متلازمة داون
متلازمة داون
اللي زيكم ملهومش حق يخلفوا"، ده اللي قالته ست أول ما شافتني وأنا حامل في الشهر السابع. كنت ماشية أنا وحسين مروحين بيتنا في السيدة زينب، بطني كانت كبيرة وضهري واجعني مش قادرة أصلبه. الست وقفت وبرقت لنا، ورمت الكلمتين دول كأننا ملناش حق نتحب ولا نعيش.
كنت عاوزه أعيط وأنهار في الشارع، بس حسين مسك إيدي جامد وقال لي: "متبصيش وراكي يا حبيبتي، ميهمش كلامهم".
إحنا الاتنين عندنا "متلازمة داون". عرفنا بعض في حصة تعليم سلوكيات وتدبير في المركز، ومن يومها والضحكة مفارقتش وشنا. حسين بيخليني أحس بأمان الدنيا، طلب إيدي بخاتم بلاستيك وإيده كانت بتترعش من الفرحة.
الدكاترة كلهم قالوا لنا "مش هتعرفوا تربوا طفل"، والمجتمع كان بيبص لنا بنظرة شفقة مخلوطة باستنكار.
لما عرفت إني حامل، الفرحة كانت مكسورة بخوف يهد جبال. عشنا شهور
مرعبة، كنا بننام ونصحى وإحنا مرعوبين الطفل يطلع "مشوه" أو مريض زينا على حد وصفهم. الانتقادات كانت بتطاردنا في كل مكان، لدرجة إني من كتر خوفي وقلقي رفضت أعمل سونار واحد. مكنتش عاوزه أعرف، كنت خايفة الدكتورة تقول لي كلام يكسر قلبي أكتر، فقررت أسيبها على الله وأداري خوفي جوه بطني.
يوم الولادة كان أصعب وأطول يوم عدى علينا في حياتنا، كان اهلنا مستنين بره بحزن وكانها جنازه مش ولاده
جوزي حسين كان معايا في اوضة الولاده و ماسك ايدي ودموعه موقفتش لحظه
وانا كانت ضربات قلبي كانت مسموعة لكل اللي في الأوضة،
الولاده اخدت اكتر من وقتها الطبيعي وأول ما الدكتور خرج الطفل، بص لجوزي بصدمة وهلع.. اللي حصل كان اغرب بكتير من اللي اتخيلناه .....
الدكتور وقف مكانه، الطفل في إيده مبيتحركش ولا بيصرخ، السكوت اللي في الأوضة
كان مرعب لدرجة إني مكنتش سامعة غير صوت شقهقتي أنا وحسين. الدكتور بص لحسين وقال بصوت واطي ومخطوف: "يا سبحان الله.. يا حسين، بص للولد!"
حسين قرب بضهره المحني وإيده اللي بتترعش، وأنا رفعت راسي بالعافية عشان أشوف "المأساة" اللي الكل كان مستنيها. بس اللي شفناه خلى الدكتور يقع على الكرسي من الذهول.
الطفل مكنش مريض، ولا كان "زينا" زي ما الناس كانت بتقول بقسوة. الولد كان نازل "آية في الجمال"، ملامحه مفيش فيها أي أثر لمتلازمة داون، بشرته بيضا زي القشطة وعينيه واسعة وكأنه مرسوم بريشة فنان. بس الصدمة مكنتش هنا.. الصدمة إن الولد مكنش بيعيط، كان باصص لعين أبوه حسين و "بيبتسم".
الدكتور نطق وهو مش مصدق:
"أنا بقالي ٣٠ سنة بولّد ستات، عمري ما شفت طفل بينزل من بطن أمه بيضحك كده.. ده مش طفل عادي، ده هدية من السما عشان
تكسر عين كل اللي استكتروا عليكم الفرحة."
حسين خد الولد في حضنه، وقعد على الأرض يبكي بحرقة وهو بيقول: "شوفتي يا زهرة؟ ربنا مكسرناش.. ربنا جبر بخاطرنا قدام السيدة كلها."
خرجنا من العمليات، وأهلنا اللي كانوا واقفين برا بوشوش حزينة وكأنهم في عزا، اتصعقوا لما شافوا "يحيى". الست اللي رمت الكلمة السم في السيدة زينب، شافتنا وإحنا راجعين بالسبوع، وقفت مكانها مبرقة ومنزلة راسها في الأرض من الكسوف لما شافت جمال الولد في إيد أبوه.
العبرة مكنتش في إن الولد طلع "سليم" بمقاييس البشر، العبرة إن ربنا الحنين رزقنا بطفل كان هو "العكاز" اللي سندنا قدام تنمر العالم.
يحيى كبر، وبقى هو اللي بيذاكر لنا، وهو اللي بياخد باله مننا في الشارع. وبقت الناس في السيدة لما تشوفنا ماشيين، يشاوروا علينا ويقولوا: "بصوا.. أهم دول اللي ربنا
حبهم، فبعت لهم ملاك يحرسهم."
تمت….


تعليقات
إرسال تعليق