خبطه على باب الجار بقلم منال على
خبطه على باب الجار بقلم منال على
كنت بخبط كل يوم على باب جارتي أطلب مية.. لحد ما عرفت إن ورا سكوتها سر كبير!!!!!
أنا كنت عارفة إن اللي بعمله ده مش طبيعي.. مفيش حد بيخبط على باب جارته كل يوم عشان يطلب كوباية مية. بس الحقيقة، أنا مكنتش عايزة مية.. أنا كنت بحاول أنقذ روح بتغرق بقلم منال علي
اسمي ولاء أم لسه في بداية مشواري، بشتغل بلوجر على السوشيال ميديا، وعندي موهبة غريبة شوية في إني بتخطى حدودي مع الناس.. بس لما بحس إن في حد محتاج مساعدة بجد.
وفي الأسبوع ده.. بدأت أسمع بقلم منال علي
عياط.
واطي.. بس مستمر.
جاي من الشقة اللي جنبي.. شقة طنط نورا.
في الأول حاولت أطنش، أشغل أغاني، أعلي صوت التليفزيون، وأركز مع ابني ياسين اللي لسه عنده أربع شهور. بس الصوت مكنش بيسكت.. كان عامل زي نداء استغاثة خجول، نداء مكسور مفيش حد قادر يطلبه بصوت عالي.
في تالت ليلة مرفت فيها أنام من القلق.. قمت.
وقفت قدام المراية، رسمت ضحكة هادية على وشي، شلت ياسين على كتفي.. وعملت أكتر حاجة مجنونة خطرت ببالي.
خبطت على بابها.
سكوت.. طويل.. وتقيل.
الباب اتفتح فتحه صغير أوي بقلم منال علي
وشفت.. ست في السبعين من عمرها، عينيها وارمة، وشعرها مش متظبط، وملامحها بتقول إنها تعبت من الدنيا.
بصت لي.. وبصت للياسين.. ورجعت بصت لي تاني عايزة حاجة يا بنتي؟
خدت نفس عميق وقلت لها معلش يا طنط، محتاجة كوباية مية.
سكتت لحظة وقالت بنبرة مستغربةبقلم منال علي
ما أنتِ ساكنة جنبي.. وعندك حنفية!
أيوة فعلاً.. بس المية عندي مقطوعة.
تنهدت بضيق، ودخلت جابت المية.
ومن اللحظة دي.. اللحظة الغريبة والمحرجة دي.. بدأت الحكاية بقلم منال علي
تاني يوم رجعت لها معلش يا طنط، عندك شوية ملح؟
اليوم اللي بعده ممكن بيضة واحدة عشان الفطار؟
وبعدين متعرفيش الجو هيقلب مطر بكرة ولا لأ؟
كانت بتفتح دايماً، وتبرطم وتشتكي من طلباتي.. بس كانت بتخليني أدخل.
وشوية بشوية.. بدأت تتكلم.
عن حاجات بسيطة في الأول.. وبعدين عن حاجات كبيرة.. وبعدين عن وجع مفيش حد المفروض يشيله لوحده.
كنت بسمعها، وياسين ابني يلعب حوالينا، والوقت كان بيقف جوه شقتها. كأن العالم اللي بره اختفى، وكأن اتنين وحيدين لقوا طريقة يونسوا بيها بعض من غير كلام كتير.. ومن غير اعتراف.
لحد ما كل ده انهار.
كان يوم تلات.
خبطت كالعادة، وشايلة ابني، ومحضرة حجة جديدة.
بس المرة دي الباب اتفتح بعنــ,,ـــــف كفاية بقى!
جمدت مكاني من الصدمة بقلم منال علي
انزلي اشتري طلباتك! أنتِ شكلك مهتمة بنفسك وبشعرك وبمكياجك، ومعقولة معندكيش مية؟ أنا عندي اتنين وسبعين سنة وعارفة إن الحنفيات شغالة!
وراحت قفلت الباب في وشي بقلم منال علي
بصيت لابني وسكت.. قلت له بصوت واطي الظاهر إننا زودناها أوي يا ياسين.
وقررت أبعد.
يوم.. اتنين.. أسبوع.. شهر كامل.
مخبطتش على بابها ولا مرة.
بس كنت بسمع.. بسمع كل حاجة.
التليفزيون شغال؟ الغسالة بتدور؟ بتمشي في الصالة؟
بقيت حارس صامت من ورا الحيطة.. خايفة أقتحم خصوصيتها تاني، بس مش قادرة أسيبها.
لحد ما جه يوم سبت الصبح..بقلم منال علي
لقيت حد بيخبط على بابي.
فتحت.. لقيتها هي بقلم منال علي
عينيها كانت حمراء من العياط، وإيديها بتترعش وهي ماسكة طبق أرز بلبن.
كانت بتبص لي بصه غريبة.. مش غضب، ولا حزن.. كانت بصه قرار.
قالت بصوت مخنوق الست بتاعة السوبر ماركت اللي تحت حكت لي.. قالت لي إنك كنتِ بتسألي عليا دايماً، وبتقولي لها لو نقصني حاجة تطلعهالي من غير ما تقولي لي.
قلبي دق بسرعة، وهي كملت عملتِي كده ليه يا ولاء؟
بلعت ريقي وقلت لها عشان لو كنت قلت لك الحقيقة.. مكنتيش هتفتحي لي الباب.
سكتت خالص، وحطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط بحــ,,ـــــرقة.
وفي اللحظة دي.. كل حاجة اتغيرت ما بيننا.
بس اللي مكنتش أعرفه.. إن دي مكنتش النهاية.
دي كانت مجرد البداية.
لأن في نفس الأسبوع.. سمعت صوت مرعب جاي من شقتها.
مبقاش عياط.. ولا صوت تليفزيون.
كان صوت هبدة قوية.. زي جسم وقع فجأة على الأرض.
قلبي كان هيقف من الخوف.
جريت على بابها وفضلت أرزعطنط نورا! طنط نورا ردي عليا!
مفيش رد.
بدأت أخبط بكل قوتي طنط نورا، افتحي الباب!
سكوت.. سكوت مرعب وتقيل وغلط بقلم منال علي
سندت راسي على خشب الباب وبحاول أسمع أي نفس.. أي حركة وفجأة
لاحظت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي
الباب مكنش مقفول بالمفتاح.. كان موارب.
لما زقيت الباب براحة ودخلت.. مكنتش مستعدة أبداً للي شفته جوه..
يتبع في الجزء الثاني..
الباب مكنش مقفول.. كان موارب.
قلبي بدأ يدق بسرعة رهيبة، لدرجة إني مكنتش قادرة أتنفس.
طنط نورا..؟ ندهت بصوت بيترعش وأنا بزق الباب براحة.
سكوت.
دخلت.. الشقة كان شكلها غريب.
هادية زيادة عن اللزوم.
التليفزيون مطفي.. الشبابيك متقفلة.
وفجأة شفتها بقلم منال علي
مرمية على أرض الصالة.
مبتتحركش.
وطبق الأرز بلبن لسه على السفرة زي ما هو.. ملمستوش.
طنط نورا!
جريت عليها.. إيدي كانت بتترعش وأنا بلمس وشها.
ساقع.. بس لسه فيه نبض بسيط.
خليكي معايا.. عشان خاطري.. صوتي طلع متقطع ومنهار.
مسكت التليفون، طلبت الإسعاف.. مكنتش عارفة أجمع كلامي من الرعب
هي.. وقعت.. مش بتردعليا.. أرجوكم تعالوا بسرعة!
كل ثانية كانت بتمر كأنها سنة.
قعدت على الأرض، وخدت راسها في حجري.
ياسين ابني بدأ يعيط.. ولأول مرة، حسيت إني تايهة ومكسورة تماماً.
مش هينفع تمشي وتسيبينا.. همست لها مش دلوقتي..
صوت السارينة قطع السكون اللي في المنطقة.
المسعفين دخلوا.. حركاتهم كانت سريعة، احترافية.. وبعيدة.
بعدوني عنها.. وفضلت واقفة مكاني، مبرقة، حاضنة ابني.. ومش عارفة أنا على وشك إني أفقد حد ميعتبرش قريبي رسميًا..
بس بطريقة ما.. كان هو كل حاجة بالنسبة لي.
بعد كام ساعة.. في المستشفى.
طرقة بيضاء.. ساقعة.. كئيبة.
كنت رايحة جاية مش قادرة أهدى.. لحد ما الدكتور خرج.
أنتِ حد من قرايبها؟بقلم منال علي
ترددت ثانية.. بس جاوبت بقوة
أيوة.. أنا بنتها أو قريبتها.
بص لي لحظة وهز راسه
جالها هبوط حاد في الضغط أدى لإغماء.. بس في حاجة تانية.
قلبي وقع في رجلي حاجة إيه يا دكتور؟
هي عندها جفاف.. وضعيفة جداً.. وفيه علامات بتقول إنها مكلتش كويس من كذا يوم.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
كانت لوحدها..بقلم منال علي
فعلاً الدكتور قال والظاهر إنها مطلبتش مساعدة من حد.
غمضت عيني بقهر.. لأني عارفة.
نورا مكنتش هتطلب.. عمرها ما كانت هتطلب.
لما سمحوا لي أدخل لها الأوضة..
كانت نايمة.. شكلها صغير.. وضعيفة أوي.. أكتر من أي وقت فات.
قربت منها براحة، ومسكت إيدها
خضيتيني عليكي يا طنط.. همست لها.
فتحت عينيها ببطء.. فضلت تدور عليا بملامحها، ولما شافتني، بدأت تعيط.
كنت فاكرة.. إنك مش هترجعي تاني.. قالتها بصوت مكسور.
قلبي اتعصر من الوجع أنا عمري ما مشيت أصلاً.بقلم منال علي
سكتنا شوية.. سكوت مليان كلام كتير.
أنا زعقت لك.. قالت وهي بتمسح دموعها أنا طردتك..
كنتِ خايفة.. رديت عليها.
هزت راسها بأسى كنت.. لوحدي.
مسكت إيدها وضغطت عليها
خلاص يا طنط.. الموضوع ده خلص.
بصت لي باستغراب، فخدت نفس طويل وقلت الكلمة اللي غيرت كل حاجة
أنتِ هتيجي تعيشي معايا.
سكتت تماماً وبصت لي بذهول.
عندي مكان واسع كملت كلامي وعندي بيبي محتاج حد يغني له وينيمه.. وأنا محتاجة حد يفكرني أتنفس لما الدنيا تضيق بيا.
عينيها اتملت دموع تاني
ولو تعبتك معايا؟
ابتسمت وقلت لها يبقى نتخانق.. وبعدين نتصالح بصينية بسبوسة أو أرز بلبن.
ضحكت.. ضحكة ضعيفة بس حقيقية.
أنتِ مغلوبة ومفيش فايدة فيكي..
عارفة.
سكتنا لحظة طويلة.. زي أول مرة شفتها فيها.
وبعدين هزت راسها ووافقت
ماشي يا ولاء.. بس هاخد زرعي معايا.
بعد سنتين..
بيتي بقى مليان..
ضحك.. ريحة أكل حلوة.. لُعب ميتورة في كل حتة.. وزرع.. زرع كتير في كل ركن بقلم منال علي
طنط نورا عايشة معايا، بتهتم بياسين كأنه حفيدها، وهو بينده لها تيتا بحب ملوش وصف.
فيه أيام حلوة.. وأيام صعبة.. لأن الاكتئاب مش بيختفي بسحر.
بس دلوقتي.. هي مش لوحدها.
ولا أنا كمان لوحدي.
ساعات، رغم إننا في بيت واحد.. بحب أحافظ على الطقس بتاعنا.
أجيب كوباية فاضية، وأروح أخبط على باب أوضتها
طنط نورا.. ممكن كوباية مية؟
تبص لي، تضحك، وتقلب عينيها وتقول
ما أنتِ عندك حنفية يا بت!
أهز كتافي وأقول لهابقلم منال علي
عارفة.. بس أنا بحب المية من إيدك أنتِ.
بتقوم دايماً.. وبتجيبها.
لأن الحكاية في الآخر. . عمرها ما كانت عن المية.
كانت عن إنسانة.. قررت تخبط على الباب الصح.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق