القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 قصه یوم ما دفنا ابویا 



قصه یوم ما دفنا ابویا 

يوم ما دفنّا أبويا، حسيت إن ضهري اتكسر حرفياً. وقفت في العزاء باخد بخاطر الناس، وأنا من جوايا طفل تايه بيدور على أبوه في الزحمة.

أبويا الحاج عبد الرحمن مكنش راجل غني، بس كان مستور. ساب لنا شقة تمليك في فيصل، ورشة نجارة قديمة في حي بولاق ريحتها كلها نشارة وغرا وتعب سنين، وحساب في البنك فيه قرشين تحويشة العمر.

كنا تلاتة؛ أنا عمر الصغير، وأخويا الكبير طارق، وأختنا سمر.

مكملناش أربعين يوم، ولقيت طارق بيكلمني نتقابل في شقة أبويا. دخلت لقيت سمر جوزها معاها، وطارق جايب معاه محامي. مكدبش عليك، قلبي اتقبض. ريحة أبويا لسة في هدومنا، وهما قاعدين بيحسبوها بالورقة والقلم.

طارق بدأ الكلام بنبرة عملية جداً يا عمر، إنت عارف الحياة صعبة، وسمر ولادها بيكبروا، وأنا داخل على مشروع محتاج سيولة. إحنا هنبيع الشقة، وفلوس البنك تتقسم شرع الله.

سألته بهدوء والورشة؟

بص لسمر نظرة سريعة وقال الورشة دي في حي شعبي ومعدتش بتجيب همها.. وعليها ديون لتجار الخشب. بص يا سيدي، إحنا هنتنازلك عن حقنا في الورشة، ونسيبهالك تصفّي ديونها وتاخدها ليك، بس في المقابل إنت تتنازل عن نصيبك في الشقة وفلوس البنك.

المحامي طلع الورق كأنه كان جاهز ومستني الكلمة دي.

الکاتبه_نور_محمد

حسبتها في ثواني. القسمة دي ظالمة جداً، الورشة متجيبش ربع


تمن الشقة، ده غير ديون التجار اللي عليها. هما اختاروا الكاش والجاهز، ورمولي وجع الدماغ والمسؤولية.

سمر بصتلي وقالت بكسوف مصطنع إنت لسة شاب بطولك يا عمر، إنما إحنا ورانا بيوت وعيال، والورشة دي هتبقى بداية ليك تبني بيها نفسك.

كان ممكن أزعق، كان ممكن أقلب الترابيزة وأطالب بحقي الشرعي بالقرش والمليم، وأجرجرهم في محاكم ونقطع بعض زي ما بيوت كتير بتعمل. بس وأنا قاعد، عيني جت على كرسي أبويا الهزاز اللي في الصالة. تخيلته قاعد، بيبصلنا بحزن وإحنا بننهش في لحم بعض.

أبويا عاش عمره كله يلم فينا، مش أنا اللي هفركش العيلة عشان حتة شقة وشوية ورق مطبوع.

سحبت القلم من إيد المحامي.. ومضيت.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

طارق اتنفس بصوت عالي كأن حمل وانزاح من على صدره، وسمر وشها نور. خدوا الورق، وخدوا الفلوس، وباعوا شقة العيلة لواحد غريب في أقل من شهر.

أما أنا، فنزلت الورشة.

فتحت الباب الصاج القديم، التراب كان مغطي المكن. قعدت على مكتب أبويا الخشب، وحطيت راسي بين إيديا وبكيت. بكيت على أبويا، وبكيت على قسوة أقرب الناس ليا. كنت حاسس إني اتضحك عليا، إني طلعت المغفل بتاع العيلة.

وأنا بقلب في أدراج المكتب عشان أشوف مصيبة الديون اللي عليا، لقيت أجندة جلد سودا قديمة. فتحتها، متوقع ألاقي قوايم بأسامي تجار وكمبيالات.

بس اللي لقيته، شل تفكيري.



الأجندة مكنتش ديون على أبويا.. دي كانت ديون لأبويا عند الناس. بس مش ديون فلوس.

كان كاتب بخطه الرقعة الجميل

جهزت خشب أوضة نوم بنت الأسطى حسن الميكانيكي.. ومخدتش منه غير تمن التكلفة عشان يتيم.

دفعت قسط مكنة الخياطة لأم إبراهيم جارتنا.. ربنا يقدرها على تربية عيالها لا ترد.

سامحت المعلم سيد في باقي تمن البضاعة عشان مراته بتعمل غسيل كلى.

صفحات ورا صفحات.. الأجندة مكنتش حسابات ورشة، دي كانت ميزانية جبر خواطر. أبويا مكنش مديون، أبويا كان بيستثمر في ستر الناس.

وفي آخر صفحة، لقيت ورقة مطوية مكتوب عليها اسمي إلى ابني عمر.

فتحتها، ودموعي بتسبق عيني

يا عمر، أنا عارف إن طارق وسمر عينهم على الفلوس، وعارف إنهم هيسيبولك الورشة لأنهم باصين لتحت رجليهم. الفلوس بتخلص يا ابني، بس السيرة بتعيش. أنا سايبلك الورشة مش عشان تصنع خشب، عشان تصنع رجولة. ديون التجار اللي أنا كاتبها في الدفتر التاني، أنا مسدد نصها ومأجل الباقي، والناس دي عارفة مين عبد الرحمن، وهيقفوا جنبك. إنت الوحيد اللي شبهي يا عمر، وإنت اللي هتشيل اسمي.

مسحت دموعي، وقمت وقفت. الورشة فجأة مبقتش مكان كئيب ومتهالك.. دي بقت قصر، قصر مبني على دعوات الناس والستر.

تاني يوم، فتحت الورشة. تجار الخشب لما عرفوا إني ابن الحاج عبد الرحمن، مش بس صبروا على


باقي فلوسهم، دول نزلولي بضاعة جديدة بالآجل وقالولي لحم كتافنا من خير أبوك، الورشة دي ورشتنا.

الصنايعية القدام اللي كانوا سابوا الورشة رجعوا لما عرفوا إني ماسكها، وبدأنا نشتغل.

مرت تلات سنين.

الورشة كبرت، وبقت معرض أثاث بيورّد لأكبر معارض القاهرة. اسم أبويا كان لوحده ضمان وماركة. ربنا بارك في كل قرش بيدخل، لأني كنت مكمل في نفس الأجندة السودا، بجبر خواطر الناس على قد ما أقدر.

وفي يوم، باب المعرض خبط.

دخل طارق. وشه كان شاحب، باين عليه العجز بدري. مشروعه اللي ضيع فيه فلوس الشقة والبنك خسر، ودخل في دوامة شيكات ومحاكم. وسمر جوزها طلقها ورمالها العيال بعد ما خد كل فلوسها اللي ورثتها.

وقف قدامي، وعينه في الأرض مكسور، مش قادر يرفع عينه في عيني.

كان ممكن أقوله مش ده اللي اخترتوه؟، كان ممكن أقفله الباب في وشه وأردله القلم قلمين.

بس أنا افتكرت الأجندة السودا. افتكرت ريحة الخشب.. وافتكرت إن أبويا ورّثني حاجة أغلى من الفلوس؛ ورّثني إني أكون كبير.

قمت من على مكتبي، وروحت عنده، وخدته بالحضن وقلتله

الورشة دي ورشة الحاج عبد الرحمن.. وخيرها يساعنا كلنا يا أخويا.

أنا اللي كسبت في النهاية.. مش عشان بقيت غني، بس عشان لما ببص في المراية، بشوف أبويا.

تمت... 


تعليقات

التنقل السريع
    close