القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 عودة مريم 





عودة مريم 

بعد الطلاق، حماتي القديمة جاتلي في العيد ومعاها العيلة كلها، وكانوا جايين وهما راسمين الضحكة عشان يتشفوا فيا ويشوفوا وقعتي اللي كانوا مستنيينها.. بس في اللحظة اللي خطوا فيها عتبة بوابتي الخاصة، استوعبوا الحقيقة متأخر أوي، وقلت لهم الزبالة خلاص اترمت بره البيت النهاردة.. تقدروا تتفضلوا من غير مطرود.

وعلى بالليل، كان كل شروة وكل ملكية افتكروا إنهم بيملكوها، فص ملح وداب.

من غير ابني، مش هتعرفي حتى تدفعي فاتورة الكهرباء يا مريم!.. ده كان كلام الست نبوية وهي بتسخر مني قدام محكمة الأسرة، وكان رأفت واقف جنبها بيضحك ببرود وكأن جبل واتشال من على كتافه.

كنت ماسكة شنطة سفر صغيرة، ولابسة فستان بيج بسيط، وشايلة في قلبي وجع خمس سنين من السكوت. ما عيطتش، ولا حتى عليت صوتي.. بصيت بس للست اللي قضت سنين توصفني ب بنت الفقراء في كل مناسبة، وفي كل غدوة جمعة بكون واقفة فيها بقدملهم القهوة وهما


عمالين يتباهوا بالأراضي والعز والمناصب.

رأفت كمل بوقاحة وهو بيعدل بدلة البراند بتاعته خلينا نشوف هتعيشي إزاي من غير عيلة الشافعي.. أمي عندها حق، إنتي أصلاً مش من مستوانا.

قال الكلام ده عيني عينك، قدام ولاد عمه وأخته سهام، وحتى المحامية كانت واقفة.. كأن كسر نفسي جزء من الإجراءات. لسنوات، كنت بكبر دماغي وبفوت.. كنت بعمل نفسي مش واخدة بالي من حماتي وهي بتنبش في حاجتي، ولا من رأفت وهو بيقول للناس إنه انتشلني من حياة الغلابة، وإنهم مستحمليني بس عشان أنا مطيعة وساكتة.

بس في اليوم ده، وأنا داخلة الأسانسير، لفيت وشي ليهم وقلت بهدوء

معاك حق في حاجة واحدة.. شهر كفاية أوي عشان نعرف مين فينا اللي محتاج للتاني بجد.

رأفت ضحك بصوت عالي وقال إيه؟ هتبدأي بقى نغمة التنمية البشرية ودروس الحياة؟

رديت بكل برود لأ.. دي مجرد عزومة.. أول يوم العيد، غدوة بسيطة عندي، عشان تشوفوا بعينيكم هعيش إزاي من

غير فلوسكم.

عينيها لمعت بؤم وقالت بسخرية يا حبيبتي، وهتعزمينا فين؟ في محل كشري؟ ولا مأجرة بلكونة عشان تبيني إنك عايشة؟

قلت لها هبعت لكم اللوكيشن. ومشيت.

بره المحكمة، كانت فيه عربية مرسيدس سوداء مستنية، السواق نزل فتح الباب بكل احترام وقال

يا مريم هانم، نطلع على القصر؟

أيوه يا عم جوليان.. اللعبة خلاص خلصت.

وأنا في العربية، بصيت من الشباك وأخدت نفس عميق.. لأول مرة من سنين، الوجع اللي في صدري اختفى. مريم مرات رأفت الشافعي ماتت.. ومريم بنت عيلة المنشاوي البنت اللي عمرهم ما فكروا يعرفوا هي مين بجد رجعت أخيراً.

بعد تلات أسابيع، وصلت لبيت الشافعي دعوات في أظرف تقيلة ومختومة بختم دهب. حماتي افتكرت إنها نكتة، ورأفت اتخيل إني بحاول أرسم لنفسي برستيج مش بتاعي.

قالت بعنجهية إحنا كلنا هنروح.. لو هي عايزة تفضح نفسها وتفرّجنا على خيبتها، إحنا لازم نكون هناك نتفرج.

وفي أول يوم العيد، وصل

32 فرد من عيلة الشافعي، متشيكين لآخر آخره كأنهم رايحين فرح، ومستعدين يضحكوا على فشلي.

بس لما وصلوا قدام البوابة الحديدية الضخمة، الموقف كله اتقلب.

فرد الأمن قرب منهم وقال بوقار

أهلاً بيكم في قصر السيدة مريم المنشاوي.

الضحكة اختفت من على وشوشهم في ثانية.. وما كنش عندهم لسه أي فكرة عن المفاجأة اللي مستنياهم جوه.

أول ما البوابة فتحت، صدمة السكوت خيمت على الكل. مشيوا بالعربيات ورا بعض في طريق طويل شجره عالي، لحد ما ظهر القصر اللي كان بيخطف العين.. بيت قديم من بيوت العائلات الكبيرة اللي ريحتها فلوس أصلية مش مجرد منظرة.

نزلوا من العربيات، ورأفت وشه كان جايب ألوان، ونبوية حماتي كانت ماسكة شنطتها بإيد بتترعش وهي بتبص للتحف والنجف اللي في المدخل.

طلعتلهم وأنا واقفة على راس السلم الكبير، لابسة قفطان ملكي شيك جداً، وواقفة بكل ثبات.

نبوية نطقت بصوت مهزوز إيه ده يا مريم؟ إنتي مأجرة المكان ده باليوم عشان تعملي علينا

 

هانم؟

ضحكت ببرود وقلت لها نورتي يا طنط.. بس القصر ده ملك عيلة المنشاوي من قبل ما رأفت يتولد أصلاً. أنا بس حبيت أرجع لأصلي بعد ما ضيعت 5 سنين من عمري بحاول أنزل لمستواكم.

رأفت قرب مني وهو مش مصدق منشاوي؟ إنتي ليكي علاقة بعيلة المنشاوي بتاعة الاستيراد والتصدير؟

رديت عليه وأنا ببص في عينيه أنا مريم المنشاوي، اللي كنت بتعايرها إنها بنت بنوت وما حيلتهاش حاجة.. أنا اللي كنت بداري اسم عيلتي عشان كنت فاكرة إنك شاري الست مش شاري المنصب.. بس النهاردة اللعب بقى على المكشوف.

وفجأة، دخل المحامي بتاعي ومعاه شنطة أوراق، وبدأ يوزع عليهم ملفات.

رأفت فتح الملف ووشه بقى أبيض زي الورق إيه ده؟ ده عقد القرض بتاع المصنع بتاعي!

قلت له وأنا ببتسم بالظبط.. والشركة اللي اشترت ديونك الصبح هي شركتي. والبيت اللي إنتو قاعدين فيه في المهندسين؟ ده كمان بقى تبع أملاكي من ساعة ما البنك عرضه للمزاد الأسبوع اللي

فات بسبب تعثركم.

نبوية صرخت إنتي بتنتقمي منا؟ إنتي عايزة تشردينا؟

رديت عليها بمنتهى الهدوء أبداً يا طنط.. أنا بس طلعت الزبالة زي ما قلت لكم. وزي ما رأفت قال قدام المحكمة إن أصله ما يسمحلوش يعيش مع واحدة من مستوايا.. أنا كمان أصلي وديني بيمنعوني إني أقبل الإهانة.

شورت للأمن وقلت العزومة خلصت.. والورق اللي معاكم ده فيه إخطار بإخلاء بيت المهندسين خلال 24 ساعة. اتفضلوا كملوا عيدكم في الشارع.. يمكن تحسوا بالناس اللي كنتوا بتتكبروا عليهم.

لفيت ضهري وطلعت السلم، وأنا سامعة صوت رأفت وهو بيترجى وصوت نبوية وهي بتلطم.. بس المرة دي، قلبي كان حديد، والسكوت اللي سكنته سنين، اتحول لزلزال هد كل اللي بنوه بظلمهم.

رأفت حاول يلحقني وهو بيزعق بهستيريا مريم! إنتي مش ممكن تعملي كده! إحنا بينا عشرة، بينا عيش وملح!

وقفت مكاني ولفيت له بابتسامة سخرية عشرة؟ إنت بتتكلم عن العشرة اللي خلتك تهينني قدام الغريب


والقريب؟ ولا العيش والملح اللي كنت بتذلني بيهم وتقول إنك منتّشلني من الفقر؟ العيش والملح ده طمر فيا أنا، وصنته سنين بسكوتي.. لكن إنت وأمك كنتم بتاكلوا في لحمي.

نبوية حماتي بدأت تمثل التعب ومسكت قلبها يا مريييم.. ده أنا زي أمك، ترضي تشرديني في السن ده؟ يرضي ربنا اللي بتعرفيه إنك ترمي ست كبيرة في الشارع في أيام مفترجة؟

بصيت لها بمنتهى القوة وقلت لها ربنا اللي بتعرفيه يا طنط هو نفسه اللي قال ولا تبخسوا الناس أشياءهم.. إنتي بخستي بيا وبأصلي وبكرامتي سنين. وبعدين متخافيش، مش هترميكي في الشارع.. أنا حجزت لك أوضة في دار مسنين كلاس أوي، تليق بمستواكي اللي كنتي بتنفخي فيه طول النهار. أهو هناك تلاقي حد يحكي لك عن الأمجاد اللي ضاعت.

سهام أخته حاولت تتدخل وهي هتموت من الغيظ إنتي فاكرة نفسك مين؟ إحنا عيلة الشافعي، وبكرة نرد لك القلم ده عشرة!

ضحكت بصوت عالي عيلة الشافعي؟ قصدك العيلة اللي مديونة


لشركاتي ب 15 مليون جنيه؟ اللي كل مليم في جيوبكم دلوقتي بقى ملكي؟ يا سهام، إنتي وجوزك عربياتكم مسحوبة من بكره.. ابقوا خدوا ميكروباص وأنتوا راجعين.

رأفت وقع على ركبه في نص الصالون، منظره كان يصعب على الكافر، بس أنا ما اتهزيتش. شفت في عينيه الخوف اللي كنت بحسه لما كان بيهددني إنه هيطلقني ويرميني لهدومي.. شفت فيه الانكسار اللي كان بيحاول يزرعه فيا.

شورت للمحامي وقلت له أستاذ حازم، لو سمحت، مفيش حد من الناس دي يخرج ومعاه حاجة مش ملكه. التفتيش يتم بكل ذوق.

قلت جملتي الأخيرة ليهم وأنا بفتح باب المكتب

العيد الجاي إن شاء الله، ابقوا افتكروا إن دوام الحال من المحال.. وإن البنت اللي استضعفتوها، هي اللي كانت سندكم الحقيقي، بس أنتم كنتم عمي القلوب.

دخلت مكتبي وقفلته ورايا، وسيبتهم لليأس والندم اللي بدأ ينهش فيهم.. لأول

مرة أحس إن النفس اللي داخل صدري ده نفس حرية.. وإن حق الخمس سنين رجع تالت


ومتلت.

النهاية.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close