رجع من الغربة فجأة
رجع من الغربة فجأة
أنا رأفت واللحظة اللي شوفت فيها أبويا راكع على الأرض بيمسح بلاط بيتي كانت اللحظة اللي مات فيها جزء جوايا واتولد جزء تاني عمره ما كان يعرف الرحمة.
وقفت مكاني جسمي متجمد، بس عيني شغالة بتسجل كل تفصيلة كأنها سكينة بتتغرس في صدري. صوت شيرين وهي بتضحك مع أمها، صوت الفناجين، صوت الأغنية وكل ده فوق صوت أنفاس أبويا المقطوعة وهو بيحاول يلحق أوامرهم.
أبويا اللي كان بيشيلني وأنا صغير على كتفه، اللي كان بيشتغل ليل ونهار عشان يعلمني بقى كده؟
إيدي اقبضت لوحدها الدم كان بيغلي في عروقي. كنت على بعد خطوة وأهجم أكسر أصرخ أفضحهم.
بس فجأة أبويا رفع عينه.
عينه جت في عيني.
واللي شفته هناك ماكنش خوف كان رجاء.
رجاء ساكت بيقولي ما تفضحنيش كفاية اللي أنا فيه.
ساعتها فهمت إن اللي اتكسر مش بس جسمه كرامته اتسحقت.
سحبت نفسي بهدوء رجعت ورا الباب قبل ما حد يحس بيا وخرجت برا الفيلا.
قعدت في العربية وفضلت أبص في الفراغ.
الدنيا كلها كانت بتلف بس دماغي فجأة بقت هادية بشكل مخيف.
مش ههجم مش هزعق مش هفضح.
أنا هخليهم يتمنوا الموت بس بالهدوء.
تاني يوم الصبح دخلت البيت كأني لسه راجع من السفر.
رنّيت الجرس.
شيرين فتحت وشها نور أول ما شافتني.
رأفت!
يا حبيبي! مفاجأة!
جريت عليا حضنتني نفس الإيد اللي كانت بتشاور على أبويا وهو بينضف الأرض.
حضنتها بس إيدي كانت ساقعة.
وحشتيني يا شيرين
دخلت بصيت حواليّ كل حاجة فخمة كل حاجة من فلوسي بس ريحتها قذرة.
فين أبويا؟
اتلخبطت لحظة وقالت بسرعة جوا تعبان شوية.
دخلت عليه لقيته قاعد في أوضة صغيرة جنب المطبخ سرير حديد قديم مروحة مكسورة.
ده نفس البيت اللي فيه 6 غرف نوم!
إزيك يا حاج؟
بصلي دموعه نزلت من غير صوت.
حضنته وحسيت بعظامه تحت إيدي.
أنا هنا خلاص
وهمستله ولا كلمة سيبني أنا.
الأيام اللي بعد كده كنت الزوج المثالي.
بضحك بهزر بخرج شيرين بجيب لها دهب أكتر.
وكل يوم كنت ببني خطتي.
أول خطوة الحسابات.
كل الفلوس اللي كانت معاها أنا اللي فاتحها.
سحبت صلاحياتها بهدوء حولت كل حاجة باسمي بس.
بطاقتها بقت مرفوضة.
ثاني خطوة الفيلا.
الفيلا كانت باسمي بس كنت مديها توكيل.
لغيت التوكيل.
ثالث خطوة الناس.
اتصلت بكل معارفها قطعت عنها الدعم بالراحة من غير دوشة.
وبعد أسبوع بدأت اللعبة.
شيرين دخلت عليا متوترة رأفت الكارت مش شغال.
ابتسمت ممكن مشكلة في البنك.
تاني يوم المدام ناهد عايزة فلوس
خليها تستنى شوية.
تالت يوم الكهربا اتأخرت
غريبة
لحد ما جه
اليوم.
كنت قاعد في الصالة وأبويا قاعد جنبي لابس هدوم جديدة لأول مرة مرفوع الرأس.
شيرين دخلت متعصبة في إيه يا رأفت؟! الفلوس وقفت! الحسابات مقفولة!
بصيت لها بهدوء نفس الهدوء اللي كان جوايا يوم ما شفت أبويا.
آه أنا اللي قفلتها.
سكتت مش مستوعبة.
يعني إيه؟!
بصيت في عينيها يعني البنك اللي كنتي فاكراني مش شايفه بقى واقف قدامك.
أمها خرجت من الأوضة في إيه؟!
قمت وقفت وقلت بهدوء في إن المسرحية خلصت.
شيرين صوتها بدأ يعلى إنت بتتكلم كده ليه؟!
قربت منها خطوة وقلت أقولك أنا شوفت إيه يوم ما رجعت؟ ولا تفتكري نفسك لوحدك في البيت؟
لونها اتسحب جسمها اتجمد.
أنا شوفت أبويا راكع بيخدمك.
أمها حاولت تتكلم إنت فاهم غلط
اسكتي!
صوتي كان هادي بس مرعب.
ولا كلمة زيادة.
بصيت لشيرين أنا كنت ممكن أهد البيت عليكم بس لا أنا اخترت أعلمكم الأدب.
سكت لحظة وبعدين كملت
من النهارده مفيش فلوس مفيش بيت مفيش أي حاجة.
رمت نفسها عليا رأفت أنا آسفة! والله غصب عني
بعدتها بإيدي غصب عنك تخلي راجل عنده 60 سنة يخدمك؟!
أشرت للباب اطلعي برا.
إيه؟!
برا إنتي وأمك.
صرخت ده بيتي!
ضحكت ضحكة باردة ده بيتي أنا وكل حاجة فيه باسمي وإنتي ولا حاجة.
الأمن كان واقف برا كنت
مجهز كل حاجة.
خرجوهم وهم بيعيطوا ويصرخوا.
وأبويا واقف جنبي ساكت.
بعد ما الباب اتقفل
لفيت له.
حقك عليا يا حاج
دموعه نزلت بس المرة دي فيها كرامة.
أنا كنت مستحمل عشانك يا ابني
حضنته وقلت وأنا رجعت عشانك.
بعد شهور
شيرين وأمها بقوا بيلفوا على قرايبهم محدش قابلهم.
سمعت إنها حاولت ترجع تبعت رسايل تعيط
بس في حاجة اتكسرت وما بترجعش.
أما أنا؟
بعت الفيلا واشتريت بيت أهدى أصغر بس فيه راحة.
وأبويا؟
بقى قاعد على كرسيه بيشرب قهوته وراسه مرفوعة.
والدرس؟
مش كل خيانة صوتها عالي
في خيانة صوتها واطي
بس بتكسر أكتر من أي صرخة.
القصة مخلصتش عند اللحظة اللي خرجت فيها شيرين وأمها من البيت بالعكس، دي كانت مجرد البداية لحاجة أعمق وأقسى وأصدق.
بعد ما الدنيا هديت شوية، كنت فاكر إن كل حاجة انتهت إن العدالة اتحققت وخلاص. بس الحقيقة إن في حاجات مبتنتهيش بسهولة خصوصًا لما تكون جروح سنين.
أبويا عم منصور بقى أحسن شوية في الشكل هدوم نضيفة، أكل كويس، أوضة واسعة بس عينه؟ لسه فيها حزن متراكم. كان بيصحى من النوم مفزوع أوقات كأنه لسه سامع صوت شيرين وهي بتزعق فيه.
في مرة دخلت عليه لقيته واقف بيحاول ينضف الأرض!
جريت عليه بتعمل إيه يا حاج؟!
ارتبك وقال بسرعة لا يا ابني بس لقيت بقعة
مسكت إيده بهدوء مفيش بقع ومفيش حد هيزعقلك خلاص.
بصلي وسكت بس حسيت قد إيه اللي
جواه لسه ما اتعالجش.
ساعتها فهمت إن الانتقام مش كفاية لازم ترميم.
بدأت أغير كل حاجة حوالينا مش بس المكان كمان الروتين. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
خرجته معايا كل يومين قعدة قهوة مش أي قهوة قهوة فيها ناس تعرفه، تحترمه. رجع يسلم يضحك يحكي.
وفي يوم واحد صاحبه القديم شافه وقال إيه يا منصور؟ فينك من زمان؟!
أبويا ابتسم ابتسامة خجولة كنت مسافر شوية.
بصيت له وعرفت إنه مش عايز يحكي وده حقه.
لكن في نفس الوقت الماضي ماكانش ساكت.
شيرين رجعت تاني بس المرة دي مش زي الأول.
اتصلت بيا من رقم غريب رأفت أنا عايزة أقابلك ضروري.
كنت ممكن أقفل بس جزء جوايا قال اسمع بس ماتنساش.
اتقابلنا في كافيه هادي.
دخلت وشها متغير مفيش مكياج مفيش دهب مفيش غرور.
قعدت قدامي وسكتت شوية وبعدين قالت أنا غلطت وغلطت جامد بس صدقني أنا ماكنتش
كده.
رديت بهدوء لا كنتي كده بس أنا اللي ماكنتش شايف.
دموعها نزلت أمي كانت بتضغط عليا كانت دايمًا بتقول إن أبوك عبء وإننا لازم نعيش براحتنا
قاطعتها براحتك؟ على حساب كرامة راجل؟!
سكتت ومقدرتش ترد.
أنا مش جاي أسمع مبررات أنا جيت عشان أقفل الصفحة.
بصتلي بصدمة يعني مفيش رجوع؟!
بصيت بعيد شوية وبعدين قلت في حاجات لما بتتكسر حتى لو اتصلحت صوت الشرخ بيفضل باين.
قامت وهي بترتعش أنا ندمت يا رأفت متأخر بس ندمت.
قلت بهدوء والندم مش دايمًا بيرجع الحق.
ومشيت.
افتكرت إن كده خلاص بس المفاجأة كانت بعدها بأسبوع.
حد خبط على الباب.
فتحت لقيت شيرين.
بس مش لوحدها
كانت مسنّدة واحدة ست تعبانة أمها ناهد.
وشها شاحب باين عليها المرض.
شيرين قالت بصوت مكسور أنا عارفة إني مليش حق أطلب بس أمي تعبانة
جدًا ومفيش حد راضي يساعدنا
بصيت لهم وسكت.
اللحظة دي كانت أصعب من كل اللي فات.
ده اختبار مش غضب.
أبويا خرج من ورايا وشافهم.
سكت لحظة وبعدين قال بهدوء دخّلوهم.
بصيت له بدهشة يا حاج؟!
قال بصوت ثابت اللي ربنا عايزه نعمله.
دخلوا وأنا قلبي متلخبط.
الدكاترة قالوا إن أمها محتاجة علاج ومتابعة.
كنت أقدر أرفض بس ماقدرتش.
مش عشانهم عشان أنا.
عشان أبقى إنسان زي ما أبويا رباني.
لكن حطيت حدود.
العلاج هيتم بس مفيش رجوع لأي حاجة تانية.
شيرين وافقت وهي ساكتة.
الأيام عدت والبيت بقى غريب شوية.
شيرين بقت هادية بتخدم أمها وبتساعد في البيت من غير كلمة.
وفي يوم حصل موقف غيّر كل حاجة.
أبويا وقع فجأة إغمى عليه.
أنا اتوترت لكن اللي جريت عليه أول واحدة كانت شيرين.
فضلت تصرخ رأفت بسرعة! الحق أبوك!
وشالت راسه على إيديها ودموعها بتنزل.
في المستشفى فضلت قاعدة جنبه طول الليل.
ساعتها لأول مرة حسيت إن في حاجة اتغيرت فعلاً.
بعد ما خرج قعدنا تلاتتنا.
أنا وأبويا وشيرين.
قلت بهدوء أنا مش هقدر أنسى بس ممكن أفكر أبدأ من جديد بشروط.
بصتلي بلهفة أي حاجة
احترام قبل أي حاجة.
حاضر.
وأبويا فوق الكل.
دموعها نزلت ده حقه وأنا اللي ظلمته.
بصيت لأبويا
قال بهدوء القلوب النضيفة ربنا بيردها بس اللي يتعلم.
ومرت الأيام
مش كل حاجة بقت وردي
في وجع لسه موجود في ذكريات بتوجع
بس في حاجة أهم
في محاولة.
أما أنا؟
اتعلمت إن القوة مش بس إنك تنتقم
القوة الحقيقية إنك تختار إمتى تقسى وإمتى ترحم.
وأبويا؟
رجع يضحك
مش زي زمان بالظبط
بس كفاية إنه بقى واقف مش مكسور.
وشيرين؟
يمكن عمرها ما تمحي اللي عملته
بس كل يوم بتحاول
والحياة أحيانًا بتدي فرصة تانية
مش عشان نستاهلها
لكن عشان نتغير.


تعليقات
إرسال تعليق