رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الحادي والسبعون 71بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الحادي والسبعون 71بقلم سيلا وليد حصريه
الفصل الواحد والسبعون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
أجننت؟ نعم، اعترف...
فالجنون في حضرتك ليس عيبًا، بل نعمة أختبئ فيها من صخب العالم.
جننتُ حين صرتُ أبحث عنكِ في تفاصيل لا تراها العيون؛
في ضحكة عابرة، في نسمة ليل، في ظل غيمةٍ تسافر بعيدًا.
ماذا؟ أتسألينني هل يجرؤ أحد على النظر في عينيكِ ولا يُجن؟
كلا... من ينجو من سحرها كمن نجا من الغرق في بحرٍ لا شاطئ له.
إنها عيونٌ لا تُشبه شيئًا، تحمل كل ما يُفقد المرء اتزانه...
بريقٌ يشعل القلب، وغموضٌ يربك الروح، وملامح تفضح كل الكبرياء.
فإن كان الجنون عشقًا، فأنا المجنون الأول،
وإن كان الهوى ضعفًا، فأنا أفتخر بضعفي أمامك،
لأنني ببساطة... لا أعرف نفسي إلا حين أغرق في عينيكِ.
قبل ساعتين من ذهاب يوسف الى ارسلان ...خرج يوسف من غرفته بخطواتٍ ثقيلة، يشعر بثقلٍ على صدره، لا يعلم ماذا يفعل..
جلس أعلى درجات المنزل الخارجية، منحني الظهر، ساكنًا بشكلٍ مخيف،
وعيناه معلَّقتان بمنزل عمِّه المقابل، كأنَّ روحه بأكملها هناك.
منذ شهر كامل...شهر لم يرَها فيه.
لم يسمع ضحكتها، لم يسمع حتى صوتها وهي تنادي اسمه بغضبها المعتاد.
ورغم محاولات إلياس الكثيرة لإعادتها...إلَّا أنها رفضت.
وأرسلان أيضًا أغلق الباب تمامًا في وجه أي محاولةٍ للصلح.
اليوم فقط، عرف أنها طلبت ورقة طلاقها.
هنا شعر وكأنَّ شيئًا ثقيلًا ارتطم بصدره بعنف.
تشبَّث بيده بحافَّة الدرج، حتى ابيضَّت مفاصله، بينما عقله يهمس له بقسوة:
_مش ده اللي كنت عايزه؟
ابعد بقى...وسيبها تعيش.
ما تظلمهاش معاك.
حتى لو بتموت فيك...وحتى لو راضية تكمِّل...إنتَ اللي المفروض تنهي كلِّ ده.
أغمض عينيه بقوة، لكن الذكريات هاجمته دون رحمة...وتذكَّر حديث طبيبه الآخير منذ سنة:
_قطعنا شوط حلو يا دكتور...
التحاليل اللي قدَّامي بتقول فيه تطوُّر ملحوظ.
رفع يوسف رأسه بسرعة، وكأنَّ أحدًا أعاد الروح لقلبه.
ابتسم بتوتُّر وسأل:
_يعني كده مبقاش فيه مشكلة؟
ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة:
_إن شاء الله يا دكتور...بس للأسف مش النتيجة اللي في بالك..
أنا قلتلك...عايزين صبر.
اختفت ابتسامته تدريجيًّا:
_يعني إيه؟
تنهَّد الطبيب، ثم اعتدل في جلسته:
_لسه قدَّامنا شوية...لكن فيه أمل.
همس يوسف بصوتٍ ضعيف:
_يعني...حاليًا مفيش أمل؟
ساد الصمت للحظات...صمتٌ ثقيل جعل قلبه يرتجف قبل أن يسمع الإجابة.
نظر إليه الطبيب بأسفٍ صادق:
_إنتَ دكتور...ولازم نكون واضحين مع بعض، وأنا مش هضحك عليك..
حاليًا...مفيش أمل في الإنجاب.
هنا شعر يوسف وكأنَّ شيئًا انكسر داخله إلى الأبد.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم سأل بصوتٍ مبحوح:
_طيب...فيه دكتور في مصر قال ممكن أتوافق مع حد غير مراتي..هل الكلام ده صحيح؟
هزَّ الطبيب رأسه بالنفي مباشرة:
_على التحاليل دي، لأ.
المانع مش من المدام يا يوسف.
حاول تلطيف الأجواء بابتسامة خفيفة فقال:
_لكن لو عايز تتجوز مرَّة تانية ونجرَّب، معنديش مشكلة...فيه هنا مصريات حلوين، وكمان في الجامعة.
هزَّ رأسه سريعًا، وكأنَّ الفكرة نفسها طعنته:
_مش ده اللي أقصده...شكرًا يا دكتور.
خرج من شروده فجأة...وابتسم بحزن:
_حتى لو فيه أمل هتقدر تكون مع حد غيرها، دي بقت لعنة لقلبك، زي مايكون دخلت حياتك زي السحر لتقلبها.
زفرة مختنقة بغصَّة مؤلمة، مرَّر كفَّه فوق صدره ببطء، يشعر بأنَّ الألم يسحب روحه، لا يعلم ماذا عليه يفعل، يذهب إليها ويربت على قلبه وقلبها، أم يعاني بصمت حتى يخرجها للأبد من حياته؟.
لكن فجأة...صدح صوت ضي داخل رأسه بوضوحٍ مرعب:
"أنا مش فارق معايا أخلِّف...
أنا كلِّ اللي عايزاه إنت."
ارتجفت أنفاسه بعنف.
ضغط على عينيه بيده، لكنه فشل في منع دموعه هذه المرَّة.
تذكَّر نظراتها...تمسُّكها به رغم قسوته...
وإصرارها الغبي على حبِّه رغم كل ما فعله بها.
فهمس بصوتٍ محطَّم:
_ليه ربطونا ببعض، ليه مبقتش شايف غيرك، ليه حبِّيتيني بالشكل ده؟
رفع عينيه مجدَّدًا نحو منزلها..
وهنا فقط أدرك الحقيقة التي كان يهرب منها.
أنَّه لم يكن يبتعد عنها ليحميها.
بل كان يبتعد...لأنه خائف أن يضعف أكثر وأكثر، وخائف أن يأتي يوم تنظر له فيه بحسرة لأنَّها حُرمت من طفل بسببه.
لكن المؤلم...أنها لم تكن يومًا تريده أبًا لطفلٍ فقط.. كانت تريد طفلًا منه وحده.
نهض من مكانه يخطو دون وجهة، ليته يعلم ماذا يفعل لكي يسكن هذا الألم الذي ينزف بداخله.
وبمجرَّد أن وصل للممرّ، وصل إلياس.. توقَّف يطالعه بصمتٍ طويل، لحركاته الضائعة ونظراته الشاردة، اقترب يهمس اسمه حتى رفع عيناه إليه:
_عدِّيت على والدتك؟
أومأ يوسف دون أن ينظر إليه:
_بقت أفضل الحمدلله...أنا من رأيي تاخدها مكان تغيَّر جو، هيَّ محتاجة تخرج.
رمقه إلياس بنظرةٍ طويلة، ثم قال بنبرةٍ تحمل ما بين العتاب والاختناق:
_مالكش دعوة...إنتَ اللي محتاج تغيَّر جو، أو محتاج أغسل المخ اللي جوَّا دماغك ده.
رفع يوسف عينيه إليه أخيرًا...عيون مرهقة، مطفأة، كأنَّ النوم هجرها منذ سنوات:
_ليه يا بابا...ليه حضرتك متحامل عليَّا؟..
كنت فاكر إنك أكتر واحد هيحسِّ بيَّا... وبوجعي.
شعر إلياس بشيءٍ ينغرز بقلبه، لكنه أخفاه سريعًا وقال:
_تعال يا يوسف...عايز أتكلِّم معاك راجل لراجل.
تنهَّد يوسف بإرهاق وهو يمرِّر يده على وجهه:
_ماليش خلق والله...أنا نازل أشوف بلال وآسر، نلعب باسكت أو أي حاجة...جوَّايا طاقة سلبية هتموِّتني.
لكنَّه أمسك كتفه بقوَّة...قوَّة أب خائف أن يفقد ابنه وهو حي أمامه.
دفعه برفقٍ حازم نحو غرفة المكتب وأغلق الباب خلفهما.
_اقعد...لكنه ظل واقفا فقال الياس:
_أنا أبوك يا أخي، ومن حقِّي أتكلِّم معاك شوية.
جلس يوسف ببطء، وأسند ظهره للخلف.
غرقت الغرفة بصمتٍ للحظات، و إلياس يراقبه ملامحه الشاحبة، عينيه الغارقتينِ بالإرهاق.
أخرج سيجارة وأشعلها، ثم قال بصوتٍ خافت:
_ممكن بقى تحكيلي...زي زمان؟
وحشتني قعدتنا يا يوسف...
حاسس إنِّ بينا حيطة عالية أوي، وكلِّ يوم بتعلى أكتر.
وأنا كنت بضحك على نفسي وأقول كبر...مبقاش محتاج أبوه.
ارتجف فكُّ يوسف بعنف.
تلك الجملة وحدها هدمت آخر شيء كان يحاول التماسك به.
أخرج زفرة طويلة ساخنة، كأنها خرجت من قلبٍ محترق لا من صدر إنسان.
ارتعش قلب إلياس وهو يراه يشيخ أمامه في لحظة.
همس إلياس بألم:
_ياااه يا يوسف...
للدرجة دي بعدنا عن بعض؟!.
لمعت الدموع داخل عيني يوسف سريعًا، فرفع وجهه للأعلى وأغمض عينيه بقوَّة، يقاوم انهياره بصعوبة مذلَّة.
ابتلع غصَّته مرَّاتٍ متتالية، لكن صوته خرج مكسورًا رغمًا عنه:
_كنت محتاج القعدة دي من قبل جوازي.
من قبل ما حضرتك تجبرني على حاجة أنا مش عايزها.
أشار لنفسه بانفعال، وقال بصوتٍ مرتجفٍ مع دموعه التي انهمرت أخيرًا:
_بصِّلي يا بابا...عاجبك حالي؟
أنا لا عايش...ولا ميِّت، ولا قادر أحب... ولا قادر أكره.
تنفَّس بعنف، ثم ضحك ضحكةً مختنقة موجوعة:
_عارف أصعب حاجة إيه؟
إنِّي كل يوم بصحى من النوم حاسس إنِّي عايش ومش عايش.
ظلَّ إلياس صامتًا...صامتًا بشكلٍ مرعب.
لأوَّل مرَّة يرى ابنه بهذا القدر من الانكسار.
ليس غضبًا...ليس تمرُّدًا...بل رجلًا غارقًا حتى عنقه في الألم ويحاول النجاة وحده.
طالعه إلياس وقال:
_أنا ظلمتك يا يوسف...؟
هنا رفع يوسف عينيه إليه...
وكانت نظرته كفيلة بأن تهدم رجلًا كاملًا.
نظر إليه بوجعِ طفلٍ خذله والده للمرَّة الأولى في حياته...
هنا نهض إلياس من مكانه ببطء، قبل أن يطفئ سيجارته في المطفأة بعنفٍ خافت، ثم اتَّجه للمقعد المقابل ليوسف، وقال بصوتٍ منخفضٍ لكنه مثقل بما يكفي ليخترق القلب:
_ياااه...
ده كلُّه علشان حاولت أطَّمن عليك مع البنت اللي قلبك اختارها...وإنتَ رافض تعترف حتى لنفسك.
كنت فاكر إنَّك تقدر تهرب...لكن محدش بيهرب من قلبه يا يوسف.
وضع يوسف كفَّيه فوق وجهه يفركه بقوة، يحاول كتم غضبه حتى لا ينفجر بوجه والده.
ثم رفع عينيه إليه، وعيناه حمراوان من القهر:
_ليه حضرتك ربطت الموضوع بكده؟
إيه اللي خلَّاك تقول إن قلبي متعلَّق بحدِّ أصلًا؟
أنا مكنتش بخطَّط لجواز يا بابا...كنت عايز...
رفع إلياس يده يوقفه، وهتف بنبرةٍ أكثر حدَّة:
_ما تكمِّلش يا ابن إلياس.
أبوك مش جاهل...ولا عبيط.
أو تقدر تقول...اتلسعت بنفس النار دي قبلك، بس الفرق إنِّي كنت أعقل منك.
ابتسم يوسف بسخرية موجوعة، وأدار وجهه قليلًا:
_آه طبعًا...أنا المجنون اللي مبيفهمشِ حاجة.
انحنى إلياس بجسده نحوه فجأة، وحدَّقت عيناه بعيني ابنه بقوة:
_إنتَ مش مجنون...
إنتَ ضعيف يا ابن إلياس.
نزلت الكلمة عليه كصفعةٍ موجعة.
تابع إلياس بصوتٍ أثقل:
_للأسف...ما أخدتش من أبوك رزانته وقت المصايب.
بتسيب وجعك يسوقك...وتكسر اللي حواليك وإنتَ فاكر إنك الوحيد المتألِّم.
عاد بظهره للخلف، لكنه لم يبعد عينيه عن يوسف لحظة:
_زعلان ليه..ومبهدل البنت معاك ليه؟
علشان إيه؟
علشان حاجة...اللي حصلَّك فيها ما يجيش ربع اللي حصلِّي.
عقد يوسف حاجبيه، بينما نهض إلياس ببطء من مكانه، وكأنَّ الماضي يسحبه للخلف.
وقف للحظاتٍ صامتًا...ثم ضحك ضحكةً حزينة باهتة، لا حياة فيها:
_تعمل إيه...
وفي لحظة تكتشف إنِّ حياتك اللي عشت تبنيها تلاتين سنة...مش حياتك؟
وإنِّ البنت اللي متجوزها...بنت أكبر عدوّ في عمرك؟
التفت إليه فجأة، وعيناه امتلأتا بمرارة رجلٍ لم يشفَ بعد:
_تعمل إيه لما الراجل اللي المفروض يبقى أبو مراتك...وعمَّك، صمت ثم اقترب خطوة، وأشار بإصبعه بمرارة:
_خلِّي بالك من كلمة عمَّك دي يا يوسف،
لأنها أكتر كلمة كسرتني في حياتي.
بهتت ملامح يوسف وهو يراه لأوَّل مرَّة بهذه الهيئة...
ليس الأب القوي الصلب...بل رجلٍ يختنق من ذكرياته.
ابتلع الياس غصَّته، وصوته بدأ يهتزُّ رغم محاولته التماسك:
_الراجل ده...خطف مراتي، خطف بنته بنفسه...قالها بمرارة ودمعة فرَّت من جفنيه.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ المشهد يُعاد أمامه حيًّا:
_واقف قدَّامها يهدِّدها يا ترفع قضية طلاق علشان تكسر أبوك، يا إمَّا يفتح بطنها، ويخرَّجك منها.
شهق يوسف بصدمة، بينما أكمل إلياس بنبرةٍ ثقيلة يكرِّر الكلمات:
_يا ترفعي قضية طلاق...يا الواد اللي في بطنك ده ينزل ميِّت.
هزَّة عنيفة أصابت إلياس وكابوس الماضي يخنقه بذبحةٍ صدرية، وهو يواصل حديثه:
_أبوها كان عايز يقتل ابني قبل ما يتولد...بس علشان ينتقم منِّي..
ساد الصمت...صمتًا ثقيلًا حدَّ الاختناق، كان ينظر لوالده وكأنَّه يراه لأوَّل مرَّة في حياته.
كل تلك القوة التي طالما خاف منها... كانت تخفي تحتها رجلًا مذبوحًا من الداخل.
اقترب إلياس منه ببطء، ثم قال بصوتٍ خافتٍ مرهق:
_ومع كلِّ ده...
عمري ما خدت وجعي حجَّة أكسر بيها أمَّك.
ولا علَّقتها على حبل أخطائي...زي ما إنتَ بتعمل دلوقتي.
ثم أشار ناحية صدر يوسف:
_الوجع مش مبرَّر يا يوسف...الوجع اختبار.
يا يخلِّيك راجل يحتوي...يا يحوِّلك لشخص أناني.
اكتسى وجه إلياس بالغضب...غضب قديم، متراكم، يشبه الرماد الذي يخفي تحته نارًا لم تنطفئ يومًا..
_اانت مشفتش حاجة، اللي قولته دا جزء
ثم قال بصوتٍ خرج مثقلًا بالنفور والألم/_تعمل إيه...لمَّا تكتشف إنِّ نفس الراجل اللي هوَّ عمَّك... طلع مهرِّب سلاح، وبيشتغل مع المافيا...
وإنتَ وقتها ظابط أمن دولة...وبنته مراتك؟
تجمَّد يوسف مكانه، بينما أكمل إلياس بعينينِ غارقتينِ بالماضي:
_تعمل إيه لمَّا يخطف أمَّك...ويحاول يعتدي عليها...
وأمَّك توافق تمشي معاه علشان تنقذني أنا ومراتي.
ارتفع صوته واختنق:
_تعمل إيه؟!
ثم انزلقت دمعة من عينه رغمًا عنه... دمعة مرَّت بطيئة على وجه رجلٍ اعتاد أن يبتلع وجعه وحده.
تنفَّس بعنف، وصدره يعلو ويهبط بقوَّة، لكنه أكمل:
_تعمل إيه لمَّا مراتك تهرب وهيَّ حامل...
وتسيبلك طفل لسه ما كمِّلش عشر سنين...
علشان عقلها صوَّرلها إنِّ اختفاءها هيخلِّيني أعيش سعيد؟
أخفض رأسه للحظة، ثم ضحك ضحكةً مكسورة أبكت قلب يوسف:
_بقيت أب وأم في نفس الوقت،
وبرجع كلِّ ليلة أبص لمكانها في السرير زي المجنون...
مستنِّي الباب يفتح وتدخل تقولِّي: "أنا رجعت."
ارتجف صوته أكثر:
_كنت بموت عليها...والناس كلَّها تقول ماتت..
وقلبي يقولِّي: لا...مستحيل تسيبني كده.
أدار وجهه بعيدًا، وكأنَّ الكلمات أصبحت سكاكين تمزِّقه:
_تعمل إيه لمَّا فجأة تضطَّر تعيش بهوية مش هوِّيتك..
وتدفن اسمك، شغلك، أحلامك، حياتك كلَّها؟... والست اللي اكتر واحدة شربتها الوجع تبقى امك
ثم التفت إليه بعينينِ حمراوين:
_لا الأب بقى الأب...ولا الأم بقت الأم
ولا الستِّ اللي كان كل حلمها تعيش وسط جوزها وابنها...
فجأة يجي خبر إنها انتحرت في النيل.
شهق ووضع يده فوق صدره وكأنه يحاول إيقاف الألم داخله.
هنا نهض يوسف سريعًا، وقد تبدَّلت ملامحه تمامًا...والصدمة سحقت غضبه، ولم يعد يرى أمامه سوى رجلٍ محطَّم .
اقترب منه بلهفة:
_بابا...خلاص، اهدى با..
لكن إلياس فجأة تعلَّق بذراع ابنه بقوة، كأنَّ يوسف أصبح آخر شيء يمنعه من السقوط.
رفع عينيه إليه...
وطالعه بنظراتٍ موجعة بشكلٍ لا يُحتمل، نظرةُ رجلٍ تعب من حمل العالم فوق كتفيه.
وقال بصوتٍ مرتجف:
_ورغم كلِّ ده...
أبوك لسه واقف.
ضغط على ذراع يوسف أكثر:
_لسه بحارب الدنيا كلَّها...علشانك إنتَ وأختك وأمَّك.
ثم سأله بمرارة:
_عمرك شفتني بكيت؟
عمرك شفتني اشتكيت؟
عمرك لقيتني رميت حملي على حد؟
صمت يوسف...وكلمات والده كانت تهدمه من الداخل.
اقترب إلياس أكثر، وأردف بنبرةٍ قاسية رغم ارتجافه:
_إنتَ بقى عملت إيه؟
دفنت راسك في الرمل...وهربت.
سيبت مراتك تضيع منك علشان وجع؟!
نظر مباشرةً داخل عينيه، نظرة اخترقت روحه:
_الراجل الحقيقي يا يوسف...مش اللي عمره ما بيتوجع.
الراجل الحقيقي هوَّ اللي بيتوجع، ويفضل واقف.
انهار يوسف بالكامل، بينما وقف إلياس أمامه يتنفَّس بصعوبة...
كأنَّ كلَّ كلمة يقولها تنتزع قطعةً من قلبه هو أيضًا.
ثم قال بصوتٍ خافتٍ متعب...لكنه خرج محمَّلًا بعمرٍ كاملٍ من الخبرة والخذلان:
_احمد ربِّنا...إنك لسه عايش مع أبوك وأمَّك.
شعر يوسف باختناقِ أنفاسه للحظة، بينما أكمل إلياس وعيناه تلمعان بوجعٍ دفين:
_لأن في ناس...بتقضي عمرها كلُّه تتمنَّى حضن واحد منهم... ومبتلاقيهوش.
ثم فجأةً لكزه بيده في صدره لكزةً موجوعة، رغم علمه أنه يذبح ابنه بها: _احمد ربِّنا إنك عايش مع أبوك وأمَّك الحقيقيين...مش مزوَّرين.
شهق يوسف بخفوت، واتَّسعت عيناه وهو يرى الدموع تلمع داخل عيني والده لأوَّل مرَّة بهذا الشكل.
لكن إلياس لم يمنحه فرصةً للكلام...
أمسك قميصه فجأة، وسحبه نحوه بقوَّة حتى أصبحا وجهًا لوجه، ثم همس بصوتٍ مرتعشٍ كأن قلبه هو الذي يتحدَّث:
_زعلان علشان ربِّنا ما رزقكش بابن؟
طب سألت نفسك مرَّة...يمكن دي رحمة ليك؟
_مفكَّرتش إن ربِّنا يمكن عوَّضك بحاجة أحسن يا غبي؟
وضع يده على صدر ابنه بقوة:
_عارف إنِّ الوجع صعب...وعارف إن نفسك تشيل ابنك، بس إنتَ مؤمن يا يوسف..
والمؤمن بيتوجع آه...بس بيرضى.
انكسرت نظرات يوسف أمام والده، اقترب إليه إلياس أكثر وسحب رأسه فجأة، يدفنه بعنقه كما كان يفعل وهو طفلٍ صغير.
ربت على رأسه ببطء، وقال بصوتٍ مختنق:
_يا أهبل...
مفيش أب في الدنيا مش نفسه ابنه يبقى أسعد منه...
ولا أم تستحمل تشوف وجع ابنها وتبقى مرتاحة.
هنا فقط انهار يوسف.
تعلَّقت يداه بوالده، وارتجف جسده بعنف وهو يحاول كتم بكائه، لكن شهقاته خرجت رغمًا عنه...شهقاتُ رجل ظلَّ قويًّا أكثر ممَّا يحتمل.
أغمض إلياس عينيه بقهر، واحتضنه بقوَّةٍ أكبر، وكأنه يحاول حماية ابنه من العالم كلِّه.
وبعد لحظات أبعده قليلًا، وراح يمسح على وجهه بحنانٍ أبوي موجع، ثم نظر مباشرةً داخل عينيه وقال:
_البنت بتموت فيك يا يوسف.
ارتعشت عينا يوسف فور سماعه اسمها دون أن ينطقه والده.
تابع إلياس بحزمٍ ممزوجٍ بالألم:
_إنتَ ما شفتش عملت إيه لمَّا طلَّقتها.
في واحدة في الدنيا تتنازل عن كرامتها بالشكلِ ده علشان راجل؟
ابتسم بحزنٍ شديد:
_ومين ضي.
هزَّ رأسه بعدم تصديق:
_إنتَ متخيِّل ضي تعمل كده علشان تنتقم منك؟
دي البنت ماتت معاك يوم الحادثة...
ومن يومها وهيَّ عايشة بنصِّ روح.
اتَّسعت عينا يوسف، وكأنَّ الكلمات طعنته مباشرةً في قلبه.
ربت إلياس على كتفه بحنا:
_روح لمراتك يا حبيبي...
ثم ابتسم ابتسامة متعبة، لكنها صادقة:
_خدها في حضنك...وارضى بنصيبك.
أخفض يوسف رأسه، بينما أكمل والده:
_ولو ربنا أراد يمنحك...هيمنحك.
ولو ما أرادش..يبقى أكيد شايلَّك حاجة أحسن.
رفع وجه ابنه بيده، وأجبره ينظر إليه: _إياك تعترض على قدر ربِّنا يا ابني...
أصل الإنسان لمَّا يحارب قدره..عمره ما هيعيش سعيد.
ثم مرَّر يده على شعره بحنان:
_السعادة مش دايمًا في اللي إحنا نفسنا فيه...
السعادة أوقات بتكون في اللي ربِّنا اختاره لينا...حتى لو إحنا مش فاهمين حكمته دلوقتي.
أنا تعبان أوي يا بابا...
خرجت منه كأنَّها اعتراف رجلٍ وصل لآخر احتماله، لا مجرَّد جملة عابرة.
جلس يوسف منكسرًا، عينيه حمراوتان، واختنق صوته بصورةٍ موجعة:
_حاسس إنِّي ضايع، ومش لاقي شط أقف عليه.
نظر إليه إلياس طويلًا...ثم اقترب ببطء، واحتوى وجه ابنه بين كفَّيه كطفلٍ صغيرٍ ثم قال بصوتٍ هادئ، لكنَّه ممتلئ بالقوة:
_مش عيب إنِّ الواحد يقع...العيب إنه يفضل واقع وما يحاولش يقوم.
تنهَّد وهو يربت على رأسه برفق:
_مين فينا م ابيجيش عليه وقت يحس إنه تايه؟ بس الشاطر اللي يعرف يعدِّي.
نظر مباشرةً داخل عينيه، نظرة أبٍ يرى انهيار ابنه أمامه:
_يوسف...إنتَ دكتور، ومش أي تخصُّص، يعني المفروض أكتر واحد يعرف إنِّ كلِّ حاجة ليها حل، وإن العقل لازم يسبق الوجع.
تراجع يوسف للخلف يهزُّ رأسه بعنف، وكأنَّ الكلمات تخنقه أكثر:
_موضوع ضي صعب...أنا مش عايز أظلمها.
اختنق صوته وهو يكمل:
مش عايز في يوم أشوف في عينيها نظرة ندم...حضرتك ما تعرفش ضي بالنسبالي إيه.
ضغط على صدره بيده يشعر بأنَّ قلبه يؤلمه:
_صعب عليَّا أكسرها...أو أوجعها.
حدجه إلياس بنظرةٍ غير راضية، وقال بحدَّةٍ موجوعة:
_وسهل اللي بتعمله فيها دلوقتي؟.
صمت يوسف، بينما أكمل إلياس بنبرةٍ أقسى:
_على كده لو هيَّ عملت فيك زي ما أمَّك عملت...كنت هتقتلها؟
ارتجف جسد يوسف، لكن إلياس لم يمنحه فرصة للهروب:
_إنتَ ليه مش عايز تفرَّق بين الحب والتضحية يا ابن إلياس؟
ساد الصمت للحظات...صمتٌ ثقيل، كأنَّ كلَّ كلمة انغرست داخل صدر يوسف.
ثم قال إلياس فجأةً بنبرةٍ حاسمة:
_خلاص...الصبح تبعتلها ورقة طلاقها، خلِّيها تشوف حياتها.
رفع يوسف رأسه له بصدمة، بينما أكمل والده بقسوةٍ متعمَّدة:
_وصدَّقني...المرَّة دي أبوك مش هيقولَّك حاجة.
اقترب منه أكثر، وغرس عينيه داخل عيني ابنه:
_هتتحمِّل تشوفها مع غيرك؟
تجمَّد يوسف بالكامل..
أمَّا إلياس فتابع بصوتٍ هادر:
_هتتحمل تسلِّم حبيبتك لراجل تاني يا غبي؟!
ارتعشت أنفاس يوسف بقوة.
_البنت بتحبَّك إنتَ...بس ما تختبرش حبَّها كتير، كلِّ واحد وله طاقة...وهيَّ طاقتها بدأت تخلص.
ابتلع غصَّته بصعوبة قبل أن يضيف:
_ده لو مخلصتش أصلًا.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ صورة ضي اليوم ما زالت تطارده:
أوَّل مرَّة أشوف ضي النهاردة واحدة أنا معرفهاش...
رفع عينيه إليه بحزنٍ حقيقي:
_دوست عليها كتير يا ابن إلياس... دوست لحدِّ ما مبقاش عندها قدرة تسمع اسمك حتى.
ردَّ على والده بصوتٍ ضعيف، متألِّم:
_ليه يا بابا...علشان مش عايز أظلمها معايا، هيَّ دلوقتي مش حاسَّة...بس بكرة هتندم.
نفد صبر إلياس أخيرًا، فضرب كفِّه بكفِّه وهو يهتف بانفعال:
_إنتَ غبي يلا...ثم أشار ناحية الباب بعصبية:
_امشي...شوف عايز تعمل إيه، تعبتني في الجدال.
صمت يوسف للحظاتٍ طويلة، ثم رفع عينيه بتردُّد قاتل:
_طيب...لو مرضيتش ترجع؟
توقَّف للحظة، ثم همس بخوفٍ حقيقي:
تفتكر أضغط عليها؟ ولا يمكن هيَّ فاقت وشافت إنِّ ده أحسن لها.
كوَّر إلياس قبضته بقوة حتى برزت عروق يده، وكاد يصفعه، لكنه تراجع في آخر لحظة وقال بصوتٍ مرتجفٍ من الغضب:
_منتظر منها إيه...وإنتَ كلَّ شوية تحسِّسها إنها عديمة كرامة؟
اقترب خطوة، وأشار بيده نحو الطابق العلوي:
أمَّك اللي فوق دي...قالتلي لو راجل طلَّقني.
ضحك بسخرية موجوعة:
_وهربت خمس سنين وهيَّ حامل.
ثم تابع وهو ينظر له بثبات:
_ورغم كده...أخدتها في حضني.. عاقبتها بطريقتي...بس عمري ما حسِّستها إنها رخيصة عندي.
ثم تابع بصوتٍ خفيض، لكنه أشدُّ ألمًا:
_آه ضي غلطت...بس غلطت من إيه..
مش إنتَ السبب؟
اقترب منه ولكزه بصدره بقوة:
قالتلك الكلام ده ليه؟ مش لمَّا حسِّت بإحساس الغدر.
احتدَّت أنفاسه:
_هيَّ كانت تعرف منين؟ ولمَّا عرفت اتجنِّنت، ونامت تحت رجليك.
توقَّف لحظة، ثم همس بمرارة:
_وإنتَ عملت إيه؟
خفض يوسف رأسه، عاجزًا عن الرد.
_الستِّ لمَّا تفقد أمانها مع الراجل اللي بتحبُّه...تبقى جابت آخرها.. ما بتبصش عليه تاني، بترميه ومش بتبصِّ وراها.
أشار له بغضب:
_وإنتَ كلِّ مرَّة بتحسِّسها إنَّها ولا فارقة معاك...رغم إنَّك بتموت فيها.
استدار إلياس متَّجهًا للسلِّم، ثم قال دون أن ينظر إليه:
أنا مش هقولَّك تعمل إيه...إنتَ بتحبَّها حب كفاية يخلِّيك تصلَّح غلطك يا ابن إلياس.
توقَّف عند أوَّل درجة، واستدار بنصف جسده إليه:
_خدها في حضنك...وحسِّسها إنها أهمِّ حاجة في الدنيا.
ابتسم بحزنٍ خافت:
_هترمي كلِّ وجعك...وتأكَّد، كل ما تتعب معاها أكتر...كلِّ ما تحس بحلاوة الدنيا يا ابن إلياس.
ثم أضاف أخيرًا، وكأنه ينتزع الفكرة السوداء من رأسه بالقوة:
_وضي...مش عايزة غيرك.
ولو كانت خيَّرتك قبل كده...
فده علشان إنتَ مكنتش كفاية لأمانها.
صمت لحظة، ثم قال بصوتٍ خافت:
قالتلي، يمكن طفل يربطنا...يمكن أحسِّ بالأمان.
تركه بعدها وصعد لغرفته.
أمَّا يوسف...
فظلَّ واقفًا مكانه، كأنَّ الكلمات سحقت كلَّ شيء داخله.
بدأت مشاهدهم تمرُّ أمام عينيه تباعًا...ضحكتها، دموعها، رعشة صوتها وهي ترجوه...أغمض عيناه، حتى اختنق صدره بالكامل.
تحرَّك أخيرًا للخارج بسرعة، أخرج هاتفه واتَّصل بها مرَّة...واثنتين... وثلاثًا...
لكن لا رد.
أغمض عينيه بإحباط، ثم اتجه نحو منزل بلال.
توقَّف أسفل المنزل، وأجرى اتِّصالًا..
جاءه صوت بلال متعبًا:
_خير؟
رد يوسف بصوتٍ خافت، لكنه يحمل انهيارًا واضحًا:
_بلال...أنا تحت مستنيك.
تنهَّد بلال على الطرف الآخر:
_اطلع...رولا نامت وتعبانة، مينفعش أسيبها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم خرج صوت يوسف منخفضًا:
_تمام.
أغلق الهاتف وسحب نفسًا طويلًا، وزفره ببطء شديد...
كان يعلم أن ضي غاضبة منه..لكن لأوَّل مرَّة...يشعر برعبٍ حقيقي من فكرة أنها قد لا تعود إليه أبدًا.
صعد بخطواتٍ بطيئة مثقلة، وكأنَّ كل درجة تحت قدميه تسحب ما تبقَّى من قوَّته.
وقف بلال ينتظره عند الباب، وما إن وقعت عيناه عليه حتى أدرك حجم الخراب الذي بداخله.
أشار له بالدخول بصمت، بينما اتجه هو نحو غرفته.
دلف بهدوء، فوجد رولا غافية بإرهاق.
اقترب منها، وجلس على طرف الفراش يملِّس على شعرها برفق:
_حبيبتي...يوسف برَّة، أوعي تخرجي بالهدوم دي.
فتحت عينيها بصعوبة، ثم همست بصوتٍ متعب:
_جاي فيه حاجة ولَّا إيه؟
تنهَّد بلال وهو ينظر لها:
_معرفش.
أمسكت كفِّه فجأة:
_وحياتي...ما تزعِّلوش منك يا بلال.
نظر لها باستغراب، فأكملت بندمٍ حقيقي:
_من وقت ما عرفت حالته...وأنا زعلانة من نفسي أوي إني كلِّمته بالطريقة دي.
مال يقبِّل وجنتها بحنان:
_بتوصَّيني على أخويا يا بت؟
ثم ابتسم:
_نامي بدل ما أقلب عليكي دلوقتي.
ضحكت رغم تعبها، ثم اعتدلت بصعوبة بسبب ثقل حملها:
_بص...لو جاي يتكلِّم في موضوع ضي، حاول تساعده، أختك مخَّها جزمة.
رفع حاجبه فورًا:
_أختي برضو.
ضحكت بخفوت وأومأت:
_ما تجمعش...ماهو إنتوا الرجَّالة صعبين أصلًا.
ثم تنهَّدت بحزن:
_المهم...ضي حالفة تسافر ومش هتقعد هنا.
انعقد حاجباه:
_ليه؟
عضَّت شفتها بخجل:
أصل...قولتلها إنه هيسافر.
شهق بلال بعدم تصديق:
_برافو عليكي يا رولا! ماقولتلك باباه مش هيرضى.
أشار لها بتحذير وهو يهمس بعصبية خافتة:
_لازم تنشكِّي في لسانك يعني؟
نفخت بضيقٍ طفولي:
_ماهي نرفزتني...وهوَّ استفزني ببروده.
هدأت ثم قالت:
_أنا تعبانة بسببهم...لأنِّي عشت وجع ضي أوي.
توقَّفت عيناه فوقها للحظة...
وتسلَّلت إلى رأسه صور أيامهما الأولى.
تنهَّد طويلًا، بينما همست رولا بحزن:
بلال...إنتَ كنت غيره كمان.
ابتسم بسخرية موجوعة، فأكملت:
_وشوف كنَّا عاملين إزاي.
ثم رفعت عينيها إليه بصدق:
_يوسف طيب...وصعبان عليَّا أوي.
ابتلع غصَّته بصمت:
_ومتأكِّدة إنه بيموت في ضي...بس مش هيحاول يرجَّعها علشان الموضوع اللي قولت عليه.
توقَّفت لحظة، ثم أمسكت يده بقوة:
_لازم تتصرَّف.
همست بتأثُّر:
_عرفت من ضي إنها كانت مستعدَّة تتنازل عن كلِّ حاجة علشانه.
أغمض بلال عينيه للحظة، ثم قال بهدوء:
_تمام...هتصرَّف.
ربت على يدها:
_ارتاحي إنتِ.
لكنها أوقفته قبل أن ينهض:
_اتِّصل بضي خليها تيجي.
ابتسم يهزُّ رأسه:
_نامي يا حبيبتي...قولت هتصرَّف.
دثَّرها جيِّدًا، ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب بهدوء.
وجد يوسف واقفًا في الشرفة، يستند بكفَّيه على السور الحديدي، وعيناه غارقتانِ في الظلام
اقترب منه ببطء:
واقف كده ليه؟
استدار ينظر إليه بصمت.
اقترب بلال أكثر:
_تشرب إيه؟
هزَّ رأسه دون اهتمام:
مش عايز حاجة...عايز أتكلِّم معاك شوية.
أومأ بلال:
_خلاص...هخلِّيهم يعملوا قهوة.
وبعد لحظات، توقَّفت الخادمة أمامهما.
_اعملي قهوة للدكتور...وقهوتي.
_تحت أمرك يا دكتور.
غادرت، و عاد الصمت بينهما.
صمتٌ ثقيل، متوتِّر..كأن كلَّ واحد ينتظر الآخر يبدأ الحديث.
حتى قطع يوسف السكون أخيرًا بصوتٍ منخفض:
_زعلان منِّي ليه يا بلال؟
نظر له بلال طويلًا قبل أن يرد:
_وإنتَ شايف إنك معملتش حاجة تزعَّل؟
تنهَّد يوسف بتعب:
_من إمتى حياتنا الشخصية بنربطها بعلاقتنا؟
رفع عينيه إليه:
_ياما حصل مشاكل...وعمرنا ما زعلنا من بعض.
_أومأ بلال ببطء، ثم قال بصراحة موجعة:
_المرَّة دي جيت على أختي أوي يا يوسف.
اشتدَّت ملامحه:
_دوست عليها...ووجعتها وهيَّ مالهاش ذنب في أي حاجة.
أغمض يوسف عينيه للحظة:
_إنتَ عارف سبب المشكلة؟.
_عارف.
ساد الصمت ثانية...
ثم خرج السؤال من يوسف بصعوبة، وكأنه يخشى إجابته:
_من إمتى عارف؟
طالعه بلال، وعرف من نبرة صوته أنَّ أكثر ما يقتله ليس انكشاف سرِّه...بل شعوره بأنه أصبح ضعيفًا أمام من يحبُّهم.
نهض من مكانه، واتَّجه يجلس بجواره:
_أنا أخوك قبل ما أبقى ابن عمَّك، صح ولَّا لأ؟.
ثم نظر له بثبات:
_شايف إنِّي ما استاهلش أعرف حاجة تخصَّك كده؟
صمت لحظة، ثم سأله بهدوء:
_زعلان علشان عرفت؟
ضحك يوسف بسخرية مكسورة، والتفت إليه بوجه تحوَّل إلى لوحةٍ من الألم:
_زعلان علشان اتعاملت وكأنِّي طفل.
ثم أكمل بمرارة:
للدرجة دي بقيت ضعيف!.
تنهَّد بلال:
_إنتَ اللي وصَّلتنا لكده.
مرَّر يوسف يده فوق وجهه بعنف وكأنه يحاول محو أفكاره:
_خلاص يا بلال...مش هنتكلِّم في القديم.
ثم رفع عينيه إليه بتعبٍ قاتل:
_المهم...عايز أعرف ضي عايزة إيه.
لو عايزة أطلقها...
قاطعه بلال فورًا بحزم:
_ضي بتحبَّك.
ومكنتش عايزة غيرك...بس إنتَ كسرتها.
ضحك يوسف بمرارة موجوعة:
_الكلِّ شايف إنِّي كسرتها...حتى إنتَ.
ثم أضاف بصوتٍ مختنق:
_إنتَ اللي المفروض عارف يوسف.
ردَّ بلال بهدوء عاقل:
_يوسف...مش مهم أنا عارفك إزاي.
أشار ناحية صدره:
المهمِّ هيَّ حسِّت بإيه.
همس يوسف بضعفٍ مرعب:
_طيب أنا تعبان من غيرها...وتعبان بوجودها.
رفع عينيه إليه وكأنَّها تستغيث:
_ممكن تنصحني أعمل إيه؟
شعر بلال بالحزن الحقيقي عليه...
لأوَّل مرَّة يرى يوسف بهذا الانكسار.
تنهَّد طويلًا، ثم قال بهدوء:
_روحلها يا يوسف.
نظر له مباشرة:
اتكلِّم معاها...ده لو إنتَ لسه باقي عليها.
اهتزَّت أنفاس يوسف فجأة...
ثم خرجت الكلمة منه بصوتٍ بالكاد سُمع:
_خايف.
اتَّسعت عينا بلال بدهشة:
_خايف؟!.
مسح يوسف على وجهه بغضبٍ وعجز:
_خايف منها...وعليها.
ثم رفع عينيه التي كانت مليئة برعبِ
-خايف أبصّ في عينيها...وألاقي إنها بطَّلت تحبِّني فعلًا..وخايف في يوم تندم إنَّها خسرت أمومتها.
دكتور بلال...
قاطعهم صوت الخادمة من خلف الباب، فرفع بلال رأسه بضيقٍ خفيف قبل أن ينهض معتذرًا:
_هشوف فيه إيه.
أومأ يوسف بصمت، بينما تحرَّك بلال للخارج بخطواتٍ هادئة، ليجد الخادمة تقف أمام الغرفة بتوتُّر:
_المدام رافضة تشرب اللبن يا دكتور.
تنهَّد بلال، ثم أخذ الكوب من يدها قائلاً :
_فيه كيس علاج في الصالون...هاتيه.
دلف للداخل، اقترب منها وهو يرفع حاجبه:
_رولا...مش قولنا بلاش شغل الأطفال ده؟
تمتمت بضيق وهي تتفادى النظر إليه:
_مش عايزة...أنا كنت نايمة.
جلس على طرف الفراش، ثم قرَّب الكوب منها قائلًا بنبرةٍ هادئة لكنَّها حاسمة:
_نشرب اللبن...ولَّا ناخد حقن؟
اتَّسعت عيناها ، فاعتدلت بسرعة تسحب الكوب من يده بتذمُّر طفولي، بالتزامن مع دخول الخادمة وهي تضع كيس العلاج فوق الطاولة.
ابتسم بلال بخفَّة، وبدأ يفتح الأدوية ليعطيها المسموح بوقته.
تجمَّدت ملامحه وهو يحدِّق بأحد الشرائط بين أصابعه:
_إيه اللي جاب ده؟
رفعت رولا رأسها تنظر لما بيده، ثم قالت بعدم اهتمام:
_إيه يا حبيبي؟
رفع عينيه إليها:
_ده حبوب هلوسة...جاية ليه وسط علاجك؟
ضربت جبينها بكفِّها فجأة:
_أوبس...نسيت أقولَّك، ده آسر كان محتاجه، وشكله نسيه هنا..وإحنا جايين خلِّيته يجيب العلاج، فسألته على الشريط ده...قالِّي محتاجه لحد.
نظر لها بصدمة ممتزجة بضحكٍ ساخر:
_هلوسة لحد؟ الواد ده مجنون رسمي.
أخذ الشريط من فوق الفراش، ثم أشار لها بأحد أدوية الفيتامين:
_المهم...ما تنسيش ده، عشان هطلع ليوسف عيب سايبه لوحده.
ابتسمت بخبث وهي ترتشف اللبن:
_طيب اتِّصل بآسر وخلِّيه ياخد الشريط.
ثم ضيَّقت عينيها بفضولٍ طفولي:
_هيَّ الحبوب دي بتعمل إيه أصلًا؟
انفجر ضاحكًا، ثم قرص وجنتها بخفَّة:
_لا دي بتعمل حاجات كتير...لمَّا تكبري أبقى أقولِّك.
نفخت وجنتيها بغضبٍ مصطنع وهي تضرب يده:
_والله.
ضحك أكثر على ملامحها العابسة، فاستوقفته فجأة وهي تشير للشريط بشقاوة:
_طيب ما تاخدها إنتَ...عشان أشوف هيحصل إيه.
رفع حاجبه بابتسامةٍ خبيثة، ثم التقط الشريط ولوَّح به أمامها:
_بس كده؟ من عيوني.
قالها بمزاح، قبل أن يخرج من الغرفة.
جلس بعدها مع يوسف لبعض الوقت، يتبادلون الحديث..كان يوسف شاردًا، يردُّ أحيانًا ويتنهَّد كثيرًا، بينما بلال يحاول انتشاله من دوَّامة أفكاره.
وبعد جدالٍ طويل حول الذهاب أو التأجيل، زفر بلال بضيقٍ مصطنع ونهض:
_خلاص...صدَّعتني.
اتجه للمطبخ وهو يكمل:
_هعملَّك قهوة تانية، وهتشربها من غير جدال...عشان تروح لعمَّك رايق وتعرف تتكلِّم معاه.
عاد بلال بعد دقائق ووضع الفنجان أمامه:
_اشرب القهوة، وضروري تعدِّي عليها،كلِّ ما تتأخَّر هتخسر، رفع يوسف عينيه إليه أخيرًا وقال بصوتٍ متعب:
_خلاص...هعدِّي عليها، وزي ما قولت...لازم نتكلِّم وأشوف هيَّ عايزة إيه.
ربت بلال على كتفه بهدوء:
_يوسف...خلِّي نفسك طويل معاها. هيَّ واخدة على خاطرها منك، ومهما صار بينكم...البنت لسه بتحبَّك.
ومتبوظش الدنيا بعصبيِّتك كالعادة.
نهض يوسف بعد فترة وهو يقول:
_لازم نتكلِّم.
أومأ بلال وأشار إليه:
_طيب الحقها قبل ما تنام، عندها سفر للفيوم الصبح.
أمسكه من ذراعه ينظر إليه:
_عارف لو منك، أخدها في حضني، هيَّ هترفض في الأوَّل، بس أختي بتحبَّك وهتسامح، وإنتَ يا بغل حاول تحسِّسها إنَّك هتموت من غيرها.
وصل يوسف إلى منزل أرسلان بعد دقائق، كان يتحرَّك بثقل، خطواته لم تكن طبيعية.
يشعر وكأنَّ الأرض تميل أسفل قدميه،
حرارة غريبة تسري بعروقه، وتشوُّش يضرب رؤيته على فتراتٍ متقطِّعة، بينما قلبه يخفق بعنف دون سببٍ مفهوم.
صعد الدرج مترنِّحًا قليلًا، يحاول التماسك، ثم طرق الباب ودلف للداخل دون انتظار.
رفعت غرام رأسها نحوه بصدمة: _يوسف؟!.
ابتسم ابتسامة واسعة غير متَّزنة:
_طنط غرام...أنا جعان أوي...ما كلتش من إمبارح، عايز كلِّ الأكل اللي عندك... وطلَّعيه في أوضة بنتك فوق.
قالها وتحرَّك نحو الدرج.
استوقفه أرسلان بحدَّة:
_رايح فين يلا اتجنِّنت؟
اقترب يوسف منه، وابتسم في محاولةِ الثبات منه:
_عمُّو حبيبي...جاي أتعشى مع مراتي... فيها حاجة دي؟
قالها ثم تحرَّك متجاوزًا إيَّاه.
_يوسف!
أوقفته غرام سريعًا وهي تنظر لزوجها برجاء:
_أرسلان...علشان خاطري سيبه يطلع للبنت، يمكن يتصالحوا.
أشار لها بغضب:
_إنتِ تسكتي خالص؟!
لكن يوسف قاطعهم بضيقٍ طفولي:
_إنتوا هتتخانقوا ومش هتعشوني؟
ضحكت غرام رغم توتُّرها:
_أحسن عشا يا حبيبي.
التفت إليها أرسلان بصدمة:
_إنتِ بتشجَّعيه؟!
أومأت بعينيها برجاء:
_عشان خاطري...سيبهم يتكلِّموا.
زفر بضيق ثم أشار لأعلى:
_عشر دقايق بس، ولو سمعت صوت..
بالأعلى...
فتح الباب دون استئذان، ودلف للداخل بخطواتٍ ثقيلة.
بحث عنها بعينيه، لكن الرؤية كانت تضطرب أمامه...الأشياء تتحرَّك ببطء أحيانًا، وبسرعةٍ أحيانًا أخرى.. ظن من عدم نومه الجيد
توقَّفت عيناه على ثيابها الملقاة فوق الفراش.
اقترب منها ببطء...ثم التقطها بأنامله، ورفعها لأنفه يستنشق رائحتها بوله، مع خروج ضي من الحمَّام..
كانت ترتدي البورنس الأبيض القصير، وخصلاتها المبتلَّة ملتفَّة بمنشفة صغيرة، فقامت بنزعها، بينما قطرات الماء تنساب فوق عنقها ببطء.
تجمَّدت مكانها فور رؤيته:
_يوسف!!.
استدار نحوها ببطء..وقعت عيناه على هيئتها، نظرات مشتَّتة...وكأنَّها لا تريانها وحدها، بل شيئًا آخر معها.
تحرَّكت أنفاسه بعنف وهو يتأمَّلها من رأسها حتى قدميها، وكأنَّ عقله توقَّف عند هيئتها التي خطفت أنفاسه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم حاولت التظاهر بالقوة، وألقت المنشفة من يدها بغضبٍ متصنَّع حين وجدت نظراته إليها بتلك الطريقة:
_إنتَ إيه اللي جابك هنا؟
اقترب منها خطوة...ثم أخرى...
تأوَّه بخفوت وهو يضغط أصابعه فوق رأسه فجأة، وكأنَّ الألم يمزِّقه من الداخل.
الرؤية أمامه تشوَّشت أكثر.
صوتها بدأ يتداخل مع أصواتٍ أخرى داخل رأسه.
لكن رغم ذلك...لم يتوقَّف..
حتى وقف أمامها مباشرة.
كانت أنفاسه ساخنة ومضطَّربة، وعيناه معلَّقتان بها بطريقةٍ أربكت قلبها رغم غضبها..فجأة...سحبها إليه بعنفٍ مفاجئ.
شهقت بقوَّة حين اصطدمت بصدره:
_إنتَ اتجنِّنت؟!
دفنت أصابعها بصدره تحاول دفعه، لكنَّه شدَّها أكثر، وهمس بصوتٍ متحشرج مضطرب:
_وحشتيني...
ثم أغمض عينيه بقوة يحاول السيطرة، فتح عيناه بنظرةٍ مشوَّشة مؤلمة، كانت تهاجمه وتدفعه تبعده عنها بقوَّة، ولكن داخله قوة واحتراق، فقد سيطرته فسحبها لأحضانه يدفن وجهه بين خصلاتها المبلَّلة، يسحب أنفاسه منها وكأنه يسحب جرعته اليومية.
خرجت منه آهة موجوعة...عميقة... وكأنها خرجت من قلبٍ احترق طويلًا: _وحشتيني أوي...حبيبتي.
ارتجف جسدها بعنف من قربه، ومن نبرة صوته التي ضربت قلبها، دفعت صدره محاولةً إبعاده، لكنه كان كالجدار، لم يتحرَّك.
رفع رأسه ببطء، وعيناه شبه غائبتين، ثم مرَّر أنامله على وجنتها بحنانٍ موجع:
_هونِت عليكي تبعدي عن حضني؟
نظرت له بذهول، أنفاسها تتسارع وهي تراقب اضطراب عينيه، وطريقته غير الطبيعية.
_يو...يوسف...ابعد.
إنتَ شارب حاجة؟
قالتها وهي تدفعه بقوَّة أكبر.
تراجع خطوتين، ثم أمسك رأسه فجأةً وكأنَّ الدنيا تدور حوله.
تشوَّشت الرؤية أمامه للحظات...
رفع عينيه إليها مجدَّدًا...وابتسم.
ابتسامة مرهقة، ضائعة، لكنَّها ممتلئة بها.
دارت حوله تدفعه بغضب، ولم تراعِ حالته..وأشارت إلى الباب:
_ إنتَ بتعمل إيه هنا، يلَّا اطلع برَّة.
اقترب منها من جديد ببطء.
تراجعت هي للخلف، وعيناه تتحرَّكان فوق جسدها بطريقةٍ جعلت قلبها يرتجف رغماً عنها.. تخشى ان تضعف معه، دون ان تلقيه درسا لا ينسى
همس بصوتٍ متعب:
_وحشتيني...إيه، مش وحشتك؟
رفعت ذقنها بعناد تحاول قتل ضعفها:
_لا، مش وحشتني..
اطلع برَّة.
حاصرها بين ذراعيه وبين الجدار..
هبطت عيناه على شفتيها المرتجفتين:
_لا؟
مش وحشتك إزاي؟
رفعت عينيها إليه، و أنفاسه الساخنة تضرب عنقها بعنف، تذيب كلَّ قوتها بالتدريج.
_وتوحشني ليه إن شاء الله؟
إحنا خلاص...هنطلَّق.
تجمَّد قلبه على كلمتها، ثم انحنى حتى أصبح وجهه قريبًا جدًّا منها، وعيناه تائهتانِ داخل عينيها:
_مين قال كده؟..
اختنق صوتها، من قربه وملامسة شفتيه لوجهها، فدفعته بعنف بعدما شعرت أنَّ مقاومتها تنهار أمام تلك النظراتِ المجنونة:
_ابعد يا يوسف...متبقاش مجنون، ثم
وضعت يدها على صدره لتمنعه...
لكن فجأةً جذبها إليه بعنف، وكأنَّ شيئًا انفجر داخله، ثم التهم شفتيها بقبلةٍ فوضوية مجنونة، قبلة بلا اتِّزان...بلا سيطرة...وكأنه يحاول إثبات أنها مازالت له.
شهقت وهي تحاول دفعه، لكن أنفاسها ضاعت تمامًا معه.. في قبلته المجنونة، تقسم أنها للاول مرة تشعر بأنه يقبلها بتلك الطريقة، لكن فجأةً طرقاتٍ على الباب..
_ضي، جبتلكم العشا يا حبيبتي.
ظلَّت تبعده لتجيب والدتها ولكنه سلب تنفُّسها، دفعته بقوَّة غاضبة إلى أن ابتعد عنها بصعوبة، يتنفَّس بعنف، بينما وقفت هي تحاول التقاط أنفاسها المرتجفة، وشفتيها ترتعشان بشكلٍ فضحها.
دخلت الخادمة بعدما أمرتها غرام والسماح من ضي وهي تدفع عربة الطعام، توقَّفت غرام عند الباب قائلة:
_يوسف جبتلك العشا...يارب يعجبك.
جلس يوسف على طرف الفراش يحتضن رأسه بكفِّه، وكأنه يقاوم ألمًا يفتك بعقله.
رفع رأسه بصعوبة على كلماتها وابتسم:
_تسلم إيدك.
نظرت ضي لوالدتها، ورغم نظراتها المرتبكة، أشارت إليه بارتجاف:
_خلِّيه ينزل ياكل تحت.
_اقعدي مع جوزك واتكلِّموا، دنت غرام منها ونظرت لعينيها والعلامات التي تركها، فابتسمت بسخرية:
_دا منظر واحد جاي ياكل يا بنت أرسلان، اومال لو مش عايزة تطلقي...قالتها بتهكم،لتشعر ضي بالضيق ممه، اقتربت غرام بعدما لمحت صراع ابنتها
_ لو طلَّقك هترتاحي، أنا معاكي مهما تقرَّري، بس اقعدي معاه، وقت الوجع والغضب بنقول كلام خارج سيطرتنا، وشكله ندم، ربِّنا يهديكوا، قالتها وخرجت، وأغلقت الباب خلفها.
نظرت ضي إليه، وكلماته تصغعها، فاندفعت نحوه بغضبٍ مرتبك:
_بقولَّك إيه ما تجنِّنيش، عشا إيه إن شاء الله؟!
إنتَ اتجنِّنت؟! اطلع برَّة أوضتي بدل ما أصوَّت، لكنها شهقت فجأةً حين جذبها بقوَّة نحوه، لتسقط جالسة فوق ركبتيه.
حاولت النهوض تصرخ فيه، لكنه أحاط جسدها بذراعيه بإحكام، مانعًا هروبها.
_شوية هدوء يا مجنونة...جنِّنتي أبويا.
لكزته بعصبية وهي تهمس صارخة:
_ابعد! إنتَ شكلك مبرشم.
هزَّ رأسه وأطلق ضحكةً رجولية مرتفعة.
توسَّعت عيناها تهمس لنفسها:
_والله إنتَ ما طبيعي..
صمتت ثم قالت:
_جاي ليه يا يوسف، مش إنتَ طردتني.
لكنه لم يكن يسمعها، كان تائهًا داخل رائحتها، قربها، ملمسها..نظر لفتحة روبها.
_يوسف بلاش جنان، امشي من هنا.
لم يستمع إليها بل دفن أنفه بعنقها يتمتم بصوتٍ مختنق:
_مجنون بيكِ يا حبيبة يوسف، يوسف مجنون بضي..
_يوسف!
صرخت باسمه، لكن صوتها خانها.
وخانتها دموعها التي انسابت فوق وجنتيها رغماً عنها، تحاول التمسُّك بغضبها...بوجعها منه...بكلِّ ما فعله بها..تريد كرهه ونفوره لكن جسدها اللعين كان يضعف بين ذراعيه ككلِّ مرَّة.
وقلبها الألعن...كان يرتجف لمجرَّد أنه مازال ينطق اسمها بذلك الحبِّ المجنون.. ونظراته التي جعلتها كالطائر بلا جناحين.
نظرت لعينيه التي لم تتزحزح عنها:
_متفكرش هسامحك.
نهض من مكانه واتَّجه إلى الحمَّام، يضع رأسه تحت صنبور المياه الباردة، توقَّف أمام المرآة ينظر لهيئته، ثم تناول المنشفة يمسح وجهه ويغمض عينيه:
_فيه إيه...مالك؟! معقول علشان وحشتك، اتجنِّنت مبقتش قادر تسيطر على نفسك.
تنفس بهدوء ثم خرج...توقَّف لدى الباب ينظر إليها، كانت تقف أمام الباب تعقد ذراعيها..اقترب منها مبتسمًا فأشارت إليه بتحذير:
_بطَّل جنان ويلَّا على بيتكم، تحرَّك يشير إليها:
_تعالي نتعشى وهمشي.
زفرت بغضب، ورغم ذلك تبسَّمت.
أشار بعينيه إليها بالجلوس، وعيناه ذهبت إلى روبها.
استدارت قائلة:
_هلبس الأوَّل:
_تعالي هنا...إيه هوَّ أنا مش جوزك.
_لا مش جوزي.
رفع الغطاء عن الطعام، وأطلق صفيرًا:
_واو حماتي عاملة حمام.. خليني اكل الحمام لما تغيري علشان اخلعك براحتي
استدارت تنظر للطعام، وتوسَّعت عيناها تضغط على شفتيها بغضب.
غمز إليها، وبلحظة جذبها لتسقط فوقه مرَّةً أخرى:
_تعالي أكِّلي جوزك يا روحي.
_جوز حمام يطيَّروك يا حبيبي.
قبلةً سريعة على شفتيها يغمز إليها:
_كلِّ ما تتأخَّري هبوسك، عايز آكل الحمام دا كلُّه.
رفعت حاجبها ساخرة:
_ودا من إيه إن شاء الله، مفكَّر نفسك عريس.
دنا من شفتيها يهمس إليها:
_وأحسن عريس، تحبِّي تشوفي؟.
لكزته غاضبة ونهضت من مكانها تعقد ذراعيها:
_كل ويلَّا على بيتكم...عايزة أنام.
_ابويا طردني، ومراتي المجنونة حرقت البيت، مش قدامي غير حضن بنت عمي، وخاصة بالروب دا هيكون سهل في الخلعان
شهقت تسبه
_قليل ادب ومش متربي
أمسك الحمامة يقلِّبها بين يده:
_سبحان الله، يوضع سرُّه في أضعف خلقه
_اهي البتاعة الصغيرة دي هتخليني اعرفك قليل الادب هيعمل ايه، الياس اصلًا نسي يربيني، متربي على ايدك ياروحي، غمز اليها
_متجوز اجمل بنت هكون متربي، وكتاب الله ماينفع
أفلتت ضحكة رغمًا عنها، هذا الرجل سيصيبها بالجنون حتمًا.. جزت على اسنانها وابتعدت
_كل يارب تشرق..
مضت خمس دقائق، إلى أن دفع عربة الطعام:
_الحمد لله..كدا الواحد ينام بهدوء.
قالها وهو يفرد ظهره على الفراش.
ضربته بقدمها:
_إنتَ هتعمل إيه يا دكتور؟!.
اعتدل وقام بنزع قميصه.
_إنتَ بتخلع القميص ليه، وبعدين مش ناوي تمشي؟.
_الله مش اتعشيت وأنا لابس القميص..
فيه حباية رز وقعت عليه، ولازم يتغسل.
دفعته بغضب اتجاه الباب:
_اطلع برَّة.
_والله لو ما سكتيش لأخلــ ع هدومي كلَّها..
دا حتى حماتي مهتمية بيَّا ومعشياني حمام ورومي.
جحظت عيناها تشير إليه بتحذير:
_ما تعصبنيش، واطلع برَّة، روح بيتكم.
_ماقولت، أبويا طردني، ومراتي حر قت بيتي..انتي كمان خرسة
باقي مين عمِّي حبيبي، عنده بنت عايزة..
صمت ولم يكمل حديثه، قبل أن تلقيه بالوسادة:
_اطلع برَّة...اقترب منها يتلاشى ما تلقيه عليه:
_إنتي اللي جبتيه لنفسك.
أمسكها يسحبها إليه بقوَّة مع كلمات أرسلان بالخارج:
_إنتَ يا حيوان هتبات عندك؟.
نظر إلى ضي وغمز قائلًا:
_أه...عايز أنام في حضن مراتي، ولو مش من غير هدوم كنت أخدتها بيتي دلوقتي لأنَّك كل شوية تزعجني.
سحبته غرام:
_كدا عاجبك..يارب تكون ارتحت، أظن لو ضي مش عايزاه كانت قفلت الباب كدا.
هزَّ رأسه وتحرَّك وهو يقول:
_مين قالِّك كنت عايز الطلاق، بس عايز أعلِّمه الأدب، بس كالعادة بنتك هبلة.
بالداخل استدار يضحك عليها.
أقسمت أنه لم يكن طبيعيًّا، تعلم أنه لن يفعل ذلك..دنت منه تنظر إليه:
_إنتَ تعبان؟.
طالعها بعينينِ حمراوتين بشكلٍ أخافها، وأنفاسه تضرب صدره بعنف، بينما جسده كلَّه كان ينتفض باضطرابٍ لا يفهم سببه.
_ضي أنا بحبِّك...
هزّت رأسها بدموعٍ متحجِّرة داخل عينيها:
_أنا تعبت...تعبت من حبَّك اللي كلِّ مرَّة يوجعني أكتر.
أغمض عينيه للحظة، ثم دفن وجهه بعنقها وهمس بصوتٍ مرتجف:
_مش قادر أعيش من غيرك..بحبِّك.
ارتجف قلبها رغمًا عنها...ذلك الصوت وحده قادرًا على إسقاط كل جدرانها، لكن الذكريات كانت أقسى، كانت تشعر أنَّ روحهما تؤذي بعضهما مهما حاولا الاقتراب.
ابتعدت عنه سريعًا، وبدأت تتحدَّث عن ما قاله وما فعله.
بينما هو شعر بزيادة حرارته تسري بعروقه، بشكلٍ أعلى من الأوَّل، ضربات قلبه تتسارع بشكلٍ مرعب، ورأسه يكاد ينفجر.
تذكَّر كلمات بلال فجأة...
اتَّسعت عيناه قليلًا، وكأنَّ عقله بدأ يربط أشياءً لم ينتبه لها.
اقتربت منه ضي تتحدَّث بانفعال:
_ أنا بكلِّمك أهو...ساكت ليه؟
لكزته بصدره بخفَّة، فرفع عيناه إليها ببطء.
وقعت عيناه عليها...تجمَّد مكانه.
هيئتها أمامه، قربها، رائحتها، ارتجافة شفتيها...كلُّ شيء بدا وكأنه يشعل شيئًا مظلمًا داخله.
شعر بنفسه كذئبٍ يتربَّص بفريسته...
اقتربت أكثر حتى اختلطت أنفاسها بأنفاسه وهمست بعناد:
_ إنتَ قولت هتطلَّقني..كلِّ شوية طلاق، مفكَّرني هتحايل عليك، أنا خلاص زهقت ومبقتش عايزة أكمِّل، رغم رفض قلبها لكلماتها إلَّا أنها قالتها في محاولة على السيطرة على ضعفها.
انقبض فكِّه بعنف، دفعها بقوَّة على الفراش.
دقائق بعدما فقد السيطرة بالكامل..
اعتدل وأنفاسه بدأت تتلاشى ورؤيته تتلاشى مرَّةً أخرى.
ثم ابتعد فجأة وكأنه يهرب من نفسه قبل أن يهرب منها..يجب أن يسيطر على مايحدث له، حتى لايؤذيها، اتَّجه سريعًا نحو الحمَّام، بينما كانت تراقبه بصدمة قبل أن تضرب الأرض بقدمها بعصبية:
_عايز يجنِّني! والله ما هيسكت غير لمَّا يخلِّيني أكلِّم نفسي.
لكن كلماتها توقَّفت فجأة...
وتعالت أنفاسها وهي تتذكَّر قبلته المجنونة منذ دقائق.
تحرَّكت ببطء نحو المرآة، وقفت أمامها تحدِّق بوجهها المبعثر، بشفتيها المرتجفتين، بخصلاتها التي أفسدها بين أصابعه..وعلاماته المجنونة التي تركها.
رفعت أناملها تلمس شفتيها...ثم أغمضت عينيها كأنها تخشى أن تضيع منها ذكرى تلك القبلة.
ثوانٍ فقط...ثم فتحت عينيها بفزعٍ من نفسها.
أنا فعلًا غبية زي ما طنط ميرال قالت.
عضَّت شفتيها وهي تهمس بخجلٍ غاضب:
_بترجعي ببوسة يا هبلة؟
رغم ذلك...ابتسم قلبها رغماً عنها.
وضعت يدها فوق صدرها وكأنها تعاتبه:
_بطَّلي غباء، كفاية ترخَّصي نفسك بقى.
اتَّجهت لغرفة الملابس وقامت بنزع ثيابها بعنف ودموعها تنساب، من رائحته التي تغرق جسدها.
هوت على المقعد بعدما ارتدت ثيابها، وأحاطت وجهها بكفَّيها تتنفس بعنف، كلَّما تذكَّرت ضعفها أمام لعنته...
بالحمَّام ظلَّ أكثر من نصف ساعة تحت المياه الباردة، يضرب كفَّيه بالجدار، بعدما تيقن من لعبة بلال.
خرجت تنظر لباب الحمَّام بعد تأخُّره:
_دا بيستهبل ولَّا إيه؟!
خرج على كلماتها، يحاوط جسده بمنشفة.
شهقت تنظر إليه بغضب:
_ودا اسمه إيه؟!.
اتَّجه لهاتفه...ولم يرد عليها، وقام بمهاتفة أحد الخدم بجلب ثيابًا إليه.
وصلت تلكمه:
_إنتَ أكيد عايز تجنِّني!.
_ضي لو خايفة على نفسك ابعدي عنِّي دلوقتي، مش عايز أزعَّلك.
_لا والله...خفت أنا ولازم أبعد، اتفضل يا محترم اطلع برَّة أوضتي دلوقتي.
أشار لنفسه وقال:
_أطلع بالفوطة يعني؟.
_ميهمنيش، إن شالله تطلع من غير هدوم خالص.
_وماله..قالها ووضع يده على المنشفة لتصرخ باسمه تقترب منه كالمجنونة:
_أنا مش مسمحاك، سمعتني مش مسمحاك على اللي بتعمله فيَّا.
حاوط جسدها وضمَّها لأحضانه:
_خلاص اهدي، همشي، الهدوم تيجي وهمشي متزعليش.
رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_كنتي وحشاني بس.
قالها قبل أن ينحني ويطبع قبلة على وجنتيها، مع طرقات الخادمة للباب.
بعد دقائق كان يقف أمام بلال، لكمة قوية على وجهه، أنا تعمل معايا كدا يامتخلف
ضحك الاخر يبتعد عنه بصوت مرتفع
_كنت بعمل تجارب، المهم ايه الاخبار
اتجه اليه، ولكن هرب من امامه
_انا عايز اعيش، ابني جاي في السكة
بقصرِ الجارحي بعد أسبوع..
كانت تتحرَّك مع مرافقة أحضرها حمزة خصِّيصا لمراعاتها، جلست بالحديقة، ثم تناولت هاتفها وهاتفت والدتها:
_عاملة إيه حبيبتي.
_أنا كويسة يا ماما، حضرتك عاملة إيه.
_حبيبتي أنا كويسة، المهم خلِّي بالك من نفسك، ويبقى تعالي حفلة عمِّك، علشان ميزعلش.
_هيَّ الحفلة دي ليه يا ماما؟.
_علشان بلال حبيبتي، معملناش حفلة لمَّا أخد الدكتوراه، وكمان افتتاح النادي الجديد.
_أيوة عرفت من حمزة إنه خلَّص نادي كبير أوي، ربِّنا يوفَّقه ويزيده يارب.
_يارب حبيبتي...حبيب تيتا عامل إيه؟.
وضعت كفَّها على بطنها وابتسمت:
_الحمدلله يا ماما، كنَّا عند الدكتور وطمِّنا عليه.
_عرفتي جنس الجنين يا شمس، إنتي في السادس دلوقتي صح؟.
ابتسمت وقالت:
_في آخر الخامس حبيبتي، لا مسألناش على جنسه...حمزة رفض.
_ربِّنا يكمِّلك على خير حبيبتي..سلِّمي لي على طنط دينا.
_حاضر حبيبتي، وسلِّمي على يوسف وضي.
_يوصل حبيبتي...قالتها وأغلقت الهاتف مع دخول إلياس:
_صباح الخير حبيبتي.
_صباح الخير يا أبو يوسف.
اقترب من الفراش وأزال الغطاء عنها:
_لمَّا بتقولي أبو يوسف بحس إنِّي ملكت الدنيا يا ميرال، الواد دا قطعة من روحي، لكنه متخلِّف.
_ابني مش متخلِّف لو سمحت.
ساعدها في الوقوف..وقام بنزع ثيابها وتبديلها بشيءٍ مناسب:
_يلَّا..كلِّنا هنفطر عندي النهاردة، يزن ورحيل جم تحت، وغرام كمان.
أمسكت ذراعيه وتساءلت بعينيها عن ضي..
ضمَّ رأسها وطبع قبلة فوقها:
_هتيجي متخافيش، سبيهم يصالحوا بعض.
_ربِّنا يهدي يوسف ويرجَّعها.
عانق ذراعها بعدما وضع حجابها، أوقفته ثم دفنت نفسها بأحضانه:
_تعبتك أوي يا إلياس.
حاوط جسدها يضمُّها إليه، ثم دفن رأسه في حجابها:
_إلياس من غيرك ولا حاجة يا ميرال.
ابتعدت قليلًا تنظر إليه:
_ربِّنا يخلِّيك لينا يا حبيبي، وإن شاء تشيل حفيدك، عندي أمل في ربِّنا كبير.
_إن شاء الله حبيبتي.
تجمَّع الجميع على طاولة الطعام، سوى من بلال ورولا..دقائق وكانت تتحرَّك بجواره ببطء، توقَّفت غرام واقتربت منهما تسحب كفَّيها بعدما أزاحت المقعد:
_عاملة إيه حبيبتي؟
_الحمدلله حبيبتي.
_كويسة يا ماما..ناقص بس تاكل العيلة.
ضحك الجميع على كلمات بلال... التفت يبحث عن ضي:
_ضي ويوسف فين؟.
وصلت ضي في تلك اللحظة تلقي تحيَّة السلام:
_أنا جيت حبيبي.
توجَّه بنظره إلى إلياس:
_يوسف فين؟.
_نزل بدري...اللي اسمها دارين دي اتَّصلت بيه.
قالها إلياس وهو يضع الطعام أمام ميرال.
بينما ضي التي شعرت بنيران تحرق قلبها منه..لم تشعر بنفسها وهي تقول بنبرةٍ غاضبة:
_ورايح لها ليه على الصبح قليلة الأدب الغير محترمة دي؟.
رفع إلياس رأسه إليها:
_يبقى اسأليه لمَّا يجي..
نهضت سريعًا تجمع أشياءها
_أنا افتكرت عندي اجتماع، مش هقدر أفطر.
توقَّفت غرام سريعًا:
_هتمشي من غير فطار؟.
قاطعها إلياس:
_مش النهاردة الجمعة، هوَّ إنتي عندك شغل بردو؟.
_ارتفع تنفُّسها، تعلم أنَّ عمَّها يتلاعب بها، استندت على طاولة الطعام أمام الجميع تنظر إليه:
_عمُّو إلياس صباح الورد على عيونك.
قالتها واعتدلت متَّجهة إلى سيارتها.
_ضي..توقَّفت تسحب أنفاسها بهدوء ثم التفتت إليه ورسمت ابتسامة:
_نعم يا عمُّو.
_هوَّ الشغل يوم الجمعة تدريب رياضي؟
أصلي شايفك يا حبيبة عمُّو رايحة الشغل بالترنج.
قالها إلياس وهو يرفع حاجبه بمكر، وعيناه تتفحصان هيئة ضي التي كادت تختنق، ردَّت ببراءة مصطنعة:
_بالظبط كده.
ضحك يزن بخفوت، لكن ميرال لكزته سريعًا أسفل الطاولة حين لمحَت نظرات أرسلان، الذي كان يراقب إلياس بصمت وعيناه معلَّقتان بضي.
أشار اليه وهمس بغيظٍ محبَّب:
_افطر يا أبو بلال...دي طليقة ابني، وحبِّيت أنكشها بس.
هنا انفجر يزن ضاحكًا، حتى مال بجسده للخلف وهو يضرب الطاولة بخفَّة:
_ليك يوم يا ظالم...شوفت يا أرسو؟
اللي قولته...اتقالَّك.
رفع أرسلان كفِّه على ذقنه، ثم نظر إلى إلياس بنظرةٍ تمتلئ بالتشفِّي المرح:
_كده تشمِّت فيَّا يا أبو طليق بنتي؟
ارتفعت ضحكات الجميع دفعةً واحدة، وتحوَّلت طاولة الطعام إلى حالةٍ دافئة مليئة بالحياة، كأنَّ البيت أخيرًا تنفَّس بعد أيام طويلة من التوتُّر.
حتى إلياس...ابتسم.
ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل ميرال تنظر له لثوانٍ بصمت، وعيناها تلمع بالسعادة.
بعد دقائق...
هدأت الضحكات تدريجيًّا، وانشغل الجميع بالفطور، بينما جلس إلياس ويزن مع أرسلان يتحدَّثون عن حفل المساء.
كان أرسلان يتكلَّم بحماس عن الترتيبات، ويزن يشاركه الحديث، أمَّا إلياس فكان صامتًا أغلب الوقت...يهزُّ رأسه أحيانًا، ويجيب بكلماتٍ قصيرة، لكن عيناه بقيتا تتبعان ميرال أينما تحرَّكت.
بمنزل آدم..
كانت تتحرَّك بخفَّة تلعب بمقابلة أخيها لعبة التنس، انتهت وخطت نحوه تضرب يده:
_مبروك يا هندسة.
داعب خصلاتها بابتسامةٍ حنون:
_إيه رأيك تيجي الحفلة بالليل، ماما قالت إنِّك رافضة.
_عندي مذاكرة كتير، الترم أوشك على الانتهاء.
تمدَّد على العشب وأشار إليها بالجلوس:
_عملتي إيه مع دكتورك الغلس؟.
_أوعى تكون قولت حاجة لماما؟.
_لا حبيبتي..اطَّمني، المهم عملتي إيه؟.
_عادي مفيش جديد، اسمه إيه الدكتور دا؟.
قاطعهم صوت إيلين:
_الفطار يا ولاد.
بمنزل طارق..
خرجت من غرفة طفلها، وجدته واقفًا أمامها ينظر إليها بصمت:
_عايز إيه يا مازن؟.
_بابا هيرجع إمتى؟
_ممكن بالليل...فيه حاجة؟.
_مالكيش دعوة، قالها وتحرَّك بعض الخطوات ثم توقَّف يستدير إليها:
_إنتي اللي قولت له ياخدني لدكتور صح.
إنتي انسانة جشعة خبيثة، أنا مش مجنون يا خبيثة، والله لأنتقم منك إنتي والراجل اللي عامل أبويا.
لم تشعر بنفسها وهي ترفع كفَّها وتصفعه على وجهه بقوة.
توسَّعت عيناه، يضع كفِّه على وجنته ينظر إليها بكرة، ورغم حزنها ممَّا فعلته إلَّا أنها أشارت إليه بغضب:
_إنتَ فعلًا مش مجنون، لكن إنتَ قليل الأدب وعايز تتربَّى، أنا كنت ساكتة على قلِّة أدبك، لكن لمَّا يجي باباك لازم أقولُّه على بلاويك ودلوقتي على أوضتك، ومفيش خروج برَّة الأوضة دي لحدِّ ما تتربَّى كويس.
نظرة كارهة بغضبٍ حارق ثم تحرَّك من أمامها دون أن ينطق.
مسحت على وجهها:
_يارب إيه الواد دا، شارب لبن كره وحقد، إزاي الواد دا كدا؟!.
حاولت ان تتنفَّس بهدوء، ولكنها فشلت فتحرَّكت إلى الحديقة.
مساءً صاخبًا بالأضواء والفخامة داخل كمبوند الشافعي...
كانت الموسيقى الهادئة تنساب بين الحضور، بينما انعكست الإضاءات الذهبية على الواجهات الزجاجية الفاخرة، ليبدو المكان وكأنه قطعة من الفخامة والروعة.
في تلك اللحظة...
دلف جاسر بمرافقة عز وياسين.
ترجَّل كلَّا منهم من سيارته بهيبةٍ اعتادها الجميع منهم، وما إن خطوا داخل الحفل حتى تبدَّلت الأجواء من حولهم، وكأنَّ اسم الألفي وحده كفيل بأن يمنح المكان ثِقله وهيبته.
التفتت الأنظار نحوهم تلقائيًا...
خطواتهم الواثقة، وحضورهم الذي يفرض نفسه دون محاولة.
اقترب أرسلان سريعًا لاستقبالهم، وعلى وجهه ابتسامة ترحيب واسعة:
_جاسر باشا...نوَّرتنا.
ثم صافح عز وياسين بحرارة وهو يتابع بفخرٍ واضح:
_نوَّرتونا وشرَّفتوا كمبوند الشافعي.
جاء صوته متزامنًا مع وصول إلياس إليهم، الذي وقف بجوار أرسلان بهدوئه المعتاد وهيبته التي لا تقلُّ عنهم شيئًا، ثم مدَّ يده إلى جاسر قائلًا:
_نوَّرتنا يا جاسر باشا.
صافحه جاسر بابتسامةٍ خفيفة تحمل الكثير من التقدير:
_أهلًا إلياس باشا.
ظلُّوا لبعض الوقت يتبادلون الحديث حول العمل والحفل وبعض المشروعات الجديدة...فاجتماع تلك الأسماء في مكانٍ واحد لم يكن أمرًا عاديًا أبدًا.
على الجانب الآخر..
وضعت كفَّها على بطن رولا:
_حبيب عمِّتو عامل إيه؟.
_طفس زي أبوه، عايزني طول الوقت آكل، لمَّا بقيت زي البالونة.
ضحكت عليها، وطافت بعينيها عليها:
_فعلا بقيتي كرنبة يا روحي.
_طيب مامتك عاملة عشا إيه في الحفلة دي؟.أنا جوعت.
ضحكت عليها بصوتٍ مرتفع، جعلت الجميع ينظر إليها، نهض بلال وتحرَّك إليهما:
_مالكم يا حلوين؟.
_مراتك هتاكلني، لسة ضاربة طبق محشي وبتقولِّي عايزة أتعشى.
أمسك كفَّ رولا، وساعدها بالنهوض:
_دا أقلِّ حاجة حبيبتي، دي بتسمِّي لسة.
شهقت ضي تنظر إلى بطنها المنتفخة:
_الله يكون في عونك يا حبيبي، دي عايزة طبَّاخ مخصوص.
_بلال سيبك منها، أنا دايخة عايزة آكل.
_كلي دراعي يا رولا، ينفع؟
لكزته تدفن وجهها بكتفه:
_ابنك اللي جعان، يرضيك تحرمه؟.
_ابني دا ابن..وضعت كفَّها على فمه:
_اسكت بقى، هتفضل ترغي وأنام جعانة.
وصل إليهما ينظر إلى رولا:
_مامتك بتسأل عليكي، جايبة لك طبق بسبوسة بالقشطة.
تركت ذراع بلال وتحرَّكت تبحث عن والدتها، توسَّعت أعين بلال:
_لا بجد كدا كتير.
ربت يوسف على كتفه وأشار بعينه بحركةٍ مزاحية:
_صعبان عليَّ، دي عايزة ونش.
نهضت ضي واقتربت منهما:
_حبيبي أي واحدة حامل بتبقى كدا، متزعلهاش، هيَّ ما بتكلش أصلًا، بتاخد الحاجة وخلاص.
التفتت إلى يوسف ترمقه بغضب:
_وإنتَ خلِّيك محضر خير، إيه اللي جابك عندنا؟.
هزَّ بلال رأسه بيأس، وغادر، بينما استدار إليها ينظر إليها باشتياق..
سحب كفَّها وتحرَّك بها ألى ساحة الرقص، مع محاولة اعتراضها:
_يوسف سيب إيدي أنا مش هرقص، الناس بتبص علينا.
_عندك ليَّا رقصة يا بنت عمِّي.
دار بعينيه بالمكان، ثم اقترب يرفع ذراعيها حول عنقه، وسحبها من خصرها يقرِّبها إليه:
_ارقصي يا أستاذة، خلِّينا نقفل الحساب اللي بينَّا.
التفتت حولها تهمس:
_الناس بتبص علينا، ابعد عنِّي.
تحرَّك مع الموسيقى يحرِّكها معه:
_لا بتتكسفي أوي، دا إحنا رقصنا تانجو وإحنا مطلَّقين، ولَّا وقتها الانتقام مكنش معرَّفك الصح من الغلط؟.
أثار جنانها، فدنت برأسها تنظر لعينيه بقوة وقالت:
_مش أحسن ما أصاحب واحدة مش بتلبس هدوم ويعمل محترم وهوَّ مقضِّيها معاها.
توقَّف عن الرقصة ينظر إليها بذهول:
_مين دا اللي تقصديه؟!.
ارتبكت للحظات من نبرنه إلَّا أنها رفعت رأسها تنظر إليه بقوة:
_تفتكر مين يا محترم؟.
_إنتي شيفاني كدا ياضي..حقيقي شايفة ابن عمِّك بلا أخلاق كدا؟!.مش هقول جوزك اللي كنتي في يوم من الأيام بتنامي في حضنه..
قطع حديثهما صوت بكاء وصراخ..
التفتت سريعًا على صرخات رولا وكأنَّ وقت ولادتها جاء.
خطا يوسف سريعًا نحو الصراخ وخلفه ضي..توقَّفت الموسيقى، مع صرخاتها ومحاولة بلال السيطرة عليها:
هموت يا بلال هموت..ضمَّها إليه:
_حبيبتي اهدي خلاص.
نظر لوالده:
_شكلها بتولد.
_خد مراتك المستشفى الناس بتتفرَّج عليك.
انحنى يحملها وساعده آسر في حملها متَّجهين إلى السيارة، ركضت رحيل وغرام وراءهم.
وهدأ المكان بعدما كان يضجُّ بالموسيقى وصرخات رولا..مع انسحاب المدعوين بعد اعتذار أرسلان.
ركض يوسف خلفهم بالسيارة ولحقته ضي.
استقلَّت السيارة بجواره:
_هوَّ دا موعد ولادتها ولَّا إيه، كانت بتقول لسة أسبوعين.
لم يرد عليها كل ماي فكِّر فيه حالة بلال الآن.
وصل بعد قليل...وجد بلال وآسر بالخارج:
_إيه فيه إيه؟.
أشار للداخل:
_الدكتورة بتكشف عليها.
_طيب مادخلتش مع مراتك ليه، إزاي تسبها لوحدها؟..ادخل علشان تطمِّن.
_مش عارف بقى.
ربت على كتفه يشير اليه:
_ياله ادخل..ياله.
قالها يوسف بثبات مع خروج رحيل وغرام:
_ولادة...هتدخل عمليات.
تحوَّلت المشفى بالكامل إلى ساحةٍ تعجُّ بعائلة الشافعي، الجميع بالخارج يتحرَّك بتوتُّر، يدعو، يترقَّب، وكلُّ دقيقة تمرُّ عليهم كأنها عامٌ كامل.
بالداخل، كان بلال يقف بجوار الطبيب، لم يترك يد زوجته للحظة واحدة، أصابعه متشبِّثة بكفِّها كأنه يمنحها من روحه القوة..كان قلبه يتمزَّق معها.
يمسح دموعها بيدٍ مرتجفة ويهمس قرب جبينها:
_أنا معاكي يا حبيبتي، خلاص قرَّبنا.
تعلَّقت أصابعها بكفِّه بقوةٍ مؤلمة، بينما أنفاسها تتقطَّع من شدِّة الألم، وهو عاجز إلَّا عن احتضان يدها والدعاء بصمت..إلى أن ذهبت بنومها بسبب تخديرها...مضت دقائق وفجأة...
شقَّ صراخ الطفل الصغير المكان.
تجمَّد بلال لثانية، وكأنَّ العالم توقَّف حوله.
ثم التفت بسرعة ناحية الصوت، واتَّسعت عيناه بذهولٍ لم يعرفه من قبل.
صرخة واحدة فقط..حوَّلته من رجلٍ خائف إلى أب.
اهتزَّت شفتاه، وامتلأت عيناه بالدموع وهو يسمع بكاء ابنه للمرَّة الأولى.
اقتربت الممرِّضة تحمل الطفل الصغير بعدما انتهت من تنظيفه ولفِّه بعناية.
مدَّت الصغير إليه بابتسامة:
_ألف مبروك يا دكتور.
تناوله بلال بحذرٍ شديد، كأنه يحمل قلبه بين ذراعيه، ثم طبع قبلةً طويلة مرتجفة على جبينه الصغير، وأغمض عينيه للحظة، يحتضن تلك الرائحة الأولى التي ستظلُّ محفورة بروحه للأبد.
ابتسم وسط دموعه وهو يهمس:
_الحمد لله...
ثم رفع نظره للطبيبة سريعًا رغم لهفته عليه:
_دكتور الأطفال يشوفه.
ابتسمت الطبيبة بتفهُّم:
_أكيد يا دكتور...متقلقش.
ظلَّ يتأمَّل ملامحه الصغيرة بانبهارٍ طفولي، يمرِّر إصبعه على كفِّه الصغير الذي التفَّ حول إصبعه تلقائيًا، فارتجف قلبه بعنف.
_يا روح أبوك إنتَ...
بعد فترة...
خرج خلف الفراش المتحرِّك الخاص برولا..
اقترب منها، وانحنى يقبِّل جبينها بحبٍّ عميق.
وفي الخارج...
خرجت الممرِّضة تحمل الطفل، اندفع الجميع بلهفة.
اقتربت رحيل أوَّلًا، وعيناها تلمعان بدموع الفرحة، فتلقَّفته بحنانٍ هائل:
_حبيبي...نوَّرت الدنيا يا قلب تيتا.
ضمَّت الصغير لصدرها بحب، ثم اقترب يزن بسرعة يحمل الطفل منها بحذر، وكأنه يخشى أن يؤذيه..
طبع قبلةً على رأسه الصغير وهو يبتسم بعينينِ دامعتين:
_أهلًا بأصغر شافعي.
_ماشاء الله، ربِّنا يبارك ويحفظك.
استدارت رحيل خلف ابنتها، فاتَّجه يزن الى جلوس أرسلان الذي توقَّف..
حمله أرسلان:
_بسم الله، ماشاءالله.
ابتسم ودمعت عيناه، ثم ناوله لإلياس
_سمِّ الله يا جدُّو، وسمِّي ابن الحلوف دا.
تلقَّاه وتمتم:
_بسم الله..قبلة فوق جبينه ثم همس:
"_اللهمَّ إنِّي أستودعك هذا القلب الصغير الذي لم يعرف من الدنيا شيئًا بعد...
فلا ترِهِ حزنًا يبكيه، ولا وجعًا يكسره، ولا طريقًا يضلُّه.
رفع نظره إلى إرسلان وقال بصوتٍ مبحوح رغم ابتسامته الخافتة:
_لا طبعًا...إنتَ جدُّه، وأولى بتسميته... ربِّنا يحفظه.
هزَّ أرسلان رأسه وعيناه معلَّقتان بالطفل الصغير:
_والله ما حد هيسميه غيرك.
ارتجف قلب يوسف بعنف...ونظر للرضيع المستلقي بين ذراعي والده، كأن العالم كلُّه انكمش داخل ذلك الكائن الصغير، اقترب بخطواتٍ بطيئة، خائفة..وعيناه تلتهمان ملامحه بولهٍ موجع:
_بابا...هاته...عايز أشيله.
أغمضت مير
القسم الثاني ٧١
ركض يوسف خلفهم بالسيارة ولحقته ضي.
استقلَّت السيارة بجواره:
_هوَّ دا موعد ولادتها ولَّا إيه، كانت بتقول لسة أسبوعين.
لم يرد عليها كل ماي فكِّر فيه حالة بلال الآن.
وصل بعد قليل...وجد بلال وآسر بالخارج:
_إيه فيه إيه؟.
أشار للداخل:
_الدكتورة بتكشف عليها.
_طيب مادخلتش مع مراتك ليه، إزاي تسبها لوحدها؟..ادخل علشان تطمِّن.
_مش عارف بقى.
ربت على كتفه يشير اليه:
_ياله ادخل..ياله.
قالها يوسف بثبات مع خروج رحيل وغرام:
_ولادة...هتدخل عمليات.
تحوَّلت المشفى بالكامل إلى ساحةٍ تعجُّ بعائلة الشافعي، الجميع بالخارج يتحرَّك بتوتُّر، يدعو، يترقَّب، وكلُّ دقيقة تمرُّ عليهم كأنها عامٌ كامل.
بالداخل، كان بلال يقف بجوار الطبيب، لم يترك يد زوجته للحظة واحدة، أصابعه متشبِّثة بكفِّها كأنه يمنحها من روحه القوة..كان قلبه يتمزَّق معها.
يمسح دموعها بيدٍ مرتجفة ويهمس قرب جبينها:
_أنا معاكي يا حبيبتي، خلاص قرَّبنا.
تعلَّقت أصابعها بكفِّه بقوةٍ مؤلمة، بينما أنفاسها تتقطَّع من شدِّة الألم، وهو عاجز إلَّا عن احتضان يدها والدعاء بصمت..إلى أن ذهبت بنومها بسبب تخديرها...مضت دقائق وفجأة...
شقَّ صراخ الطفل الصغير المكان.
تجمَّد بلال لثانية، وكأنَّ العالم توقَّف حوله.
ثم التفت بسرعة ناحية الصوت، واتَّسعت عيناه بذهولٍ لم يعرفه من قبل.
صرخة واحدة فقط..حوَّلته من رجلٍ خائف إلى أب.
اهتزَّت شفتاه، وامتلأت عيناه بالدموع وهو يسمع بكاء ابنه للمرَّة الأولى.
اقتربت الممرِّضة تحمل الطفل الصغير بعدما انتهت من تنظيفه ولفِّه بعناية.
مدَّت الصغير إليه بابتسامة:
_ألف مبروك يا دكتور.
تناوله بلال بحذرٍ شديد، كأنه يحمل قلبه بين ذراعيه، ثم طبع قبلةً طويلة مرتجفة على جبينه الصغير، وأغمض عينيه للحظة، يحتضن تلك الرائحة الأولى التي ستظلُّ محفورة بروحه للأبد.
ابتسم وسط دموعه وهو يهمس:
_الحمد لله...
ثم رفع نظره للطبيبة سريعًا رغم لهفته عليه:
_دكتور الأطفال يشوفه.
ابتسمت الطبيبة بتفهُّم:
_أكيد يا دكتور...متقلقش.
ظلَّ يتأمَّل ملامحه الصغيرة بانبهارٍ طفولي، يمرِّر إصبعه على كفِّه الصغير الذي التفَّ حول إصبعه تلقائيًا، فارتجف قلبه بعنف.
_يا روح أبوك إنتَ...
بعد فترة...
خرج خلف الفراش المتحرِّك الخاص برولا..
اقترب منها، وانحنى يقبِّل جبينها بحبٍّ عميق.
وفي الخارج...
خرجت الممرِّضة تحمل الطفل، اندفع الجميع بلهفة.
اقتربت رحيل أوَّلًا، وعيناها تلمعان بدموع الفرحة، فتلقَّفته بحنانٍ هائل:
_حبيبي...نوَّرت الدنيا يا قلب تيتا.
ضمَّت الصغير لصدرها بحب، ثم اقترب يزن بسرعة يحمل الطفل منها بحذر، وكأنه يخشى أن يؤذيه..
طبع قبلةً على رأسه الصغير وهو يبتسم بعينينِ دامعتين:
_أهلًا بأصغر شافعي.
_ماشاء الله، ربِّنا يبارك ويحفظك.
استدارت رحيل خلف ابنتها، فاتَّجه يزن الى جلوس أرسلان الذي توقَّف..
حمله أرسلان:
_بسم الله، ماشاءالله.
ابتسم ودمعت عيناه، ثم ناوله لإلياس
_سمِّ الله يا جدُّو، وسمِّي ابن الحلوف دا.
تلقَّاه وتمتم:
_بسم الله..قبلة فوق جبينه ثم همس:
"_اللهمَّ إنِّي أستودعك هذا القلب الصغير الذي لم يعرف من الدنيا شيئًا بعد...
فلا ترِهِ حزنًا يبكيه، ولا وجعًا يكسره، ولا طريقًا يضلُّه.
رفع نظره إلى إرسلان وقال بصوتٍ مبحوح رغم ابتسامته الخافتة:
_لا طبعًا...إنتَ جدُّه، وأولى بتسميته... ربِّنا يحفظه.
هزَّ أرسلان رأسه وعيناه معلَّقتان بالطفل الصغير:
_والله ما حد هيسميه غيرك.
ارتجف قلب يوسف بعنف...ونظر للرضيع المستلقي بين ذراعي والده، كأن العالم كلُّه انكمش داخل ذلك الكائن الصغير، اقترب بخطواتٍ بطيئة، خائفة..وعيناه تلتهمان ملامحه بولهٍ موجع:
_بابا...هاته...عايز أشيله.
أغمضت ميرال عينيها بقهرٍ وهي ترى تلك النظرة بعينيه، نظرة رجل يحاول لمس حلمٍ حُرم منه طويلًا..بينما هوت ضي مكانها بعدما خانتها ساقاها، وكأن المشهد كلَّه يطعنها من الداخل.
ربت أرسلان على كتف إلياس وقال بصوتٍ هادئ:
_سمِّي الولد...وادِّيه لعمُّه.
اختنق حلق إلياس، وامتلأت عيناه بالدموع رغمًا عنه، ياالله...كم كان هذا المشهد قاسيًا على قلب أبٍ يرى ابنه يتشقَّق أمامه بصمت.
ابتلع ريقه بصعوبة وسأل:
_هتسموه إيه...فين بلال؟
اقترب أرسلان منه، وهمس له باسم الطفل.
وهنا...
رفع إلياس عينيه نحو يوسف.
ولأوَّل مرَّة في حياته...شعر بالعجز الكامل، عجز أبٍ يتمنَّى أن ينتزع الألم من صدر ابنه بيديه...ولا يستطيع.
ارتجفت شفتاه، ثم رفع الطفل وأذَّن بأذنه بصوتٍ متقطِّع بالتكبير، وبعدها همس باسمه ثلاث مرات، وقلبه يرتجف مع كل حرف.
ثم اتجه نحو يوسف ومدَّ الطفل له بحذر:
_هتعرف تشيله؟،
أومأ يوسف سريعًا، وما إن استقرَّ الصغير بين ذراعيه، حتى توقَّف الزمن.
شهقة مرتجفة خرجت من صدره، ضمَّه إليه بحنانٍ مرتعب، كأنَّ الطفل قطعة من روحه عادت إليه أخيرًا، راح يتأمَّل أصابعه الصغيرة، أنفه، وجهه... وكلَّما تحرَّك الطفل قليلًا، كان قلبه يرتجف أكثر.
أمَّا ضي...فكانت تراقبه بصمتٍ مكسور، تشعر أن كلَّ نظرة بعينيه تخبرها كم يتمنَّى أن يكون هذا طفله.
_سمتوه إيه يا عمُّو؟
ابتسم بلال رغم دموعه على رؤية يوسف يحمله:
_تفتكر هسمِّيه إيه يا جو؟
رفع يوسف نظره إليه، ثم عاد ينظر للطفل الذي تشبَّث بإصبعه الصغير يبكي بخفَّة.
اقتربت الممرِّضة:
_الطفل يا جماعة...
لكن يوسف ابتعد به خطوة وهو يضحك وسط دموعه:
_بس يا سيدي...إنتَ مزعج زي أمَّك وأبوك ليه؟
ضحك الجميع بخفوت، بينما كان إلياس يراقب ابنه بحسرةٍ أدمت قلبه، ودعا بداخله بحرقة:
"اللهمَّ قرَّ عينه بطفلٍ من صلبه يا الله...و لا تحرمه هذا الشعور."
ثم ابتعد عن الجمع سريعًا حتى لا يفضحه وجعه.
تحرَّكت ميرال خلفه بعدما باركت لغرام ورحيل، بينما بقي يوسف واقفًا يحمل الطفل وكأنه يخشى أن تنتهي اللحظة.
وبعد دقائق...
اقتربت الممرِّضة وأخذت الصغير من بين يديه، فتعلَّقت عيناه به بصورة موجعة؛ وظلَّ يسير خلفها دون وعي حتى دخلت غرفة الأطفال ووضعته في فراشه الصغير.
وقف خلف الزجاج يراقبه بصمت...
كأنَّ قلبه تُرك هناك، داخل ذلك السرير الصغير.
توقَّف بلال بجواره وقال بهدوء:
_أنا سمِّيته يوسف.
التفت إليه يوسف بسرعة، واتَّسعت عيناه، ثم امتلأتا بالدموع فجأة:
_ليه عملت كده؟.
لكزه بلال بخفَّة وهو يبتسم بعينينِ دامعتين:
_غبي...هقول إيه؟ بحب عمُّه الحمار... وعايزه يفضل معايا طول العمر.
هنا...تذكَّر يوسف كلمات ضي عن الاسم، فتكسَّرت ابتسامته المرتعشة، ثم جذب بلال إلى حضنه بقوة:
_مبروك يا حبيبي..ربِّنا يباركلك فيه ويحفظه.
صمت لحظة، ثم خرجت منه الجملة كطعنة:
_ويكون حظُّه أحسن منِّي...
أغمض بلال عينيه بألم، بينما أبعده يوسف برفق وقال:
_انا همشي وإنتَ روح لمراتك، وخلِّي بالك من ابنك...أوعى حد يقرَّب منه.. قالها بابتسامة.
ثم استدار سريعًا قبل أن ينهار أمامهم.
خطا عدَّة خطوات، لكن دموعه سبقته هذه المرَّة، وانسابت رغمًا عنه، كتفاه تهتزَّان بصمتٍ موجع، وكأنه يحمل فوق صدره عمرًا كاملًا من الحرمان.
ظلَّ بلال يراقبه حتى اختفى آخر الممر.
ثم اتَّجه إلى أخته، التي كانت تبكي بصمت منذ رأت يوسف يحمل الطفل..
اقترب منها وضمَّها بحنان:
_الحقي جوزك...مش وقت زعل يا حبيبتي.
انهارت بين ذراعيه تبكي بحرقة:
_قلبي وجعني عليه أوي يا بلال، رغم وجعي منه.
ربت على كتفها بحنان:
_روحي له...هوَّ محتاجك دلوقتي أكتر من أي وقت.
أومأت وهي تمسح دموعها بصعوبة، فقبَّل جبينها بحنان وقال:
_يسلملي العاقل.
ابتسمت وسط دموعها:
_مبروك يا أحسن بابا في الدنيا.
ابتسم بلال بحب:
_الله يبارك فيكي يا حبيبتي...عقبالك إنتِ ويوسف إن شاء الله، عندي أمل... ربِّنا هيعوضكم.
شهقت ضي باكية:
_يارب يا بلال...يارب.
قالتها وغادرت المشفى بسرعة، وقلبها يرتجف خوفًا عليه.
أخرجت هاتفها واتَّصلت به مرَّة واثنين، وثلاثة...
لكن لا رد..وفجأة، أُغلق الهاتف نهائيًا.
هنا شعرت أنَّ قلبها سقط منها.
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق