عـلى حافـة الـموت
عـلى حافـة الـموت
“سبع سنين في العتمة.. ومكالمة نص الليل قلبت الموازين”
الساعة كانت ٢:٤٧ الفجر.. السكون اللي مغطي الشقة القديمة في حواري “السيدة زينب” انقطع بصرخة مكتومة، بعدها صوت هبدة قوية هزت الحيطان.
دي مكنتش مجرد وقعة عادية.. دي كانت اللحظة اللي قسمت الحياة نصين.
كريمة كانت لسه راجعة من “شفت” ليل طويل في محل فول وطعمية في الحتة. رجليها شايلة جبال، وضهرها محني من التعب، ومعدتها ميعرفش حالها إلا ربنا. يا دوب رمت شنطتها على الترابيزة الخشب، الدنيا لفت بيها.
حاولت تسند على الحيطة.. خذلتها.
الأرض الباردة استقبلت جسمها الضعيف من غير رحمة.
دماغها خبطت في سن “الكومودينو”..
وبعدها.. الدخان غطى على كل حاجة.
في الأوضة اللي جوه، بنتين توأم نايمين في حضن بعض.
نور فتحت عينيها الأول.. دايماً هي اللي بتحس، هي اللي بتسمع دبة النملة.
* “فرح..” همست وهي بتهز أختها، “في حاجة حصلت بره.”
فرح، اللي كان لسه النوم مكبش في عينيها، مالحقتش تفوق.. إلا لما وصلوا الصالة.
واللي شافوه
جمد الدم في عروقهم.
* “ماما!!!”
صرخة فرح شقت سكون الليل. ارتمت على الأرض وهي بتترعش، بتهز في أمها وبتبكي بهستيريا:
* “فوقي يا ماما! عشان خاطري ردي عليا!”
لكن كريمة كانت في عالم تاني. كان فيه دم.. مش كتير، بس كفاية إنه يخلع قلب طفلة.
نور ما عيطتش.. لسه.
أخدت نفس عميق، وكأن في صدر البنت اللي عندها سبع سنين ده قلب راجل عجوز شاف الدنيا كلها.
مسكت التليفون.. طلبت الإسعاف. صوتها متهزش وهي بتوصف العنوان بالظبط، وكأنها كانت بتدرب على اللحظة دي طول عمرها.
* “ماما وقعت.. مش بترد.. أنا خايفة..”
عشر دقايق.. ده اللي قاله الراجل بتاع الإسعاف.
عشر دقايق كانوا كأنهم دهر كامل.
فجأة.. نور افتكرت.
افتكرت الرقم.. والاسم اللي متداري في قاع الأسماء على التليفون، والاسم اللي أمها عمرها ما نطقته.. بس كانوا بيسمعوه وهما عاملين نفسهم نايمين.
صوت راجل.. رخيم.. حزين.. وكأنه هو كمان مستني حاجة مابتجيش.
* “فرح..” همست نور، “فاكرة رقم الراجل اللي في الصندوق؟”
فرح رفعت عينيها اللي غرقانة دموع:
* “قصدك صاحب الصورة القديمة؟”
نور هزت راسها. “الصندوق” ده كان فيه صور قديمة، ورق، منديل ريحته غريبة، وكارت عليه اسم واحد.
البنتين مكنوش سذج.. شافوا عينيهم في عين الراجل اللي في الصور.. عرفوا يحسبوا السنين.. وحسوا بالوحدة.
* “أظن.. إن ده أبونا،” قالت فرح بصوت مخنوق.
نور مردتش.. بس صوابعها كانت بتتحرك على الشاشة. ثانية تردد واحدة.. وبعدها دوست “اتصال”.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
في الناحية التانية من القاهرة.. في فيلا في التجمع..
راجل هيبته تخلي القلوب تقف، عقد حواجبه وهو شايف تليفونه بينور. رقم غريب.. في ساعة زي دي؟
فتح الخط بصوت ناشف:
* “أيوة.. مين؟”
سكوت.
وبعدين.. صوت طفولي.. رقيق.. ومكسور:
* “يا عمو.. ماما وقعت.. مش بتنطق.. وأنا خايفة أوي.”
قلب “عمر” وقف مكانه.
* “انتي مين يا حبيبتي؟”
* “أنا اسمي نور.. عندي سبع سنين.. أنا وأختي توأم.”
سبع سنين.
الزمن كأنه لف ورجع ضربه في وشّه.
* “أمك.. اسمها إيه؟”
* “اسمها كريمة..”
العالم وقف عن الدوران.. بس بالنسبة له هو.
عمر قام فجأة، الكرسي وقع وراه وهو بيزعق:
* “قوليلي العنوان فوراً!”
طول الطريق وهو سايق بأقصى سرعة، البنت مقفلتش السكة. كانت بتحكي.. وكل كلمة منها كانت زي السكينة اللي بتقطع في قلبه.
* “ماما بتتعب أوي في الشغل..”
* “ساعات مابتأكلش.. وتقولنا أنا شبعانة.. وهي كدابة..”
* “الشهر اللي فات فلوسها اتسرقت وقعدت تعيط طول الليل..”
* “هي فاكرة إننا نايمين.. بس احنا بنحس بيها..”
عمر ضغط على الدريكسيون بقوة لدرجة إن عروق إيده برزت. بناته! عايشين كده؟ وهو اللي الدنيا كلها تحت طوعه!
* “يا عمو..” همست نور، “انت لسه معايا؟”
صوته اتحول لحتة تانية خالص.. بقى أحن وأهدى:
* “أنا معاكي.. ومش هسيبك.”
* “هو انت.. بابا؟”
السؤال كان صدمة.. أقوى من أي رصاصة خدها في حياته. ماردش.. لإن الحقيقة كانت واضحة زي الشمس.
لما وصل المستشفى..
شاف البنتين قاعدين لوحدهم على الكراسي الباردة. مكلبشين في بعض. عينيهم رمادي.. نفس عينيه بالظبط.
الزمن اتكسر قدامه.
الماضي رجع بكل جبروته. والرجل اللي “الكل بيخاف منه”.. لأول مرة يحس بالرعب.
فرح جريت عليه أول ما شافته.. اترمت في حضنه وكأنها لقت طوق نجاة.
هو اتسمر مكانه.. مكنش عارف يعمل إيه.. لحد ما دراعاته اتحركت لوحدها وضمها بقوة. بقلم منــي الـسـيد
لكن نور.. نور ملمستش الأرض. فضلت واقفة مكانها. بتبص له.. بتوزنه.. بتعايره بعينيها.
* “لو كنت أنت بابا فعلاً،” قالتها بصوت ثابت يوجع، “كنت فين طول السنين دي؟”
السؤال كان حكم إعدام. ولأول مرة في حياته.. “عمر” ملقاش رد.
بعد ساعات..
باب العمليات اتفتح. الدكتور خرج.
* “مين هنا يقرب للست كريمة رياض؟”
عمر خد خطوة لقدام من غير تفكير:
* “أنا.”
ما وضحش هو مين.. صوته وهيبته كانوا كفاية.
الدكتور بص له باستغراب.. البدلة الشيك، النظرة الحادة، والهالة اللي حواليه متليقش على “كريمة” الشقيانة.
* “المدام عايشة.. بس حالتها صعبة جداً.” متوفرة على روايات و اقتباسات
فرح شهقت من الراحة.. لكن نور فضلت مستنية الباقي.
* “عندها إيه؟” سأل عمر بصوت واطي.
الدكتور اتنهد:
* “سوء تغذية حاد.. أنيميا مزمنة.. وفيه ورم على المبيض محتاج جراحة فوراً. جسمها متهالك بقاله سنين.”
كلمة “سنين” وجعت عمر أكتر من أي سلاح.
* “اعملوا كل اللي يلزم.. فلوس، دكاترة، طيارة تجيب استشاريين من بره.. مش عايز أعذار.”
نور كانت واقفة، بتبص له بتحدي:
* “هتخف؟”
عمر
نزل لمستواها، بص في عينيها وقال:
* “مش هسمح لحاجة تحصل لها تاني.. أوعدك.”
في اللحظة دي.. تليفونه اتهز. رسالة من رجاله:
“يا باشا، فيه حد بيسأل عليك في المستشفى.. مش تبعنا. ده (رامي الديب).”
الاسم ده جمد الدم في عروق عمر. “رامي الديب”.. الراجل اللي حاول يدمره زمان، واللي كان السبب في إن كريمة تهرب وتختفي بكل الأسرار دي.
الحقيقة بدأت تظهر.. والمكيدة كانت أكبر مما يتخيل.
بص لنور، وبص لباب العمليات.. وعرف إن اللعبة يادوب بدأت، وإن عيلة “عمر” مش بس رجعت.. دي انفجرت في وشه!
أبشر، إليك الجزء الثاني من الملحمة الدرامية بقلب “الحارة المصرية”، مع الحفاظ على نفس الروح والألفاظ القريبة من الفصحى في سياق “ولاد البلد”:
الجزء الثاني: “حق السنين.. ونهاية الحساب” متوفرة على روايات و اقتباسات التليفون رن تاني.. نور مكنتش قادرة ترد، بس عمر كان عارف إن كل ثانية بتعدي هي طلقة في صدر الوقت. رامي الديب، اللي كان زي الغل في الحلق، رجع يظهر في الصورة.. والمرة دي اللعبة مفيهاش “يا مريم ارحميني”.
في المستشفى، نور العمليات الأحمر انطفى.. الدكاترة خرجوا بيمسحوا عرقهم، طمنوه إن “كريمة” عدت مرحلة الخطر، بس لسه قدامها مشوار طويل عشان جسمها يرجع يقف على رجليه. عمر كان واقف مراقب كل نفس طالع منها، وكل حركة من بناته اللي لسه بيتعرف عليهم. كل تنهيدة من فرح أو نظرة من نور كانت بتفكره بقد إيه هو خسر وهو فاكر إنه كسبان الدنيا.
كريمة بدأت تفتح عينيها وسط الخراطيم والأجهزة.. أول حاجة شافتها كانت “نور وفرح”. ابتسامة باهتة، بس حقيقية، اترسمت على وشها.
* “ماما..” همست فرح وهي بتبوس إيدها.
* “أنا هنا..” قالها عمر بصوت فيه هيبة مخبوطة بوجع، وعينيه منزلتش من على الوش اللي ميفارقهوش في أحلامه.
السكوت كان تقيل.. سكوت محمل بسبع سنين من الخوف، والهروب، والأسئلة اللي ملهاش إجابة.
* “أنت.. لسه عايش؟” سألت كريمة، وصوتها كان بيترعش من الصدمة.
* “أنا كنت فاكر إنك بعتيني وهربتي،” رد عمر بمرارة. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
* “رامي.. رامي هو اللي عمل كده،” كريمة بدأت تعيط وهي بتحكي، “قالي إنك عايز تخلص مني ومن البنات.. قالي إننا بقينا “نقطة ضعف” في حياتك، ولو مفصصتش ملحي ودبت، البنات هيدفعوا التمن غالي.”
عين عمر قلبت جمر.. ميكس بين الغل والذهول.
* “أنا؟ ألمس بناتي؟” شد على سنانه وهو بيكمل، “ده أنا كنت أهد الدنيا وملمسش شعرة منهم.”
في اللحظة دي، كريمة شافت في عينيه “عمر” اللي حبته زمان.. الماضي والحاضر خبطوا في بعض، وفي وسط الوجع، كان فيه ريحة أمل بتبدأ تطلع.
مرت الأيام، وعمر شايل بناته في عينيه. فرح كانت بتنام وهي متبتة في دراعه، كأنها خايفة يطير. أما نور، ففضلت “الصقر” اللي بيراقب، بتوزن كل كلمة وكل فعل.
* “هتخلي بالك منها؟” سألته نور وهي بتبص له بجدية متليقش بطفلة.
* “هعمل المستحيل عشان ميمسهاش الهوا.. لا هي ولا أنتم،” رد وهو بينزل لمستواها.
الوقت بدأ يعدي.. ساعات، أيام، أسابيع.. والمستشفى اتحولت لساحة لإعادة بناء اللي انكسر. وفي وسط الزحمة دي، تليفونه نور برسالة:
> “يا باشا، رامي الديب فص ملح وداب.. ملوش أثر في البلد كلها.”
> متوفرة على روايات و اقتباسات
عمر حس براحة، بس كان عارف إن “الديب” مبيسكتش.. بس المرة دي، هو مستعد.
بعد شهور.. الحارة كلها كانت بتتكلم. كريمة فتحت محل مخبوزات صغير وسمته “مخبوزات كريمة – لقمة هنية”. الحيطان كانت متزينة برسومات البنات، وريحة العيش الطالع من الفرن كانت بتملا الحتة دفا.
أما “عمر”.. اللي كان الكل بيعمل له ألف حساب، بقى يقعد على القهوة اللي قدام المحل، عينه على بناته وهو بيلاعبهم “شطرنج”. لسه له هيبته، ولسه شغال في عالمه الضلمة، بس مفيش صفقة في الدنيا تساوي ضحكة من بناته.
نور وفرح كبروا وهما حاسين بالأمان.. عرفوا يعني إيه عيلة، ويعني إيه تسامح. وكل يوم كان انتصار جديد على وجع قديم.
وفي ليلة من الليالي الهادية، وكريمة بتبص له وهو بيغطي البنات، قالت له:
* “شكراً إنك منعت الدنيا تكسرنا تاني.”
ابتسم وهو بيضغط على إيدها، وعارف إن القوة مش في السلاح ولا في الفلوس.. القوة في “اللمة” وفي القدرة إنك تبدأ من جديد مهما كانت الحكاية صعبة.
رامي الديب مرجعش تاني.. اتقال إنه خسر كل حاجة وعاش غريب، بينما العيلة اللي كانت قريبة من الضياع، نورت من تاني.
وهي دي الدنيا.. بين رغيف عيش سخن، ودور شطرنج، وضحكة طالعة من القلب، بنوا ” بيت” مفيش حد يقدر يهده تاني.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق