وشـوش كـدابة كـاملة بقلـم انجي الخطيب
وشـوش كـدابة كـاملة بقلـم انجي الخطيب
في اليوم ده، كان البيت ريحته شواء وكزبرة خضراء وعيش لسه طالع من الفرن.. وريحة "ببرونة" لبن دافئة. في الحوش كان صوت ضحك الضيوف عالي، رنة الكوبايات وصوت المناقشات عن الجو والزحمة مالي المكان. وفجأة أختي الكبيرة قالت لي ببرود: **«خليكي مرتاحة، أنا هطلع أشوف الواد وأرضعه».**
بعد عشرين دقيقة بالتمام، فتحت باب أوضة الأطفال، وشفت ابني اللي عنده تلات شهور وشفايفه لونها بيزرقّ.. وفي اللحظة دي، هي ضحكت.
أنا اسمي **نادية**. عندي تمانية وعشرين سنة. زوجة ضابط في الجيش، وأم لولد حلمنا بيه أنا وأبوه وكأننا كنا بنطلبه من الدنيا بدموع العين وصبر السنين.
جوزي اسمه **أحمد**. راجل من بتوع القوات البرية، منضبط، حازم في شغله، وبشكل يجنن بيبقى هادي وحنين في البيت. النوع ده من الرجالة مبيحبش الكلام الكتير، بس لو وعد إنه يحمي.. بيحمي لآخر نفس. اتعرفنا من ست سنين لما كنت مهندسة في التجهيزات العسكرية بشتغل بالتعاقد. في الأول كان بيننا حذر، بعدين احترام، وفي الآخر بقى بيننا بيت.
ابننا **مازن** اتولد في فبراير. حتة لحمة حمراء دافية، كان بيكشر وهو نايم وكأنه شايل هموم الدنيا من صغره. وقت الحكاية دي كان كمل تلات شهور بالظبط.
وعشان تفهموا ليه اللي حصل ده مكنش "خبطة على راسي" من فراغ، لازم أقول حاجة
صعبة عن أهلي: أنا وأختي مكنش بيننا يوم واحد مودة. كانت بيننا "حرب صامتة"، وسنين من الغل والغيرة اللي بتكبر في الضلمة.
أختي اسمها **أمل**. أكبر مني بسنتين، ومن صغرها كان مسموح لها بكل حاجة. لو غلطت يقولوا "دي شخصيتها قوية"، لو جرحت حد يقولوا "تعبانة وأعصابها بايظة"، لو عملت مصيبة يلاقوا لها ألف عذر. لكن أنا؟ لو نجحت في حاجة، نجاحي بيبقى سبب كافي عشان تقلب وشها وتزعل مني.
لما اتخرجت من الهندسة، قعدت أسبوع متكلمنيش وقالت لماما "دي محظوظة مش أكتر". لما اتجوزت أحمد، قالت قدام الكل "في ناس بتعرف تظبط حياتها وتتشعلق في الراجل الصح". لما استلمنا سكن الضباط، سخرت وقالت "يا بختك، كل حاجة بتجيلك على طبق من فضة".
والأصعب من أمل كان "أهلي". بابا وماما دايماً في صفها، وكأنهم عارفين إنها هي اللي محتاجة إنقاذ طول الوقت. تسيب شغلها؟ المدير ظالم. تخبط العربية؟ الطريق وحش. تغرق في الديون؟ الزمن غدار. دايماً في "شماعة" تعلق عليها بلاويها.
أحمد كان شايف كل ده من الأول. مكنش بيعمل مشاكل، ولا منعني عنهم، بس مرة قالي بكلمتين هزوني: **«يا نادية، في ناس مش هيكفيهم صبرك، دول عايزين يشوفوكي معندكيش أي حاجة خالص»**. وقتها زعلت منه، افتكرته قاسي.. كنت فاكرة إن ضنايا لما ييجي هيحنن القلوب، وإن "أمل" لما
تبقى خالة، قلبها هيتغير.
كنت عايزة عيلة عادية.. مش مثالية، بس عيلة بتشيل الطفل بحب، مش بحسابات قديمة.
في اليوم ده كنا متجمعين في بيتنا بمناسبة "عيد تحرير سيناء". البيت كان مليان. أهلي وصلوا بدري ومعاهم أطباق السلطة والمحشي. في الحوش أحمد كان واقف قدام الشواية مع زمايله، وفي المطبخ ريحة الشاي والحلويات مالية الدنيا. كل حاجة كانت طبيعية جداً، مكنش يخطر على بال حد إن بعد نص ساعة، صرختي هتجيب آخر الشارع.
أمل وصلت متأخر ومعاها واحد من اللي كانت بتعرفهم.. "تامر". دخلت وصوتها مسمع الجيران. ضحك عالي، تلطيش في الكلام، رمي كلام يخليكي يا إما تبلعي الإهانة يا إما تبوظي العزومة. وعلى الترابيزة اللي قاعدة عليها، قزايز المشروبات بدأت تكتر قدامها.. لاحظت ده، وسكتّ.
مازن كان نايم فوق في أوضته، في سريره الأبيض الصغير وتحت الغطاء الخفيف. مكنش بيعيط كتير، ولو صحي كان بيزن شوية عشان ياكل ويرجع ينام تاني.
حوالي الساعة تلاتة العصر، سمعت صوت عياطه من فوق. مكنش عياط عادي. كان صرخة مخنوقة، صرخة تخلي أي أم قلبها يتنفض حتى لو وسط مية واحد.
كنت لسه هحط طبق البطاطس وأجري على السلم، لما لقيت أمل قامت فجأة.
**«خليكي مكانك، أنا هطلع له»**.. قالتها وهي بتسيب الكوباية من إيدها، **«تلاقيه بس جعان»**.
استغربت.
أمل عمرها ما كانت بتحب تشيل عيال، ولا مرة طلبت تشيله أو تبص في وشه بحنان. بس الضيوف كانوا قاعدين، وأهلي موجودين، فمبقتش عايزة أعمل مشهد ملوش لزوم لمجرد "إحساس" جوايا.
ناديت عليها وهي طالعة: **«الرضعة جاهزة في التلاجة، دفيها بس في الجهاز اللي جنب الميكروويف»**.
شاورت بإيدها من غير ما تبص وراها.
فضلت تحت. بصب العصير، بوزع الأكل، بهز راسي للناس.. بس قلبي كان بيتعصر. عيني مش مفارقة السلم. مستنية أمل تنزل، مستنية العياط يسكت.. مستنية أحس بالذنب إني شكيت فيها.
بس الوقت طال.
ربع ساعة.. تلت ساعة.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
مفيش صوت رجلين. مفيش صوتها وهي بتنغنغه. مفيش الزنة الهادية اللي مازن بيعملها قبل ما ينام.
اعتذرت للناس وطلعت أجري.
عند السلم كان الهدوء مرعب. تحت في ضحك ولمة، وفوق في سكون تقيل. باب الأوضة كان موارب.
وهنا سمعت صوت أمل.
كانت بتتكلم بهدوء غريب.. نغمة ناعمة بزيادة، زي اللي بيلاعب طفل وهو بيفكر في مصيبة.
**«يلا يا شاطر.. كمل.. خالتو عملت لك رضة خصوصي»**.
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.
زقيت الباب.
أمل كانت واقفة جنب السرير، والببرونة في إيدها. بصيت على ابني وهو في سريره، ابني مكنش مرتاح.
وشه كان باهت.. شفايفه بدأت تميل للزرقان.
عقلي وقف. مش قادرة أصدق اللي شايفاه. هجمت وشيلت الواد بسرعة من السرير.
كان "مرخي" في إيدي.
جسمه مشدود بطريقة تخوف، ونفسه سريع وقصير وكأن الأكسجين مش واصل لصدره.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني كنت هقع بالولد.
**«عملتي فيه إيه؟»**.. الصوت ده مكنش صوتي، كان صرخة جاية من جحيم جوايا.
ناديت على "أحمد" بأعلى صوتي.
صرخت بجد.. الصرخة اللي مفيهاش تجميل، ولا كرامة، ولا خوف من كلام الناس.
وفي اللحظة دي.. أمل ضحكت.
مش ضحكة خوف.. ولا توتر.
كانت بتضحك بمتعة، وكأنها أخيراً شافت المنظر اللي كانت مستنياه طول اليوم.
**«في إيه يا نادية، كبري دماغك»**.. قالتها ببرود يقهر، **«أنا بس حبيت أغير له طعم اللبن شوية.. لازم تعرفي إنك مش الأم المثالية أوي يعني»**. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الدنيا اسودت في عيني.
**«يعني إيه غيرتي طعم اللبن؟»**.. سألتها وصوتي كان بيقطع من الرعب.
هزت كتافها وقالت بمنتهى البساطة:
**«حطيت له سم في الببرونة.. بس متخافيش، مش بجد، حبة صغيرين بس عشان "أهزر" معاكي»**.
في اللحظة دي، سمعت خطوات أحمد بتهد السلم وهو طالع يجري.
بس أنا مكنتش شايفة أختي..
عيني كانت على الببرونة المرمية على السرير.. وعلى "شريط البرشام" اللي كان محطوط على طرف الشباك.
### **الفصل الثاني: بين الموت والحياة**
أحمد دخل الأوضة زي الإعصار،
شافني ماسكة مازن اللي كان بينازع، وشاف "أمل" واقفة بتضحك ببرود مستفز. مفيش ثانية ضاعت؛ أحمد سحب الببرونة وشريط البرشام اللي كان على الشباك - كان نوع من المنومات القوية اللي ماما بتاخدها - وبصوت زي الرعد قال: **«على العربية.. حالاً!»**.
في المستشفى، الممرات كانت بتلف بيا. الدكاترة خدوا مازن مني ودخلوا "غرفة الطوارئ". أحمد كان واقف ساند ضهره على الحيطة، عروق إيده بارزة، وعينه فيها نظرة مرعبة.. نظرة ظابط بيخطط لقصاص مش لصلح.
تحت في الاستقبال، وصلوا أهلي ومعاهم أمل. ماما كانت بتعيط وتولول: **«يا حبيبي يا ابني، أكيد أمل مكنش قصدها، دي كانت بتهزر، البنت أعصابها تعبانة يا نادية!»**.
في اللحظة دي، أنا نسيت إني بنتها. بصيت لها وقولت بكلمات خارجة من نار: **«لو ابني جرى له حاجة، مفيش فيكم حد هيعرف لي طريق، وأولهم اللي انتوا مسمينها أختي دي»**.
### **الفصل الثالث: المواجهة الكبرى**
بعد تلات ساعات من الرعب، الدكتور طلع. وشه كان مرهق بس مطمن: **«الحمد لله، لحقناه بغسيل معدة وتنشيط للدورة التنفسية. المادة اللي خدها كانت كفيلة توقف قلب طفل في سنه، لولا إنكم جيتوا في الوقت المناسب»**.
أول ما الدكتور
مشي، أحمد اتحرك ناحية أمل. الكل افتكر إنه هيضربها، بس أحمد كان أذكى. وقف قدامها وقال بصوت واطي ومرعب:
**«يا أمل.. أنا مش هرفع إيدي عليكي، لأني محترم الرتبة اللي على كتفي ومحترم بيت حمايا. بس الشريط اللي في جيبي ده، والببرونة اللي في العربية، هيتقدموا بكرة الصبح في بلاغ رسمي "شروع في قتل"»**.
أمل وشها اصفرّ، وضحكتها اللي كانت مالية البيت اختفت. بدأت تترعش وتقول: **«أنا كنت بهزر.. والله كنت عايزة نادية تتربى شوية وتبطل منظرة بوشها المثالي ده!»**.
بابا اتدخل بصوت مكسور: **«يا أحمد يا ابني، بلاش فضايح، دي أختها.. استهدي بالله»**.
أحمد رد عليه برد قطم وسطنا كلنا: **«اللي يحط سم لابن أخته ميبقاش "أخت"، ده يبقى عدو. وابني أغلى عندي من أي صلة دم خاينه»**.
### **الفصل الرابع: الحقيقة المرة**
رجعنا البيت بعد يومين. البيت اللي كان ريحته شواء وفرح، بقى ريحته خوف. قفلت على نفسي وعلى مازن، وأحمد كان قاعد قدام الباب زي الحارس.
اكتشفنا بعدين من "تامر" اللي كان معاها، إن أمل كانت مخططة لده من يوم ما عرفت إني حامل. كانت بتبعت رسايل لنفسها من أرقام وهمية بتهددها، عشان تقنع الكل إن "أعصابها تعبانة"
ومحتاجة معاملة خاصة، وفي الحقيقة كانت بتغلي من جوه لأن حياتي استقرت وهي لسه "تائهة".
ماما وبابا حاولوا ييجوا البيت كتير، بس أحمد كان حاسم: **«نادية محتاجة وقت، ومازن مش هيشوف وش أمل تاني طول ما أنا عايش»**.
### **الفصل الخامس: بزوغ الفجر**
مرت شهور. مازن كبر وبدأ يضحك تاني، والزرقان اللي كان في شفايفه بقى وردي من جديد. أمل سافرت عند قريب لينا في الصعيد بعد ما أحمد هددها فعلياً بالمحضر لو شافه خيالها في المنطقة.
أنا اتغيرت. مبقتش نادية الضعيفة اللي بتسكت عشان "المركب تسير". اتعلمت إن في ناس، حتى لو من دمنا، ممكن يكونوا هما الغرق نفسه.
في ليلة، وأنا بهز سرير مازن، أحمد دخل وقعد جنبي، مسك إيدي وقالي: **«فاكرة لما قولتلك في ناس عايزينك معندكيش حاجة؟»**.
هزيت راسي بدموع.
كمل وقالي: **«دلوقتي إنتي عندك "كل حاجة".. عندك القوة إنك تقولي لأ، وعندك ابن ربنا كتب له عمر جديد عشان يملى عليكي الدنيا»**.
بصيت لمازن وهو نايم، وحسيت لأول مرة إن الريحة اللي في البيت مش ريحة شواء ولا لبن.. كانت ريحة "حرية". حرية من القيود اللي كانت رابطاني بعيلة كانت مستعدة تضحي بابني عشان "خاطر" أختي الكبيرة.
**النهاية.**


تعليقات
إرسال تعليق