القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 لقمة واحدة غيرت مصيرنا للأبد



لقمة واحدة غيرت مصيرنا للأبد

 

"جوزي حبسني في المطبخ عشان مـا يتكسفش مني قدام ضيوفه.. بس 'لقمة' واحدة غيرت مصيرنا للأبد!"


من أول يوم دخلت فيه بيت "مدحت"، وأنا كنت فاكرة إني دخلت دنيا جديدة… دنيا فيها نور، وراحة، وحياة تانية خالص غير اللي اتربيت فيها في الصعيد. هو كان بيبص لي كأني كنز، كان بيقول لي: "إنتي طعمك مختلف… حتى أكلك ليه روح!"… وكنت بصدقه. كنت فاكرة إن الروح دي هي اللي خلت واحد زيه، متعلم وعايش في الزمالك، يحب واحدة بسيطة زيي.


بس الدنيا مابتفضلش على حالها.


أول سنة جواز كانت حلوة… تاني سنة بدأ يتغير… تالت سنة أنا اللي بقيت غريبة في بيتي.


بقى كل حاجة فيا "غلط"… لبسي بسيط، كلامي تقيل، ضحكتي عالية، أكلي "تقيل"… حتى ريحة التوم بقت "فضيحة" في نظره! كان بيبص لي أوقات كأني غلطة حاول يصلحها بس معرفش.


وفي الليلة دي… ليلة العزومة… حسيت إن الغلطة وصلت لآخرها.


من الصبح وهو بيدي أوامر:

"مفيش


أكل تقيل!"

"مفيش طواجن!"

"مفيش ريحة توابل!"

"اعملي أكل راقي… فاهمة يعني إيه راقي؟!"

هزيت راسي وسكت… بس جوايا كان في حاجة بتتكسر.


ولما الضيوف وصلوا… دخل عليّ المطبخ، بص حواليه، واتأكد إني محبوسة جوه، وقالها بصراحة:

"خليكي هنا… مش عايز مواقف بايخة قدام الناس."


وقفل الباب.


ساعتها… وقفت قدام الطواجن… وبصيت لإيدي… لنفسي… وافتكرت أنا مين.


أنا "نورا"… اللي أمي علمتها الطبخ وهي عندها 10 سنين… اللي كانت بتطبخ لعيلة كاملة لوحدها… اللي الناس كانت تيجي من آخر البلد عشان تدوق من إيديها.


أنا مش "إحراج".


أنا أصل.


وفي اللحظة دي… قررت.


عملت الأكل اللي هو قال عليه "عيب".

دقت التوم… وسمعت صوته كأنه بيرجع لي روحي.

حطيت السمن البلدي… وريحة البيت القديم رجعت.

قلبت اللحمة في الطاجن… ودموعي نزلت من غير صوت.


مش دموع ضعف…

دموع حد بيسترجع نفسه.


ولما الأكل خرج… أنا ما خرجتش.


كنت


واقفة ورا الباب… سامعة كل حاجة.

الأول ضحك… كلام عادي… شوك وسكاكين…

وبعدين… سكون.


السكون اللي بيخوف.


واحد قال: "الأكل ده معمول فين؟"

واحدة قالت: "مستحيل ده شيف عادي!"

و"عثمان بيه"… سكت خالص.


وبعدين… كرسي اتحرك.


خطوات قربت.


باب المطبخ اتفتح.


رفعت عيني… لقيته قدامي.


بص للطاجن… خد لقمة… وغمض عينه.


وبعدين بص لي… النظرة دي عمري ما هنساها… نظرة واحد لقى حاجة ضاعت منه من سنين.


قال لي:

"مين علمك كده؟"


قلت له بهدوء:

"أمي."


سكت شوية… وبعدين قال:

"إنتي بتشتغلي هنا بقالك قد إيه؟"


قبل ما أرد… صوت مدحت دخل بسرعة:

"دي… دي واحدة بتساعدنا بس!"


بص له "عثمان بيه"… بصه طويلة… تقيلة…

وبعدين رجع بص لي أنا.


وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة:


"أنا عندي سلسلة مطاعم كبيرة… وبدور من سنين على الطعم ده… مش عايز شيف… أنا عايز روح… وإنتي عندك الروح دي."


مدحت ضحك بتوتر:

"لا طبعًا…


هي مش—"

قاطعه:

"أنا بكلمها هي."


وسألني:

"تحبي تشتغلي معايا؟ أديكي مطبخ كامل… باسمك… وكل اللي نفسك فيه؟"


الدنيا سكتت.


حتى قلبي سكت لحظة.


وبعدين بصيت لمدحت.


وشوفت فيه كل حاجة… الخجل… الخوف… الندم… والأنانية.


ولأول مرة… ماحسّتش إني عايزة أرضيه.


بصيت لعثمان بيه… وقلت:

"أيوه… أوافق."


مدحت اتجمد.

"إنتي بتقولي إيه؟! ده بيتك!"


بصيت له بهدوء… وقلت:

"لا… ده كان بيتي."


وساعتها… خرجت من المطبخ… أول مرة قدام ضيوفه… رافعة راسي.


مش شغالة.

مش إحراج.


مراته… اللي هو ما استاهلهاش.


عدت شهور…


وأول مطعم اتفتح… باسمي.


الناس كانت واقفة طوابير… عشان "طاجن نورا".


والصحافة كتبت عني… "سيدة أعادت للطبخ المصري روحه".

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

وفي يوم… وأنا واقفة في مطبخي… لقيت حد داخل.


مدحت.


وشه اتغير… صوته اتكسر:

"أنا غلطت… سامحيني… نرجع؟"


بصيت له… نفس النظرة اللي كان بيبصها لي زمان… بس المرة


دي من فوق لتحت.

وقلت له:

"إنت اتكسفت مني… وأنا اتعلمت أفتخر بنفسي… وده فرق عمره ما يتصلح."


وسبته واقف… ومشيت.


رجعت للمطبخ… لنفسي… لأصلي.


 وعرفت ساعتها… إن لقمة واحدة… ممكن تغير مصير… بس اللي بيحافظ على المصير… هو كرامتك.


مدحت فضل واقف مكانه كإن الأرض مسمّرة رجليه، وعينه بتلف في المكان حواليه… نفس المكان اللي كان شايفه زمان "مش مستواه"، بقى دلوقتي أكبر من إنه يستوعبه. ريحة الأكل اللي كان بيكسف منها زمان، بقت عنوان النجاح اللي الناس جاية له من آخر الدنيا. صوت الملاعق، كلام الزباين، ضحكهم… كله كان بيدبحه ببطء.


وأنا؟

كنت واقفة جوه المطبخ… نفس المطبخ اللي بدأ منه كل حاجة… بس الفرق إن المرة دي أنا اللي ماسكة مفاتيحه.


دخل الشيفات يساعدوني، وكل واحد فيهم بيبص لي باحترام حقيقي، مش مجاملة… احترام تعب، واحترام موهبة. "عثمان بيه" كان واقف بعيد، متابع، وعينه فيها رضا غريب… كأنه كان واثق من اللحظة دي من أول يوم.


مدحت قرب خطوة… وبص لي من باب المطبخ:

"نورا… ممكن نتكلم؟"


بصيت له ثواني… مش بكره… بس كأن


في حجاب بيني وبينه.

"مفيش حاجة بينا نتكلم فيها."

صوته واطي:

"في… في سنين بينا… في بيت…"


ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجع قديم:

"البيت اللي كنت بتخبي مراته فيه في المطبخ؟ ولا البيت اللي كنت بتقول فيه عليا شغالة؟"


سكت.


الكلام وقف في بقه… لأول مرة ما لاقاش حاجة يقولها.


بس هو ما استسلمش… قال بسرعة كأنه بيغرق:

"أنا اتغيرت… والله اتغيرت… لما مشيتي حسيت بقيمتك…"


ضحكت… بس ضحكة هادية، من غير سخرية:

"لا يا مدحت… إنت ما اتغيرتش… إنت بس خسرت."


الجملة نزلت عليه زي الحجر.


وفي اللحظة دي… واحد من العاملين ناداني:

"يا شيف نورا، في صحفيين بره مستنيينك."


بصيت لمدحت آخر مرة… وقلت:

"أنا عندي شغل."


وسبته.


خرجت… والناس حواليا… كاميرات… أسئلة… ضحك… نجاح… بس جوايا كان في هدوء غريب. كأن كل حاجة رجعت لمكانها الصح.


عدت شهور تانية…


المطعم بقى اتنين… وبعدين تلاتة.


اسمي بقى



علامة… "أكل نورا" بقى حكاية.

بس النجاح بيكشف ناس كتير.


في يوم، عثمان بيه طلب يقعد معايا لوحدنا.


قعدنا في مكتبه… نفس الهدوء، نفس النظرة العميقة.


قال لي:

"أنا مبسوط بيكي… جدًا."


ابتسمت:

"وأنا ممتنة ليك… إنت اللي فتحت لي الباب."


هز راسه:

"أنا بس شاورته… إنتي اللي دخلتي."


سكت شوية… وبعدين قال:

"في عرض أكبر… عايز أفتح سلسلة مطاعم بره مصر… وعايز اسمك يكون في كل حتة."


قلبي دق… مش خوف… طموح.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بس قبل ما أرد… قال حاجة غريبة:

"بس النجاح الكبير… بييجي بتمن أكبر."


بصيت له:

"قصدك إيه؟"


قال بهدوء:

"سفر… تعب… ضغط… ويمكن تضحي بحاجات شخصية."


سكتت… وفكرت.


مش في مدحت…

في نفسي.


أنا اللي اتنازلت زمان عشان حد… وخسرت نفسي.


دلوقتي… هل هتنازل تاني؟ حتى لو عشان حلم؟


رفعت عيني… وقلت بثبات:

"أنا هكبر… بس من غير ما أصغر نفسي تاني."


ابتسم… وكأنه كان مستني الإجابة دي:

"



عشان كده أنا مختارك."

ابتدى المشروع… وسافرت.


أول مرة أطلع بره البلد… بس وأنا شايلة اسمي، مش اسم حد تاني.


وفي افتتاح أول فرع بره… كان في زحمة غير طبيعية.


ناس من جنسيات مختلفة… بس كلهم متجمعين على نفس الطعم… نفس الروح.


وقفت في نص المكان… وبصيت حواليّ.


افتكرت المطبخ الصغير… الباب المقفول… والخوف.


وفرّقت.


وفي آخر اليوم… وصلتني رسالة.


رقم غريب.


فتحتها…


"أنا مسافر… مش هضايقك تاني… بس حبيت أقولك… إني عمري ما حبيت حد زيك… بس كنت غبي كفاية إني أخسرك."


مدحت.


بصيت للرسالة شوية…

ومسحتها.


مش كره…

بس خلاص.


في حاجات لما بتتكسر… حتى لو اتصلحت… عمرها ما بترجع زي الأول.


قفلت الموبايل… ورجعت للمطبخ.


لبست المريلة… نفس الإحساس القديم… بس المرة دي من غير خوف.


واحدة من الشيفات سألتني:

"يا شيف… السر إيه؟ إزاي الأكل بتاعك ليه الطعم ده؟"


بصيت لها… وقلت بابتسامة



هادية:

"إنك ما تطبخيش عشان ترضي حد… اطبخي عشان تعرّفي نفسك."


وفي اللحظة دي… عرفت إن الرحلة لسه في أولها…

بس المرة دي… أنا اللي بكتبها.



 

تعليقات

التنقل السريع
    close