قاعة الـ10 دولارات اللي رجّعت صوت المدينة للحياة
قاعة الـ10 دولارات اللي رجّعت صوت المدينة للحياة
في سن 22، اتطردت من بيتها ومكانش معاها غير فلوس تكفي تشتري مسرح رقص قديم ب دولارات الكل في البلد كان بيتجنبه. كانت فاكرة إنه مجرد مكان مؤقت تعيش فيه، لحد ما السر اللي ورا خشبة المسرح خلّى كل كلمة سخرية تسكت.
ريم كالواي بصّت لانعكاسها في شباك مظلم لغسيل ملابس مهجور وبعدين بصّت بعيد.
الانعكاس مكنش حاجة حابة تشوفها.
خدود غائرة.
أنف محروق من الشمس.
شعر ما شافش شامبو من 4 أيام.
وشّ باين عليه أكبر من سنها بكتير.
جنبها على الرصيف المتشقق، كان قاعد كلبها بوكي برجليه الأماميتين متقاطعين وعنيه الكهرمانية ثابتة عليها كأنه لسه مصدق إنها عارفة رايحين فين.
وهي ما كانتش عارفة.
كانت لاقيته من 6 أسابيع ورا محطة بنزين في سيڤيرفيل بولاية تينيسي، ضلوعه باينة من فرط الجوع وفرائه متلبد.
دلوقتي هو كان عيلتها الوحيدة.
عنوانها الوحيد.
والسبب الوحيد اللي مخلّيها تكمل.
ريم بقالها 9 أسابيع مشردة.
التفاصيل ما كانتش مهمة للناس.
أمها اتجوزت راجل جديد
بيبيع تأمين في كانتون، أوهايو.
الراجل الجديد ماكنش عايز بنت زوجة كبيرة تاكل من أكل بيته.
أمها اختارته.
من غير نقاش.
من غير اعتذار.
مجرد شنطة على باب البيت صباح يوم ثلاثاء، وقفل ما بقاش يفتح بمفتاح ريم.
كان معاها 340 دولار في البنك، وعربية هوندا سيفيك موديل 2004 ماشية أكتر من 200 ألف ميل، وشنطة قماش فيها كل اللي بقت تملكه.
ساقت ناحية الجنوب لأن الدفا كان أحسن من البرد.
والجبال كانت أحسن من الأرض المستوية.
وأي مكان كان أحسن من باب البيت اللي أمها ما خرجتش تودّعها منه.
وصلت لبلدة صغيرة اسمها ريدجواي في فيرجينيا بعد ما العربية بدأت تطلع صوت زي حصى في فنجان قهوة.
نامت ورا محل دولار جنرال وبوكي نايم جنب رجليها.
لحد ما سمعت عن قاعة الرقص.
الكلام جه من ست كبيرة في محطة البنزين على طريق 8.
ريم كانت داخلة تشتري مية وبسكوت فول سوداني.
الست اللي ورا الكاشير كانت عندها حوالي 70 سنة، شعرها أبيض مربوط كحكة ونضارتها معلقة في سلسلة.
اسمها
كان أُورا.
بتدوري على شغل ولا عابرة سبيل؟
ريم كانت هتكدب.
بس كانت مرهقة.
الاتنين بصراحة.
أُورا بصّت لها شوية.
وبعدين قالت
في قاعة رقص قديمة فوق طريق جروڤ هولو، بعد الكنيسة بحوالي ميل. ست اسمها دوروثيا برويت مالكاها وبتحاول تتخلص منها من 20 سنة.
ريم رفعت حواجبها.
نوعها إيه؟
النوع اللي محدش عايزه. قديمة، فيها تسريب، مفيهاش كهربا ولا مية. الناس بتقول هتقع لو الهوا زعلها.
بكام؟
أُورا رفعت كتافها.
آخر حاجة سمعتها، بثمن وجبة غدا.
ريم كتبت الاسم والطريق على ورق كيس البسكوت.
الصبح اللي بعده راحت تقابل دوروثيا برويت.
دوروثيا كانت قاعدة على شرفة بيت صغير، بتفصّص فاصوليا خضرا في طبق معدن.
كانت ست عندها 72 سنة، عينها حادة، وشكلها كأنها عاشت كذا حياة من غير ما تستأذن.
بوكي نط من العربية الأول.
راح نحية السلم، قعد وبص لها.
دوروثيا بصت له وقت طويل.
ده كلب بلوط هوند.
أيوه يا فندم، اسمه بوكي.
واضح إنه شاف أيام صعبة.
ريم بصت له.
واحنا الاتنين
شوفنا.
دوروثيا ما سألتش أسئلة تانية.
حطت الطبق جنبها.
يلا، أوريكي المكان.
مشيوا في طريق ترابي، وبوكي قدامهم بيشم الأرض.
قاعة الرقص كانت في مساحة فاضية وسط أشجار عالية.
كانت مبنى خشبي من دورين، متبني سنة 1889.
البلكونة مائلة، والنوافذ نصها متغطي بخشب.
السقف صاج صدئ لونه برتقاني.
الباب قدام مائل على مفصلة واحدة.
بوكي دخل كأنه صاحب المكان.
ريم دخلت ونسيت تتنفس.
جوا القاعة كان فيه خشب أرضية قديم لكنه ثابت.
وفي آخر القاعة خشبة مسرح مرتفعة.
عايزة فيها كام؟ ريم سألت.
10 دولارات.
ريم ضحكت بصدمة.
كل ده ب دولارات؟
تعب سنين، قالت دوروثيا. أنا بدفع ضرائبها من 30 سنة ومش عايزة أكمل.
في الصبح اللي بعده، ريم وقّعت الورق.
وفي نفس اليوم، بقت رسميًا مالكة قاعة رقص عمرها 137 سنة.
الناس في البلد ضحكوا.
قالوا اشترت خرابة مسكونة.
قالوا هتقع مع أول عاصفة.
وست سألتها لو ناوية ترقص مع الراكون.
وهي ما ردتش.
لأنها اتعلمت إن الرد على السخرية بيكبرها.
دخلت تعيش هناك في نفس اليوم.
أو بمعنى أدق، نامت على خشبة المسرح.
بوكي نام
جنبها.
أول ليلة كانت مرعبة.
لكنها كانت تحت سقف.
وبعد أسابيع، بدأت تصلّح المكان.
رقّعت السقف.
غطّت الشبابيك.
نضّفت الأرض.
المكان بدأ يتغير.
وبقى فيه نور.
وفي يوم، بوكي لقى باب صغير ورا المسرح.
كانت متدهونة لدرجة إنها مش باينة.
ريم كسرت الطلاء وفتحته.
وراه كانت أوضة كاملة.
بها آلات موسيقية قديمة.
كمان، بانجو، ماندولين، وجيتارات.
وصناديق مليانة صور وأسطوانات ووثائق.
ريم فتحت أول صندوق وقرأت أول ورقة.
وساعتها فهمت إن المكان ده كان بيخبي سر كبير، وإن كل اللي استهزأوا بيها هيبطلوا كلامهم قريب.
حكايات شروق خالد
بوكي كان قاعد جنبها، كأنه هو كمان مستني يفهم.
ريم كانت ماسكة الورق بإيدين بيرتعشوا،
والعيون بتجري على السطور بسرعة.
الورقة كانت مكتوبة بخط قديم، لكن واضح
لو وصلت الورق ده، يبقى القاعة ما ماتتش زي ما الناس افتكرت.
قلبها دق.
قلبها كان بيقولها إن المكان ده مش مجرد خرابة.
قلبها كان بيقول إن فيه حد كان بيحميه وبيخبي حاجة جواه.
فتحت الورقة التانية.
كانت أسماء.
أسماء ناس من البلد.
موسيقيين.
راقصين.
وآخر سطر كان مكتوب فيه
الصوت الحقيقي لريدجواي مش في الكنيسة الصوت هنا.
ريم رفعت راسها ببطء وبصّت للمسرح.
كأنها لأول مرة تشوفه صح.
كأن الخشب نفسه لسه حافظ صوت غنا وضحك ورقص من زمان.
بوكي قام فجأة وراح ناحية ركن في الأوضة.
شمّ الأرض وبدأ يحفر بإيده.
بوكي إنت بتعمل إيه؟
ما ردش.
فضل يحفر
لحد ما ظهرت لوح خشب صغير متثبت في الأرض.
ريم قربت.
رفعت اللوح.
وتحتها
كان فيه ميكروفون قديم جدًا متوصل بأسلاك مدفونة جوه الأرض.
بس الغريب إنه لسه سليم.
كأن حد كان محافظ عليه شغال لحد آخر لحظة.
ريم مسكته بإيدها.
وبمجرد ما لمسته
همهمة خفيفة طلعت من السماعة في المسرح.
كأن المكان نفسه رد عليها.
كأن القاعة بتتنفس.
بوكي نبح نباحة واحدة ووقف يبص لها.
وفي نفس اللحظة، صوت خفيف خرج من السماعة.
مش أغنية كاملة
مجرد نغمة.
لكنها كانت حقيقية.
حية.
ريم رجعت خطوة لورا.
ده إيه؟
وبعدين فجأة، الباب الكبير بتاع القاعة اتفتح بقوة من الهوا.
تراب طار في الجو.
وصوت عجلات عربية سمع في الخارج.
أول عربية تدخل المكان
من سنين.
ريم جريت تبص من الشباك المكسور.
كانت عربية شيفروليه قديمة.
ونزل منها راجل في الخمسينات، ماسك شنطة أدوات.
وقف يبص للمبنى كأنه شايف شبح.
وبصوت واطي قال
يعني لسه واقفة
ريم نزلت بسرعة.
وقفت قدامه وهي مش فاهمة
إنت مين؟ وإيه اللي جابك هنا؟
الراجل بص لها ببطء.
أنا كنت عازف هنا من 30 سنة.
سكت لحظة.
وبعدين قال
وكنت فاكر إن كل حاجة اتقفلت بس واضح إن القاعة اختارت حد تاني يرجعها للحياة.
ريم بصت وراها ناحية المبنى.
وبوكي كان واقف على باب المسرح، كأنه حارس.
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي جوا المكان ده مش مجرد ذكريات.
ده كان وعد قديم مستني حد يكمله.
وإن السخرية اللي سمعتها طول الطريق
كانت بس بداية الحكاية مش نهايتها.
قاعة ال دولارات اللي رجّعت صوت المدينة للحياة


تعليقات
إرسال تعليق