رواية صك الغفران الفصل السابع عشر والثامن عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني حصريه
رواية صك الغفران الفصل السابع عشر والثامن عشر بقلم الكاتبه فريده الحلواني حصريه
صباحك يضحك يا قلب فريدة
ماذا نفعل حين يمرّ بنا يومٌ عصيب فنظن أنه انتهى بسلام... ثم يفاجئنا القدر في لحظاته الأخيرة بأقسى اختبارٍ يمكن أن نمرّ به
تلك المسكينة... بعد كل ما عانته طوال اليوم من ضغطٍ نفسي وعصبي ورغم ذلك نجحت في تجاوزه، بل ونالت إشادة الجميع
وبمجرد أن قررت أن تغادر الشركة عائدةً إلى بيتها وجدته يقف أمامها... كجدارٍ من غضبٍ مشتعل وعيناه تقذفان شررًا يكاد يحرقها
قال بنبرةٍ جحيمية امتزجت فيها الغيرة بالغضب... وبشيءٍ أشبه بالرفض المجنون
إنتِي فرحانة بلمّة الرجالة حواليكي مرّة شريف... والنهارده أحمد؟
تعرفيه منين.وإيه اللي بينك وبينه عشان أول ما يدخل يسيب كل اللي واقفين يستقبلوه وييجي يطمن عليكي إنتِي
إنتِي مش ناوية تبطّلي الوساخه اللي في دمك دي....حتى بعد ما كبرتي وعيالك بقوا أطول منك... لسه مصمّمة تفضّلي كده
لأول مرة منذ عرفها يرى ذلك الغضب الأسود مرسومًا على ملامحها
غضبٌ لم يكن صراخًا... بل هدوء قاتل جعل قلبه يرتجف رغم عناده
نظرت إليه بقسوةٍ اخترقت غروره ثم قالت بصوتٍ منخفض... لكنه حاد كالنصل
الوساخة الوحيدة اللي عملتها هي إني دخلتك حياتي
افتكرت إني حبيت راجل... لكن للأسف إنت أبعد ما تكون عن الكلمة دي
إنت مريض... ومحتاج تتعالج
ابعد عن طريقي يا آدم... لأنّي أقسم بالله لو فكرت تقرب مني تاني أو تهينّي... هتشوف مني اللي عمرك ما تتخيله
كاد يرد عليها لكن الكلمات اختنقت في حلقه... حين لمح زوجته تدلف إليهما
وقفت أمامهما... نظراتها مشتعلة بحقدٍ حاولت إخفاءه خلف ابتسامة باردة متكلّفة
قالت ببرودٍ يحمل غضب العالم كله:
على فكرة... في كافيهات كتير تقدروا تقعدوا فيها بدل ما تتفضحوا وسط الشركة...
ويتقال إن مدير البنك ورجل الأعمال المحترم مرافق سكرتيرته اللي ما عندهاش ذرة ضمير... وبتلف حوالين راجل متجوز وعنده ولاد
صرخ آدم بغضبٍ انفجر دفعة واحدة
إنتِي إيه اللي جابك هنا وإيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟
وقبل أن ترد رفعت آسيا إصبعها السبّابة مشيرةً إليهما بقوةٍ وهي تقول بقوه و بكبرياءٍ
لمّ مراتك... قبل ما أنا اللي ألمها و اعرفها مقامها كويس.
ثم التفتت إلى حبيبة بنظرةٍ مليئة بتحدٍ أنثوي متعمّد وأكملت
وإنتِي... احترمي نفسك واعرفي بتتكلمي مع مين
مش ذنبي إنك عارفة نفسك مجرد ظل في حياته...
وإنه مهما حاول يبعد... قلبه وكل كيانه كان ليا
لو كنتِي ست بجد... كنتِ عرفتي تخليه ينساني
مَتحاسبينيش على ذنب مش ذنبي
وبالمناسبة... أنا مَبقيتش شايفاه أساسًا... وقريب جدًا هتسمعوا خبر جوازي
سحبت حقيبتها بعنف من فوق المكتب ثم رمقتهما بنظرة احتقارٍ موجعة... وغادرت تاركةً خلفها هواءً مثقلًا بالغضب والغيرة والخذلان
تركتهم و غادرت ....سارت بخطواتٍ ثابتة وظهرها مرفوع كما لو أنّها لم تترك خلفها ساحة معركة
لكن ما إن أُغلِق الباب من ورائها حتى بدأت الأرض تهتزّ تحت قدميها
لم تتوقّف.....كانت تعلم أن التوقّف يعني السقوط
تردّدت كلماته في رأسها كصدى بعيد ...لا يملك القوة ليكسرها بعد الآن لكنه يترك أثره الخفيّ كجُرحٍ قديم أُعيد فتحه دون استئذان
لم يكن غضبه هو ما يؤلمها... بل يقينه الزائف بامتلاكه لها
أوقفت اول سياره اجره مرّت امامها و ما أن صعدت بها وضعت حقيبتها إلى جوارها وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة
المدينة تمضي في الخارج غير عابئة وكأن العالم لم يتوقف لتوّه عند قلبٍ حاول أن ينجو
كم مرّة أقنعت نفسها أنّها شُفيت
وكم مرّة اكتشفت أنّ بعض الجراح لا تُشفى... بل نتعلّم فقط كيف نتعايش معها دون أن تنزف أمام الجميع
لم تكن قوية لأنّها لا تتألّم بل لأنّها أتقنت إخفاء الألم
القوة لم تكن في تحدّيه بل في رفضها أن تعود تلك المرأة التي تنتظر اعتذاره أو تبرّر قسوته أو تلتمس له الأعذار
ابتسمت ابتسامةً باهتة....أيّ سخريةٍ هذه
ما زال يظنّ أنّ غيرته حقّ وأنّ اقتراب الآخرين منها خيانة... كأنّ سنوات الإهانة لم تسلبه هذا الامتياز
أغمضت عينيها فمرّت الذكريات كوميضٍ موجع
ليالٍ باردة كلماتٌ قاسية صمتٌ أطول من الاحتمال... وامرأة كانت تصغر نفسها كي يبقى هو كبيرًا
لم تعد تلك المرأة....رفعت رأسها ومسحت أثر دمعةٍ خانتها قبل أن تسقط
الدموع الآن ليست ضعفًا بل إعلان نجاة
أما حديث الزواج...لم يكن كذبة
ولم يكن وعدًا لأحد كان وعدًا لنفسها
وعدًا بأن تختار هذه المرّة من لا يكسرها
من لا يصرخ حين يغار ولا يُهين حين يخاف ولا يظنّ الحبّ سجنًا
لم تسأل نفسها من سيكون
فالسؤال الأهم كان قد حُسم
هل ستسمح لرجلٍ آخر أن يشبهه
والإجابة كانت واضحة وقاطعة.....لاااااا
تنفّست بعمق واستقامت في جلستها وعيناها معلّقتان بالطريق الممتد أمامها
الماضي خلفها... مهما حاول أن يلحق بها
وهي هذه المرّة لن تلتفت
ظلّ آدم واقفًا مكانه عينيه معلّقتين بالباب الذي خرجت منه... كأن جزءًا من روحه انسحب معها
قطعت حبيبة صمته بصوتٍ مرتجف من شدّة الغضب
لسه بتبص وراها ولا مستنيها ترجع تاخدك معاها
التفت إليها ببطء ملامحه متشنجة ثم قال بغضب شديد:
إنتِ تعديتي حدودك يا حبيبة ايه اللي جابك هنا اصلا ؟
ضحكت بسخرية لاذعة:
أنا اللي تعدّيت حدودي ولا إنت اللي عمرك ما عرفت يعني إيه تبقى راجل متجوز
قبض على يده بعنف:
خلي بالك من كلامك
اقتربت منه خطوة، وعيناها تلمعان بدموعٍ حارقة رفضت أن تسقط
لأ... المرة دي مش هخلي بالي أنا تعبت... تعبت من نظرتك ليها... ومن سكوتك لما حد يجيب سيرتها... ومن جنانك أول ما اسمها يتقال
زمجر بغضب
اسمها مَيتجابش على لسانك بالطريقة دي و لا تفتحي الموضوع ده انتي ساااااامعه
اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بألمٍ مهين
أهو ده اللي أنا بتكلم عنه
حتى وأنا مراتك... لسه بتدافع عنها
مرّر يده في شعره بعصبية
الموضوع خلص من سنين... افهمي بقى
صرخت فيه بانفجار:
لو خلص... ليه عينيك بتفضحك كل مرة تشوفها؟
ليه بتتحرق لما حد يقرب منها
ليه لحد النهارده... مش قادر تكرهها زي ما أنا بكرهها رغم أنها خانتك ....خانتك يا ادم مكنتش مكفيها فبصت لغيرك
ساد صمت ثقيل...
صمت كان كافيًا ليؤكد لها كل مخاوفها
ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت بصوتٍ خافت لكنه قاتل:
أنا خسرت من أول يوم وافقت أتجوزك فيه
كنت فاكرة إني هكسب راجل
بس طلعت بنافس ذكرى ست تانية لسه ساكنة جواك رغم كل اللي عملته فيك و كل اللي شوفته بسببها
استدار عنها بعنف
لو خلصتي دراما... ياريت تمشي من هنا روحي بيتك و شوفي عيالك و لينا حساب لما ارجعلك
قالتها بمرارة وهي تتبعه
لأ... لسه ما خلصتش...
الدِراما الحقيقية لسه هتبدأ... يوم ما ترجع تخسَرني أنا كمان
انا مش هرجع بيتك يا ادم ...انا رايحه لأهلي و هما اللي يعرفو يجيبولي حقي منك
وقف وحيدًا المكان من حوله ساكن لكن داخله يعجّ بضجيجٍ لا يُحتمل
كان صدره يعلو ويهبط بعنف كأن أنفاسه خرجت تواً من معركةٍ خاسرة أو كأن نجاته كانت خطأً لم يُغتفر
أسند كفّه إلى المكتب وأغمض عينيه بقسوة... غير أنّ صورتها لم ترحل
قريبً جدًّا هتسمعو خبر جوازي
لم تكن جملة عابرة بل نصلًا مغروسًا في أعماقه يدور مع كل نبضةٍ في قلبه
الزواج...آسيا... تتزوّج
انفلتت من صدره ضحكة قصيرة مختنقة لا تمتّ إلى الفرح بصلة
كيف...كيف استطاعت أن تقف أمامه بكل ذلك الثبات بذلك الكبرياء الجارح وتلقي عبارتها كأنها تُسدل ستارًا نهائيًا على ما كان بينهما
ضرب المكتب بقبضته فارتدّ الصدى في المكان
لا... إنها تكذب هو يعرفها
يعرف ارتجاف صوتها حين تخفي الحقيقة ويعرف اضطراب عينيها حين تفرّ من المواجهة
لكن شيئًا لم يكن مضطربًا فيها
كانت صلبة....حاسمة....وهذا ما أفقده اتزانه
راح يمرّر يده في شعره بعصبية ذهابًا وإيابًا كأن الجدران تضيق عليه
لماذا يعجز عن التنفّس
لماذا يحترق صدره هكذا
ولِمَ تشعل فكرة أن يكون لرجلٍ آخر حقّ لمسها سماع ضحكتها امتلاك ضعفها... نارًا تأكله حيًّا
هو لا يحبّها...قال ذلك مرارًا.
أقنع نفسه به أعوامًا حتي يطفيء نار غيرته بعدما علم بزواجها من اسلام
لكن الحب لا يُقاس بالكلمات بل بما يخلّفه من جنون
بالغضب الذي لا مبرّر له
بالغيرة التي تشتعل دون حق
بالرغبة الأنانية في حرمانها من الحياة... إن لم تكن معه
قد تم طلاقها و هو ظهر مره اخري في حياتها ...لن يسمح باقتراب ظل رجل منها حتي و ان لم يعيدها إليه
انفتحت عيناه فجأة مرّ طيف أحمد في ذهنه وقفته الواثقة
نظرته المطمئنة
اقترابه منها دون خوف دون تردّد
انقبضت يده حتى انغرست أظافره في جلده
أم شريف...أم رجلٌ آخر لم يظهر بعد
رجل أهدأ....أنقى...لا يصرخ... لا يضرب... لا يُهين
كانت الفكرة طعنة أعمق من سابقتها
لااااااا.....لا يحقّ لأحدٍ أن يأخذها منه
حتى وإن كان هو من دفعها بعيدًا
دلف الى المرحاض سريعا ثم اقترب من المرآة وحدّق في انعكاسه
ملامح قاسية عينان متّقدتان بالهزيمة
رجل متزوّج... وقلبه ما زال عالقًا عند امرأةٍ ليست زوجته
همس بصوتٍ أجشّ كأنما يواجه نفسه للمرة الأولى
من....؟سكت لحظة ثم أعادها بحدّةٍ أشد وكأنه يستجوب غيابها
من الذي ستتزوّجينه يا آسيا؟!
حين أسدل الليل ستاره وخفتت الأصوات عادت آسيا إلى وحدتها
الوحدة التي لا تُشبه الصمت بل تُشبه غرفةً مغلقة على قلبٍ متعب
خلعت حذاءها ببطء كأن قدميها تحملان ثِقل اليوم كلّه ثم جلست على طرف السرير دون أن تُشعل الضوء
الظلام كان أرحم... لا يطالبها بأن تكون قويّة
تمدّدت وأسندت رأسها إلى الوسادة لكن النوم أبى أن يطرق بابها
العينان مغمضتان والعقل مستيقظ على اتّساعه
تسلّل اسمه إليها بلا استئذان
لم ترده... لم تستدعِه... ومع ذلك حضر كما يحضر الألم حين نعتقد أنّه رحل
راودتها فكرة سخيفة... مرعبة
ماذا لو لم يكن كل ذلك سوى سوء فهم
ماذا لو كان الغضب حبًّا أعمى
ماذا لو بالغت هي في الهروب
شهقت فجأة وجلست
لااااااااا.....هذه هي الخيانة الحقيقية أن تُكذّب ذاكرتها
مدّت يدها إلى هاتفها
الشاشة السوداء انعكست عليها كمرآةٍ تُظهر وجه امرأة متردّدة لا تشبهها
فتحت قائمة الأسماء... ومرّت بإصبَعها على اسمه
توقّفت.....كم مرّة أمسكت هذا الهاتف في ليالٍ سابقة
كم مرّة كتبت... ثم مسحت
كم مرّة انتظرت كلمة تطمئنها فجاءها صمتٌ أوجع من اي حديث
انهمرت دمعة واحدة فقط حارقة
لم تكن شوقًا... كانت حنينًا لامرأةٍ كانت تظنّ أنّ الحبّ يبرّر الألم
أغلقت الهاتف ووضعته بعيدًا كأنها تُبعد سمًّا بطيئًا عن متناولها
همست لنفسها بصوتٍ مكسور لكنه صادق
ليس كلّ ما نشتاق إليه يستحقّ أن نعود إليه
شدّت الغطاء حول جسدها وضغطت الوسادة على صدرها تحاول كتم ذاك الفراغ الذي لا يُرى
القلب موجوع... نعم
لكنّه لم يعد أعمى شيئًا فشيئًا هدأت أنفاسها
لم تنَم لكنها نجت من تلك اللحظة
وفي منتصف الليل... كانت هذه النجاة كافية حينما غفت بسلام كاذب و قلب يحاول كتم نزيفه
في الجانب الآخر لم يكن الليل رحيمًا عليه ايضا
جلس آدم في الظلام لم يُشعل الضوء كأنّه يعاقب نفسه على شيءٍ لا يستطيع تسميته
الساعة تجاوزت منتصف الليل لكن الزمن عنده كان واقفًا... عالقًا عند لحظة خروجها
أعاد المشهد في رأسه للمرة الألف
نظرتها.....نبرتها....الكبرياء الذي لم يستطع كسره
كلّ شيء فيه كان يصرخ.... لقد انتهى
لكن شيئًا أعمق كان يرفض التصديق
فتح هاتفه ثم دخل إلى اسمها المسجل
كتب....ثم توقّف....مسح....كتب من جديد
كلمات ناقصة مهزومة لا تشبه الرجل الذي أراد أن يكونه أمامها و حينما انتهى لم يضغط علي زر الارسال
ألقى الهاتف بعيدًا ونهض بعصبية راح يذرع المكان جيئة وذهابًا
الفكرة التي كانت تلتهمه لم تكن فقدانها
بل استبداله....أن يكون هناك رجلٌ آخر
يستمع دون أن يصرخ يغار دون أن يُهين يحبّ دون أن يُدمّر
اقترب من المرآة حدّق في وجهه طويلًا
رأى رجلًا خاسرًا يحاول إقناع نفسه أنّه ما زال يملك شيئًا
همس بصوتٍ متكسّر
أنا مَخسرتكيش... إنتِي اللي خونتيني و هربتي
لكن المرآة لم تُصدّقه
جلس على حافة السرير وأسند رأسه بين كفّيه
لأول مرّة، لم يكن غاضبًا كان خائفًا
خائفًا من أن تكون قد نجت
ومن أن يكون هو... العالق وحده في الحطام
في تلك الليلة المظلمه....كانت آسيا تقاوم بداية جديدة
وكان آدم يختنق بنهايةٍ لم يعترف بها بعد
وهناك.....في مكانٍ بعيدٍ عن كل هذا الصخب، كان أحدهم يجلس داخل طائرته الخاصة مغمض العينين مستسلمًا لذكرياتٍ لم يكن ينوي استدعاءها لكنها حضرت بإصرار
أحمد الشيمي...منذ عودته إلى وطنه اعتاد ارتياد ذلك المقهى الهادئ الذي يطلّ على شارعٍ واسع حيث كانت آسيا تجلس وحيدة في أغلب الأوقات تتأمل الخارج من خلف الزجاج، تمسك فنجان القهوة بين يديها وتحتسيه بهدوءٍ لا يعكس ما يختبئ في عينيها
لفت نظره ذلك الحزن العميق الحزن الذي لا ينهار بل يتماسك في كبرياءٍ صامت
ورغم ثباتها وهيبتها الواضحة كان في ملامحها شيء مكسور... شيء لا تخطئه عينٌ اعتادت قراءة البشر
رآها مرّتين....وفي المرّة الثالثة كان يجلس برفقة رجل يُدعى ناجي والذي بمحض الصدفة البحتة كان هو نفسه الشخص الذي لجأ إليه آدم سابقًا ليجمع له معلوماتٍ عن آسيا وعن زوجها وعن أولادها
وحين لاحظ ناجي نظرات أحمد التي كانت تتبعها دون وعي دفعه الفضول لأن ينظر في الاتجاه ذاته ثم سأله بتحفّظ
إنت تعرفها؟
أجابه أحمد دون أن يشيح بنظره عنها:
مين؟
قال ناجي وهو يحدّق فيها قليلًا:
الست اللي إنت بتبص عليها دي... آسيا؟!
اعتدل أحمد في جلسته فجأة وكأنّ كل حواسه قد انتبهت دفعة واحدة ثم التفت إليه وسأله بجدّية واضحة:
هو إنت تعرفها؟
أجابه ناجي بإسهاب غير مدرك أن كلماته تلك ستشكّل نقطة تحوّل في حياة آسيا
ليا واحد صاحبي... مدير بنك وعنده شركة كبيرة
كانت خطيبته زمان وحصل بينهم مشاكل وسابوا بعض.
ثم خفّض صوته قليلًا وأضاف:
من فترة جالي وطلب مني أجمعله كل المعلومات اللي أقدر عليها عنها... عن جوازها عن ولادها عن حياتها كلها
توقّف لحظة وكأنّ الذكريات أثقلت صوته ثم قال:
طلعت ست غلبانة... لسه مطلّقة قريب
جوزها كان ابن كلب واطي مرتشي و بيخونها
اتعذبت معاه كتير ولما اتطلّقت مااداهاش حاجة
أخدت ولادها ومشيت... حتى هدومهم مَخدتهمش
شدّت القصة انتباه أحمد واستفزّته رغم اختصارها فسأله باهتمامٍ صريح:
وصاحبك ده بيدوّر وراها ليه؟
يعني لسه عايزها؟
ولا ناوي يرجعلها ويعوّضها عن اللي شافته؟
هزّ ناجي كتفيه بلا يقين:
والله ما أعرف يا أحمد بيه؟!
أنا اديته اللي جمعته ومن ساعتها ما كلمنيش.
ولا أعرف عمل إيه ولا ناوي على إيه.
ثم أضاف بعد تردّد:
بس اللي أنا عارفه إن آدم كان بيحبها من زمان...
بس واضح إن اللي حصل بينهم أكبر من إنهم يرجعوا لبعض
والله أعلم.
شغلته القصة طويلًا، دون أن يسعى خلف تفاصيلها
لم يبحث ولم يتقصَّ لكنه لم ينسَ
وحين رآها لاحقًا كانت المواجهة دون تخطيط
دافع عنها باستماتة أمام إسلام حتى إنه لم يتردّد في ضربه وتهديده دون أن يعرف لماذا اندفع بتلك القسوة
وعندما رآها داخل الشركة في ذلك اليوم لم يحتج إلى كثيرٍ من التركيز ليدرك أن آدم هو حبيبها السابق
كل شيء كان واضحًا في النظرات وفي التوتر وفي الصمت المشحون بينهما
حينها.... اتّخذ قراره ليس بدافع التحدّي ولا بدافع البطولة
بل بدافع رجلٍ رأى امرأةً جميلة حزينة محاطة بأشباه رجالٍ لم يعرفوا قيمتها ولم يحسنوا الاحتفاظ بها
فتح أحمد عينيه داخل الطائرة وزفر بهدوء.ثم قال بصوتٍ منخفض اتّسم برزانته المعهودة
ست جميلة... وقوية
بس للأسف النوع ده دايمًا حظه وحش في الدنيا
اعتدل في مقعده وقد استقرّ الجسد بينما ظلّ العقل في حالة حركةٍ لا تهدأ
لم تكن آسيا مجرّد وجهٍ عابرٍ مرّ في ذاكرته ولا قصةً سمعها مصادفة ثم طواها النسيان
ثمّة شيء ما...شيء ظلّ يقاوم محاولاته المتكرّرة لتجاهله
فتح عينيه ببطء وحدّق في الفراغ أمامه
لم يكن من عادته أن يتدخّل في حياه الآخرين ولا أن يحمل أوجاعًا لا تخصّه
تعلّم باكرًا أن لكلّ إنسان معركته وأن الإنقاذ غير المطلوب قد يكون شكلًا آخر من أشكال الأذى
لكن هذه المرّة...لم يكن الأمر شفقة ولا فضولًا
كان شعورًا مزعجًا بالمسؤولية كأن القدر وضع أمامه امرأةً أنهكتها المعارك ثم سأله صامتًا
هل ستمرّ من هنا دون أن تفعل شيئًا؟
استعاد ملامحها وهي تجلس وحدها ثابتة الظهر مكسورة الروح كما وصفها دائما
تذكّر كيف كانت عيناها تحملان وجعًا قديمًا لا يصرخ بل ينتظر من يراه
هو يعرف هذا النوع من الحزن
الحزن الذي يصنعه رجالٌ يملكون القوة... ويفتقدون الإنسانية
مرّ طيف آدم في ذهنه ذلك الغضب الأعمى
تلك النظرة التي لا ترى المرأة كإنسان بل كشيءٍ فقد السيطرة عليه
زفر أحمد ببطء وأدار وجهه نحو النافذة الصغيرة
السماء ممتدّة صافية لا تشبه الفوضى التي تركها خلفه على الأرض
قال في نفسه بحزمٍ هادئ:
أنا مش هرجع الزمن ولا همسح وجعها بس على الأقل مش هسيبها لوحدها في مواجهة ولاد الكلب دول
لم يكن ينوي أن يكون بطلًا ولا منقذًا كان ينوي فقط أن يكون حاضرًا
حاضرًا بما يكفي ليضع حدًّا إن لزم الأمر
التقط هاتفه فتحه و اخرج اسمها ثم توقّف
لم يتصل و لم يرسل رسالة
ابتسم ابتسامة خفيفة أقرب للقرار منها للرضا وهمس بصوتٍ منخفض كأنه يعلن اتفاقًا مع نفسه
اللي جاي أنا جزء منه والست دي تستاهل حد يقف جنبها بجد
أغلق الهاتف وأسند رأسه إلى المقعد
القرار اتُّخذ دون ضجيج ودون إعلان
وفي الأسفل...كانت آسيا تمضي في طريقها لا تعلم أن هناك رجلًا قرّر في صمت
أن يكون العائق القادم في وجه كل من ظنّ أن كسرها كان سهلًا... أو بلا ثمن
المكان يعج بالصخب والعمل الجاد وكانت أجواء الحماس تتخلّل كل زاوية
وقف في منتصفه الثلاثة إخوة ريان محمود ومحمد يعملون جنبًا إلى جنب مع العمال يداً بيد حتى ينهوا بسرعة تجهيز حلم حياتهم
دخل عليهم قاسم بصحبة شريف الذي عرّفّه عليهم وكان قد تابعهم من بعيد في الأيام السابقة وأعجب كثيرًا بروحهم وجهدهم
تمازحوا قليلًا ثم انشغلوا بالحديث الجاد عن الخطط القادمة خصوصًا في يوم الافتتاح
لكن فجأة.... ساد الصمت المكان حين دلفت عليهم رضوى بابتسامة بشوشة واحتضنت الثلاثة شباب بعفوية وحنان
شعر قاسم بنار غريبة تحرق أحشائه حين رأى هذا المشهد ولم يستطع تمالك نفسه فاندفع يسأل:
هو مين فيهم أخوكي؟
نظر الثلاثة إليه بتحفّز بينما تقدّم ريان وسحب رضوى لتقف بجانبه وقال بحدة طفيفة
كلنا إخواتها... خير في حاجة؟!
تدخل شريف سريعًا لينقذ الموقف بحكمة:
هو بس مستغرب... رضوى معروف عنها أخلاقها العالية ومابتحتكش مع حد... أكيد لفت نظره إنها داخلة تحضنكم وتبوسكم... بس بيطمّن عليها مش أكتر
في تلك اللحظة كانت شيرين تخرج من باب الشركة متجهة نحو إخوتها حيث قابلها في الطريق فهد بابتسامة هادئة
الناس اللي مزوغة من شغلها رايحة فين يا هانم
ابتسمت بحذر ثم قالت:
رايحة أشوف إخواتي وصلوا في تجهيز الكافيه لايه
بدأ يتحرك معها قائلاً:
طب هاجي معاكي... أنا نفسي اتعرف عليهم جدا
تحركت بخجل معه حتى وصلا إلى المكان الذي يبعد خطوات قليلة عن مكان وقوفهم ولم تلاحظ وجود ذلك المختل الذي كان يراقب المشهد من بعيد وقد اقترب بسيارته
قاد سيارته بسرعه متهورة رغم قصر المسافة وعندما دخلت شيرين مع فهد داخل المكان انتفض الجميع على الفور
سمعوا صرير عجلات السيارة تصرخ فوق الأسفلت وارتجف المكان لحظة ثم رأوا معاذ ينزل من سيارته تاركًا الباب مفتوحًا دون اكتراث بالطريق متجهًا إليهم بغضب شديد
نظر إلى الثلاثة شباب بعينين متقدتين بالجنون وقال:
مين فيكم أخوها؟
تجمد الجميع من هول المفاجأة
تجهم قاسم وضرب جبهته بكفه وهو يهمس بغضب
يخرب بيت أم غشَمتك... أنا مش عارف أعمل إيه
أما ريان فصرخ بغضب محاولًا مواجهة الموقف
وأنت مين بقى لا مؤاخذة... وإيه الدخلّة الأكشن دي كده هنخاف يعني و لا ايه؟!
لكن معاذ لم يكترث وألقى كلامه بمنتهى القوة والجنون:
أنا عايز أتجوز أختك... اتقدّم لمين فيكم؟
صدمة تملّكت الجميع والهواء في المكان أصبح ثقيلاً كأن الجنون ذاته ملأ الجدران
ارتجف الجميع للحظة ثم حاول قاسم أن يسيطر على غضبه ووقف أمام معاذ كحاجز بينه وبين الثلاثة شباب:
معاذ... ركّز كده إنت بتتكلم علي إيه بالظبط؟!
لم يلتفت لأخيه... عيناه مشتعلة وصوته يرتجف بالغضب
أنا عايز اتجوزها فين المشكله... مين فيكم اخوها أنا مش هستني أكتر من كده؟
تقدم ريان بخطوة إلى الأمام حاملاً نفسه بحزم:
اهدي كده و قول هديت ... إحنا متاكولش معانا الدخلّة دي فهّمنا انت مين و عايز إيه... الكلام ده ميتاقلش كده
صرخ معاذ فجأة وكأن الصمت أهان كبرياءه
هدوء... هدوء ايه هو انا اتعصبت اصلا ... أنا عايز اتجوز أختك دلوقت قولي اطلب أيدها من مين ؟
ارتعش قاسم من قوة صوته وبدأ يشعر بالذعر و الخجل الطفيف بسبب أخيه المختل
بينما محمود ومحمد تراجعوا خطوة محاولين السيطرة على الموقف دون تصعيد الأمور
تدخل شريف على الفور محاولًا تهدئة الوضع بعقلانية
يلا يا معاذ... الموضوع ميبقاش بالشكل ده إحنا هنا في مكان شغل... لو حابب تطلب ايدها انا هكلم ابوها
تجاهل معاذ شريف تمامًا اقترب خطو ونظر إلى الثلاثة شباب بعينين لا تعرف الخوف
مش مهم الشغل دلوقت... أنا مش هسيبها... لازم أعرف مين فيكم هيوصلني بابوها
تجمد قاسم لثوانٍ ثم أغمض عينيه للحظة محاولًا جمع نفسه:
يابني استهدى بالله.. كده هيقولو عليك مجنون .. الكلام ده مش طريقة تتعامل بيها مع نسايبك
قالها بخبث جعل الجميع ينظر له بتعجب بينما اشتعل فهد غضبا و غيره لكنه لم يجد مساحه له كي يتدخّل خاصا حينما وجد تلك المسكينه تمسك باختها و تكاد أن تموت من شده الخجل و الخوف
تنهّد معاذ ببطء وكأن الجنون لم يترك له مجالًا للتفكير ثم رفع يده واهتز صوته كأن كل غضبه وتوتره قد انفجرا دفعة واحدة:
أنا مش مستني... عمو شريف لو سمحت وصلني بعمو امير دلوقت.
في هذه اللحظة شعر الثلاثة شباب بثقل الموقف على عاتقهم في تحمل هذا المجنون الذي من الواضح انه يعشق اختهم الصغيره حد الهوس
بينما رضوى وشيرين حاولتا أن يتركا المكان لكن الخوف والدهشة كانا مرسومين على وجوههم فعجزو عن التحرك خطوه واحده
كان الجو مشحونًا بالغضب الجنون،والخطر... وكل حركة أو كلمة يمكن أن تفجّر الصمت القاتل حولهم
انهى قاسم تلك الحاله حينما امسك زراع أخيه مجبراً إياه علي التحرك معه و حينما اصبحا بالخارج قال بغضب جم يملأه الحكمه .......
ماذا سيحدث يا ترى

صباحك بيضحك يا قلب فريده
ذلك الغفران لا يستحقه الا من طلبه
و من سعى بكل قوه ان يحصل عليه....بل و اعترف بخطيئته
ليست تلك هي المعضلة
المعضلة في قلبي انا
هل سيمنحك ذاك الصك ...ام ان ذنوبك حولته إلى حجر صوان مهما هبط عليه من امطار لن يزهر ابدا
انا ....لن أسامحك و لن أعود لك
حتي لو ....قدمت الي آلاف الصكوك
جميع الفرص نفذت بداخلي و لا يوجد غير ....اني لا أراك من الاساس
اصبحت ماضي بغيض ادعو الله ان ينسيني اياه
لن اكرهك و لكن ....لم أعد احبك
هذا ما فكّرت به آسيا وهي ممددة فوق الفراش لا تقوى على الحراك...
لن تذهب إلى عملها اليوم... هي بحاجة إلى الراحة إلى إعادة ترتيب تلك الفوضى الصاخبة داخلها
ستختبئ في أحضان أطفالها... هناك فقط تستطيع أن تتنفس بعيدًا عنه... بعيدًا عن كل ما يربطها به
ستقوّي قلبها... ذلك القلب الذي بدأ أخيرًا يتذكر كمّ الوجع الذي عاشته بسببه
على عكس السابق... كانت ترفض التذكر تفرّ منه كأنه عدو
وتعيش فقط على فتات الذكريات الجميلة... كي تُقنع نفسها أن كل هذا العشق كان يستحق الانتظار
لكن الآن... لم يعد الهروب خيارًا
سحبت هاتفها ببطء كأن حتى هذه الحركة تُرهقها ثم اتصلت بشريف
وحين سمعت صوته قالت بنبرة هادئة تخفي ما بداخلها
صباح الخير...
أضافت بسرعة كأنها تخشى التراجع
أستاذ شريف من فضلك... عايزة آخد إجازة يومين
شعر بالقلق فورًا فسألها
مالِك يا آسيا... إنتِ تعبانة
أجيلك بدكتور
ابتسمت رغم ألمها... ابتسامة لا يراها أحد
لا أبدًا... أنا كويسة بس محتاجة أقعد مع ولادي شوية...
حاسة إني بقالي فترة مشغولة عنهم
ردّ عليها بحنو
براحتك طبعًا... أهم حاجة ترتاحي
أكمل بغيظ مازح
وربنا يقوّيني على المجنونة اللي اتبليت بيها دي
ضحكت بخفة ضحكة قصيرة لكنها صادقة هذه المرة
نهال دي أطيب حد ممكن تقابله في حياتك... بنت جدعة جدًا على فكرة
أنهت المكالمة بعد قليل ثم تحركت بكسل نحو الخارج لتوقظ أطفالها...
وكأنها تُجبر نفسها على الحياة من جديد
بعد قليل...
جلسوا معًا يتناولون الإفطار
راقبتهم بصمت... تحفظ تفاصيلهم في قلبها كأنها تخشى فقدانها
لكن انتباهها توقّف عند صهيب...
شروده... صمته... ذلك الثقل الغريب في عينيه
سألته برفق
مالك يا حبيبي... شكلك مضايق
رفع بصره إليها وقال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية... لكنها خرجت مكسورة
مفيش يا ماما... إنتِ عارفة الثانوية العامة بقى
تدخلت آيات محاولة التخفيف
الله يكون في عونك يا حبيبي... دي ابتلاء ولازم نمر بيه كلنا
قالت بسمة بحماس
ماما... آية طلبت مني نخرج شوية بعد الدرس ممكن
سألتها بهدوء
تخرجوا فين
ردّ صهيب بدلًا عنها
عايزين يتمشّوا شوية يا ماما... وأنا قولتلها هستأذنك وهكون معاهم من بعيد... متقلقيش كمان ياسين هيتمشي معايا عشان اخته
هزّت رأسها بتفهم ووافقت...
ظلوا يتحدثون قليلًا حتى غادرت الفتاتان
وساد الصمت...
لم يبقَ إلا هي... وصهيب
نظرت إليه طويلًا... ثم قالت بنبرة حانية
مالك يا حبيبي... ومتقولش المذاكرة... عشان إنت عارف إني بحس بيك
ارتسم الحزن بوضوح على ملامحه... لم يعد قادرًا على التمثيل
ثم قال... وكأن الكلمات تُنتزع منه
إنتِ كنتِ عارفة إن بابا... حرامي ومرتشي
تجمّدت ملامحها...
ليس لأن الحقيقة صادمة... بل لأن اللحظة التي كانت تخشاها وصلت
أكمل بصوت مكسور
ريان جاب ورق يثبت ده يا ماما... وعايز يحبسه...
أنا مش قادر أصدق...
صمتت لثوانٍ...
ثوانٍ كانت بداخلها حرب كاملة
ثم اقتربت منه ببطء جلست أمامه ورفعت وجهه بيد مرتعشة
قالت بهدوء مؤلم
وأنا... لو قولتلك إن ده حقيقي
اتسعت عينيه بصدمة
يعني إيه...يعني إنتِ كنتِ عارفة
أغمضت عينيها للحظة... وكأنها تستجمع شجاعة الاعتراف
عرفت متأخر... وبعد ما عرفت... حاولت أصدّق إنه غلط وعدّى...
حاولت أقنع نفسي إنه مش الشخص ده... عشانكم... وعشاني
هزّ رأسه بعنف والغضب بدأ يتسرّب إليه
بس هو كده فعلًا
كل اللي الناس بتقوله صح
نظرت إليه بصدق قاسٍ
أيوه... صح
ساد الصمت...
ثم نهض فجأة يتحرك في المكان بعصبية
يعني إحنا كنا عايشين مع واحد... واحد...
لم يكمل... كأن الكلمة تخنقه
اقتربت منه بسرعة
هو أبوك يا صهيب...
مهما عمل... هو أبوك
صرخ بغضب ممزوج بالألم
وأنا مش عايز يكون أبويا كده
انكسرت عيناها... لكنها تماسكت
وأنا كمان...
كنت أتمنى يكون غير كده
سقط على المقعد ودفن وجهه بين يديه
أنا حاسس إني اتخدعت...
كل حاجة طلعت كدب...
جلست بجانبه وضعت يدها على رأسه بحنان
مش كل حاجة يا حبيبي...
إحنا... مش كدب
رفع عينيه إليها بضعف
طب أعمل إيه دلوقت
تنهدت بعمق وقالت بهدوء
تقف...وتختار تكون غيره
سكتت لحظة... ثم أضافت
الغلط بتاعه مش هيتكتب عليك...
بس هيتحدد إنت هتعمل إيه بعد ما عرفته
نظر إليها طويلًا...
ثم اقترب منها فجأة... واحتضنها بقوة كأنه يتمسك بشيء ثابت في عالمه الذي انهار
أما هي...
فأغمضت عينيها...
واحتضنته أكثر...
كأنها تحاول حمايته...
من الحقيقة...
ومن أبيه...
ومن نفسه
فصل العناق ثم جلس على الأرض...
نظراته شاردة... لكن هذه المرة... لم تكن مكسورة فقط
كانت غاضبة
قال فجأة... بصوت هادئ بشكل مخيف
عارفة يا ماما...
نظرت له بقلق
إيه يا حبيبي
ابتسم... ابتسامة غريبة... لا تشبهه
أنا مش متفاجئ أوي
تجمّدت ملامحها
يعني إيه
رفع عينيه إليها... وفيها وجع قديم ليس وليد اللحظة
يعني... هو عمره ما كان كويس أصلًا
سكت لحظة... ثم أكمل بمرارة
فاكره لما كان بيزعقلي عشان جبت ٩٥
ويقولي ...إنت فاشل
انقبض قلبها... ولم تستطع الرد
فاكره لما كان يفضل يقارنّي بأي حد
أو لما كان يقول إن أنا ...مش قد اسمه
صوته بدأ يهتز... لكن الغضب كان أقوى
أنا كنت فاكر إن العيب فيا...
كنت فاكر إني قليل... إني مش كفاية...
نظر لها مباشرة...
ودموعه نزلت بصمت
طلع هو اللي قليل
صهيب...
قالتها بتحذير ضعيف... بين محاولة تهدئته... وخوفها مما بداخلها هي أيضًا
لكنه أكمل... وكأنه لم يسمعها
طول عمره بيكسرني...
وأنا... كنت بجري وراه عشان يرضى عني...
ضحك ضحكة مكسورة
يرضى عني إيه بس...
ثم فجأة صرخ
ده هو نفسه واحد وسخ
ارتجف جسده...
ليس فقط من الغضب... بل من سنين مكبوتة تخرج دفعه واحدة
اقتربت منه بسرعة
بصلي... بصلي يا صهيب...
لكنه لم ينظر
أنا كنت بخاف منه...
قالها بصوت منخفض جدًا
كنت أول ما أسمع صوته... قلبي يدق...
ثم رفع عينيه لها...
وكانت هذه أخطر لحظة
وأنا دلوقت... مش زعلان إنه ممكن يتحبس
سقطت الكلمات كالصاعقة...
هو نفسه اتفاجأ بها
أنا...
تلعثم
أنا حاسس إني... مرتاح
بدأ يتنفس بسرعة... وكأنه مذعور من نفسه
إيه ده....أنا إزاي أفكر كده...ده أبويا
وضعت آسيا يديها على وجهه تمسكه بثبات
اسمعني كويس...
أجبرته ينظر لها
اللي إنت حاسس بيه ده... طبيعي
هز رأسه برفض
لا مش طبيعي...أنا كده وحش
لااااا
قالتها بحزم
إنت مجروح... ومظلوم... واتأذيت سنين
سكتت لحظة... ثم أضافت بصدق
والراحة اللي حاسس بيها... دي مش عشان هو هيتأذي...
دي عشان يمكن... لأول مرة... تحس إن اللي ظلمك هيتحاسب
تجمّد...
كأن كلماتها وضعت اسمًا لإحساسه
دموعه نزلت أكثر...
أنا تعبت يا ماما...
قالها بصوت طفل صغير جدًا
كنت بحاول أبقى كويس... عشان بس يقولي...برافو
انهار تمامًا بين ذراعيها...
عمره ما قالها...
ضمّته بقوة... هذه المرة وهي تبكي أيضًا
أنا بقولهالك...
برافو يا صهيب...
إنت كويس... أحسن منه كمان
تشبث بها... وكأنها آخر أمان لديه
أنا مش عايز أبقى زيه...
حتى في دماغي...
ربّتت على رأسه بحنان
وإنت مش هتبقى زيه...
لأنك شايف غلطه... ورافضه
سكت لحظة...
ثم قال بصوت متعب... لكن أوضح..
أنا مش هسامحه دلوقت..
يمكن... مش هسامحه خالص
أغمضت عينيها... لكنها لم تعترض
فقط قالت...
حقك
ثم أضافت بهدوء
بس أهم حاجة... متكرهش نفسك بسببه
تنفس بعمق...
وكأن الحمل... لم يختفِ... لكنه أصبح مفهومًا
بعد قليل
أمسكت آسيا هاتفها واتصلت بريان
وما إن رد حتى قالت بحسم
ريان تعالي حالا انت واخواتك
سألها بتوجس
في ايه يا خالتي انتو كويسين
ردت عليه بقوة وغضب مكتوم
لما تيجي هتعرف يا بيه نص ساعة وتكونوا قدامي
وفقط.....أغلقت الهاتف دون أن تنتظر رده
بعد أقل من ساعة
كان الثلاثة يجلسون أمامها
في حالة تأهب واضحة
ينظرون لها بترقب
أما هي...فكانت تجلس أمامهم صلبة لكن عينيها مشتعلة
سألتهم بصوت حاد
ازاي تجيبوا ورق على اسلام و متقولوليش
يعني ايه عايزين تحبسوا أبو ولادي من غير حتى ما تاخدوا رأيي
انتو اتجننتوا ولا ايه
تحدث محمود محاولًا تهدئتها
اهدي بس يا آسيا أكيد مكناش هنعمل كده من وراكي
أكمل محمد بسرعة
ريان لسه جايب الورق أصلا ومفيش حاجة حصلت
أما ريان...فضيّق عينيه وهو ينظر لها بتركيز
وسألها بنبرة فيها شيء من الشك
هو انتي ايه اللي مزعلك كده
هو فارق معاكي للدرجة دي
نظرت له بغضب مشتعل
ثم قالت بحدة
يفرق ايه يا غبي
تبادلوا النظرات بعدم فهم
فأكملت بصوت أقل ارتفاعًا
لكنه أكثر قسوة وصدق
اللي فارق معايا ولادي
مستقبلهم هيتدمر لو أبوهم اتحبس
أشارت بيدها بعصبية
افرض صهيب اشتغل في مكان مهم
هينفع وأبوه محبوس
افرض حب واحدة بنت ناس
هيقبلوا بيه وأبوه رد سجون
سكتت لحظة
ثم اقتربت بجسدها للأمام
وعينيها مثبتة في ريان
انت شايفها عدالة
وانا شايفاها حكم إعدام على ولادي
اشتد جسد ريان ورد بحدة
واللي عمله اسلام ده ايه
ده مش إعدام لناس تانية
ردت عليه بسرعة
وانا مالي بالناس التانية
انا مليش دعوه غير بولادي
قال محمد بهدوء حذر
بس يا آسيا الغلط ده كبير
ومش هينفع نسكت عليه
رفعت صوتها فجأة
وانا مقولتش نسكت
انا بقول تفكروا...تفكروا بعقل مش بس بالقانون
نظر لها ريان بتركيز أعمق
وقال ببطء
يعني عايزة ايه...اسيبه
نظرت له بثبات
عايزة تحموا ولادي
قبل ما تبقوا أبطال على حسابهم
اتسعت عيناه قليلًا
وشيء داخله بدأ يتحرك
انا مش بعمل بطولة
انا بعمل الصح....ابن الكلب ده غير انه ماصص دم الناس و خارب بيوتهم
مش هيسيبك في حالك يا اسيا ...هيفضل يطاردك و يهدد فيكي
مش هتعرفي تعيشي انتي و ولادك غير لو غار في ستين داهيه
ضحكت بسخرية موجعة
الصح....الصح ده بيكسر عيالي يا ريان
انت مشوفتش صهيب كانت حالته ايه و هو بيكلمني من شويه. ... ابني بيضيع مني
شعر وكأن الأرض سحبت من تحته
هو عمل ايه لما حكالك
سألها بصوت منخفض
نظرت له بعمق
ثم قالت...
انهار...بس مش زي ما انت متخيل
سكتت لحظة
ثم أضافت ببطء
هو مش زعلان على أبوه
هو زعلان على نفسه
انقبض قلب ريان
بيقول انه كان بيجري طول عمره ورا واحد عمره ما كان يستاهل
وبيقول انه مش عايز يبقى زيه
خفض ريان نظره
أما آسيا
فأكملت وهي تضغط على كل كلمة
بس عارف ايه اللي كسره بجد
انه شايفك انت السبب في اللي جاي
رفع رأسه بسرعة
انا
ايوه انت
شايفك انت اللي هتحبسه
انت اللي هتفضحه
انت اللي هتخليه يبقى ابن واحد مسجون
سادت لحظة صمت ثقيلة
ثم قالت بهدوء قاسِ
انا مش بدافع عن اسلام
انا بدافع عن ولادي
اقتربت أكثر
وصوتها انخفض
لو عندك حل يحقق الاتنين قول..انما لو مفيش يبقى تختار
نظر لها ريان ولأول مرة
لم يكن واثقًا
اختار ايه؟
قالها بصوت خافت
نظرت له مباشرة
بين الحق...وبين دمك
سكت الجميع
أما ريان....فكان واقفًا في المنتصف لا هو قادر علي ترك هذا الحقير حرا يذيد في ظلمه و تجبره
و لا هو قادر علي أن يكون السبب في تدمير صهيب الذي يعتبره أخاه الصغير
داخل المدرسه....كانت تجلس بسمه جانب صديقتها تنظر لها بحزن و هي تراها تبكي بانهيار دون ان تستطع التفوه بحرف
بكت اسيا بحزن وانكسار بسبب ما حدث لها منذ قليل داخل مرحاض المدرسة
كانت دموعها تنساب في صمت متقطع كأنها تحاول أن تستوعب ما جرى أكثر مما تبكيه... جلست بجوارها بسمة تضع يدها على كتفها بحنان تحاول تهدئتها وفهم ما حدث بينما القلق يتسلل إلى ملامحها شيئًا فشيئًا
ترددت آسيا طويلًا وكأن الكلمات تخونها ثم قالت بصوت مرتجف اختلط فيه الخوف بالاشمئزاز
مش عارفة أقولك إيه يا بسمة... علياء بقالها فترة مركزة معايا بشكل غريب ومن يومين لاحظت إن كل ما أدخل الحمّام تدخل ورايا
توقفت لحظة... ابتلعت ريقها بصعوبة وكأن مجرد استعادة الذكرى يعيد إليها الشعور ذاته ثم أكملت بصوتٍ خافت
النهارده... فتحت عليا الباب فجأة... ولما زعقت فيها فضلت تبصلي بنظرات غريبة... نظرات خوفتني... وبعدها لمستني بطريقة مقرفة... حسّيت إني اتجمّدت ومش قادرة أتحرك
اتسعت عينا بسمة بصدمة وشهقت بفزع بعدما فهمت ما تعنيه صديقتها....تلك الحقيره تتحرش بها.....اشتعل الغضب داخلها فاختلط خوفها عليها برغبة حادة في حمايتها وقالت بحزمٍ واضح
لازم تقولي لمامتك يا آسيا اللي حصل ده مش هزار و لا حاجه هينه ...مينفعش تسكتي لازم تشتكي للمديره فورًا عشان الموضوع يقف عند حدّه
انخفضت نظرات آسيا وقد بدا عليها صراع داخلي مرير بين خوفها من الفضيحة وشعورها العميق بالانتهاك وبين حاجتها لأن يصدقها أحد ويحميها من تكرار تلك اللحظة التي سرقت منها إحساس الأمان
ظلّت صامتة لثوانٍ طويلة بعد كلمات صديقتها تحدق في الأرض وكأنها تخشى رفع عينيها.... كانت أصابعها ترتجف فوق حجرها تضمّ كفيها بقوة كأنها تحاول محو الإحساس الذي ما زال عالقًا بجلدها
قالت بصوتٍ خافت بالكاد يُسمع
أنا... أنا خايفة يا بسمة
رفعت رأسها ببطء....بدت عيناها ممتلئتين بدموعٍ جديدة لكن هذه المرة لم تكن دموع حزن فقط بل ارتباك وعجز
حسّيت إني غلطانة... مش عارفة ليه... كأنّي أنا السبب فضلت طول الوقت أسأل نفسي...يمكن أنا فهمت غلط يمكن كنت مبالغة
هزّت بسمة رأسها بسرعة لكنها تركتها تكمل مدركة أن صديقتها تحتاج أن تُخرج ما بداخلها أولًا
تنفست بعمقٍ متقطع ثم اكملت ....
لما لمستني... جسمي كله اتخشّب كنت عايزة أزعق أو أزقّها... بس صوتي اختفى حسّيت إني صغيرة أوي... وضعيفة أوي... وكأن المكان كله قفل عليّا
سقطت دمعة ساخنة على يدها فمسحتها بسرعة وكأنها تخجل حتى من بكائها
بعد ما خرجت فضلت أغسل إيدي كتير... اوي... لدرجة إنها وجعتني بس الإحساس
ماراحش... لسه حاسة بيه
و المشكله الأكبر إن ماما مش مصحباني و لا قريبه مني بشكل كفايه يخليني احكيلها حاجه زي دي
اقتربت بسمة منها أكثر وأحاطت كتفيها بذراعها فمالت الأخري عليها دون مقاومة كأنها أخيرًا سمحت لنفسها أن تستند إلى أحد
همست بسمة بهدوء
اللي حصل ده مش ذنبك... ولا غلطك اللي عملته هي غلط... وانتي لازم تحمي نفسك بأي شكل
انا هقول لماما و اكيد هتلاقي حل يحميكي متقلقيش
أغمضت عينيها وكأن الكلمات بدأت تخترق جدار الخوف داخلها لكنها ما زالت مترددة
طب لو محدّش صدقني... لو قالوا إني بكبّر الموضوع... أنا مش مستحملة إن حد يبصلي بطريقة وحشة
ساد صمت قصير لم يُكسره سوى صوت أنفاسها المرتبكة
ثم قالت لأول مرة بنبرة تحمل شيئًا من القرار رغم ارتجافها
بس... أنا مش عايزة أشوفها تاني... مش قادرة أدخل الحمّام وأنا خايفة
شدّت بسمة على يدها قائلة بثقة
عشان كده لازم نتكلم وأنا هكون معاكي... خطوة بخطوة
رفعت آسيا رأسها ببطء وفي عينيها لمعة ضعيفة تشبه بداية الشجاعة تلك الشجاعة التي لا تولد من القوة بل من الألم حين يصل إلى حدٍ لا يمكن السكوت عليه
داخل الشركة... وخصوصًا مكتب آدم كان يشعر بغليان داخل صدره
كل الأسئلة التي لم تُطرح بعد كانت تصطك في عقله
لماذا لم تأتِ اليوم... أين ذهبت... ومع من
لم يقوَ على تحمل كل تلك الأسئلة دفعة واحدة فاستدعى نهال سريعًا
وحين وقفت أمامه نظر إليها بعينين مشتعلة بالغضب
آسيا فين... مجتش لحد دلوقت ليه
ابتسمت نهال بخفة فاكمل
هي فاكرة نفسها شغالة في طابونة ولا إيه
إجازة
قالتها بتحدٍ وبرود جعله يضيق عينيه كما لو لم يفهم معنى الكلمة
أضافت بتشفٍ واضح
اتصلت بأستاذ شريف وطلبت منه إجازة يومين...
فين المشكلة يا أستاذ آدم
التفت نحوها قلبه ينقبض خوفًا عليها لكنه لم يستطع أن يظهر ذلك
كبرياؤه... هذا الكبرياء الذي لطالما كان يعتلي رأسه منعه أن يسأل تلك البغيضة كما يسميها دائمًا
ظل ينظر لها بعينين تختلط فيهما الغضب والخوف فوجدها تقول بشماتة
محتاج مني حاجة... آه... أحمد الشيمي جاي كمان يومين...
وأكيد هتكون رجعت من الإجازة...
ابتسمت نهال ببرود أكثر وكأنها تراقب نار الغيرة تتصاعد بداخله
حبيت أطمنك بس... أحسن تكون قلقان إن الشغل يتعطل لما يوصل... بعد إذنك
غادرت سريعًا تاركة وراءها مكتبًا متفجرًا بصمت قاتل
أما هو... فظل واقفًا وجهه مشتعِل عينيه تحرق المكان
يا بنت الكلب
تمتمها بصوت مبحوح كل حرف فيها يحرقه من الداخل
الغيرة السوداوية الحقد الممزوج بالخوف، كل شيء مختلط بداخله
نظر حوله للحظة وكأنه يتنفس الصمت
ثم عاد لينظر للطاولة... يلمس أي شيء بيد مرتجفة
شعر بوخزة من الغيرة... الغيرة التي كانت دائمًا تتسلل إلى قلبه وتبقيه أسيرًا لنفسه
في داخله... شعور قاتل بالغِل يزداد
كل شيء تحرك... كل شيء خارج عن سيطرته
كل ثانية يبعدها عن سيطرته... كل مرة تبتسم فيها... كل كلمة توجهها لغيره
يوقظه شعور خفي... عميق... أنه خائف من فقدانها... وأن هذا الخوف يمكن أن يسيطر عليه يحرق عقله يجعل قلبه أسود
كانت الغيرة عنده ليست مجرد شعور عادي...
كانت رعبًا من فقدان القوة من فقدان السيطرة من الاعتراف بأن قلبه اصبح غير قادر على امتلاكها حقًا
كلما تحركت خطوة في حياتها كلما ابتعدت كلما شعر أنه يهدم نفسه بنفسه
في لحظة.... كاد يقفز خلفها يصرخ يطالب يملكها... لكنه عرف أن هذا لن يمنحه سوى مزيد من الألم
جلس يلهث بصمت وعيونه تحرق الهواء من حوله وكأن الظلام بداخله يمتد ليبتلع كل شيء
كان يحدق في الفراغ
العالم كله يبدو ساكنًا من حوله لكنه كان يسمع صخب داخله كأنه أعاصير
كل ثانية تمر بدون كلمة منها تزيد النار في صدره
كل خطوة لم يسمع عنها تزيد الغضب تزيد الغيرة تزيد السواد في قلبه
تذكر كلمة نهال
اتصلت بأستاذ شريف وطلبت منه إجازة يومين
عاد الصوت داخل رأسه كالصاعقة
يومين بس... يومين دون أن تخبره
يومين... كل شيء يتحرك من غير سيطرته... وكل شيء بداخله يغلي
اقترب من مكتبه قبض على الطاولة حتى تكاد أصابعه تنكسر و ظل يهزي
يومين... بس يومين... بس يومين...
تمتمها كصرخة صوته يهتز
كل ثانية بدون ما أرى... كل ثانية تبعدها... كل ثانية...
كل شيء داخلي... أسود... أسود... أسود...
قفز من مقعده بدأ يمشي بسرعة داخل المكتب
يدور حول نفسه كأن الغرفة ضاقت عليه
أنا... أنا... أنا خايف...
خايف أفقد السيطرة...
خايف أفقدها...
خايف قلبي يتحول لسواد هياذيها
صمت للحظة ثم ضرب الطاولة مرة أخرى
يومين بس... يومين بس... تكفي لتدميري
ظل واقفًا رأسه بين يديه عيون مشتعلة راسه مليء بأفكار سوداوية
تخيل كل السيناريوهات الممكنة
لو ابتعدت أكثر...لو ضحكت مع أحد
لو رأت شيء... ولم تكن تحسب حسابه
تخيل قلبه ينفطر
أنا... مش قادر اسيطر على نفسي...
كل ثانية بتمر بتزيد السواد جوايا... بتزيد من جنوني...
جلس مرة أخرى تنفسه متقطع يده ترتجف على حافة الطاولة
أنا... أنا... مش قادر...مش قادر أتحكم في أي حاجة...
اصبح الهواء حوله بدا ثقيلاً
حتى المكتب أصبح كئيبًا
كل شيء داخله صار حجرة مظلمة كل شعور مختلط
غيرة.. خوف..غضب كبرياء محطم هوس.. ألم وسواد داخلي يلتهمه
عرف في تلك اللحظة شيئًا واحدًا
لو تحركت خطوة... لو ابتعدت ثانية... لو أخطأت...
سيأخذ كل شيء منه
وكل شيء... داخله... سيصبح أكثر سوادًا أكثر جنونًا أكثر ألمًا
جلس صامتًا لا يستطيع الصراخ أكثر
آسيا لم تتحدث لم ترد...
وبالرغم من ذلك كان صوتها في رأسه
كل دقيقه تمر في غيابها كانت تضاعف من سواد قلبه وتجعله يختنق من الغيرة المطلقة والخوف من الفقدان
وفي المكتب المجاور له... كان يقف كل من
معاذ وقاسم إلى جانب شريف وأمير الذي علم بطلب الاول لابنته الصغرى
ظهر الغضب جليًا على ملامح أمير وقال بحزم
معنديش بنات للجواز
ارتسمت الصدمة على وجهي الأخوين وارتعش معاذ بجنون
ليه يا عمو... أنا فيا إيه غلط عشان ترفض
أنا بحب بنتك من سنتين وكنت مستني تخلص جامعتها عشان أتقدملها
أنا ماحاولتش أقرب منها ولا حتى ألمحلها
برغم رعبي كل ثانية إنها تحب غيري أو واحد تاني ياخدها مني
قولي إيه سبب الرفض ومهما كان أنا هصلحه
نظر له أمير بحزن لكنه قال ببرود مختلط بشفقة
اسأل عمك... أنا مش هعيد الماضي تاني
ولم يضيف أكثر من ذلك ...تركهم وغادر سريعًا
رغم شفقته على الشاب العاشق إلا أنه لن يسمح له بجرح ابنته كما فعل عمه منذ زمن
جز قاسم على أسنانه بغل شديد بينما تنهد شريف بهم محاولًا تهدئة الغضب بداخله
وفي المنتصف... كان معاذ يغلي من شدة الغضب صوته يرتجف
أنا مش فاهم حاجة... إيه اللي دخل آدم... أسأله عن إيه
أنا بحبها... مش هقدر أتحمل رفضه... أنا هتجنن
رفع قاسم قبضته وكاد أن ينفجر...
كله بسبب عمك و غباؤه... دمر نفسه و هيدمرنا معاه
بدأ معاذ يتحرك داخل المكتب كل خطوة تضيف شدة على جنونه
أنا مش هسمح لحاجة توقفني... مش هسيبها ... حتى لو... حتى لو العالم كله ضدي
حاول شريف تهدئته صوته حاد لكنه منطقي
اهدي يابني و كل حاجه ليها حل باذن الله
تنهد قاسم بمرارة صوته منخفض
احنا دلوقت قدام جدار...جدار اسمه الماضي...وجدار اسمه آدم...
وكلنا محبوسين بين الحب والقسوة
ارتجف معاذ... ضرب الطاولة بقبضته الهواء في الغرفة يشتعل بغضبه
أنا بحبها...لا أي حد... ولا أي قرار... هيقف قدام قلبي
حاول شريف مرة أخرى بحذر
اقعد مع ابوك و خليه يحكيلك اللي حصل زمان
وقتها هتفهم و هتعذر امير
جلست حبيبة بين أمها وأختها تغلي كالمرجل
لم يتصل بها منذ أن تركت له المنزل
لم يحاول إرضاءها كما كان يفعل في السابق
اشتعلت النار داخل صدرها كلما تذكرت كلمات آسيا القوية التي أعلنت انتصارها رغم مرور عشرين عامًا
قالت الأم بتعقل محاولة تهدئة الوضع
تبقي غبية لو سبتيه ليها... أول مرة تبقي غلطانة يا حبيبة
مكنش ينفع تسيبي بيتك المرة دي
تدخلت نجوى في الحديث قائلة
كل الرجالة كده يا حبيبتي... المهم إنك إنتي اللي مراته وأم ولاده
هيلف يلف ويرجعلك
تطلعت لها حبيبة بجنون عينان مشتعلة بالغضب
إنتي فاكراه زي جوزك... بيعرف الستات بمزاجه
دي آسيا... فاهمة يعني إيه
لم تستطع حبيبة أن تهدأ قلبها يغلي من الخذلان والخيبة
كان هناك شعور داخلي بأنها محاصرة بين حبها القديم كبريائها وغضبها المكتوم
ردت عليها نجوي ببرود
اسيا و لا غيرها ....انتي اللي بايدك تحافظي علي بيتك و جوزك ...انا من رأي ترجعي و تحاولي تكسبيه عشان متخدهوش منك يا خايبه
كانت تجلس في منزلها وحيدة بعد أن أنهت تحضير الطعام تنتظر عودة أولادها من الخارج
أخذت تنظر إلى الساعة بين الحين والآخر... قلبها يخفق بشدة لكن شعورًا غريبًا من الهدوء المتوتر يحيط بها
فجأة صدح هاتفها برسالة من أحمد الشيمي...
صباحو عسل
قطبت جبينها بدهشة لم تكن تتوقع هذه الرسالة لكن قبل أن ترد وجدته يرسل رسالة أخرى
انتي كويسة... طمنيني عليكي
اشتدت ملامحها بدهشة لكنها شعرت بموجة غريبة من الدفء والاهتمام وكتبت بجديّة واضحة بين حروفها
الحمد لله يا فندم بخير
ابتسم على الطرف الآخر بهدوء ثم كتب
يا رب ديما
المهم أنا عارف إنك في إجازة... بس محتاج منك شغل مهم لازم تكوني في الشركة بكرة عشان تعمليه
أجابت آسيا بحزم رغم الخفقان الذي بدأ يسري في صدرها
تحت أمرك يا فندم بإذن الله هكون موجودة بكرة
كتب آخر جمله مبتسمًا
و تكوني بخير... أهم حاجة
أغلق الهاتف دون أن يضيف حرفًا آخر
جلست للحظة الهاتف لا يزال في يدها عينها تحدق في الشاشة
لم تشعر بمثل هذا الاهتمام منذ زمن طويل
ابتسمت ابتسامة خافتة لم تنطق بكلمة لكنها شعرت بموجة راحة غريبة تملأ صدرها
قلبها الذي اعتادت أن يكون متيبسًا من الخيبة بدأ يخفق بسرعة أقل كما لو أن شعورًا جديدًا بالتقدير والاهتمام بدأ يتسلل إليه
شعرت لأول مرة منذ سنوات أنها محط اهتمام حقيقي شخص يهتم لأمرها بلا ضغط أو طلب
ماذا سيحدث ياتري.....
انتظروووني
بقلمي/فريده الحلواني
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق