن أنظر إليه أكثر.
أدرتُ وجهي
نظرتُ حولي من جديد
الشتلات
خلايا النحل
الشمس التي بدأت بالكاد تُشرق خلف التلال
والماء النقي الذي ينساب بهدوء عبر خرطومٍ أسود إلى الأخاديد
كلّ هذا
كان يحدث منذ سنوات.
بدون
أن نعلم.
بدون أن أعرف أنا.
تذكّرتُ أقاربنا
تذكّرتُ كلماتهم
تذكّرتُ نفسي وأنا أصرخ بسبب نباتات.
وشعرتُ أنّني صغير. صغير جدًّا.
قلتُ بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع
سامحني
ابتسم عمّي حسّون ابتسامةً خفيفة، فيها حزنٌ وطمأنينة في آنٍ واحد، وقال
لا تقلها لي أثبتها. تعلّم وابدأ.
ضحكتُ لكن ضحكتي انكسرت في منتصفها، كأنّها لم تكتمل.
في ذلك اليوم، عدنا إلى البيت بسيّارةٍ صغيرة استعرناها من أحد الجيران، محمّلة بصناديق العسل، والليمون، والنعناع، وكيسين صغيرين من البصل الأحمر.
كانت أمّي، أم علي، تنتظر عند الباب، ترتدي مئزرها.
وحين رأت وجهي فهمت.
لم تقل شيئًا.
تقدّمت نحو عمّي أوّلًا، واحتضنته كما احتضنته يوم عاد من السجن
ثم احتضنتني..
وفي ذلك اليوم ولأوّل مرّة منذ شهور، جلسنا إلى المائدة دون أن نشعر أنّها تضيق بنا.
لكنّ المفاجأة الحقيقية جاءت بعد ثلاثة أيّام.
بمجرّد أن بدأنا نقل البضائع، وبدأ الطلب يظهر
ظهرت العائلة.
نفس العائلة التي أدارت ظهورها لنا لسنوات.
جاؤوا فجأة وكأنّ المودّة يمكن أن تنبت مثل النعناع بعد المطر.
في البداية، جاءت عمّتي تحمل خبزًا حلوًا للسلام فقط.
ثم عرض أحد الأقارب المساعدة في التسويق.
ثم قال آخر إنّه يتذكّر الأرض جيّدًا وأنّها في الحقيقة كانت دائمًا من حقّ العائلة.
راقبتُهم
هذه المرّة لم أغضب.
فهمت.
نظرتُ إلى عمّي حسّون فوجدته كما هو.
هادئًا لا يسخر ولا ينفعل
فقط يعمل.
اقترب منّي، وهو يرتّب صناديق العسل في الفناء،
وقال بصوتٍ خافت
الآن ستفهم لماذا تُزرع بعض البذور في صمت.
اتبعتُ نظره نحو السياج.
هناك تحت شمس الظهيرة، كانت تقف سيّارة سوداء.
عرفتُها فورًا سيّارة ابن عمّي رعد.
وشعرتُ بشيءٍ ينقبض في صدري.
لأنّ رعد
لم يكن يأتي أبدًا بدافع المودّة لم يأتِ ليبارك
بل جاء من أجل شيءٍ آخر
لم يكن وحده كان يقف بجانبه رجلٌ يحمل حقيبة أوراق.
محامٍ.
لم ننتظر طويلًا.
فتح رعد باب السيّارة ونزل بهدوءٍ غير معتاد، يرتدي قميصًا مكويًا بعناية، وخلفه رجل يحمل حقيبة أوراق. تقدّما نحونا بخطواتٍ محسوبة، لا استعجال فيها ولا تردّد.
توقّفت يد عمّي حسّون عن ترتيب الصناديق، لكنّه لم يتحرّك من مكانه.
قال رعد بعد أن وقف أمامنا كيف حالكم؟
ثم أشار إلى الرجل بجانبه وأضاف هذا
الأستاذ سامر محامٍ.
فتح المحامي حقيبته بهدوء، وأخرج بعض الأوراق، وقال بنبرةٍ رسمية نحن هنا بخصوص الأرض هناك حقّ عائلي لم يُسوَّ بعد.
شعرتُ بأنّ الهواء قد ثقل فجأة.
نظرتُ إلى عمّي، فوجدته كما هو؛ هادئًا، لا ينكر ولا يتوتّر، بل يراقب في صمت.
تقدّم خطوةً واحدة وقال تفضّلوا لنجلس ونتحدّث.
جلسنا في الفناء، على الطاولة نفسها التي كنّا نأكل عليها قبل أيام في الظلام.
وضع المحامي الأوراق وبدأ يشرح أسماء، تواريخ، صلات قرابة، واحتمالات مطالبة.
كان كلامه مرتبًا ومنطقيًا لكنه بارد.
وحين انتهى، ساد صمتٌ قصير.
مدّ عمّي يده وسحب ملفًا من جانبه، الملف نفسه الذي سلّمني إيّاه صباح ذلك اليوم.
فتحه بهدوء، وأخرج منه بعض الأوراق، ثم دفعها نحو المحامي
قائلًا تفضّل، اطّلع عليها.
أخذ المحامي يقرأ صفحةً تلو الأخرى، وتبدّلت ملامحه قليلًا.
ثم أعاد ترتيب الأوراق، ونظر إلى رعد قبل أن يقول الأرض مسجّلة قانونيًا، وقد تمّ نقل الملكية بعقودٍ سليمة، ولا يوجد طعن مباشر عليها.
سكت رعد لحظة.
ثم قال لكنّها أرض العائلة.
رفع عمّي عينيه إليه وقال بهدوء كانت.
ثم أضاف دون أن يغيّر نبرته حين كانت مهجورة ولم يسأل عنها أحد، كانت تضيع. يومها عملتُ فيها، وسدّدت ما عليها، وأخذتها خطوةً بعد خطوة. لم يكن أحد يريدها في ذلك الوقت.
لم يكن في صوته تحدٍّ بل حقيقة خالصة.
نظر رعد إلى الأرض، ثم إلينا، وكأنّه يعيد حساباته.
قال المحامي بهدوء إن كانت هناك رغبة في تسويةٍ ودّية، يمكننا مناقشة الأمر، أمّا من الناحية
القانونية فالوضع واضح.
لم يعلّق عمّي كثيرًا.
قال ببساطة من أراد أن يعمل فالمكان مفتوح، والرزق هنا موجود لكن له طريقه.
لم تكن دعوةً صريحة ولا رفضًا قاطعًا بل شيء بينهما.
نظر رعد إليه طويلًا.
ثم أغلق المحامي حقيبته.
وقفا دون ضجيج دون شجار ودون كلماتٍ زائدة.
لكنّ شيئًا ما كان قد حُسم.
تحرّك رعد نحو سيّارته، وتوقّف لحظة قبل أن يقول دون أن يلتفت سنرى.
ثم ركب وغادر.
وقفتُ أراقب السيّارة وهي تبتعد وشعرتُ بأنّ الأرض تحت قدمي لم تعد كما كانت.
التفتُّ إلى عمّي حسّون.
كان قد عاد إلى ترتيب صناديق العسل يكمل عمله كأنّ شيئًا لم يحدث.
لكنّي هذه المرّة فهمت.
فهمتُ لماذا كان صامتًا كلّ تلك السنوات.
ولماذا لم يكن الصمت ضعفًا أبدًا.
وفي تلك اللحظة
أدركتُ أنّ ما بُني هنا لم يكن أرضًا فقط
بل بداية حياة.


تعليقات
إرسال تعليق