رواية صك الغفران الفصل الخامس والسادس بقلم الكاتبه فريده الحلواني حصريه
رواية صك الغفران الفصل الخامس والسادس بقلم الكاتبه فريده الحلواني حصريه
صباحك بيضحك يا قلب فريده
تزداد فرحتنا حين يصبح العيد عيدين.
واليوم... هو ثالث أيام العيد.... اليوم الذي قرّر فيه آدم أن يخرج مع حبيبته آسيا برفقة صديقيه وحبيبتيهما
كان اليوم رائعًا إلى حدٍ مؤلم....قلوبهم كانت تتقافز بفرح يفوق تقافز الألعاب التي كانوا يمرحون بها داخل إحدى مدن الملاهي
ضحكات عالية... أيادٍ متشابكة.... ووجوه لا تعرف سوى الطمأنينة
هبطوا جميعًا من تلك اللعبة الصعبة
فأمسك كل حبيب كف حبيبته... وسار بها إلى الأمام وهو يحادثها برفقٍ وحب.....كأن العالم خُلق في تلك اللحظة ليمنحهم فقط هذه السعادة
أما آدم......كان يقبض على يد آسيا وكأنها قد تهرب منه في أية لحظة
لفّ ذراعه حول خصرها من الخلف محيطًا بها... متحكمًا بقربها
قرّب وجهه من وجهها حتى صار الهواء يمر بصعوبة بينهما
التفتت الأنظار إليهما....لكنه لم يهتم...
وقال بنبرةٍ تقطر عشقًا ولهفة
أنا عايز أتجوز دلوقتي...خلاص.... مش قادر أستنى
نظرت إليه بعينين تلمعان من شدة خفقان قلبها الذي كاد أن يتوقف
ثم قالت بنبرة هامسة تتأرجح بين المزاح والتمني
هو أنا مسكاك.... يلا بينا حالًا... أنا عن نفسي موافقة جدًا
التهَمها بعينيه وقال من صميم قلب عاشقٍ أنهكه الشوق
المشكلة يا حبيبتي إني فعلًا مبقيتش قادر أستحمل بعدك
أبوكي وافق إننا نخرج انهارده بالعافية
وأنا عايزك في بيتي... وفي حضني
بحاول أركز في شغلي
ولما أصحابي بيتجمعوا بنسهر سوا بالليل......بحارب عشان عقلي يفضل معاهم...بس إنتِي أخدتي عقلي وقلبي
مسبتيش حاجة لغيرك
ارتفعت على أطراف أصابعها وبمنتهى الجرأة طبعت قبلة رقيقة على وجنته ثم قالت
إن شاء الله يا حبيبي.... السنة الجاية نكون في بيتنا
نجيب اللي نقدر عليه واللي منقدرش نجيبه بعدين مش مشكلة
ألقى ببصره خلفها فوقع على دمية صغيرة جدًا.... لكنها جميلة
سحبها معه.... اشتراها...ثم أهداها لها وهو يقول
الميدالية دي احتفظي بيها عشان نحط فيها مفاتيح شقتنا
رغمًا عنها....انهمرت دموعها بغزارة وهي تقبض على الدمية بقوة
كأنها تخشى أن تضيع منها كما ضاع صاحبها منذ زمنٍ بعيد
هذه الذكرى اقتحمتها فجأة....فبكت وهي ترتّب خزانة ملابسها استعدادًا لترك ذلك المنزل الذي صار أشبه بقبر لا هواء فيه، ولا حياة
جلست على حافة الفراش....قرّبت الدمية الصغيرة من أنفها واستنشقت رائحتها وكأنها تستنشق بقاياه
ثم قالت بقهرٍ ثقيل
من يوم ما اشتريتلي الميدالية يا آدم...متحطش فيها مفتاح ولا حتى كان في شقة أصلًا...يا ريتك ما جبتها
يا ريتني ما احتفظت بيها لحد دلوقت
ثم انكسرت أكثر وهي تهمس
يا ريتني أقدر أمحي كل اللي جوايا ليك
بكت بحرقة وأكملت بصوتٍ مبحوح
بس المشكلة إني مش عارفة هبقى عاملة إزاي لو نسيت كل ذكرياتنا
أكيد جوايا هيبقى فاضي...فراغ يخوّف...مش عارفة أعيش بيه....
ولا عارفة أعيش من غيره
الوجع لا نهاية له.....لأن بعض الحكايات لا تُغلق بل تُترك مفتوحة تنزف بصمت
نهضت ببطء وكأن جسدها يجرّ خلفه أعوامًا من الانتظار
ضمّت الدمية الصغيرة إلى صدرها لثوانٍ معدودة... لا لتستعيد ذكرى....
بل لتتأكد أن الوجع ما زال في مكانه لم يخطئ الطريق
أعادتها إلى الخزانة بين ثيابٍ لم تعد تخصها وحدها
كأنها تواري حلمًا لم يُكتب له أن يعيش
تأملت الفراغ حولها....غرفة كاملة.... لكنها خالية من المعنى.
كل شيء ثابت إلا قلبها... كان ينهار بهدوء
تمتمت وكأنها تخاطب نفسها أكثر مما تخاطبه
أنا مش موجوعة عشان مشي....أنا موجوعة عشان كنت مصدّقاه
كنت فاكره إن اللي بيحب مبيسبش
طلع اللي بيحب أحيانًا بيدبح... يقف يتفرج علينا لحد ما نصفي اخر نقطه في دمنا
مسحت دموعها بكف يدها....لا محاولةً لإخفائها....بل محاولةً لتستعيد بعض السيطرة على نفسها
وقفت أمام المرآة طويلًا....الملامح لم تتغير لكن النظرة اختلفت...
نظرة امرأة رأت الحقيقة متأخرة لكنها رأت
قالت بصوتٍ متعب
كنت فاكرة الحب كفاية....بس واضح إن الحب لوحده مش بيبني بيت ولا يفتح باب...ولا يحمي واحدة من الوحدة
أخذت نفسًا عميقًا....نفسًا خرج مثقلًا بالخسارات
أنا مخسرتكش يا آدم....أنا خسرت البنت اللي كانت مستنياك
اللي كانت بتعد الأيام وتقول... بكرة....وأنت كنت كل مرة تختار تأجّلني،
وأنا كنت أختار أستنى.
جلست على الأرض وأسندت ظهرها إلى الفراش....ضمّت ركبتيها إلى صدرها.....انهمرت دموعها أخيرًا بلا مقاومة
كنت كل مرة أقول معلش....وكل مرة أبررلك.....وأقنع نفسي إن الصبر حب...طلع الصبر أحيانًا إهانة
ساد الصمت للحظة ثم خرجت منها ضحكة قصيرة، مكسورة
لا تحمل سخرية....بل تعبًا خالصًا
أصعب حاجة مش إنك تمشي.....أصعب حاجة إنك تسيبني وأنا لسه بحبك
وصل ذلك الحقير إلى بيت زوجته السرّية... سامية
المرأة التي تزوّجها منذ أربع سنوات دون أن يعلم أحد بعد أن أحكمت خيوطها حوله بإتقان....حتى أسقطته في الفخ الذي خططت له طويلًا
كانت تعلم جيدًا أن زوجته آسيا جميلة وذكية....امرأة يتمناها أي رجل
لكنها اختارت أن تصدّق الأكاذيب التي كان يلقيها على مسامعها عن إهمال زوجته
وعن زواجه الذي تحوّل إلى عبء
وصبره عليها فقط من أجل أطفاله
صدّقت... أو تظاهرت بالتصديق فالغاية كانت أهم من الحقيقة
وبعد الزواج.....اكتشفت أنه ليس رجلًا كاملًا
فاختار هجر آسيا ملاذًا يختبئ خلفه
ليُخفي عجزه الذي لا يجرؤ على الاعتراف به
سامية لم تُصدم...بل اتخذت من تلك الحقيقة درعًا تحتمي به إن فكّر يومًا في التخلّي عنها أو الابتعاد
لم تكن تنوي أن تكون نزوة عابرة في حياته .....يستمتع بها ثم يلفظها ليبحث عن غيرها
هي امرأة مطلّقة قاست في حياتها و التهم الفقر روحها
لم تجد أمامها سوى رجلٍ تنقذ به نفسها من الفقر الذي كانت تغرق فيه
بل وتستغله ليصعد بها درجة بعد أخرى في عملها حتى صارت مديرة مكتب وكيل أول الوزارة في مصلحة الضرائب
كانت تعرف كيف تستخدم الرجال...
وتعرف متى تضرب ومتى تُلين.
جلس أمامها بملامح متشنّجة... الغضب يفيض من عينيه وقال بغلٍ فظ
بنت الكلب... نزلت واتفقت على شغل من ورايا
لا وكمان مصمّمة.... أول مرة أشوفها بالطريقة دي
حتى لما هددتها بالطلاق مهتمتش زي كل مرة
أنا من يومين بس قايلها في بيت أختها إني هطلقها لو صممت على ريان
مكنتش متخيّل إنها ترجع البيت تاني
ولما رجعت... افتكرتها هتعتذر وتهدّيني وتقفل موضوع ريان شوية
اللي حصل العكس...تاني يوم تستلم شغل وتقف قصادي تقولي....بنتي مش هتتجوز غيره
أعمل إيه يا سامية.... دبريني... أنا هتجنن.
كده الموضوع بيفلت من إيدي
فكّرت سامية بسرعة...عمل آسيا يعني وعي.
وعي يعني ثقة.....ثقة.... يعني امرأة تعود للاهتمام بنفسها.....وتستعيد جمالها القديم
وقتها فقط....قد تستعيد سيطرتها على إسلام وقد يعود إلى بيته
وحينها... ستُلفظ هي خارج حياتهم بلا رحمة
لا.....هذا ما لن تسمح به
كان يجب أن تُقنعه وباستماته.....لن يسمح لآسيا بالعمل وإن أصرت...
فليطلقها.....لا حبًّا في كرامته....بل خوفًا على مصلحتها هي
قالت بصوتٍ خبيث يقطر كراهية وتحريضًا
هو إنت فين رجولتك معلش....
مراتك تروح مشوار زي ده وتقابل رجالة من غير ما تعرف
مين هيشغّل واحدة عدّت الأربعين إلا لو عجباه
ولا راجل وسخ ماشي يرمرم....اعمل حسابك يا إسلام...مراتك لو اشتغلت هتركبك ومش هتعرف تحكم عليها
ده لو مخانتكش كمان.....مفيش واحدة بتقعد من غير راجل خمستاشر سنة
شغلها هيخلّيها تحتك برجالة كتير وإنت عارف اللي فيها
إنت لا كفيتها... ولا كفّيتني.....ويوم ما تقع مع واحد هتقولك أنا ست وليّا حقوق و احتياجات
يبقى إنت يا تحافظ على اللي باقي من كرامتك ورجولتك....يا إمّا تمنعها تشتغل....يا إمّا تطلّقها وترميها برّه البيت وبرّه حياتك
وهي تبقى الخسرانة....تشيل التلات عيال وتصرف عليهم
ده لو مرتبها أصلًا يكفي إيجار شقة تقعد فيها
كانت تضرب حيث يؤلم رجولته الناقصة
نظر إليها بغضبٍ مشتعل.....وقد أشعلت كلماتها داخله نارًا لا يعرف كيف يُطفئها وقال بغِل
ده اللي هعمله.....أنا أصلًا زهقت من أمها ست نكدية
مبشوفش منها غير لويّة البوز
ابتسمت سامية بخبثٍ منتصر....اقتربت منه ثم مرّرت يدها على صدره ببطء وقالت
وقتها بقى يا حبيبي جوازنا يبقى رسمي مش عرفي
وتعلن للدنيا كلها عشان تغيظها وتعرف إنك ألف ست تتمناك....
مش واقف عندها ولا عند طلاقها
وعيالك كمان يتربّوا ويعرفوا قيمتك
إنت كده كده هتقاطع بنتك لو اتجوزت ابن خالتها....يبقى جات من عندهم...
وإنت احتفظت بكرامتك
أضافت بلهجة واثقة
أنا من الأول قُلتلك الواد ده أكل بعقل البنت حلاوة و لافف عليها لفة سودا
قلتلك ابعدها عن إخواتها وعن عيالهم....قبل ما الموضوع يكبر.
إنت مسمعتش كلامي...
يبقى غلطتك ومتلومش غير نفسك
لم يكن رفضها لريان نابعًا من غيرة فقط....بل من خوفٍ أعمق
أن تصبح عائلة آسيا درعًا يحميها
وأن يتحول إسلام إلى تابعٍ لهم
وحينها...ستخسر سامية كل شيء
تلك الخبيثه لم تكن مجرد امرأة أخرى.....كانت مشروع سيطرة مكتمل الأركان.....تعرف متى تضع السم....ومتى تتركه يعمل ببطء....لا ترفع صوتها....بل تهمس في نقاط الضعف
هي لا تكرهه لأنه سيئ....بل تحبه لأنه ضعيف...والضعف بالنسبة لها فرصة
سامية تخاف من آسيا....لا لجمالها فقط....بل لأنها إن استعادت ذاتها ستستعيد قوتها....وقوة آسيا تعني سقوط سامية
هي لا تحارب من أجل رجل....بل من أجل موقع....مكانة...حياة انتزعتها بأسنانها من الفقر
لهذا كانت تريد كسر آسيا....لا طلاقها فقط...كسرها كامرأة....كأم.....ككيان
وفي تلك اللحظة داخل البيت...بين فنجان قهوة بارد وقلبين متواجهين....
كانت المعركة الحقيقية قد بدأت...
ليس بين زوج وزوجة...بل بين امرأة قررت أن تعود للحياة....وأخرى لا تعيش إلا على أنقاض غيرها
قضى باقي الليل معها....يحاول أن يثبت رجولة لم تعد موجودة إلا في الوهم
وفي الصباح...قرّر ألا يذهب إلى عمله عاد إلى منزله عازمًا على وضع حدٍّ نهائي لتلك المعضلة
إمّا أن تتنازل آسيا عن فكرة العمل...أو...يطلقها ويقتلعها من حياته تمامًا
عاد إسلام إلى المنزل وهو يحمل قراره كما يحمل سكينًا....لم يأتِ ليفهم ولا ليسأل بل ليُغلق بابًا... ويفتح جرحًا
وجد آسيا في الصالة....كانت تجلس في هدوءٍ مُريب...هدوء من أنهكته المعارك حتى لم يعد يخشاها
وقف أمامها...لم يجلس...قال بلهجة آمرة لا تعرف التفاوض
أنا جايلك في كلمة واحدة....يا إما تسيبي الشغل ده خالص يا هطلقك
رفعت رأسها ببطء....لم تُفاجأ.
كانت تعرف أن هذا اليوم قادم
ابتسمت ابتسامة قصيرة....ليست سخرية...بل مرارة متراكمة
أخيرًا...أخيرًا نطقت اللي كنت مستنياه من سنين.
عبس وجهه و هو يقول بغِل
إنتِ بتلفّي وتدوري ليه...القرار واضح
وَقفتْ....وفي اللحظة التي وقفت فيها
وقفت معها سنوات الصمت
هو عشان قررت اشتغل كده فاكر إني كنت واقفة قصادك
أنا اللي شيلت بيتك وإنت بتجري ورا نفسك و النسوان اللي بتخوني معاهم
وأنا اللي سكتّ لما كنت تهرب منّي شهور....وأنا اللي استحملت قهرك وبرودك وإهمالك
اقترب منها خطوة محاولًا أن يستعيد السيطرة
إنتِي لسه بتفتحي مواضيع قديمة....و لسه بترمي فشلك انك تكوني ست عليا انا
ضحكت بوجع ثم قالت دون ان تهتم باتهامه لها بعدم قدرتها ان تكون انثي مغويه
قديمة....ده أنا عمري كله كان ...قديمة....
أنا معشتش يوم واحد ست متجوزة بجد
ارتفع صوتها لأول مرة
كنت كل يوم أصحى أحس إني عبئ....ولا حبيبة....ولا زوجة....ولا حتى بني آدمة ليها قيمة
حاول مقاطعتها
كفاية بقى...
صرخت:
لااااااا.....مش كفاية.....إنت خدّت عمري....خدّت شبابي....وخدّت ثقتي في نفسي،....لما قررت أرجع أتنفّس...جاي تخيّرني
دموعها سالت لكن صوتها لم ينكسر
أنا مطلبتش غير حقي أعيش.....إنت كنت معايا بالجسم
وسايبني بالروح سنين
صمت.....لم يجد ما يرد به لكنه تمالك نفسه سريعا و قال ببرودٍ قاتل:
يبقى هطلقك
نظرت إليه طويلاً.....لم ترجُه.....لم تبكِ
بس خليك فاكر...إنت مش بتطلقني دلوقتي....إنت بتعترف إنك مكنتش راجل يوم من الأيام
اشتد وجهه قسوة و هو يقول بجنون
انا مش راجل يا بنت الكلب يا واطيه ....طب ملكيش حقوق عندي لا نفقة ولا مؤخر ولا حاجة.....لو عايزة تطلقي إبريني عند المأذون
هزّت رأسها ببطء كأنها كانت تتوقع هذا بالضبط
ولا يهمك...اللي خدّته منّي كان أكبر من أي حقوق
التفت ليغادر لكنها قالت خلفه بصوتٍ هادئ حدّ الرعب
أنا مش خسرانة.....الخسارة كانت وأنا على ذمّتك
خرج. وأُغلق الباب.....جلست آسيا على الأرض وضمّت ركبتيها
لم تبكِ فورًا.....كانت تبكي منذ سنوات
والآن...انتهى الدور....انتهي العذاب ....انتهي كل شيء عانت منه و ستبدأ من جديد
انتفضت سريعًا من مجلسها كأنها تحاول أن تنفض عن صدرها الحزن المتراكم منذ سنوات
لم يكن حزن لحظة.....بل عمرًا كاملًا انضغط داخل قلبها حتى ضاق بها
التقطت هاتفها بيدٍ مرتعشة واتصلت بريان.....حينما سمعت صوته... خرجت الكلمات متكسّرة...خائفة... صادقة
ريان... هات أخوك ومحمد ابن خالتك وأمير.....أنا هتطلق...
أرجوك متتأخروش عليّا.....خايفة يرجع في كلامه وأنا مصدّقت إنه قالها أخيرًا
جاءها صوته ملهوفًا... ثابتًا... برجولة لم تكن غريبة عليه
حالًااا... مسافة السكة وهكون عندك......هكلمهم كلهم يلحقونا
العيال فين....
أنا هبعت رسالة لآيات تطلع من المحاضرة على بيتنا
اختنق صوتها وكأن اسم أولادها أعاد فتح الجرح
صهيب وبسمة في الدروس من الصبح...
الاتنين فاضلهم نص ساعة ويخلصوا.....مش عايزة حد فيهم يحضر الموقف ده...أعمل إيه يا ابني
ردّ عليها بثبات ودعم
هخلّي محمود يروح يجيب بسمة من الدرس اما صهيب لازم يكون معاكي يا خالتي...مبقاش صغير...لازم يشوف وَطينه أبوه
واللي هيعمله فيكي وقت الطلاق...
عشان ميجيش يوم ويلومك إن البيت اتخرّب
وكأن القدر قرر أخيرًا أن يرحمها وأن ينتشلها من تلك الحياة البائسة
حضر الجميع بسرعة لم تتوقعها...كأنهم كانوا ينتظرون تلك اللحظة منذ زمن
قصّت عليهم ما حدث بصوتٍ هادئ على غير المتوقع
ثم دخل ذلك الحقير.....جلس أمام أمير زوج أختها وقال بندالة فجّة
ملهاش حقوق عندي ....هتبريني عند المأذون
سأله أمير بصبرٍ متماسك رغم أنه كان يتوقع الإجابة
مع إن ليها حقوق والشقة من حقها....بس أختي مستعدة تتنازل عنهم عشان تخلص.
إنما حق العيال...فين...مش هتدفعه برضه
قال بمنتهى الخسّة بلا ذرة خجل
الهانم هتشتغل وتصرف هي بقى
وصهيب بقى راجل يتحمل مسؤولية نفسه....مش لازم أمه تصرف عليه....أنا مش هوقف حياتي عليه
أنا راجل وليّا احتياجاتي....انا هتجوز ومش هقدر أشيل مسؤولية بيتين
نظرت إليه بسخرية موجعة وارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها....ابتسامة لم تصل لعينيها
عن أي رجولة تتحدث أيها الحقير....
وأي احتياجات....هل امتلكتها يومًا من الأساس
فهم نظرتها وابتسامتها سريعًا وشعر بالخطر....فقرر إنهاء الأمر قبل أن يُفضح أكثر إن عاند أمامهم
كاد ريان ومحمود أن يتحدثا لكن محمد ألقى عليهما نظرة تحذيرية صامتة مفادها...
محدش ينطق...خلّونا نخلص ونخلّص خالتك من الهم اللي هي فيه
أما صهيب.....فكان يجلس بصمتٍ ثقيل
الحزن واضح في عينيه....لكن ملامحه الرجولية كانت تحاول أن تخفي الانكسار
قال بهدوءٍ موجوع محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه
يا بابا......إنت كده بتخرّب البيت وبتفرّقنا
مفيهاش حاجة لما توافق على شغل ماما هي معملتش حاجة غلط...انت عارف إنها بمية راجل....خلّينا نعيش سوا في بيت يلمّنا بدل ما نتفرّق
تطلّع إليه بجمود قاسٍ ثم قال بتجبّر بلا رحمة
طول عمرك ابن أمك وبتدافع عنها.....أنا قلت اللي عندي....ولو همّك البيت قوي وخرابه اقنعها تقعد ست بيت محترمة لا تطلع ولا تنزل
سقطت الكلمات كصفعة أخيرة....ليس على آسيا وحدها...بل على ابنه أيضًا
وفي تلك اللحظة....لم يعد الطلاق خسارة....بل خلاصًا
دخل المأذون...رجلٌ عادي يحمل أوراقًا عادية...لكنه كان شاهدًا على نهاية عمرٍ كامل
جلست آسيا مستقيمة الظهر....ليست قوية...بل متماسكة بما تبقّى لها من كرامة
أمسكت القلم....للحظة قصيرة ترددت...ليس خوفًا بل وداعًا أخيرًا لامرأة كانت تحلم....كانت تكتم ....كانت تحترق في صمت حتي صارت ....رماد
وقّعت هي ....و وقّع هو بسرعة كأنه يتخلّص من عبءٍ ثقيل
قال المأذون بصوتٍ محايد
تم الطلاق.....كلمتان فقط...لكنهم حملا الخلاص الذي كانت تنتظره منذ سنين
اما صهيب شعر بهما كأنهما سقطتا فوق صدره
شدّ على يده بقوة...أظافره غرست في كفّه....حاول أن يبقى ثابتًا
حاول أن يكون ....راجل.... كما علّمته امه الغالية
لكن قلبه كان طفلًا يُسحب منه بيته
وقف فجأة....نظر إلى أبيه بعينين دامعتين لكن صوته خرج ثابتًا بشكل مؤلم
مبروك عليك...إنت كده ارتحت
لم يردّ اسلام.....لم ينظر إليه حتى
التفت صهيب إلى أمّه....اقترب منها خطوة وقال بصوتٍ منخفض
متزعليش يا ماما...أنا جنبك
ابتسمت له آسيا....ابتسامة مكسورة لكنها حقيقية وربّتت على يده
إنت سندي يا ابني...ويمكن الوحيد اللي مخزلتنيش
خرج الأب دون أن يلتفت.....لم يودّع.....لم ينظر خلفه.....وعند تلك اللحظة...لم يعد صهيب طفلًا
كبر فجأة...كبر قهرًا
كانت سامية تجلس في شقتها تتأمل هاتفها كل دقيقة تنتظر الاتصال...
لا حبًا...بل تأكيدًا للنصر
رن الهاتف أخيرًا.....ابتسمت قبل أن ترد
هاااااا.... عملت إيه طمني
جاءها صوته مصدوما خاليًا من النشوة
طلقتها
اتسعت ابتسامتها لكنها سرعان ما سألت بلهفة خبيثة
ومن غير حقوق
آه......ولا مليم
أغمضت عينيها لحظة كأنها تتذوّق الطعم
شاطر...كده تبقى خلِصت
صمتت ثواني ثم قالت بنعومة مصطنعة
يبقى بقى نبدأ حياتنا بجد....الطلاق خلص...
والدنيا كلها مفتوحة قدامنا مش مضطر تخبي حبنا بعد كده ...خلينا نعيش بقي
تنفّس بعمق
أنا تعبان...خايف اكون خسرت كتير
ضحكت ضحكة قصيرة، باردة
خسرت إيه يعني...ست مش ماسكة فيك و لا انت فارق معاها من اصله
عيال هيكبروا وينسوك...إنت راجل...والراجل دايمًا بيعرف يبدأ من جديد
لكن ما لم تقله ساميه وما لم تعترف به حتى لنفسها
أنها لم تنتصر بالكامل.....كانت تعرف أن امرأة خرجت بلا حقوق
قد تعود أقوى....وكان هذا الخوف
أول شرخٍ حقيقي في انتصارها
وضعت الهاتف جانبًا.....وقفت أمام المرآة....تأملت وجهها طويلًا ثم همست لنفسها
المهم إني كسبت دلوقتي...وبعدين نشوف.
تلك الحقيره لم تكن تعلم...
أن ....بعدين....
سيحمل لها ما لم تحسب له حسابًا
وهناك...كان قلبٌ يخفق بعنف كأنّه أدرك دون دليل أنّ شيئًا جللًا قد حدث......شعورٌ خانق باغته فجأة
كأن نصفه الآخر يتألّم في تلك اللحظة....وجع لا يُرى، ولا يُفسَّر لكنّه كان حقيقيًا حدّ الارتجاف
وسط هذا الاختناق....تسلّل إليه بصيص راحة غريب
راحة أربكته أكثر مما طمأنته ...لم يعرف لها سببًا....ولا أراد أن يعترف بمصدرها
رفع يده ووضعها فوق قلبه كمن يحاول تهدئة نبضٍ خرج عن السيطرة
وتمتم بصوتٍ خافت يختلط فيه القلق بالعتاب
مالك يا آسيا....إيه اللي بيحصل لك
توقّف لحظة ثم أكمل بصوتٍ أثقل، محمّل بسنوات من الألم
إنتِ دايمًا واجعه قلبي كده...ولا ريّحتيني وأنا معاكي....ولا بطّلتِ تعذّبيني لما سبتِك وبُعدت
لكن الحقيقة التي لم يجرؤ على نطقها أن هذا الوجع.......كان الدليل الوحيد على أنها لم تخرج من قلبه بعد
وأن الروح مهما تباعدت الأجساد....لا تزال تعرف طريقها إلى بعضها
جلست آسيا وسط أخوتها وأبنائهم الذين اجتمعوا لتخفيف وقع ما حدث على أولادها....محاولين أن يكونوا سندًا لهم في هذه اللحظة الصعبة
قالت هدى باقتراح خائف من الرفض لكنها لم تعلم أن الرد سيكون قاطعًا
انتِ هتقعدي معانا هنا... الحمد لله إنك رجعتي وسطينا يا حبيبتي وكل حاجة هتبقى بخير
ابتسمت آسيا بهدوء ثم قالت بصوت يملاه العزم والإصرار
أنا مش هقعد بأولادي عند حد يا هدى...
الحمد لله لقيت شغل....هاخد شقه .... حتى لو اضطرينا نقعد فيها على البلاط
كل واحد يقعد في بيته براحته... إحنا مع بعض هنروح فين يعني
نظرت إلى هاجر وأكملت بصوت يحمل رجاءً حقيقيًا
أنا بس كل اللي بطلبه منك يا هاجر... تشوفيلي الست اللي بتدخلي معايا الجمعيات
لو تعملي جمعية بسرعة تديني الأول عشان أقدر أجيب شوية حاجات أفرش بيها الشقة
أنا هبيع الخاتم والدبلة اللي معايا عشان أدفع المقدم...
و هشتري من الجمعية أي فرش بسيط واحدة واحدة وربنا يكرمني وأخلي الشقة دي جنة ليا ولأولادي
حاولوا جميعًا إقناعها بالصبر ....أن تؤجل خطواتها لكنها أصرت على موقفها....مؤمنة بأن الحياة الجديدة التي تبنيها لنفسها ولأطفالها ستكون مليئة بالأمان والسعادة وستملؤها بالذكريات الجميلة لتطمس بها كل وجع عاشته في الماضي وتبني بها مستقبلًا حقيقيًا لهم جميعًا
بعد مرور اسبوع على تلك الاحداث وقد منَّ الله عليها أن استلمت مبلغاً ماليا لا بأس به من تلك الجمعيه التي اخذتها سريعا وكأن القدر قرر ان ينصفها ويساعدها
دخلت آسيا الشقة الصغيرة ...قلبها يدق بسرعة غريبة...كأن كل جدار وكل زاوية تهمس لها
أنتِي هنا... ملكة على حياتك... ولا أحد يقدر ان يسيطر عليك بعد اليوم
وقف أولادها حولها عيونهم تتلألأ بمزيج من الفضول والفرح
ماما... ده فعلا بيتنا
سأل صهيب صوته يملؤه الدهشة لكنه حاول أن يكون جديًا
ابتسمت لهم وأمسكت بأيديهم كأنها تشدّهم بقوة عن كل ما مرّ بهم من وجع
أيوه يا حبايبي... ده بيتنا...
حتى لو صغير... حتى لو الأرض على البلاط...
ده مكاننا وكل حاجة هتبقى كويسة
بدأت بتفريغ بعض الأغراض التي أحضرتها
تختار بعناية كل قطعة...كل فرشة....كل وسادة
توقفوا أمامها أحيانًا يساعدونها في وضعها في مكانها والضحك يملأ المكان رغم بساطة الأثاث
ماما... تعالي شوف... دي حطيتها هنا...
قالت بسمة وهي تشير إلى بساط صغير وضعته في زاوية الغرفة
كويس قوي يا بسمة... تمام... كده الشقة هتبقى حلوة شويه شويه...
واحدة واحدة وربنا يكرمنا...
اكملت آسيا بابتسامة لكن عيناها كانتا مليئتين بالفخر والقرار
أنا هعمل ده... وهخلي حياتنا أحسن... محدش هيكسرنا تاني
جلسوا معًا على الأرض الضحك يملأهم
ولحظة فرح صغيرة بعد كل ضحك
تذكّرهم أن الحياة ممكن تكون جميلة
وأن كل وجع الماضي مهما كان
لن يقدر أن يمنعهم من البداية الجديدة
نظرت اسيا حولها...نظرت لأولادها وابتسامة عميقة ارتسمت على وجهها
أهم حاجه يا حبايبي ان إحنا هنا مع بعض وكل حاجة هتبقى تمام باذن الله
دي حياتنا... وهنخليها جنة حتى لو بدأنا من الصفر...
من البلاط... من الفرش البسيط... من كل حاجة صغيرة...
ده بيتنا... ودي حياتنا اللي هنعيش فيها زي ما إحنا عايزين
كانت لحظة صمت قصيرة ثم عاد الضحك واللعب والفرح....ولأول مرة منذ وقت طويل
شعرت آسيا أنها تنفست بحرية وأن الأمان الذي كانت تبحث عنه طوال حياتها...بدأ يأخذ مكانه في قلبها
استيقظت آسيا في صباحها الأول بعد انتقالها للشقة....الهدوء في المكان مختلف...لا صراخ... لا تهديد....لا قيود...
مجرد صوتها وهي تهتم بنفسها وبأولادها
حضّرت لهم فطورًا بسيطًا لكن كل حركة كانت محسوبة بعناية كأنها تعلن لنفسها
ده أنا... و دي حياتي دلوقت
بعد الفطور جلست مع هاجر و ريان الذين أتوا للاطمئنان عليها وبدأت ترتب خطتها القادمه
هاجر... أول حاجة لازم أعملها أروح التأمينات النهاردة...ريان كلملي واحد عشان اقدم علي معاش بابا الله يرحمه
هزت هاجر رأسها موافقة لكنها لم تستطع أن تخفي القلق من تعبها
آسيا... إنتِي هتقدري... أول يوم شغل... وبيت... وعيال...
ابتسمت آسيا بابتسامة مليانة حزم
هاجر... أنا مش لوحدي... وده اللي هيديني القوة...مش مهم التعب... المهم أدي أولادي الأمان...
وأثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر أعيش بحرية وكرامة...حتى لو بدأت من الصفر
ارتدت حذاءها وحملت حقيبة صغيرة
وكانت عيون أولادها تتبع كل حركة لها بصمت و فخر
كأنهم يلتقطون من عزيمتها جزءًا ليعيشوا به أيضًا
لم يكن مجرد شعور بالتحرر من رجلٍ فقد صفاته
بل شعور بأن قلبها قادر على حماية أولادها وبناء عالمها الخاص
تحدث ريان بمزاح يملأه الجديه و الترقب
طب يا عروسه فرشتي شقتك وظبطتي حالك ورايحه شغلك دلوقتي
هفرش شقتي امتى انا بقى.... عايز اتجوز يا جدعان
تطلعت له بقوه .... قوه امرأه تملك القرار ثم قالت
الجمعه الجايه باذن الله كتب كتابك علي بنتي
ماذا سيحدث يا ترى
سنري

صباحك بيضحك يا قلب فريده
أجمل البدايات ليست تلك التي تُفرض علينا بل التي نختارها بإرادتنا
بداية جديدة في كل شيء...منزل... عمل....حياة
والأهم من ذلك كله... كيان جديد بشخصية أقوى وُلدت من رحم المعاناة....وتشكّلت من رمادٍ ما زالت سخونته تحرق أحشاءها
اليوم.... تُمارس عملها الجديد داخل مقر شركة شريف الأسيوطي....ذلك الخمسيني الأرمل
تعمل بهمّة ونشاط... تتعلّم بسرعة لافتة.... تحت إشراف مديرة مكتبه التي ستغادر اليوم بلا رجعة
لفتت انتباهه منذ الساعات الأولى
نشاطٌ هادئ.... وانضباط....ووقار يناسب عمرها.....لا اندفاع ولا تصنّع
في ذلك الوقت...كان يتحدث عبر الهاتف مع صديقه آدم المصري... فقال له بإعجابٍ واضح
واحد من الموظفين عندي يا آدم جابلي ست تمسك المكتب بدل اللي مشيت...
شكلها محترمة اوي وعندها ضمير...تقريبًا أحسن من منال
شايفها دلوقتي في الكاميرات قاعدة تراجع الملفات وترتبها حسب التواريخ...
الأرشيف نفسه مبيعملش كده يا جدع
جاءه رد آدم بنبرة إهتمامٍ خفيف ممزوجة بخبرة السنين
لو هي كده فعلًا يبقى حظك حلو يا شريف...
إنت كل كام شهر بتجيب مديرة مكتب جديدة ولا واحدة فيهم ريّحتك...و يا رب تكون دي مُختلفة مش حماس بدايات وخلاص...
إنت عارف الشباب لما شغل جديد بتحب تفرد عضلاتها شوية
قاطعه شريف بحماسٍ أقرب للثقة
لا لا لا... دي مش صغيرة....عندها اتنين و اربعين سنه بس ميبَنش عليها العمر خالص....وللأمانة... زي القمر
ضحك آدم على الطرف الآخر وقال مازحًا
يا سلام....هو شريف ناوي يلعب بديله بعد خمس سنين ترمُّل
شكلنا هنحضر فرحك قريب يا بوب
ضحك شريف بصوتٍ صادق ثم قال
لا يا عم مش للدرجة دي...
هي آه ست محترمة وقمر وشيك وكل حاجة
بس إنت عارف... بعد حنان الله يرحمها مفكرتش أبص لحد تاني
ساد صمتٌ قصير ثم تحدث آدم بجديةٍ غير معتادة
بس إنت أصلًا مكنتش بتحب حنان يا شريف...كان بينكم احترام وعِشرة اه ....بس حب.....معتقدش
وأنا شايف إنك محبتش قبل كده أصلًا فليه لأ...لو ست كويسة اتكل على الله
بس قولي...هي أرملة... مطلقة... ولا متجوزتش اصلا
رد شريف بهدوء وكأنه يستعرض معلومات بسيطة جمعها دون قصد عبر أمير
مطلقة.....لسه من كام يوم مبقالهاش كتير
هي جتلي من حوالي عشر أيام مع قريبها اللي شغال معايا في الشركة
وكان المفروض تمسك الشغل من بدري
بس اعتذرت شوية بسبب ظروفها...
طلاق ونقل لبيت جديد....قالت يومين وهتبدأ بانتظام
ثم أضاف بصوتٍ انخفض دون أن يشعر وقد تسللت نبرة إنسانية صافية
بس أقولك حاجة...رغم إن ملامحها هادية وجميلة.....تحس جوّه عينيها وجع الدنيا
شكلها عانت كتير...ربنا يكون في عونها
رغم دهشة آدم من هذا التركيز عاد يمزح ليكسر الجو
اوبااااااا....إيه يا عم... إنت واخد بالك اووي كده و مركز كمان ....يبقى بعد العدّة نجهز الفرح بقى
استمر المزاح بينهما لبعض الوقت ثم اتفقا أن يلتقيا مساءً كعادتهما الدائمة...
غير مدركين أن تلك البداية الهادئة
تحمل في طيّاتها ما هو أبعد من مجرد عمل...وأقرب بكثير إلى اختبارٍ جديد للقلب
انتهى شريف من مكالمته مع آدم وأغلق الهاتف ببطء ثم عاد بنظره إلى شاشة الكاميرات مرة أخرى
كانت آسيا ما زالت في مكانها...تنحني قليلًا فوق الملفات
ترتيب مراجعة تدقيق
وكأنها تحاول أن تُقنع الورق قبل البشر أنها جديرة بالبقاء
نهض من مقعده دون وعي كامل بالسبب....وخرج من مكتبه متجهًا إلى مكتبها
رفعت آسيا رأسها فور أن شعرت بوجوده....وقفت باحترام
عيناها ثابتتان بلا ارتباك البدايات ولا تملق الموظفين الجدد
صباح الخير يا أستاذ شريف
توقف لحظة.....الصوت هادئ ناضج....لا يحمل خوفًا ولا طلبًا
أومأ برأسه وقال
صباح النور...
كنت حابب أقولك إن الشغل اللي عملتيه في الملفات ممتاز
لم تبتسم فورًا.....كأن الثناء شيء نسِيَ طريقه لقلبها منذ زمن
ثم قالت بهدوء:
ده شغلي... وأنا بحب أعمله متظبط
مر بعينيه على المكتب المرتب بعناية....كل شيء في مكانه...نظام صارم لا يسمح بالخطأ
واضح إنك بتحبي النظام
ردّت دون تفكير... ثم أدركت عمق ما قالت
مش بحبه......أنا محتاجاه
سقطت الكلمات بينهما ثقيلة....رفعت نظرها إليه سريعًا خشيت أن يكون التقط ما وراءها...لكنه اكتفى بابتسامة خفيفة...
ابتسامة رجل فهم ولم يضغط
الشغل هنا ضغطه كبير....ولو احتجتي أي حاجة قولي فورًا
أومأت:
إن شاء الله
همّ بالمغادرة ثم التفت فجأة
على فكرة.....اللي قبلك كانوا بيهربوا من ترتيب الملفات ...إنتِ دخلتيه كأنك بتستقبليه و بداتي بيه اول ما مسكتي الشغل
خفضت آسيا عينيها للحظة ثم قالت بصوت منخفض صادق
الورق مبيكذبش...وأنا تعبت من الكدب.....لو رتبته صح هتنجح في كل حاجه
خرج شريف....لكن الجملة علّقت داخله
أما آسيا...فجلست ببطء...وضعت يدها على صدرها لحظة قصيرة
اهدّي يا آسيا...ده شغل... وبس
لكنها أعادت ترتيب الملفات مرة أخري رغم أنها كانت مرتبة تمامًا
عاد من عمله مبكرًا على غير عادته
استجابةً لطلب صغيرته الغالية التي أرادت أن ترافقه وهي ذاهبة لشراء هدية لإحدى صديقاتها الجديدات
جلس على أحد المقاعد، ثم قال لها مازحًا وهو يرمقها بنظرة محبة
ليه بس يا حبيبة أبوكي غاوية تخربي بيت أبوكي
واحدة لسه متعرفة عليها من يومين وعايزة تجيبي لها هدية......طب بأمارة إيه
ضحكت آسيا الصغيرة ثم جلست فوق ساقيه بدلال طفولي وقالت
من إمتى بقيت بخيل يا أدومي
أنا فعلًا لسه متعرفه عليها من يومين بس بنت زي الشربات ومؤدبة جدًا
وبعدين إنت عارف إني مليش اختلاط بحد في المدرسة أبدًا
بس البنت دي لفتت نظري من أول يوم اتنقلت جديد
تخيل بقى... أخوها صاحب ياسين أخويا من أول يوم كمان
نظر إليها آدم بجدية أبٍ يخشى على ابنته من العالم وقال بصوت هادئ يخفي قلقه
أنا عارف يا حبيبة أبوكي إنك مش بتصاحبي أي حد
أهم حاجة يكون أخلاقهم محترمة....مش زي العيال اللي في المدرسة معاكم
وبعدين أنا مش فاهم... الهدية دي بمناسبة إيه....عيد ميلادها مثلًا
اقتربت منه ثم قبّلته قبلة رقيقة على وجنته وقالت بابتسامة مطمئنة
محترمين جدًا يا بابا...والبنت بتتكسف اوي تحس إنها خايفة تتكلم مع حد
والهدية بمناسبة إننا اتفقنا نبقى أصحاب....عادي يعني... مش لازم يكون عيد ميلاد أو مناسبة معينة
في تلك اللحظة حضرت حبيبة... وقد بدا الغضب واضحًا في نبرتها قبل ملامحها ....قالت بحدّة
مفيش حاجة اسمها تصاحبي حد لا إنتِي ولا أخوك من غير ما أعرفه شخصيًا وأعرف أهله وعيلته مين
وإنت يا آدم... بطل دلع فيها البنت كده هتبوظ....كفاية الولاد أصلًا مش عارفة أحكم عليهم بسببك
حاول آدم أن يتمالك نفسه بصعوبة ثم طلب من ابنته أن تذهب إلى غرفتها لتستعد للذهاب معًا
وبعد أن أطاعت الفتاة أمر أبيها الحبيب وخلا المكان إلا منهما...انتفض من مجلسه بغضبٍ جامح
انقضّ عليها قابضًا على ذراعها بقوة جعلتها تنظر إليه بصدمة لم تعهدها منه من قبل
وقال بغلّ مكبوت انفجر دفعة واحدة
بقولك إيه...
مليون مرة قُلتلك متدخليش بيني وبين ولادي
وأولادك اللي مش عارفة تحكمي عليهم....مش علشان أنا مهمل و لا قاسي معاهم
لا... علشان أنا عايز أطلعهم رجالة مش عيال متدلعة فرافير زي ما إنتِي عايزة تطلعيهم عشان تقلدي ولاد اختك الصيّع التافهين
أنا عارف مربي ولادي على إيه وواثق في اختياراتهم
اللي مش واثق فيه هو إنك تدّخلي في اختياراتهم على أساس منظرة كدابة ومظاهر فاضية
إيااااااكِ تدّخلي بيني وبين ولادي تاني....يا إما هتشوفي مني وش عمرك في حياتك مَتخيلتيه ....ساااااامعه
رغم الألم الذي كان ينهش ذراعها من قبضته ....واجهته حبيبة بغضبٍ لا يقل اشتعالًا وقالت
إنت بتقولي أنا الكلام ده......ولا خلاص اتعودت إن كل شوية أزعل وأروح بيت أهلي
أنا أصلًا ملحقتس أرجع يا آدم بيه...
ومن يوم ما رجعت وأنا ساكته على تغيّرك معايا ....سايبه الدنيا تمشي
علشان بيتي وأولادي
تركها فجأة....ابتسم ابتسامة باردة مشبعة بالغل ثم قال
وأنا كنت كل مرة برجعك علشان البيت والعيال...مش ضعف ولا تنازل
بس واضح إنك عارفة كويس اوي إزاي تستغلي حبي لعيالي....وإني عايز أعيشهم في استقرار وأمان للاسف واضح إني كنت غلطان
واحدة زيك مينفعش أتعامل معاها بالطريقة دي......اتعدلي يا حبيبة...
علشان محدش هيخسر غيرك
وفقط......تركها وغادر دون أن ينتظر ردًا منها حاملًا في صدره كل الغلّ والحقد تجاه تلك المتكبرة التي تحاول أن تجرّه إلى مستنقع المظاهر الكاذبة دون أن تلتفت للأسرة......أو للأمان
لم تمضِ ساعة حتى انكسر إيقاع الهدوء.....دخل أمير مكتب آسيا على عجل، ملامحه متوترة على غير عادته
آسيا...في مشكله ...لا دي مُصيبه
رفعت رأسها بهدوء نفس الهدوء الذي يخفي توترًا شديد
قولي في ايه ...ان شاء الله تتحل...اهدي بس و فهمني
خفض صوته و هو يقول بخوف ظاهر علي نبرته
عقد التوريد بتاع شركة الشرق...
النسخة الأصلية مش موجودة في الملف وشريف طالب العقد حالًا
ساد صمتٌ قصير.....ليست أزمة عادية......هذا النوع من الأوراق يُسقط رؤوسًا
وقفت آسيا ببطء...مدّت يدها للملف....قلبت صفحاته بعين خبيرة لا تبحث بعشوائية بل بخريطة ذهنية واضحة
العقد ده اتراجع إمتى آخر مرة
منال... قبل ما تمشي بيومين كانت بتراجعه
لم يتغير وجهها....لكن شيئًا ما اشتعل خلف عينيها
يبقى مَضعش...إتشال
نظر إليها أمير بقلق
إنتِي متأكدة....دي كارثه
العقود مبتمشيش لوحدها....اتجهت فورًا إلى الأرشيف....فتحت الملفات الجانبية ثم توقفت أمام درجٍ جانبي لم يُصنّف بعد
جلست على الأرض دون تردد....سحبت الملفات واحدًا تلو الآخر
عيناها تلتقطان التواريخ... الأختام.... ألوان الأوراق
دخل شريف بنفسه في تلك اللحظة و ظهر صوته حاد
إيه اللي بيحصل....العقد فين
وقفت آسيا فورًا، واجهته بثبات
العقد موجود......بس مش في مكانه الطبيعي
رمقها بنظرة متفحصة، خليط من شك وتوتر
إحنا معندناش وقت لتجارب و لا لألغاز الناس علي وصول
اقتربت خطوة واحدة فقط... لا أكثر
مش تجربة...ده عدم ترتيب مش اكتر وأنا بصلحه
ثم انحنت مرة أخرى....سحبت ملفًا رماديًا من أسفل كومة أوراق غير مصنّفة...فتحته.....وأخرجت العقد.
مدّته إليه دون انتصار دون نظرة فخر
اتحط هنا بالغلط وقت نقل الملفات من غير تسجيل في الأرشيف
أخذ شريف العقد... قلب صفحاته بسرعة...تأكد من الأختام و التوقيعات...
ثم رفع رأسه إليها ببطء.
إنتِي عرفتي مكانه إزاي
رفعت عينيها إليه... هادئة كعادتها
لأن اللي يرتّب وهو متلخبط...لازم يسيب أثر لخبَطته
ساد صمت ثقيل ثم قال بنبرة أهدأ مما كان
لو العقد ده مكُنتيش لاقتيه...كان هيبقى في مشكلة كبيرة
هزّت رأسها:
عارفة ....الحمد لله يا أفندم حصل خير
ابتسم و سأل بدهشه
مش خايفة....إنتِي لسه جديدة
رفعت كتفيها قليلًا وقالت بصوت مُنخفض لكنه صلب
اللي عدى في حياتي...يخلّي الخوف رفاهية
نظر إليها شريف طويلًا....لأول مرة لا يراها مجرد موظفة نشيطة...
بل امرأة خرجت من شيء قاسٍ وتعلّمت كيف تنجو
خرج وهو يقول:
من انهارده.....أي ملف يدخل المكتب يعدّي عليكِي
بقيَت آسيا مكانها....أعادت ترتيب الملفات لكن يديها كانت ترتجفان الآن
وضعت العقد في مكانه الصحيح وأغلقت الدرج ببطء
عدّت...قالتها داخلها لكنها تعلم...
أن النجاة الأولى هي الأخطر و ما زال الطريق امامها طويل ...مليء بالصعاب و العقبات
عاد شريف الي مكتبه....أغلق الباب خلفه
جلس...لكن لم يجلس عقله
اللي عدى في حياتي يخلي الخوف رفاهية...
الجملة ترددت في رأسه بإلحاح مزعج.....هو سمع اعترافات كتيره و راي انكسارات أكثر....لكن الطريقة اللي قالت بها تلك الجملة...
ليس استجداء ولا شكوى هي عباره عن خلاصة عمر تدمر و أنهكت صاحبته
فتح الكاميرات مرة أخرى....كانت آسيا في مكانها تعيد ترتيب الأوراق كأن شيئًا لم يحدث
الناس اللي اتكسرت بجد...بتتعلم متبينش الكسر
لأول مرة منذ سنوات.... لم يفكر شريف في نفسه ولا في وحدته ولا في البيت الخاوي الذي يعود له كل ليله....فكّر فيها و في قصتها التي سيعمل جاهدا علي أن يعلم كل شيء حدث فيها
البيت كان صامتًا.....صمت لا يشبه الهدوء...
يشبه الفراغ.....خلعت حذاءها عند الباب....وضعت حقيبتها على المقعد ثم جلست على طرف الأريكة دون أن تشعل الضوء.....اليوم كان طويلًا....ثقيلًا
دخلت المطبخ...سكبت كوب ماء،
شربته ببطء ثم اتجهت نحو غرفتها كي تبدل ثيابها
وقفت المرآة.....رأت امرأة ثابتة...
أقوى مما كانت تتخيل وأضعف مما تريد أن تعترف
وضعت يدها على صدرها....التنفس عاد منتظمًا
أنا عدّيت الأسوأ...اللي جاي لازم يعدّي
أطفأت الضوء...وتركت نافذة صغيرة مفتوحة
لأول مرة منذ زمن لم تشعر بالخوف من الغد...لكنها شعرت بشيء أخطر
الاحتمال....
دقْ صاخب فوق الباب قطع عليها تلك الأفكار المتزاحمه
اتجهت نحوه و فتحته سريعا ....وجدت هُدي و رضوي التي اقتحمت المكان و هي تقول بغِلٍ شديد
لااااااااا ....و المصحف ما هستحمل ابن الكلب ده
انا مكملتش اسبوع في الشغل و هيجبلي جلطه
نظرت لها هدي بغيظ و هي تجلس بينما ابتسم أسيا و سألتها باهتمام
اهدي بس يا مجنونه و قوليلي ايه اللي حصل
ردت عليها بغيظ
اللي حصل إن اختك فضلت تزن علي عشان اشتغل وانزل من البيت قال يعني كده العرسان هتجري ورايا لما تشوفني ماشيه في الشارع
المحامي الزفت اللي اشتغلت عنده مطلع عيني
مفيش حاجه عاجباه ومفيش حاجه بترضيه
طول اليوم أوامر وتزعيق.... اما بقى عن قله ادبه وطوله لسانه مقدرش احكيلك يا أسيا حدّث ولا حرج
تحسي انه واحد شوَرعجي....بلطجي.... استحاله يكون محامي
ردت عليها هدى بغيظ
انت اللي مدلعه يا اختي عايزه تفضلي قاعده في البيت زي البروطّه
مين هيعرف انك موجوده في الحياه ويفكر يتقدملك وانتي مبتطلعيش من باب البيت
تدخلت اسيا وهي تقول بمُزاح يشوبه الهمْ والقلق
هو واضح ان انهارده اليوم العالمي في المشاكل جوه الشغل.... بس يا حبيبي اهدي يمكن هو اسلوبه كده
انتي اعملي اللي مطلوب منك وبس مش هيبقي ليه حاجه عندك
ظلت تقنعها وتحثها على الهدوء الى ان اتى ريان معه شيرين ابنه هاجر وبصحبتهم ايات
حضروا جميعا بوجه متجهم فسألتهم آسيا باهتمام يشوبه النظر عما حدث فقالت شيرين بغضب
جالنا معيد ابن ستين كلب ..... اول يوم ليه معانا امتحان ضربه قاضيه
رد عليها ريان وهو ينظر الى حبيبته بغيظ شديد
لو بتبطلوا مرقعه كلنا هنرتاح ومنسمعش الصياح اللي انتم بتعملوه
مبتذاكريش ليه يا اختي انتي وهي علشان اي وقت يتعملكم امتحان تعرفوا تجاوبوا
تطلعت له ايات بغضب شديد ثم قالت
انت بتجمع ليه دلوقت..... انا مالي اختك اللي بتشتكي مش انا على فكره هااااااا
شعرت اسيا ان شيئا ما حدث بينهم فسألت باهتمام
هو انا ليه حاسه ان في حاجه حصلت..... ارموها لي في وشي انا قاعده اهو أخده وضع الإستعداد
ردت عليها ابنتها بغضب شديد
اللي حصل ان ابن اختك مش راضي يخليني اجيب الفستان اللي انا اخترته لكتب الكتاب
انتي شُفتيه يا ماما في اي حاجه الفستان محترم وفي منتهى الجمال
البيه بقى بيقولك لا ضيق ومُلفت على آساس إن إحنا هنعمل كتب الكتاب في قاعه يعني مش يا دوب المأذون هيجي هنا في البيت
اتصرفي معاه بقى علشان متقلبش نكد
قبل ان ترد عليها انتفض من مجلسه ثم قال بهمجيه
نهار ابوكي اسود....ما تتعدلي يا بت و لِمي لسانك بدل ما انكد على اللي خلفوكي بجد بقى
وقفت اسيا امامه ثم وكزته في كتفه وقالت بغضب مصطنع
إتلم يا زفت بدل أما انكد عليك وألغي كتب الكتاب خالص
انت من اولها يا ولا هتبهدل البنت وتتحكم فيها والله العظيم ما اخليك تطول ضُفارها انت سامع ولا لأ لم لسانك اللي عايز قطعه ده
حضر محمد ابن هاجر الاكبر معه داليا ابنه هدى الصغرى يحملان كل الغضب هما ايضا
نظرت لاختها ثم وضعت كفيها فوق راسها وقالت بهم شديد
هدي ..... اتصرفي مع العيال دي عشان انا اصلاً راجعه من الشغل ضغطي عالي
بدل ما ارصهم قدامي واديهم بالشبشب عشان يفوقوا كل واحد ساحبلي واحده وداخل قالب وشه هو في ايه يا جدعان مينفعش كده
رد عليها محمد بغضب
بقولك ايه يا خالتي اعرفي اللي حصل بعدين اتصرفي براحتك
قُلت للهانم مليون مره متطلعش من السنتر قبل ما انا اجي اخدها إيه اللي يوقفها في أُم الشارع
نظرت له بغيظ ثم امسكت ذراعه واتجهت نحو ريان امسكت ذراعه هو ايضا وسحبتهم نحو الباب بغيظ شديد وهي تقول
امشي يلا انت وهو من هنا مش عايزه اشوف وش واحد فيكم
انا هقعد مع البنات واتكلم معاهم ملكُمش فيه يلااا
رد عليها ريان بغيظ
بتطردينا يا اسيا..... وربنا ما هفوتهالك
يلا يا ابني ننزل نقعد على القهوه ولو معدلتش دماغهم نطلع نكسروها
قامت بضرب الاثنين ثم لفظتهم خارج البيت واغلقت الباب بقوه
اتجهت نحو اختها والفتيات لتجلس بينهما بهدوء مصطنع وتبدا في تهدئتهم والحديث معهم بتعقل وحكمه حتى لا يحزنوا ممن يحبون
انتهى اليوم بسلام وفي الصباح ذهبت الى عملها والذي انهته ببراعه كما اعتادت..... واخيرًا حان وقت العوده الى بيتها كي تجهز الطعام لاولادها وتهتم بشؤونهم
خرجت أسيا من الشركة بعد يوم طويل .....إرهاقها كان واضحًا في خطواتها رغم ثباتها المعتاد
وقفت للحظة على الرصيف تبحث عن سيارة أجرة....حين جاءها الصوت...
آسيا
تجمّدت.....ليس خوفًا...بل اعترافًا داخليًا بأنها كانت تعرف أن هذا اليوم سيأتي
استدارت ببطء......كان هو.....واقف على بُعد خطوات
نفس الملامح تقريبًا.....لكن أقل حضورًا وأكثر فراغًا
ازيك
لم تُجب فورًا.....عيناها مرّت عليه كأنه غريب تعرفه جيدًا
خير يا إسلام
اسمه خرج منها باردًا بلا ذاكرة
اقترب خطوة:
كُنت مستنيكي تخلصي شغل ....لازم نتكلم
رفعت حاجبها قليلًا
إحنا خلّصنا كلامنا لما خلّصنا بعض
تنفّس بحدة ثم قال بغل شديد
إنتِي فاكرة إنك كده انتصرتي او خلصتي مني ....شغل جديد.... لبس جديد...فاكره نفسك بقيتي حد تاني
ابتسمت ابتسامة خفيفة موجعة:
أنا مبقتش حد تاني...أنا رجعت نفسي
اقترب أكثر...صوته انخفض لكنه حمل تهديدًا مكشوفًا
متفرحيش اووي كده ...اللي زيك ميعرفش يعيش لوحده و لا يعرف يفكر او ياخد قرار
اوعي تفكري اني معرفش خطواتك ولا انتي بتعملي ايه
بنتي مش هتتجوز واحد من غير رضايا ولو فكرتي تعمليها هتشوفي سواد عمرك ما تخيلتيه
في تلك اللحظة....كان شريف قد خرج من الشركة هو الآخر
توقّف تلقائيًا حين لمح المشهد.....لم يسمع الكلمات...لكنه رأى لغة الجسد.
رأى....رجلًا يضغط وامرأة تقف ثابتة.....ثبات من جرّب الانكسار ونجا
قالت آسيا بصوتٍ هادئ قاطع
ابعد عن طريقي...... انا عارفه انك متابعني ومش فارق معايا
بنتي هتتجوز اللي بتحبه برضاك او غصب عنك
كفايه انك مش هتكون وكيلها في جوازها وده المفروض عند واحد بيحس اكبر عقاب ليه
لآخر مره بقولك يا اسلام ابعد عني احسنلك وإلا
ضحك بسخرية مقاطعا إياها بحقاره
و إلا ايه ....هتشكي لمديرك الجديد..... ولا هتخلي عيال اخواتك البلطجيه يستنوني عند الشغل ويضربوني
التفتت نحوه ببطء.....هذه المرة نظرتها لم تكن هادئة...كانت حاسمة
لااااااا...أنا اللي مش هاسمحلك تُقف في حياتي تاني..... ولا هسمحلك تدمر ولادي
انا بحاول اعالجهم من اللي انت عملته فيهم واستحاله اقبل انك تضيّع اللي بعمله واللي عملته زمان
وفي تلك اللحظة.....تقدّم شريف خطوة واحدة فقط
وقف على مسافة محسوبة...لا اقتحام ولا انسحاب
قال بصوتٍ رسمي بارد
في مشكلة.....في ايه يا مدام اسيا
نظر اسلام إليه..... عاينه بنظرة سريعة ثم قال ببرود مصطنع
ولا حاجة...مسألة عائلية
رد شريف بهدوء ثقيل
طالما قُدام الشركة...تبقى مش عائلية
التفت إلى آسيا و قال بقوه
تحبي أوصلك
لم تنظر إلى إسلام..... بل وجهت حديثها الى شريف وهي تقول بهدوء امرآه واثقه
متشكره جدا يا استاذ شريف انا هاخد تاكس عشان محتاجه اشتري شويه حاجات للبيت قبل ما اروّح
تصلّب وجه اسلام و الذي قال بحقاره بعد ان وجدها تُولي اهتمامها للآخر
إنتِي كده بتثبتي كلامي.....
التفتت إليه للمرة الأخيرة بعد ان فهمت قصده الحقير
مش محتاجه اثبت حاجه لأن اياً كان كلامك مش في دماغي اصلاً ولا مهتمه بيه
أنا رجعت لنفسي ووقفت على رجلي..... و قادره إني أحمي حياتي وحياه ولادي كويس قوي..... حُط الكلام ده في دماغك
رَكبت السيارة التي أشار لها شريف .... هزت راسها بهدوء علامه السلام دون ان تتكلم
وشريف...لم يسأل بل تركها تغادر بهدوء وترك الآخر دون أي اهتمام وذهب نحو سيارته التي صعد داخلها وانطلق بعقل مشغول واصرار على معرفه قصتها
والاخرى بعد ان ابتعدت عن المكان قامت بالاتصال به وحينما رد عليها قالت بصوتٍ منخفض
شكرًا.....من غير أسئلة
أبتسم و قال برزانه
وقت ما تحبي تتكلمي...أنا هسمعك
أغلقت الهاتف ثم نظرت للامام وهي تفكر بخوف يشوبه القوه
الماضي حاول يسحبها للخلف......لكن للمرة الأولى....لم تنجح يده في سحبها
لم تنم آسيا طويلًا.....استيقظت على رنين هاتفها قبل الفجر
رقمٌ محفوظ...كانت تعرفه دون أن تنظر
إسلام......تركت الهاتف يرن
رنّ مرة...مرتين...ثلاثًا
ثم توقّف...بعد دقيقة واحدة فقط
وصلت الرسالة
فاكره إنك هتتحديني....الشغل الجديد مش هيحميكي و لا اهلك الصيّع هيقدرو عليا ....أنا لسه مخلصتش
قبضت آسيا على الهاتف بقوة....لكنها لم ترتجف....
ده اللي كنت مستنياه...
قالتها داخلها بهدوء مُر.
رنّ الهاتف مرة أخرى.....ردّت هذه المرة....صوتها ثابت
عايز إيه يا إسلام
ضحك ضحكة قصيرة بلا دفء
وحشتيني......ولا نسيتي إنك كنتِي مراتي
كنت.....ههههه الكلمه دي مسمعتهاش لما كنت مراتك تخيل
شدّد على الكلمة
إنتِي فاكرة نفسك خرجتي من تحت إيدي...شغل وناس جداد ومدير شكله ابن عز ....أنا أقدر أهد كل ده
تنفست بعمق:
لو عندك حاجة قانونية اعملها.....غير كده... ابعد
صوته بقى أخطر رغم انخفاض نبرته
إنتِ لسه متعرفيش أنا ممكن أعمل إيه.....ولا نسيتي سنينك معايا
سكتت لحظة...ثم قالت بوضوح جارح
لا...أنا فاكرهم كويس اوي ....وعشان كده بقولك ابعد عن طريقي لأن اسيا اللي كانت تحت رحمتك خلاص انتهت
أنهت المكالمة....لكن الرسالة قد وصلت بوضوح.....إسلام لن ينسحب بهدوء
صباح اليوم التالي داخل الشركة
دخلت آسيا الشركة أبكر من المعتاد
وجهها هادئ.....لكن عقلها في حالة استعداد
مرّ شريف من أمام مكتبها لاحظ شحوبًا خفيفًا
صباح الخير...إنتِ كويسة
رفعت عينيها بابتسامة مهنية
كويسه الحمد لله
لم تضف شيئًا.....ولم تسأله عن شيء
شريف شعر بالحاجز التي وضعته واضح...ومقصود
دي ست مش بتدخل حد جوه وجعها بسهولة
دخل إلى مكتبه...أغلق الباب خلفه....ثم أخرج هاتفه بسرعة واتصل بصديقه الوحيد
عندما ردّ الهاتف تحدث بجديّة وصوت يملؤه الحيرة والاضطراب
آدم... عايز أتكلم معاك ضروري
حاسس إن فيه حاجات غريبة بتحصل معايا... مش قادر أفهمها وعقلي هينفجر مني من إمبارح
ردّ صديقه بصوت مليء بالاهتمام والتوجس
في حاجة حصلت في الشركة...
طليق اختك رجع يضايقها تاني....ولا ابنك حصله حاجة
قولي يا شريف... إيه اللي بيحصل ما تنطق يا جدع
تنهد شريف بعمق وعيناه تنظران إلى السقف للحظة كما لو كان يحاول ترتيب أفكاره قبل الحديث
الموضوع... ملهوش علاقة بكل دول يا آدم أنا اللي مش مظبوط
من أول ما الست دي جات تشتغل عندي....حاسس إن حاجات غريبة بتحصل حواليا...
امبارح حصل موقف مخلانيش أنام طول الليل...لازم أقابلك عشان أحكيلك كل حاجه
صمت للحظة....وكان في صوته مزيج من القلق والحيرة....شعور بأن الأحداث تتجمع حوله بسرعة
تجعله على حافة الانفجار....بين الواجب المهني والغرابة التي تحيط به
والحاجة المُلحّة لأن يشارك صديقه....لأنه لم يجد أحدًا يفهمه مثل آدم
جلس ادم خلف مكتبه لكن عقله لم يهدأ....الكلمات التي سمعها من شريف كانت تثقل صدره....هاتفه لا يزال في يده
ورنينه الأخير مازال يدوي في أذنه
...محتاج اتكلم معاك... حاسس إن بيحصلي حاجات غريبة... مش قادر أفهمها... وعقلي هينفجر مني من امبارح
رفع حاجبيه حاول استيعاب ما قاله صديقه لكن إحساسه بالغموض بدأ يتسلل إليه
إيه الحاجات الغريبة دي....ليه بيقولي كل الكلام ده
ليه مش طبيعي.....تحرك من مكانه ثم جلس على طرف مكتبه ويده تربت على فمه وهو يحاول أن يفكر بعقلانية....لكن شعوره بالقلق بدأ يتصاعد
يخلطه مع شيء قديم مدفون في قلبه...تذكّر حبه القديم
ابتسامتها.... عذوبتها....كل مرة كان يشعر فيها بالراحة معها
حتى أنه الآن لم يعرف لماذا يخطر لها باله فجأة....ولم يعرف أن.... الست... التي تحدث عنها شريف هي نفسها...
شعر بشيء يضغط على قلبه
خوف....حنين.... إحساس بمسؤولية لم يعرفها منذ زمن
إحساس بأن شخصًا ما يتعرض للضغط أو للخطر....وهو خارج عن سيطرته
رفع رأسه....نظر من نافذة مكتبه.....تساءل في نفسه
إيه اللي بيحصل ده....ليه حاسس إن فيه حاجة غلط
ليه كل حاجة حواليه مش طبيعية
عاد الهاتف يرن بعد ان انقطع الاتصال منذ دقائق
رقم شريف يظهر على الشاشة
أجابه على الفور.... لكن صوته كان أكثر هدوءًا مما يشعر به داخليًا
الشبكه وقعت معلش .....المهم ... إحكيلي كل حاجة من البداية... أنا معاك
وفي قلبه.....كانت مشاعر مختلطة.....قلق حقيقي من شيء مجهول
مع استرجاع لحب قديم لم يَمُت حتى لو لم يعرف بعد أن تلك التي يلمح لها شريف هي نفسها.....حبيبته
تحدث شريف بلهفه شديده
الكلام مش هينفع في الفون تعلالي الشركه ونتكلم براحتنا
قبل ان يرد عليه بالموافقه وجده يكمل وهو يتحرك من مجلسه
ولا اقولك تعالى نتقابل بره عشان أكون براحتي من غير ما حد يقاطعنا
خرج من مكتبه....قلبه ما زال يدق بسرعة
ورنين كلمات شريف لم يفارق عقله
حاسس إن فيه حاجات غريبة بتحصل معايا... مش قادر أفهمها...
التقى شريف في مقهى صغير بعيد عن أعين المتطفلين
جلسا على طاولة في ركن هادئ
نظر شريف إلى آدم بعينين مليئتين بالقلق والارتباك وكأن ثقل شيء غير مرئي يضغط على صدره
بعد لحظة صمت.... بدأ شريف الكلام بصوت منخفض لكنه مليء بالعاطفة
آدم... الموضوع معقد... مش طبيعي......الموظفة الجديدة اللي بدأت تشتغل عندي... حاجة فيها غريبة...
مش بس شغلها ممتاز... لاااااا...هيه... كأنها... كأنها حاسة و فاهمه كل حاجة حواليها
كل حركة بتعملها... كل تفصيله صغيرة... بتشد انتباهي... و بتخلي قلبي يتوتر بطريقة مش طبيعيه
رفع ادم رأسه.... قلبه بدأ يدق بشدة أكبر....شعور غريب، توتر لا يعرف سببه بالضبط
وكأن الهواء أصبح أثقل وعقله يصرخ
في حاجة هنا مش طبيعية...
إنت... إنت حاسس إيه بالظبط
سأل آدم بصوت متقطع....يحاول أن يسيطر على نفسه
تنهد الآخر و بدأت يده تضغط على فنجان القهوة بلا وعي
مش فاهم... هو إحساسي بيقولي إنها مختلفة... مش بس موظفة محترفة... حاجة جواها... حاجة غريبة...
كأنها... عميقة أوي... وحزينة... ومليانة ألم... وأنا... حاسس إني مش عارف أتعامل مع الشعور ده
شعر بغصة في قلبه..... جسده كله اصبح مشدود
وشعور قديم بدأ يطفو على السطح....صور وابتسامات....إحساس بالحنين.... دفئ.... وأمان...
وكأن قلبه يحذره من شيء لكنه لا يعرف من أو ما السبب
يعني... إيه اللي مضايقك فيها
حاول آدم أن يبدو هادئًا لكن قلبه كان ينبض بعنف....شعوره بعدم الراحة لا يهدأ
مش عارف أوصف الي جوايا ....مفيش حاجه مضيقاني
بس كل مرة تتصرف فيها... كل حركة صغيرة...
بتخليني أحس... إيه... إحساس مش مريح... وفي نفس الوقت... مش قادر أبعد عيني عنها
صمت شريف للحظة....وعينه تبحث في وجه آدم عن فهم
أما قلب آدم فكان يدق بجنون وكل إحساسه أصبح متشابكًا حد الجنون
قلق.... توتر.... حنين.... وفضول...
شعور غريب لم يعرفه منذ زمن وحذر داخلي من شيء لم يره بعد
ابتسم شريف ابتسامة نصف متوترة نصف حزينة
مش فاهم أنا ليه حاسس كده...
كل حاجة حواليها... طبيعية... بس أنا... قلبي مش مطمئن
جلس صامتًا....يحاول فهم شعوره صديقه و ايضا....يحاول تهدئة قلبه
لكن كل ما سمعه....كل كلمة...كل وصف....كانت كفيلة بأن تشعل بداخله شعورًا غامضًا لكنه قوي... شعور يعرفه جيدًا، لكنه لم يتوقع أن يعود الآن
نظر لصديقه و قال بحسم يملأه الخوف و الترقب....
ماذا سيحدث يا ترى
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق