القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية فى ظلال الوادى الفصل الرابع عشر 14 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات

 

رواية فى ظلال الوادى الفصل الرابع عشر 14 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات 





رواية فى ظلال الوادى الفصل الرابع عشر 14 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات 





الفصل الرابع عشر.

                           "محاولة استهداف حقيقية"


تراجعت غالية خطوة إلى الخلف، وقالت بنبرة حاولت أن تُلبسها ثوب الثبات، رغم ذلك الارتجاف الخفي الذي كان يسري في أوصالها كتيار بارد تحت الجلد، وهي تطالع عينيه اللتين استعصى عليها فهم ما يختبئ خلفهما من نوايا:


-إصرار إيه يا بيه، هو ده مكنش عرضك؟


أمال موسى رأسه قليلًا إلى الجانب، ثم تقدم نحوها خطوة بطيئة متعمدة، فتراجعت هي تلقائيًا خطوة أخرى، وكأن المسافة بينهما أصبحت معركة صامتة؛ هو يقتحمها بثقة وهي تهرب منها بخوف، فارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة تحمل شيئًا من التسلية العابثة، تلك الابتسامة التي غابت عن ملامحه منذ بداية اليوم وذلك عندما طلت عليه والدته في حلمه المشؤوم.


استمر في التقدم دون عجلة بينما أخذت هي تتراجع أمامه بلا وعي، حتى غفلت عن الدرج خلفها، فانزلقت قدمها فجأة وكادت تهوي إلى الأسفل، ولكن ذراعيه كانتا أسرع؛ أحاط خصرها بقوة وجذبها نحوه قبل أن تسقط.


شهقت غالية بفزع والتصقت أنفاسها المرتبكة بأنفاسه الهادئة على نحو زادها اضطرابًا، حيث كانت قريبة منه إلى درجة أربكت حواسها، حتى إنها استطاعت أن تسمع انتظام تنفسه بثبات، بينما صدرها هي كان يعلو ويهبط بعنف، فوضعت كفيها فوق صدره تلقائيًا، وعندما أدركت ضآلة المسافة الفاصلة بينهما، دفعته بعيدًا عنها بسرعة وقد اشتعل وجهها خجلًا وارتباكًا بينما هربت عيناها إلى الأرض.


أما هو فقد رفع حاجبه ساخرًا وقال بنبرة عاتبة امتزجت بالعبث:


-ينفع تزقيني كده وأنا نيتي كانت خير؟


زمت شفتيها بضيق من طريقته المستفزة، ثم رفعت رأسها إليه بجدية مصطنعة، وكأنها هي صاحبة السيطرة في هذا الموقف ليس هو:


-هتشوف لي شغل ولا لا يا بيه؟


تعمقت نظرات موسى فيها بصورة جعلتها تشعر وكأنه يفتش روحها لا ملامحها، فتململت في وقفتها بخجل، وجذبت طرف ثيابها إلى الأسفل بحركة مرتبكة، كأنها تحاول أن تحتمي من عينيه، بينما هو قطع هو ذلك الصمت فجأة حين قال:


-انتي اسمك إيه يا بت؟


ارتفعت دقات قلبها بعنف حتى خُيل إليها أن صوتها سيخرج مرتجفًا مهما حاولت التماسك، فلم يكن السؤال صعبًا لكنه بالنسبة لها كان الخطوة الأولى في طريق محفوف بالخطر، والخطوة الأولى دائمًا هي الأصعب.


ابتلعت ريقها ثم قالت بثبات حاولت انتزاعه من خوفها:


-اسمي نجمة يا بيه.


وفي اللحظة التالية تبدل كل شيء، حيث اختفت تلك النظرة العابثة من عيني موسى، لتحل محلها قسوة حادة ووحشية مفاجئة، فاقترب منها في لمح البصر حتى تلاشت المسافة بينهما مرة أخرى، لكنه هذه المرة أمسك معصمها بعنف وجذبها إليه بقوة جعلتها تتأوه من الألم.


فقال بصوت منخفض لكنه مخيف إلى حد جعل الكلمات تبدو كأنها تُسحق بين أسنانه:


-نعم يا *****، انتي هتستعبطي يا بت!


حاولت أن تدفعه بعيدًا عنها، إلا أن قبضته كانت أشد من أن تُفلت بسهولة، فشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها للمرة الأولى بوضوح حقيقي، خاصة عندما عاد يتحدث بنبرة ساخرة، لكنها مشبعة بشر دفين:


-قوليلي إحساسك إيه؟ وهما بيسموكي نجمة لأول مرة؟!


اتسعت عيناها بذعر وشعرت لوهلة أن هذا الرجل قادر على قتلها فعلًا إن لم تعطه ما يريد سماعه، فقالت بصوت مرتجف:


-آآ..أنت بتقول إيه يا بيه؟ هما مين دول؟


اشتدت أصابعه حول رسغها حتى شعرت أن عظامها ستتحطم، ثم صاح بغضب أرعبها:


-مين يا بت سوحك وقالك تيجي تعملي النمرة الخايبة دي، عاصم ولا سراج القبّور، انطقي وقولي، هو مفيش غيره بيحب يلاعبني بأساليب **** بس وحياة أمي ما أنا سايبه المرة دي، وهخطف اللي ماشي وراها بيحميها.


في تلك اللحظة ورغم الرعب الذي كان ينهش أعصابها، نجحت غالية في دفعه عنها بكل ما تملك من قوة، ثم تراجعت خطوة للخلف وهي تقول بثبات لا تعرف كيف امتلكته:


-مين الناس دي يا بيه؟ وإيه اللي انت بتقولوه ده! ماله اسمي عملك إيه لدرجادي؟


ثم أخرجت بطاقتها المزورة بسرعة ومدتها نحوه بثقة متعمدة:


-البطاقة عندك اهي، اسمي نجمة جلال الدين!


أخذ موسى البطاقة منها، وراح يتأملها طويلًا في صمت أقلقها، فلم يظهر على وجهه شيء يمكن تفسيره، فقط عينان جامدتان تتحركان بين الصورة والاسم، ثم وببطء شديد هز رأسه عدة مرات، قبل أن ترتسم ابتسامته الساخرة مجددًا، تلك الابتسامة التي بدت أخطر من غضبه نفسه،

فقال بهدوء مخيف:


-أنا بحب اللعبة الحلوة، بس مبحبش اللي بيفكر نفسه أذكى منى.


ثم التفت موسى نحو صالح وقال بنبرة آمرة لا تحتمل نقاشًا:


-الحلوة تشرف تحت شوية لغاية ما افوقلها.


وما إن صدرت كلماته حتى اندفع صالح نحو غالية بعنف، كوحش أُطلق من قيده أخيرًا، أمسك بذراعها بقوة مؤلمة، فشهقت وهي تحاول الإفلات منه، إلا أن قبضته كانت كالفخ الحديدي الذي لا يرحم، أما هي فقاومته بكل ما تملك؛ دفعت صدره وحاولت التمسك بأي شيء حولها، لكنه جرها جرًا عبر الممر الطويل المؤدي إلى أسفل القصر، بينما كانت خطواتها تتعثر فوق الدرج الحجري البارد.


فكان المكان يزداد ظلمة كلما هبطا أكثر، حتى بدا وكأنهما يغوصان داخل جوف قبر عتيق لا نهاية له، وصل إلى باب حديدي ضخم في أحد الجوانب المعتمة، فدفعه بقوة حتى أصدر صريرًا حادًا مزق سكون المكان ثم دفعها إلى الداخل بعنف شديد.


اختل توازنها وسقطت أرضًا بقوة، فاصطدمت ركبتاها بالحجارة الصلبة وانطلقت منها صرخة موجوعة ارتدت أصداؤها بين الجدران الرطبة، لكن صالح لم يُبدِ أي شفقة،

فاقترب منها بخطوات ثقيلة ثم انحنى وأمسك بحجابها بعنف، وجذبها منه بقوة قاسية جعلت عنقها يرتد للخلف بعنف حتى شعرت بأن الرؤية بدأت تتلاشى من شدة الألم.


حاولت إبعاد يده المرتكزة فوق رأسها، بينما كانت تتلوى أسفل قبضته في محاولة يائسة للنجاة، لكنه كان أقوى منها بكثير، فقال بصوت خشن يفيض بالشراسة:


-انتي لعبتي في عداد عمرك يا بت، اللي بيدخل هنا بيشوف أهوال تخليه يتمنى الموت ألف مرة، وهتعترفي بنفسك مين اللي سوحك وجابك لحد هنا، بس من غير حتى ما اعرف شكلك تبع عاصم عزام فعلًا.


دفعت يده عنها وإبعاد رأسها إلى الخلف بكل ما تبقى لديها من قوة، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل أمام بطشه العنيف، فكانت أنفاسها تتلاحق في اضطراب، ويداها ترتجفان وهي تتشبث بحجابها تحاول حمايته، لكنه جذب القماش بعنف أعمى، فانخلع عنها دفعة واحدة، وتساقطت خصلات شعرها فوق كتفيها ووجهها في مشهد أشبه بانهيار آخر حصونها.


تجمدت في مكانها للحظة، وكأن الزمن توقف فجأة، فاتسعت عيناها بصدمة مرعبة، وراحت تحدق في نفسها وفي خصلات شعرها المبعثرة حولها وكأنها لا تصدق ما حدث، شعرت بإهانة حادة تخترق صدرها، وبذعر يلتهم روحها قطعة قطعة، ثم انفجر صوتها صارخًا بصورة هستيرية اختلطت فيها الصدمة بالقهر:


-انت عملت إيه يا حيوان، انت عملت إيه؟


اندفعت نحوه بلا وعي وقد تحولت دموعها إلى غضبٍ أعمى، تغرز أظافرها في وجهه بعنف وانتقام، فتركت فوق بشرته خدوشًا دامية واضحة، للحظة بدا وكأنه سيتراجع، لكن غضبه انفجر بصورة أكثر وحشية، فقبض على ذراعها بعنف وصفعها بقوة أطاحت برأسها إلى الجانب، ثم أردفها بضربات متتالية كي يبعدها عنه.


كانت تصرخ وتحاول الإفلات إلا أنه انتزع الحجاب من يديها بسرعة، ثم لفه حول عنقها بقسوة قاتلة، وأحكم قبضته عليه من الخلف، انحبس الهواء داخل صدرها فجأة، واتسعت عيناها بفزع هائل وهي تحاول التقاط أنفاسها عبثًا،

فبدأ وجهها يشحب تدريجيًا، ثم مال إلى الزرقة الداكنة، بينما كانت يداها ترتجفان وهي تحاول فك القماش عن عنقها، تعثرت أنفاسها وتحولت إلى شهقات متقطعة مؤلمة، في حين كان هو يضغط أكثر فأكثر، وكأن القسوة وحدها هي ما يملأ قلبه.


اقترب من أذنها وهمس بصوت حاد يحمل احتقارًا مرعبًا:


-انتي فاكرة هتطلعي منها سليمة يا بت؟ انتي كده كده في تعداد الموتى، يلا بالسلامة انتي والله كنتي خسارة في الموت.


كانت تحاول الوصول إليه تحاول ضربه أو دفعه أو حتى التشبث بأي شيء ينقذها، لكن قوتها بدأت تخونها شيئًا فشيئًا، والرؤية أمامها أخذت تتلاشى، وكأن غمامة سوداء كثيفة تزحف إلى عينيها ببطء، تبتلع الضوء وكل ما حولها،

أصوات المكان أصبحت بعيدة ومشوشة، وضربات قلبها أخذت تخفت تدريجيًا، حتى شعرت بأن جسدها لم يعد قادرًا على المقاومة، ارتخت أصابعها شيئًا فشيئًا، وسقطت ذراعها بجانبها بلا حول.


وفي اللحظة الأخيرة قبل أن تغيب تمامًا عن الوعي، تحركت شفتاها بصعوبة وهمست باسم خرج متقطعًا وضعيفًا:


-إيـ....هاب.


لكن الكلمة خرجت مشوشة بالكاد تُفهم، فظن صالح أنها مجرد همهمات أخيرة تصدر عن جسد يحتضر، عندها ألقى بها بإهمال بعدما تأكد أن أنفاسها أوشكت على الانطفاء، فسقط جسدها أرضًا بعنف كدمية فقدت روحها.


وقف يلهث لثوانٍ ينظر إليها ببرود مخيف، ثم اتجه بخطوات ثقيلة نحو زاوية مظلمة من الغرفة، حيث كانت توجد سلاسل حديدية صدئة، حملها وعاد إليها وقام بتقييد قدميها ويديها بإحكام قاسٍ، حتى التصقت القيود بمعصميها محدثة جروحًا حمراء حول جلدها الناعم.


ثم رفع بصره نحو الحجاب الملقى على الأرض، فانحنى والتقطه ببطء قبل أن يرفعه عاليًا ويربطه في مصباحٍ قديم ذي ضوء خافت متدل من سقف الغرفة، وكأنه يتعمد إذلالها حتى وهي بين الحياة والموت.


ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باردة، بينما كان يتأمل المشهد أمامه برضا مريض، ثم استدار أخيرًا واتجه نحو الباب، وقبل أن يغادر ألقى عليها نظرة أخيرة مليئة بالقسوة، ثم أغلق الأبواب الحديدية خلفه بقوة، فارتج صدى الصوت داخل المكان المظلم كأنه إعلان بنهاية كل شيء.


                                           ***


انتقلت كوثر إلى جوار أخيها فهمي بخطوات متوترة، وقد ارتسم فوق ملامحها فضول حاد أشعل ضيقه من جديد، فمالت نحوه وهمست بصوت خافت، إلا أن نبرتها حملت من التطفل ما استفزه بشدة:


-بردو لسه مردتش؟


زم فهمي شفتيه بضيق، وانعقد حاجباه وهو يجيبها بصوت مكتوم يغلفه الحنق:


-يعني هي لو ردت عليا مش هقولك ليه يا كوثر؟


رفعت كوثر أحد حاجبيها باعتراض ساخر، ثم اندفعت تقول بحدة لم تستطع إخفاءها، حتى إن صوتها وصل إلى جمال الجالس والذي لم يكن بعيدًا عنهما، فانتشتله من شروده الطويل في ذكريات الماضي الثقيلة:


-بصراحة بقى أنا مش عاجبني فكرتك، هو إيه اللي نصالحها ونعاملها كويس؟ هو احنا من امتى بنطيقها ولا بنطيق سيرة أمها حتى، البت نفسها مش هتصدق!


ابتعد عنها فهمي بضجر، وقد بدا واضحًا أن انفعالها يفوق الحد المقبول بالنسبة إليه، ثم قال بنبرة ضيقة حاسمة:


-خلاص اطلعي انتي برة اللعبة دي، طالما مش عارفة تتحكمي في نفسك.


في تلك اللحظة اقترب جمال منهما بخطوات واثقة، وقد لمع في عينيه بريق حماس غريب ثم قال بعدما جلس قبالتهما:


-أنا مع فهمي جدًا، البت اتجوزت عاصم عزام نفسه وشكله حبها وهيعمل عشانها أي حاجة، حتى ممكن يوافق يرجعنا الوادي، ونروح لبيوتنا المقفولة هناك ونسيبنا من رشيد.


شهقت كوثر بصدمة حقيقية، واتسعت عيناها وهي تحدق إليه وكأنه فقد صوابه تمامًا، ثم قالت باعتراض ناري:


-باينك اتهبلت في دماغك يا جمال ولا إيه، مين ده اللي يسيبنا نرجع الوادي، عاصم عزام اللي لو طايل يموتنا هيموتنا، ده موت نادر ابن عمك ومرمشلوش رمش واحد، والطلقة التانية كانت هتبقى في نص راسك لولا موسى عزام ولحقك.


التفتت إلى فهمي ساخرة وهي تشير بإصبعها نحو جمال:


-قوله بالله عليك يا فهمي، أصل جمال اخوك باينه لما عرف إن السنيورة شريهان جت الوادي هيموت ويروح هناك.


انتفض جمال واقفًا بغضب عارم، واشتعلت عيناه بالتهديد وهو يشير نحوها بإصبع مرتجف:


-ما تلمي لسانك ده أحسنلك يا كوثر، عشان مطلعش جناني عليكي، اللي فات مات واتدفن بتفتحيه ليه؟


أطلق فهمي زفرة طويلة مثقلة بالضيق، ثم أشار إلى جمال أن يجلس، وقال بنبرة آمرة حاول من خلالها إخماد التوتر المتصاعد:


-اقعد يا جمال، اقعد ربنا يهديك انت واختك، الحاجة اللي فيها حريم مابحبش اتدخل فيها.


رفعت كوثر حاجبها الآخر هذه المرة، وقالت بنبرة مستنكرة يملؤها الغضب:


-الله الله يا سي فهمي قلبتوا عليا يعني؟ لا بقولكوا إيه أنا شريكتكوا في كل حاجة، وسلمتلكوا وداني وبايعت موسى عزام وغدرت بعاصم وأبوه وجيت معاكم هنا، مع إني لو كنت زماني هناك كنت هبقى ملكة زماني.


ابتسم فهمي بسخرية باردة وهو يحدق في عينيها الماكرة طويلًا، ثم قال:


-ومعملتيش كده ليه؟ عشان غدرتي بصاحبتك، غدرتي بأم عاصم، اقعدي ساكتة يا كوثر، انتي تشوفي القرش فين وتروحي وراه، المهم....


ثم صمت قليلًا قبل أن يميل بجسده نحوهما، وقد تبدلت ملامحه إلى الجدية المطلقة، وقال بصوت منخفض لكنه مشبع بالثقة والطمع:


-جمال عنده حق، البت اتجوزت عاصم خلاص ومعاها منه عيلين لو اخدناها على حجرنا نقدر حتى نرجع بيوتنا في الوادي أو نبيعها، ده غير بيت عائشة نفسه لازم نحط ايدينا عليه، وده كله ميجيش غير بالمساسية والصبر والنفس الطويل.


توقف لحظة ثم التفت إلى كوثر وقال بابتسامة ماكرة اتسعت فوق شفتيه:


-انتي عندك حق فعلاً، عائشة عمرها ما تصدقنا بسرعة، عشان كده انتي ادرى واحدة تقدري تعلمينا ازاي نعاملها كويس وناخدها على حجرنا كمان، ولو لزم الأمر...


ثم نظر إلى جمال وازدادت ابتسامته سخرية وخبثًا:


-ترجع تشغل خالتها يا جمال، واظن إنك تقدر تعمل كده، وبعدين موسى مبقاش له أمان، بقى سايق في رشيد في صغير وكبير، خلينا نلعب هنا وهنا لغاية ما نشوف هنرسى فين!


نهض جمال فجأة وكأنه حسم أمرًا داخليًا ظل يصارعه طويلًا، ثم قال بصرامة واضحة:


-شريهان برة اللعبة دي يا فهمي، أنا لا هارجع اوصلها ولا ليا علاقة بيها، سلام.


حركت كوثر شفتيها ساخرة في عدم رضا ثم تمتمت بتهكم:


-شوف بيقول إيه، وهو هيموت ويوصلها من تاني.


أما فهمي فاكتفى بهز كتفيه بلا مبالاة وقال بثقة باردة:


-سيبك منه هيعمل اللي أنا عايزه، المهم مش عايزة هلفطة بالكلام كتير مع ستات القصر، أنا مراتي نفسها متعرفش حاجة.


اقتربت منه كوثر أكثر ثم تجاهلت حديثه الأخير تمامًا وقالت بفضول حقيقي لم تستطع مقاومته:


-سيبك من ده كله، أنا هموت واعرف البت عائشة دي خلفت عيلين ازاي، هي البت دي مبتخلفش عشان الحادثة وابنك طلقها عشان كده.


اعتدل فهمي في جلسته ثم أجابها ببرود زاد من غيظها:


-الطب اتقدم يا كوثر وبعدين عاصم غني ويقدر يسفرها برة، ويعالجها، المهم عندنا نعرف نرجعها ازاي لينا وناخد البيت منها.

 

ثم أنهى حديثه ونهض يغادر المكان متجهًا صوب الخارج، تاركًا إياها تنظر في أثره بحنق ثم تمتمت بغيظ مكتوم:


-اعاملها حلو ازاي وأنا مبطقش أمها أصلاً.

                                               ***

مرت فايزة بصرها نحو أخيها عثمان بنظرةٍ يغمرها عدم الرضا، بينما كانت إمارات الحنق ترتسم بوضوح فوق ملامحه المشدودة، وهو يحدق في موسى الجالس أمامهما ببرودٍ مستفز، وذلك عندما ألقى بجسده فوق المقعد باسترخاءٍ مبالغ فيه، رافعًا كلتا قدميه فوق الطاولة دون أدنى اكتراث، واضعًا إحدى يديه أسفل ذقنه، بينما يدور ببصره بينهما بملل ثقيل وكأن وجوده هناك فرض ثقيل على روحه.


ساد الصمت لثوانٍ مشحونة بالتوتر، حتى تنهدت فايزة بضيق واضح، ثم أشارت نحو طبق الحلوى وكوب القهوة الموضوعين أمامه قائلة بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة رغم الغيظ المتصاعد داخلها:


-ما تاكل يا موسى، خد واجبك يا حبيبي.


هز كتفيه بلا مبالاة ثم مط شفتيه بازدراء خفيف قبل أن يقول ببرود مستفز:


-ماباكلش عند حد، أنا مؤدب.


انطلقت من فايزة ضحكة ساخرة قصيرة، لكنها كانت مشبعة بالتهكم أكثر من المرح، ثم مررت عينيها عليه من أعلى رأسه حتى قدميه الممدودتين فوق الطاولة وقالت بحدة ساخرة:


-اصمالله عليك وعلى أدبك، ده انت قاعد وحاطط رجلك في وشنا يا ضنايا.


ابتسم موسى ابتسامة جانبية مستمتعة باستفزازها، ثم حرك ساقيه ببطء متعمد وكأنه يزيد من وقاحته عمدًا، وقال وهو يرمقها بنظرة لعوب:


-قاعد في بيتي وبراحتي يا عمتي، مش ده بيتي بردو؟!


تغيرت ملامح فايزة للحظة، إذ شعرت بأن كلماته تحمل تلك الجرأة الوقحة التي لا تعرف كيف تواجهها دون أن تفقد أعصابها، لكنها تماسكت وقالت بنبرة يغلفها الامتعاض:


-طبعًا يا حبيبي احنا بيوتنا وفلوسنا وحياتنا ده تحت امرك.


التفت موسى ببطء نحو والده، ثم تنهد تنهدًا مصطنعًا وكأنه مظلوم يتلقى الإهانة دون سبب وقال بعتاب ساخر:


-شوفت اختك بتعاملني ازاي؟ أنا قاعد ساكت بس عشان أراضيك وعشان أنا بار بأهلي....


لكن فايزة قاطعته بسرعة وقد بدأ صبرها ينفد، بينما كانت نبرة القهر والحنق واضحة في صوتها:


-بالله عليك يا شيخ بطل الاسطوانة المشروخة دي، يا موسى ده ناقص تطلع مسدسك وتموتنا كلنا.


ساد صمت قصير للحظة ثم رفع موسى حاجبيه بمشاكسةٍ مستفزة، واتسعت ابتسامته العابثة وكأنه يستمتع بإشعال غضبها، وقال بنبرة يغلقها التهكم:


-مش هرد عليكي، عشان أنا دلوقتي واحد صالح وجاي اعمل عمل خير وأصالح ابويا حبيبي.


ازدادت ملامح عثمان احتقانًا وهو يتابع الحوار بصمت بينهما، بينما راحت عيناه تتنقلان بين أخته وابنه في توتر واضح، فكان يشعر بأن الحديث ينزلق شيئًا فشيئًا نحو شجار حقيقي، خاصة مع طبيعة موسى الساخرة التي لا تعرف حدودًا، ولسان فايزة الحاد الذي يشتعل عند أقل استفزاز.


أما موسى فظل جالسًا في مكانه بثقة مستفزة، وكأنه يتعمد اختبار قدرة الجميع على تحمله، فكانت نظراته تحمل ذلك المزيج الغريب من العبث والاستهزاء، وارتسم فوق وجهه هدوء بارد يناقض تمامًا التوتر المشتعل في الأجواء.

 

ظل التوتر معلقًا في أجواء الصالة كخيط مشدود يوشك على الانقطاع في أي لحظة، بينما بقيت نظرات فايزة الحانقة معلقة فوق وجه موسى الذي بدا مستمتعًا بكل ذرة غضب يشعلها داخلها، وعثمان حاول كبح ذلك الصداع الذي بدأ يفتك برأسه من كثرة المشاحنات.


وفجأة وعلى غير المتوقع تحرك موسى من مكانه بهدوءٍ غريب، أنزل قدميه عن الطاولة ونهض ببطء، لتتعلق به أنظار الجميع باستغراب حذر، ثم اتجه نحو والده وجلس إلى جواره، مال نحوه وقبله على رأسه في صورة بدت صادمة لكل مَن في الغرفة، خاصة وأنها لا تشبه موسى الذي يعرفونه؛ موسى الوقح والساخر....المتمرد دائمًا.


-متزعلش مني يا حاج، أنا اشتريت لك من جيبي حتة الأرض اللي هتموت عليها.


ساد الصمت لثوانٍ قصيرة، لكن فايزة لم تسمح لتلك اللحظة أن تمر بسلام، فالتوى فمها بسخرية لاذعة وهي تهز رأسها باستهجان، ثم قالت بنبرة تقطر تهكمًا:


-ابنك اشتراك بالفلوس يا عثمان، لا ربيت يا أخويا فعلاً.


في اللحظة نفسها تبدلت ملامح موسى تمامًا، فاختفى ذلك الهدوء الغريب من عينيه، وحل مكانه بريق حاد يحمل تهديدًا صريحًا، ثم اعتدل في جلسته ببطء، ثم قال بصوت منخفض لكنه مخيف:


-هقل أدبي عليكي يا عمتي، أنا محترم لغاية دلوقتي، كلمة منك كمان في حقي وهوريكي أسود لحظات حياتك معايا.


اتسعت عينا فايزة بصدمة ممزوجة بالاستنكار، وكأنها لم تتوقع أن يصل به الأمر إلى تهديدها علنًا، فالتفتت نحو عثمان وهي تشير إليه بغيظ:


-قوم امشي يا عثمان مع ابنك يمكن عقدة لسانك تفك يا أخويا.


ثم جذبت خرطوم الأرجيلة بعصبية ووضعته بين شفتيها وهي تغلي من الداخل، سحبت نفسًا قويًا ثم أخرجت الدخان بعنف وكأنها تطرد به غضبها المكبوت، بينما كانت ترمق موسى بنظرات حادة مليئة بالاحتقار.


أما هو فجلس من جديد بكل برود، متكئًا للخلف وكأنه ملك المجلس، ثم أخذ يتأملها بفخر مستفز قبل أن يقول بوقاحة فجة:


-شدي يا عمتي، شدي كويس، عليا النعمة أنا لو اخدت نفس زيك كده هموت فيها، أستاذة ورئيسة قسم.


شهقت فايزة بغيظ مكتوم، ثم ألقت خرطوم الأرجيلة بعنف حتى ارتطم بالطاولة، وارتفع صوتها أخيرًا دون محاولةٍ للسيطرة على أعصابها:


-قوم خد ابنك وامشي يا عثمان من هنا، ابنك هيجبلي جلطة يا اخي من بروده!!


التفت عثمان إليها ببطء وقد بدت الصدمة واضحة فوق ملامحه المتعبة، ثم قال بصوت حزين لم يخلُ من العتاب:


-انتي بتطرديني يا فايزة من بيتك؟


رمقته بدهشة حادة وكأنها غير مصدقة أنه لم يستوعب الأمر إلا الآن، ثم رفعت حاجبيها وقالت بانفعال:


-انت لسه واخد بالك؟ اه بطردك، ابنك مش عاملي احترام خالص، جاي بيتي ليه أنا قطعت رجلي من عندكوا خالص بعد اللي عمله، وقولت يا بت اعتبري نفسك مقطوعة ومالكيش حد، وسكت وحطيت الجزمة في بقي.


خرجت من موسى همهمة ساخرة ثم قال بنبرة متصنعة وكأنه يواسيها:


-لا متقوليش على نفسك كده يا عمتي، اهدي شوية يجرالك حاجة انتي لسه شادة نفس، صالح اللي شغال عندي ميعرفش يشده.


كادت فايزة ترد عليه بانفجار جديد، لكنها توقفت عندما فُتح باب إحدى الغرف وخرجت لميا بخطوات متوترة، فكانت ملامحها منقبضة بضيق واضح، وعيناها تدوران بين الجميع بعد أن وصلتها أصوات الشجار، ثم قالت بحدة وهي تنظر إلى والدتها:


-اسكتي انتي يا ماما ومترديش على بار أهله، خليه ياخد واجبه ويمشي.


أمال موسى رأسه إلى الجانب ببطء، وارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ساخرة مليئة بالخبث  قبل أن يقول بصوت متعمد الاستفزاز:


-أنا بار بأهلي، بس الأكيد مش بار بواحدة زيك يا لميا، مدمنة وبتشتغل ديلر ولسه على علاقة بجوزها اه نسيت..بطليقها.


تجمدت لميا في مكانها للحظة، واتسعت عيناها بصدمة حقيقية، فبدا الارتباك واضحًا فوق وجهها، لكنها حاولت أن تخفيه خلف موجة غضب عارمة، ثم صاحت بعنف:


-انت بتقول إيه؟ طليق مين اللي لسه على علاقة بيه!!


ابتسم موسى بسخرية باردة، بينما كانت عيناه تلمعان باستمتاع خبيث، ثم قال بتهكم قاسٍ:


-وبالنسبة لمدمنة وديلر ظروفهم إيه؟! 


ثم التفت نحو عمته التي كانت تنظر إليه بشرر يكاد يخرج من عينيها، وقال باستنكار مستفز:


-إيه يا عمتي؟ ما تشوفيها ولا انتوا بتشدوا مع بعض لا مؤاخذة؟


عند تلك اللحظة انتفض عثمان واقفًا دفعة واحدة، وكأن الكلمات الأخيرة كانت القشة التي قصمت صبره بالكامل، فاحمر وجهه بشدة، وبرزت عروقه من فرط الغضب، ثم صاح بصوتٍ هادر هز أرجاء المكان:


-موسى كفاية، أنا ساكتلك من الصبح، اللي عمال تخبط فيهم يمين وشمال هما اختي وبنتها احترم نفسك.


لم يظهر على موسى أي خوف أو تراجع، بل ظل جالسًا مكانه بكل هدوء، يراقب والده بعينين باردتين، وكأن انفجار غضبه لا يعنيه في شيء.


أما عثمان فكان يشعر للمرة الأولى بأن ابنه لم يعد ذلك الشاب الذي يستطيع السيطرة عليه بالكلمات أو النظرات، فكان يرى أمامه شخصًا يحمل غضبًا دفينًا وسخرية جارحة، وقسوة تتسلل من بين كل جملة ينطق بها، حتى بات وجوده وحده كافيًا لتحويل أي مجلسٍ إلى ساحة حرب مشتعلة.


أطرق موسى رأسه للحظة بعد صراخ والده به، ثم رفعه مجددًا وقد ارتسمت فوق وجهه ملامح احترام زائف لا تخفى سخريتها على أحد، وقال بنبرة هادئة متصنعة:


-حاضر يا حج أمرك، بس يعني معقول اسيب عمتي مخدوعة في بنتها!


وقبل أن تستوعب فايزة مقصده، كان قد أدخل يده في جيب سترته وأخرج عدة صور مطبوعة، رفعها أمامهم ببطء متعمد وكأنه يستمتع بتلك اللحظة، فاتسعت ابتسامته الساخرة بينما كانت عيون الجميع تتعلق بما يحمله، ثم ألقى الصور فوق الطاولة أمام فايزة، في اللحظة التالية سقط الصمت على المكان كالصاعقة.


توسعت عينا فايزة بذهول حقيقي وهي تلتقط الصور بيد مرتجفة، ثم أخذت تمرر بصرها بينها بسرعةٍ متخبطة، فكانت الصور واضحة بصورة جارحة؛ لميا تقف مع سراج القبّور داخل أحد البيوت النائية، تلط البيوت المعروفة بموقعها في الأطراف البعيدة من رشيد، تحديدًا عند الأرض الفاصلة بين أراضي البلدة القديمة وأرض عائلة القبّور.


شعرت فايزة وكأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة،

أما لميا فتراجعت للخلف بخطوات مرتبكة وقد شحب وجهها تمامًا، بينما راحت عيناها تتحركان بين الصور وبين موسى بذعر مكشوف، كأنها تحاول إنكار ما لا يمكن إنكاره.


وفي وسط تلك الفوضى الغريبة، كان موسى يقف بكل هدوء يراقب انهيار جلستهم بعينين باردتين، وكأنه ألقى قنبلة ثم وقف يتأمل الانفجار من بعيد، فاقترب من والده بهدوء، ثم أمسك بذراعه يساعده على النهوض وهو يقول بنبرة هادئة تحمل استفزازًا مبطنًا:


-يلا احنا يا حج عشان دي أمور عائلية ملناش دخل فيها.


نهض عثمان ببطء لكن الصدمة كانت واضحة على ملامحه بصورة موجعة، فظل ينظر إلى لميا بعينين مثقلتين بعدم التصديق، وكأن عقله يرفض استيعاب ما يراه، فما فعلته لميا لم يكن أمرًا عابرًا في نظره، فعائلة القبّور لم تكن مجرد عائلة زوج سابق… بل كانت الجرح الأعمق في تاريخهم كله.


كان والد لميا قد دخل معهم شريكًا في التجارة قبل سنوات، يثق بهم كما يثق بإخوته، لكنهم غدروا به علنًا، واستولوا على نصيبه كاملًا دون رحمة، وحين حاول استعادته انتهى الأمر بحادثٍ غامض مات على إثره، حادثٍ لم يقتنع أحد يومًا بأنه قضاء وقدر.


ومنذ تلك الليلة تحولت العائلة كلها إلى خراب، فطلقوا لميا من سراج دون رحمة، وألقوا بها عند مدخل رشيد كما تُلقى الأشياء عديمة القيمة، ثم زوجوا سراج بابنة عمه وكأن لميا لم تكن يومًا زوجته.


فخرجت لميا من ذلك البيت مكسورة بلا مال وبلا كرامة، وبقلب محمل بالخذلان، ولهذا كانت رؤية تلك الصور كطعنةٍ مباشرة في قلب عثمان، حيث نزل الدرج بصحبة موسى بخطواتٍ بطيئة، بينما كان عقله يغرق وسط دوامةٍ من الأسئلة والشكوك، فظل صامتًا لعدة لحظات قبل أن يتوقف فجأة وينظر إلى ابنته متسائلًا بفضول ممزوج بالحذر:


-انت عرفت منين إن لميا بتقابل سراج؟


تنهد موسى ببطء ثم أدخل يديه في جيبيه وقال بخبث هادئ:


-أنا ليا عين في كل حتة يا حج.


ابتسم ابتسامةً جانبية قبل أن يُكمل بنفس النبرة العابثة:


-المهم لما تزعل مني عندك عشرين اوضة  في القصر ازعل في أي واحدة براحتك، بس متروحش عند عمتي تاني.


توقف عثمان في منتصف الدرج، واستدار إليه ببطء، تضيق حاجباه بشكٍ واضح وهو يسأله بحذر:


-مروحش ليه؟ في إيه؟


رفع موسى كتفيه ببراءة مصطنعة، بينما كانت السخرية تتسلل بين كلماته بوضوح:


-في أنها بتشرب شيشة كتير يا حج وأنا أخاف عليك منها تفسدك، والعيلة ما شاء الله مش ناقصة كلها مفسدين مش كفاية ابنك، هيبقى انت وابنك


دفعه عثمان بعيدًا عنه بحدة وقد انفجر ضيقه أخيرًا:


-انت بتقول إيه يا بني آدم انت، تصدق أن أنا غلطان إن جيت معاك، أنا ماشي.


 لكن موسى لم يتحرك بل ظل واقفًا مكانه ينظر إليه بتسلية واضحة، ثم سأله وكأنه يستمتع باستفزازه:


-رايح فين؟؟


رد عثمان بضيق وهو يسير باقي خطواته وحده:


-اشوف الأرض اللي انت جبتهالي، اوعى تكون دفعت اكتر من اللي قولت عليه!


ضحك موسى بخفة ثم قال بنبرة يغلقها العبث:


-لا طبعًا أنا تلميذك، روح بس متحطش عينك على أرض حد تاني، أنا بخسر أهل رشيد بسببك.


توقف عثمان لحظة وهو ينظر إليه بحدة، بينما بقي موسى واقفًا في مكانه واضعًا يديه في جيبيه، يبتسم تلك الابتسامة الغامضة التي تجعل من المستحيل معرفة إن كان يمزح، أم يهدد....أم يقول الحقيقة كاملة دون أن يرف له جفن.


وفي الداخل كانت أصوات الصراخ قد بدأت ترتفع من جديد داخل بيت فايزة، بينما ظل موسى يستمع إليها بملامح باردة تمامًا، كأن الفوضى التي أشعلها ليست سوى جزء من لعبة يتقن إدارتها ببراعة مخيفة.


هتف موسى بسخرية مستمتع:


-عمتي دي قاسية اوي، فيها إيه لما تسيبها تقابل طليقها!!!


أشار عثمان بيده بلا مبالاة، وكأن مزاجه قد تبدل تمامًا بعد تصرف موسى الأخير معه، ثم انطلق في طريقه بخطواتٍ يغلفها شيء من الزهو والرضا الخفي، فكان يشعر رغم كل ما حدث، بأن ابنه ما زال يعرف كيف يحتوي غضبه ويكسب رضاه في النهاية، حتى وإن كانت طريقته ملتوية ومستفزة.


ظل موسى واقفًا في مكانه للحظات، يراقب ابتعاد والده بعينين غامضتين، ثم سحب نفسًا طويلًا بينما كانت ملامحه تعود تدريجيًا إلى برودها المعتاد، ذلك البرود الذي يجعل من الصعب قراءة ما يدور داخل رأسه.


في تلك اللحظة اقترب صالح منه بحذر واضح، وكأنه يعرف جيدًا أن مزاج موسى قد ينقلب في أي ثانية، وقف أمامه مترددًا للحظة قبل أن يقول بجدية:

 

-موسى باشا، البت كانت شغالة فعلاً عند الحاجة فايقة وفايقة طردتها ورجعت على بلدها تاني بس باين ملقتش شغل، سابت اختها تشتغل عند فايقة وجت للقصر.


تبدلت ملامح موسى فورًا، وانقبض وجهه ببطء وهو يحدق في صالح بنظرة دقيقة، كأن عقله بدأ يربط خيوطًا كثيرة دفعة واحدة، لكن انتباهه توقف فجأة عند الخدوش الممتدة على وجه صالح ورقبته، فاقترب منه قليلًا، ثم أمال رأسه وهو يراقب الآثار الطويلة فوق جلده بعينين ضيقتين، وقال بدهشةٍ ممزوجة بالسخرية:


-مين لعب الحظ في وشك في صالح؟


شعر صالح بالغليان يعود إلى صدره فور تذكره ما حدث، فانقبض فكه بقوة وقال بغيظ مكتوم بين أسنانه:


-البت اللي متسماش، البت عافرت وأنا باخدها على تحت وكأني هموتها، يلا خدت اللي في النصيب.


اتسعت عينا موسى للحظة ليس خوفًا بقدر ما كان فضولًا ممزوجًا بالاستغراب، ثم سأله بسرعة:


-اوعى تكون موتها؟! 


هز صالح رأسه فورًا وقال بنبرة دفاعية:


-لا يا باشا معقولة اتعداك أنا علمتها الادب بس عشان بعد كده متعافرش وتسلم.


ظل موسى ينظر إليه دون أن يرمش تقريبًا، بينما كانت ملامحه تزداد جمودًا شيئًا فشيئًا، فلم يظهر عليه الغضب المباشر، لكن ذلك الهدوء المخيق الذي ارتسم فوق وجهه كان أكثر إثارة للقلق من أي انفجار، أخيرًا رفع عينيه نحو بناية عمته، فكانت الأضواء ما تزال مشتعلة في الشقة العلوية، وأصوات التوتر المكتوم تتسلل حتى الخارج.


تأمل المبنى طويلًا وكأنه يغوص في أفكاره ثم قال بهدوء منخفض:


-نبه على شربات تاخد بالها من كل صغيرة وكبيرة عند عمتي وبالذات على لمياء.


أومأ صالح سريعًا بطاعة بينما أكمل موسى بصوتٍ أكثر حدة:


-أنا رايح القصر وابعت جبلي فايقة والبت اختها بسرعة.


أنهى كلماته ثم تحرك أخيرًا، متجهًا نحو سيارته بخطواتٍ هادئة وثابتة، لكن ملامحه كانت توحي بأن شيئًا ما بدأ يتحرك داخل رأسه بسرعة خطيرة، أما صالح فظل واقفًا يراقبه للحظات بصمت....فكان يعرف موسى جيدًا، ويعرف أن هدوءه في تلك اللحظات تحديدًا لا يبشر بخير أبدًا.


فالناس تخاف غضب موسى حين يصرخ، لكن المقربين منه وحدهم كانوا يدركون أن أخطر ما فيه هو ذلك الصمت البارد الذي يسبق الكارثة!

                                                ***


في الوادي…


وتحديدًا داخل أحد المنازل العريقة التي تحمل فوق جدرانها آثار سنواتٍ طويلة من النفوذ والهيبة، كان مجلس عائلة "وهدان" يغرق في صمت يسبق العاصفة، فالمنزل نفسه بدا وكأنه قطعة من تاريخ الوادي؛ أعمدة حجرية ضخمة وسجاد فاخر يغطي الأرضيات الواسعة، وصور الأجداد تتصدر الجدران بنظرات جامدة توحي بأن الماضي ما زال حيًا داخل هذا المكان.


كانت عائلة وهدان واحدة من أعرق عائلات وادي العرين وأكثرها ثراء وسطوة، واسمهم وحده كان كافيًا ليفرض الصمت والاحترام على الجميع.


تقدمت إحدى الخادمات بخطواتٍ هادئة ومدروسة، تحمل صينية المشروبات الساخنة بين يديها بحذر شديد، راحت توزع الأكواب أمام الجالسين دون أن ترفع عينيها إليهم، وكأنها تخشى حتى النظر في وجوههم وسط تلك الأجواء المشحونة،

وما إن انتهت حتى انسحبت سريعًا نحو الداخل، تاركة خلفها صمتًا متوترًا لم يدم طويلًا.


فور اختفائها اعتدل الحاج "سالم وهدان" في جلسته، فكان رجلًا تجاوز الخمسين، لكن ملامحه الحادة ونظراته الصلبة جعلته يبدو أكثر قسوة من عمره الحقيقي، شبك أصابعه أمامه ثم قال بنبرةٍ آمرة لا تقبل النقاش:


-وعاصم يعرف بإن البت دي رجعت فتحت بيت ابوها وقعدت فيه؟


خرج صوته ثقيلًا ومحملًا بالغضب والرفض، وكأن مجرد ذكر عودتها إهانة لا تُغتفر، فضحك شقيقه الأكبر "محمود وهدان" بسخريةٍ حادة، ثم مال للأمام بعنف واضح وقال بانفعال:


-بيقولك كان ماشي معاها النهاردة في الوادي وكإن اللي ماتت زمان مماتش بسبب العيلة الو*** دي، رايح جاي مع بنتهم عادي ولا عامل حساب لينا ولا الوادي ولا لموت أمه اللي ماتت غدر!!!


اشتعلت ملامحه أكثر مع كل كلمة، حتى بدت عروقه نافرة من شدة الغضب، فكان الماضي بالنسبة إليه نارًا لم تنطفئ يومًا، وكل ما يتعلق بعائلة عزام يعيد إشعالها من جديد، في المقابل جلست همت شقيقة الراحلـة "فاطمة"، تضم طرف عباءتها بين أصابع مرتجفة، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تتمتم بصوت مكسور:


-الله يرحمك يا فاطمة، ابنك خلاص مبقاش فاكرك، الله يرحمك يا اختي، كنتي من أطيب الناس، مبقاش في حد فاكرك.


اهتز صوتها بالقهر الحقيقي، وكأن جرح فقدان أختها لم يلتئم رغم السنوات الطويلة، فكانت ترى في تصرفات عاصم خيانة لذكرى أمه وكأن قربه من ابنة العائلة التي تتهمها بمقتل فاطمة إهانة جديدة تُضاف إلى أوجاعها القديمة، فانتفض محمود فجأة من مكانه، حتى تحرك المقعد بعنف خلفه ثم قال بشراسة خرجت من أعماق الحقد المتراكم داخله:


-واحنا نسكت ليه؟ طالما هو نسي أمه، احنا منسناش اختنا، البت اللي عايشة حياتها كده في الوادي مش هيطلع عليها الصبح.


كانت عيناه تشتعلان بجنون حقيقي، ذلك النوع من الغضب الذي لا يعرف التراجع ولا التفكير، ثم مد يده سريعًا نحو سلاحه الموضوع بجواره، والتقطه بحركةٍ حادة قبل أن يندفع خارج المجلس بخطواتٍ سريعة تحمل نية قتل واضحة.


ارتفعت همهمات النساء الواقفات عند الدرج الكبير، بينما عم الاضطراب أرجاء المنزل، أما سالم فاكتفى بزفر نفس طويل وهو يزم شفتيه بضيق واضح، ثم التفت نحو أخته قائلًا بعتاب غاضب:


-عاجبك كده، اهو هيلبسنا في مصيبة، أنا كنت بفكر في طريقة تانية نقتلها بيها ونبعتها لاهلها غير دي يا همت! 


لكن همت لم تكن في حالة تسمح لها بالعقل أو التراجع،

ضربت الطاولة بيدها بعنف حتى ارتجت الأكواب فوقها، ثم صاحت بصوت اختلط فيه الحزن بالجنون:


-لا يا سالم خليه ياخد بتار اخته، ويبعتها لاهلها جثة عشان الكل يعرف إن فاطمة وهدان ليها أهل ياخدوا حقها مرة واتنين وتالتة وعشرة، اللي ماتت غدر دي كانت زينة عائلة وهدان وعيلة عزام ولو ابنها مبقاش له لزمة، خلاص يقعد ويركن على جنب ونشوف واحد تاني يحكم الوادي.


ساد الصمت لثوان بعد كلماتها، صمت مخيف كأن البيت كله ابتلع أنفاسه، ثم استدارت همت فجأة، واندفعت بخطواتٍ واسعة نحو الدرج المؤدي للطابق العلوي، غير عابئة بنظرات النساء الواقفات هناك بصدمةٍ وذهول، فكانت وجوههن شاحبة، وبعضهن تبادلن نظراتٍ خائفة، فقد أدركن أن الأمر تجاوز الغضب المعتاد، وأن الدم قد يُراق بالفعل هذه الليلة.


أما سالم فظل جالسًا مكانه للحظات، واضعًا يده فوق فمه وهو يفكر بسرعة، فكان أكثر عقلانية من شقيقه وأخته، لكنه في الوقت نفسه لم يكن مستعدًا للتخلي عن فكرة الانتقام، فأخرج هاتفه أخيرًا ثم أجرى اتصالًا بأحد رجاله، وما إن جاءه الرد حتى قال بنبرةٍ آمرة حاسمة:


-خليك مع محمود باشا ولو عمل أي حاجة، حاول ميظهرش في الصورة خالص.


أنهى الاتصال ببطء ثم رفع عينيه نحو الباب الذي خرج منه محمود قبل قليل، وفي أعماقه، كان يدرك جيدًا أن الليلة لن تمر بسلام…فالدم القديم حين يستيقظ في الوادي لا يهدأ بسهولة!


                                                ***

أنهى عاصم طعامه بصعوبة حقيقية، بينما كانت خالة عائشة مستمرة في وضع المزيد والمزيد داخل صحنه، غير منتبهة إلى ملامحه التي كانت تزداد تصلبًا مع كل ملعقة تُضاف أمامه، فكانت تتحرك حول المائدة بعفوية أم اعتادت إطعام الجميع بمحبةٍ زائدة، فتارة تدس قطعة لحم في طبقه، وتارة أخرى تسكب المرق فوق الأرز وهي تردد بلهجةٍ حانية:


-كُل يا ابني، إنت ما أكلتش حاجة.


أما هو فكان يشعر بأن أعصابه توشك على الانفجار، لأول مرة في حياته يتعامل معه أشخاص بهذه الطريقة دون خوف أو حساب للمسافات التي يفرضها على الجميع، لم يعتد أن يتجاوز أحد حدوده الشخصية، ولم يعتد ذلك القرب العفوي الذي تتعامل به تلك السيدة أو عائشة، أو حتى طفليه اللذان التصقا به طوال اليوم وكأنه جزء طبيعي من عالمهما الصغير.


كان يحاول فهمهم، لكن الأمر كان مرهقًا بالنسبة إليه، فهو لا يجيد التعامل مع الحنان، ولا يعرف كيف يرد على الاهتمام البسيط الذي يُقدم بلا مقابل أو خوف، لذلك كان يلجأ إلى طريقته المعتادة؛ الصمت.


صمت طويل يخفي خلفه ارتباكًا لا يعترف به حتى لنفسه،

وحين انتهى أخيرًا من الطعام، نهض بهدوءٍ متحاشيًا نظرات خالة عائشة التي بدت مستعدة لإحضار جولةٍ جديدة من الطعام لو بقي جالسًا دقيقة إضافية.


اتجه بخطواتٍ هادئة نحو الشرفة الواسعة المطلة على الطريق الرئيسي للوادي، فكان الليل قد بدأ يفرض سكونه على المكان، والهواء البارد يتحرك برفق بين البيوت الحجرية القديمة، بينما تتسلل أضواء المصابيح الخافتة فوق الطرقات الضيقة.


جلس عاصم على أحد المقاعد الخشبية في الشرفة، واضعًا ذراعه فوق الحافة الجانبية، ثم أطلق زفيرًا طويلًا محاولاً التخلص من ضغطٍ داخلي يفهم سببه جيدًا، من الأعلى بدا الوادي هادئًا بصورةٍ مريحة، الرجال منتشرون في كل مكان كعادتهم؛ بعضهم يقف عند مداخل الحارات، وآخرون يجلسون أمام الدكاكين الصغيرة يتبادلون الأحاديث الهادئة، فيما تمر سيارة كل حين ببطء وسط الطرقات الترابية.


ذلك المشهد المعتاد بث داخله شيئًا من الطمأنين،فوجود رجاله في الخارج كان دائمًا يمنحه إحساسًا بالسيطرة والأمان، حتى وإن لم يعترف بذلك علنًا، ظل غارقًا في تأمله للحظات قبل أن تقطعه عائشة بخروجها إلى الشرفة.


ظهرت أمامه وهي تحمل صينية صغيرة فوقها فنجانان، وعلى وجهها ابتسامة هادئة جعلت ملامحها تبدو أكثر دفئًا تحت ضوء الشرفة الخافت، فاقتربت منه ثم قالت برقة:


-اتفضل يا عاصم.


رفع عينيه نحوها ثم نظر إلى الفنجان الذي وضعته أمامه، انعقد حاجباه بدهشة خفيفة عندما اكتشف أنها قهوة، لا ذلك الشاي بالحليب الذي وعدته به ليشارك طفليها مشروبهما المفضل، فارتسمت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة امتزجت بالتعجب، ثم قال وهو يرفع الفنجان:


-غريب فين الشاي بلبن.


جلست على المقعد المجاور له، وأسندت ظهرها قليلًا وهي تجيب بابتسامة بسيطة:


-سمحتلهم يقعدوا على الأيباد شوية، كفاية تعبوك طول النهار. 


نظر إليها للحظة طويلة بصمت، ثم التقط فنجان القهوة من يدها وهز رأسه نافيًا بهدوء:


-بالعكس وجودهم عمره ما يتعبني...


خرجت الجملة منه تلقائيًا حتى إنه شعر بغرابة كلماته فور نطقها، أما عائشة فاتسعت ابتسامتها قليلًا وهي تنظر إليه، وكأنها التقطت شيئًا صادقًا خلف بروده المعتاد، لكن اللحظة الهادئة لم تكتمل إذ فجأة دوى صوت أعيرة نارية في الخارج.


طلقة ثم أخرى، ثم وابل متتالٍ من الطلقات اخترق سكون الوادي بعنف مرعب، فانتفضت عائشة صارخةً بفزع، بينما تجمد الدم في عروقها للحظة من شدة الرعب، أما عاصم فلم يفكر حتى، تحرك بغريزةٍ خالصة واندفع نحوها بسرعة خاطفة، وأطبق ذراعيه حولها قبل أن يسحبها معه إلى أرض الشرفة، جاعلًا جسده بالكامل فوقها يحميها، بينما استمرت الأعيرة النارية تشق الهواء بالخارج بصورة جنونية.


اهتزت الشرفة بأصوات الصراخ في الأسفل، وتعالت أوامر الرجال في الخارج، بينما بدأت خطوات الركض تتردد في الطرقات بسرعة، لكن عائشة لم تكن تسمع شيئًا من ذلك،

فكانت أنفاسها متقطعة بعنف، ويداها ترتجفان وهي متشبثة بثياب عاصم بقوة كأنها تخشى أن يختفي هو الآخر، ثم صرخت بجنون وقد غلبها الذعر تمامًا:


-عيالي...عيالي يا عاصم.


رفع رأسه قليلًا محاولًا تحديد مصدر النيران، بينما تحولت عيناه تدريجيًا إلى ذلك الجمود الخطير الذي يظهر عليه في لحظات الخطر، فكان يسمع أصوات رجاله في الخارج وهم يتحركون بسرعة، ويدرك من طريقة إطلاق النار أن الأمر ليس عبثًا عشوائيًا، بل رسالة واضحة أو محاولة استهداف حقيقية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءة ممتعة🥰

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله  من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا








تعليقات

التنقل السريع
    close