انتقا.م صامت
انتقا.م صامت
جوزي كـ،ـسر وشي.. وتاني يوم كان فطار انتقا,مي الساكت!
قاعدة في الطو,ارئ، ودقني بين إيدين دكتور شاب، وأخويا ساند ضهره ع الحيط ومربع إيديه. ورقة سرير الكشف بتزيق تحتي.. والممرضة عمالة تصور الكدمات اللي في وشي. أنا ساكتة، بس من جوايا بصرخ. لما الدكتور سألني “بتحسي بالأمان في بيتك؟”، بصيت لأخويا، وبصيت للكاميرا، وحسيت حياتي اتقسمت نصين: الحياة اللي كنت بمثلها، والحياة اللي مابقتش قادرة أخبيها.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
اللي محدش يعرفه إني رغم إيدي اللي بتترعش، كنت خلاص خدت قراري. هما فاكرين إنهم هما اللي سايقين، بس مكنش عندهم فكرة أنا مرتبة لإيه.
ريحة القهوة وصلتني وأنا بصبها، بس مكنتش مستمتعة بيها. كنت ماسكة الكنك بإيدي الاتنين عشان الرعشة متبانش. “باسم” قاعد الناحية التانية من الترابيزة، عمال ياكل بشراهة وكأننا عيلة سعيدة.. وكأنه إمبارح مكنش هو اللي رماني بكل قوته على باب التلاجة. بيقطم ويمضغ ويبلع من غير ما يبصلي. كل ما أحاول آكل، أحس بوجع الكدمة بيسمّع في فكي.. وجع حامي بينبض، كأنه بيفكرني إني لسه عايشة.
وإن اللي حصل ده حصل بجد.
كنت لابسة فستان أسود بسيط، كأنه لبس عزا، وحاطة سلسلة جدتي في رقبتي. كل حاجة على الترابيزة معمولة على مزاجه: قهوته اللي بيحبها، طقم البورسلين الغالي، فاكهة طازة. هو فاكر إن ده “فطار اعتذار”، فاكر إني بطلب منه السماح. ميعرفش اللي فيها. السكوت كان كابس على نفسي. كنت مركزة بس وأنا بملى فنجانه عشان مفيش نقطة تقع. كان بيرش ملح على البيض من غير ما يرفع عينه، وفجأة جرس الباب رن.
كشر وضم حواجبه، ومسح بقه بالمنديل بضيق، كأن فيه حد جه يقطع عليه خلوته.
قلتله وأنا باصة في عينه: “أنا عزمت كام حد كدة.”
قام وراح يفتح الباب ببرود وغرور، وأنا كتمت نفسي. صوت القفل وهو بيفتح رن في وداني. سمعته بيقول: “فيه إيه؟” وبعدها سكت خالص.
دورت وشي في اللحظة المناسبة عشان أشوف ملامحه وهي بتتبدل لما شاف “مازن” ببدلة الشرطة.
وراه كانت أختي “تقى” ماسكة ظرف ورق كبير تحت ذراعها. وجنبهم، دخلت “الحاجة وفاء” بخطوات ثابتة، لابسة لبس الصلاة وماسكة المصحف في شنطتها. المشهد كان غريب: البيت النضيف، والترابيزة اللي مترتبة ع الفرازة، وحلفائي اللي داخلين زي الشهود.
رجلي كانت بتخبط في بعضها، بس متحركتش من مكاني.
قعدت براحة، وفردت إيدي على المفرش، وقلت الكلمة اللي بقالي أيام بحفظها في سري:
”جُم عشان ياخدوني.”
صوتي كان واطي، يادوب همس، بس كان كفاية أوي.
”باسم” حاول يلم الدور؛ سلم على “مازن” بابتسامة صفراء، وعزمه على قهوة كأنه هيغطي الحقيقة بالذوق والأدب. وبعدين بصلي، كأنه مستني إني أدافع عنه.
بدل ده، فتحت بقي وبدأت أحكي.
قلت إنه إمبارح زقني، وإنه كان سكران، وإنه زعق، وإن دي مش أول مرة. قلت كل الكلام اللي كنت طول عمري بخاف أنطقه.
ضحك واستهزأ بيا.
وقال: “أدينا بدأنا شغل الدراما بتاعك تاني.”
حاول يهزر مع “مازن”، وبعدين بدأ يوتر، ووشه يحمر. اتهمني إني ببالغ وإني مجنونة. بص للحاجة وفاء وقالها إن ده افتراء عليه وإني تعبانة نفسياً.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
كنت بس بصاله.
مقمتش من مكاني ولا عيطت.. فضلت أتكلم.
كل كلمة كانت بتطلع كأنها طوبة بتتشال من فوق صدري، وموقفتش.
”تقى” فتحت الظرف وطلعت الورق، ورصته قدامه على الترابيزة، ورقة ورقة.. من غير ولا كلمة.
باسم بص للورق اللي “تقى” رصته قدامه، ووشه بقى لونه أصفر زي الكركم. دي مكنتش مجرد ورق، دي كانت “تاريخه” كله: تقارير طبية قديمة من مستشفيات مختلفة، صور لكدمات قديمة كنت مخبياها في فولدر سري، وشهادة من جيراننا اللي سمعوا صريخي السنة اللي فاتت.
أختي تقى قالت بصوت زي حد السكين: “دي ورقة طلاقك يا باسم.. ودي صور الأشعة اللي اتعملت الصبح، وده محضر عدم تعرض ممضي وجاهز.”
باسم قام وقف فجأة، والكرسي اتنطر لورا، صرخ فينا: “إيه اللي بيحصل في بيتي ده؟ أنتوا اتجننتوا؟ دي مراتي ودي حياتنا!”
مازن، اللي هو الظابط، حط إيده على كتف باسم وبكل هدوء وقوة ضغط عليه: “اقعد يا باسم.. البيت ده مابقاش بيتك، إحنا معانا أمر بإخلاء البيت فوراً لحد ما المحكمة تفصل في المحضر اللي اتعمل الصبح في القسم.” باسم بصلي بعينين كلها غل، كان نفسه يهجم عليا، بس وجود “الحاجة وفاء” وصوت تسبيحها الهادي كان عامل زي السد. الحاجة وفاء بصتله وقالت: “البيوت أسرار يا ابني، بس لما السر يفيض ويوصل للدم، يبقى مفيش ستر.. يبقى فيه حق. والبنت دي وراها رجالة ووراها رب مابينامش.”
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أنا قمت من مكاني ببطء. لأول مرة محسيتش بوجع في فكي، حسيت بتقل بيزاح من على قلبي. دخلت الأوضة، طلعت شنطة كنت مجهزاها تحت السرير من أسبوع. حطيت فيها هدومي، وصورة أمي، وشهادات ميلاد ولادي.
خرجت والصالة كانت هس.. باسم كان قاعد مكسور، والغرور اللي كان مالي وشه اتهد. بصيت له نظرة أخيرة، نظرة مفيش فيها لا كره ولا حب، كان فيها “عدم” وبس.
باسم همس بصوت مكسور: “هتبيعي عشرة سنين عشان قلم؟”
رديت عليه وأنا عند باب الشقة: “العشرة إنت اللي بعتها لما فكرت إن وشي ده ملكك تكسره وقت ما تحب.. الفطار ده كان آخر واجب بعمله لك، ومن النهاردة، أنا اللي هختار مين يفطر معايا.”
خرجت وقفلت الباب ورايا. مشيت في السلم وأنا سانده على دراع أخويا، والشمس كانت طالعة بتغسل الشارع. لأول مرة من سنين، أخدت نفس طويل.. طويل أوي، وحسيت إن الهوا طعمه حرية.
الحكاية مخلصتش، بالعكس.. الحكاية لسه بتبدأ، بس المرة دي، أنا اللي بكتب السطور.
بعد شهرين، كنت قاعدة في بلكونة بيت أهلي الصبح. قدامي فنجان قهوة “سادة” من غير السكر الزيادة اللي كان بيجبرني أشربه معاه. مفيش حد بيزعق، مفيش صوت باب تلاجة بيترزع، ومفيش خوف من “نظرة عين” ممكن تقلب يومي نكد.
باسم حاول يبعت لي ناس، وحاول يكلم أخويا “مازن” عشان “يلموا الدور”، بس الرد كان واحد: “اللي يتمد إيده على بنتنا، ملوش مكان وسطنا.” القضية مشيت في طريقها، والورق اللي “تقى” كانت مجهزاه كان القاضية؛ باسم خسر كل حاجة، خسر البيت، وخسر احترامه قدام الناس اللي كان بيمثل قدامهم دور “الزوج المثالي”.
يوم الجلسة الأخيرة، شفته واقف بعيد، وشه باهت وشعره شايب، مكنتش مصدقة إن ده الإنسان اللي كنت بترعش منه. بص لي بعينيه اللي كان فيها ندم متأخر، بس أنا مكنش في قلبي غير السكوت. السكوت اللي علمني إن القوة مش في الصوت العالي، القوة في اللحظة اللي بتقرري فيها إنك “غالية” وما تستاهليش تتهاني.
وأنا بلم حاجتي من المحكمة، تقى سألتني: “نور، إنتي ندمانة؟”
بصيت للسما وابتسمت، لمست الجرح اللي تحت عيني اللي مابقاش باين غير لو ركزتي فيه، وقلت لها: “ندمانة إني استنيت كل ده.. بس عارفة يا تقى؟ الوجع اللي عشته خلاني أعرف أفرق بين اللي بيحبني بجد، وبين اللي عايز يملكني وخلاص.”
فتحت شنطتي وطلعت منها الميدالية اللي فيها مفاتيح شقتي الجديدة، شقة صغيرة بباب خشب متين، أنا اللي بفتحه وأنا اللي بقفله بمزاجي.
نزلت السلم بخطوات واثقة، مكنتش ماشية بداري وشي من الناس زي زمان. بالعكس، كنت رافعة راسي، وعيني في عين الكل. الشمس كانت دافية، والطريق قدامي كان لسه طويل، بس لأول مرة كنت عارفة أنا رايحة فين.
النهاية مكنتش “خسارة” بيت.. النهاية كانت “مكسب” نفسي.


تعليقات
إرسال تعليق