حفيدي أوقف عملية التبرع بكليتي في آخر لحظة
حفيدي أوقف عملية التبرع بكليتي في آخر لحظة… ثم شغّل تسجيلًا فضح الحقيقة التي كان ابني يخفيها عني طوال السنين!
ما كنت أريد أمي تعرف.
خرج صوت علي من الهاتف كطعنة مباشرة في صدري.
لم يكن صوت رجل قوي.
ولا صوت مريض يحتضر.
كان صوت طفل مذنب.
ما كنت أريدها تعرف إن الكلية الأولى ما خسرتها بسبب المرض ما كنت أريدها تعرف إني أعطيتها لأخو رنا لأن أبوها گال إذا ما أسويها، رح يرمونا بالشارع.
شعرت أن غرفة العمليات تميل حولي.
ابني.
ولدي الوحيد.
علي.
ثم جاء صوت رنا، باردًا كالمعدن
خلصنا من الإحساس بالذنب. أمك عاشت حياتها كلها لأجلك. كلية زيادة أو ناقصة ما تغيّر شي بحياتها. وبعدين هي وقّعت خلاص.
ثم ظهر صوت رجل ثقيل وواثق صوت والدها
طالما دخلت العملية، كل الإجراءات تصير محمية. بعدها محد يراجع موضوع المستشفى اللي بالسليمانية. علي يأخذ الكلية، وكلنا نسكت.
رفع الدكتور سامر يده بسرعة.
طَفّوا التسجيل للحظة.
هزّ يوسف رأسه وهو يبكي.
لا بعد أكو الأسوأ.
ضغط على الشاشة من جديد.
عاد صوت رنا
إذا تراجعت العجوز، اضغط عليها. گلها يوسف رح يكرهها إذا خلت أبوه يموت. گلها ماكو أم تتخلى عن ابنها. هي تعيش على الإحساس بالذنب يا علي استغل هالشي.
شعرت وكأن الهواء انسحب من رئتي.
ليس بسبب رنا.
بل بسبب علي.
لأنه لم يقل لا.
لم يقل
أمي لا.
لم يقل
كافي.
كل ما سُمع كان أنفاسه.
ثم صوته المتكسر
زين بس يوسف لا يعرف.
نظر إليّ حفيدي وكأنه يعتذر لأنه طفل داخل بيت مليء بالكبار المتعفنين من الداخل.
خلف الزجاج، بدأت رنا تضرب
بكلتا يديها.
هذا التسجيل متلاعب بيه! يوسف ما يفهم شنو سمع!
خلع الدكتور سامر قفازاته.
العملية ملغية.
صرخت رنا بقوة حتى تجمدت الممرضات في أماكنهن.
ما تكدرون تلغوها! علي يموت!
نظر إليها الدكتور بهدوء مخيف.
ومن حق أم علي تسحب موافقتها بأي لحظة قبل الزراعة. القانون يمنح المتبرع الحي حق التراجع الكامل قبل الإجراء.
التفتُّ نحوه.
أكدر أگول لا؟
اقترب من سريري.
تگدرين تگولين لا. أو تگدرين تگولين أحتاج وقت أفكر. محد يگدر يفتح جسمچ غصب.
محد يگدر يفتح جسمچ غصب.
هذه الكلمات الأربع جعلتني أبكي.
ليس لأنني توقفت عن حب ابني.
كنت ما أزال أحبه.
أحبه بذلك الجزء المريض داخل كل أم الجزء الذي لا يتعلم كيف يغلق الباب حتى لو احترق من الداخل.
لكن جسدي، لأول مرة منذ اثنين وستين عامًا، عاد لي أنا.
لا تسوون العملية.
خرج صوتي ضعيفًا.
لكنه خرج.
اندفعت رنا نحو الباب.
عجوز أنانية! هذا ابنچ!
التصق يوسف بسريري.
وهذه جدتي.
احتضنته ممرضة وأبعدته عن منطقة التعقيم، لكنه لم يترك الهاتف.
طلب الدكتور الأمن والخدمة الاجتماعية وإدارة المستشفى.
بقيت الأضواء البيضاء فوقي، قاسية وباردة، تكشف ثوبي الطبي، والإبرة في ذراعي، وخوفي، والخيانة التي دخلت غرفة العمليات بحذاء طفل مليء بالطين.
وصل علي بعد عشرين دقيقة على كرسي متحرك.
شاحب.
ضعيف.
بعينين غارقتين بالتعب.
لم يكن يشبه الرجل الموجود في التسجيل.
كان يشبه
طفلي بعد حمى طويلة.
وهذا كان أكثر ما يؤلمني.
أن قلبي ما زال يريد أن يغطيه ببطانية ويحميه.
يمّه همس.
حاولت رنا الاقتراب منه، لكن الأمن أوقفها.
علي، گلهم الولد مرتبك.
لم ينظر إليها.
نظر إليّ أنا.
يمّه سامحيني.
قالها سابقًا داخل الغرفة 407.
لكن الآن فقط فهمت معناها الحقيقي.
هذا كله صحيح؟ سألت.
بدأ يبكي بصمت.
كنت خايف. عليّ ديون. رنا كانت حامل بيوسف. أبوها گال أكو مريض يدفع مبلغ كبير، وإنها مو خطيرة.
بعت كلية؟
أغمض عينيه.
سمّوها تبرع مباشر بس كانت فلوس. كله كان غلط.
صرخ والد رنا من الممر
انتبه لحچيك يا علي!
استدار الدكتور سامر نحوه.
طلعوه برّه.
أمسكه عنصران من الأمن من ذراعيه.
الرجل الذي كان قبل دقائق يبدو أنيقًا ومحترمًا، بدأ يتخبط كأي شخص انكشف ما تحت بدلته.
أكمل علي
سووا العملية إلي بالسليمانية بأوراق مزورة. گالوا أعيش طبيعي بكلية وحدة. بعدين بدت الالتهابات والضغط، وتركت الأدوية لأن رنا كانت تگول غالية وبعدها الكلية الثانية تعبت.
وضعت يدي على صدري.
وكالوا إلي إنه مرض وراثي؟
رنا گالت إذا عرفتي الحقيقة ما رح تساعديني.
وإنت شگلت؟
لم يجب.
وكان هذا كافيًا.
بدأ يوسف يبكي أكثر.
بابا إنت گلت إنو جدتي ما لازم تعرف حتى ما تعاند.
غطى علي وجهه بيديه.
سامحني يا ابني.
تراجع يوسف خطوة.
مو إلي إلها هي.
نظر الجميع نحوي.
كنت ما أزال على السرير، بثوب العملية المفتوح قليلًا، والإبرة
في ذراعي، والمسبحة داخل يدي.
شعرت أنني عجوز.
صغيرة.
مرهقة.
لكنني شعرت أيضًا بشيء لم أشعر به منذ سنوات.
غضب نظيف.
علي قلت أنا بعت السمبوسة حتى تدرس. بعت ذهبي حتى أشتري لك الملابس. حرمت نفسي من العلاج حتى أجيبلك نظارات. ولما تزوجت، تحملت طريقة رنا وكلامها لأنني ظننت أن هذا سيبقيك قريبًا مني.
كان يبكي.
يمّه
ومع هذا كنت مستعد تخليهم يفتحون جسمي وإنت تعرف إن كل شيء مبني على كذبة.
أنا أموت.
وأني هم ممكن أموت داخل هاي الغرفة.
سكت.
لأن أحدًا لم يجعله يفكر بهذا من قبل.
لا هو.
ولا رنا.
ولا أنا.
وصل مدير المستشفى مع موظفين آخرين.
أخذوا هاتف يوسف كدليل، لكنهم نسخوا الملف أولًا.
وكان حفيدي يكرر بخوف
لا تمسحوه ماما تمسح أشياء دائمًا.
ركعت موظفة اجتماعية أمامه.
ما رح ينمسح.
طلبت أن أنزل من السرير.
ساعدوني على الجلوس.
كانت ساقاي ترتجفان، لكن ليس بسبب التخدير.
بل بسبب الصحوة.
نقلونا إلى غرفة خاصة.
ليست غرفة علي.
غرفة أخرى لا تستطيع رنا دخولها.
المستشفى الذي بدا لي قبل ساعات مجرد مكان بارد مليء بالنوافذ البيضاء، بدأ يتحرك بطريقة مختلفة.
ظهر محامون تابعون للمستشفى، ولجنة أخلاقيات، وطبيبة كلى، وأخصائية نفسية ليوسف.
قالت طبيبة الكلى
يا أم علي، ابنچ فعلًا حالته خطيرة. لكن هذا ما يبرر اللي صار.
إذا ما أعطيته كليتي رح يموت؟
تنهدت الطبيبة.
يحتاج غسيل كلى وتقييم رسمي للزراعة. أكو خيارات علاجية، وما يصير تتبرعين تحت ضغط نفسي.
تحت ضغط نفسي.
كلمات مرتبة جدًا لتقول
بالذنب والإجبار.
نجحت رنا لاحقًا بالدخول إلى الممر.
كانت بلا
مكياج، وشعرها مبعثر، والغضب يخرج من عينيها.
مرتاحة هسه؟ قالت ابنچ ممكن يموت بسبب كبرياءچ.
اختبأ يوسف خلفي.
وقفت أنا.
هذه المرة بلا سرير.
بلا مغذي.
بلا ثوب عمليات.
وقفت بظهري المتعب وساقيّ العجوزتين.
ابني ممكن يموت بسبب قراراته مو بسبب كرامتي.
ضحكت بسخرية.
إنتِ دائمًا تريدين تبعدينه عني.
لا يا رنا أنا فقط كنت أريد أحدًا يحبه بدون ما يستعمله.
رفعت يدها بسرعة لتحاول ضربي.
لكنها لم تصل إليّ.
صرخ يوسف.
وأمسك بها رجل الأمن من ذراعها.
رآها علي من بعيد على كرسيه المتحرك.
ولأول مرة لم يُخفض رأسه.
رنا كافي.
التفتت نحوه بصدمة.
هسه صرت رجال؟
ازداد شحوبه.
لا تلمسين أمي مرة ثانية ولا يوسف.
فتحت فمها لترد، لكن والدها ظهر مع محاميين.
ملفات.
تهديدات.
وعطر غالٍ.
قال أحدهم
هذا مجرد سوء تفاهم عائلي.
ضحكت.
لم أستطع منع نفسي.
كل مرة أحد يگول سوء تفاهم عائلي، تكون امرأة قد نزفت أو سكتت أكثر من اللازم.
نظر إليّ المحامي باحتقار.
أنتِ لا تفهمين حجم الحالة الطبية.
يمكن لكن أفهم جدًا لما يحاولون يستخدموني كقطعة غيار.
وصلت الشرطة قبل المساء.
ليس بسببي أنا.
بل بسبب المستشفى.
وبسبب التسجيل.
وبسبب العملية السابقة المشبوهة.
وبسبب الضغط على متبرعة حيّة.
وبسبب الطفل.
أعطيت إفادتي وأنا ما زلت أحمل ثوب العملية داخل حقيبتي.
حكيت كل شيء.
من الأعظمية.
من بيع السمبوسة.
من أول مرة نادتني فيها رنا
عجوز عايشة على ابنها.
ومن يدي المرتجفة أثناء التوقيع.
ومن جملتها
ماكو أم تترك ابنها
يموت.
أعطى يوسف إفادته مع الأخصائية النفسية.
قال إنه سمع أمه بالمطبخ داخل جناح المستشفى.
وقال إنه سجّل لأنني أخبرته يومًا أن الإنسان أحيانًا يحتاج يحتفظ بالدليل حتى لا يتحول الكاذب إلى بريء.
كان قد سمعني جيدًا.
وأنقذني بكلمات قلتها له دون أن أعرف.
تلك الليلة لم أرَ علي.
لم أستطع.
نمت على كرسي بجانب يوسف داخل صالة انتظار صامتة، والتلفاز يعرض أخبارًا بلا صوت.
أسند حفيدي رأسه على حضني وقال بخوف
زعلتي مني لأنني أوقفت العملية؟
مررت يدي على شعره.
إنت رجعتلي جسمي يا حبيبي.
بس بابا مريض.
إي.
رح يموت؟
لم أعرف ماذا أقول.
الكذبة كانت سهلة.
لكننا اكتفينا من الكذب.
ما أعرف رح نسوي كل شيء صح حتى يعيش. لكن مو بالكذب.
أغمض يوسف عينيه.
ماما تگول الحقيقة تخرب العوائل.
لا يا روحي الحقيقة فقط تكشف العائلة اللي كانت مخروبة أصلًا.
بدأ علي جلسات غسيل الكلى بعد يومين.
رأيته من خلف الزجاج، موصولًا بجهاز، وجهه غائر ويداه ساكنتان.
كان شيء داخلي يصرخ بي حتى أدخل، أقبّل جبينه وأقول إن كل شيء سيكون بخير.
لكنني لم أدخل.
ليس ذلك اليوم.
عدت إلى بيتي.
إلى غرفتي الصغيرة فوق المحل الذي ما زلت أبيع فيه السمبوسة أيام الجمعة.
كانت الأعظمية كما هي.
ضجيج الشارع.
الباعة الذين يجهزون عرباتهم قبل الشروق.
رائحة الخبز والشاي والدخان.
غسلت يدي بالصابون مرات كثيرة حتى اختفت رائحة المستشفى.
ثم بدأت أجهز العجين.
طحين.
زيت.
مرق.
بهارات.
كانت يداي ترتجفان، لكنهما تعرفان الطريق وحدهما.
وعندما
بدأ البخار يملأ المطبخ مع أذان الفجر، بكيت.
ليس كبطلة.
ولا كأم مثالية.
بكيت كامرأة تعبت من أن الحب دائمًا يطلب منها قطعة جديدة من جسدها.
حاولت رنا أن تستعيد يوسف.
لكنها لم تستطع في البداية.
تدخلت الجهات المختصة بسبب الحالة النفسية للطفل، وبسبب تعرّضه للضغط والتهديد داخل المستشفى.
بقي يوسف مؤقتًا معي في عطلات نهاية الأسبوع، حتى صدر قرار أوضح بخصوص وضعه.
صرخت رنا كثيرًا.
بكت.
اتهمتني بأنني سرقت ابنها.
لكن يوسف قال في إحدى الجلسات
ماما كانت تريد يفتحون بطن جدتي.
وكان هذا كافيًا ليصمت الجميع.
بدأ التحقيق مع والد رنا بسبب علاقته بالمستشفى في السليمانية.
ظهرت ملفات مزورة.
وأموال.
وطبيب موقوف.
وأسماء لأشخاص لم يكونوا يعرفون أصلًا أن تواقيعهم موجودة على أوراق تبرع.
أما علي
فقد اعترف.
متأخرًا.
ومكسورًا.
لكنه اعترف.
اعترف بأنه باع كليته الأولى تحت اسم تبرع.
واعترف بأن رنا ووالدها ضغطا عليه.
واعترف بأنه تركني أصدق أن إنقاذه واجب مفروض عليّ.
عندما وصلتني نسخة من إفادته، بقيت أقرأ جملة واحدة مرارًا
أمي لم تكن تعرف وأنا جعلتها تظن أن إنقاذي واجبها.
طويت الورقة.
لم أمزقها.
ولم أقبلها.
احتفظت بها فقط.
أحيانًا الاعتراف لا يصلح شيئًا.
لكنه على الأقل يوقف العضة داخل القلب.
بعد ثلاثة أسابيع طلب علي أن يراني.
ذهبت.
ليس من أجل رنا.
ولا من أجل الأطباء.
من أجلي أنا.
كان أنحف بكثير.
الغسيل أتعبه، لكنه أزال شيئًا آخر أيضًا
الكبرياء.
يمّه قال ما طلبتك اليوم حتى
أطلب الكلية.
جلست بعيدًا عن السرير.
زين.
بكى بصمت.
ما أعرف شلون أنظر بعينچ.
ابدأ بدون كذب.
تنفس بصعوبة.
خفت. من الموت. ومن خسارة يوسف. ومن إنچ تكرهيني.
فخليتني أكره نفسي إذا گلت لا.
خفض عينيه.
إي.
ها هي الحقيقة.
القبيحة.
والوحيدة التي تنفع.
علي وأنا ربيتك، كنت مستعدة أموت مكانك ألف مرة. بس إنت مو طفل بعد. وأنا مو مخزن أعضاء لأخطائك.
أعرف.
لا لسه ما تعرف. بس يمكن تتعلم إذا عشت.
رفع عينيه نحوي أخيرًا.
رح تسامحيني؟
نظرت إلى يديه.
نفس اليدين اللتين كانتا تسرقان السمبوسة الصغيرة من الصينية وهو طفل.
مو اليوم.
هز رأسه بهدوء.
رح تتركيني وحدي؟
شعرت بخطاف الذنب القديم يتحرك داخلي.
لكنني تنفست ببطء.
لا بس بقائي قريب مو معناه أسمحلك تدمرني.
بكى بصمت.
وأنا لم أحضنه.
وضعت بجانب سريره كيسًا فيه سمبوسة بالخضار، المفضلة لديه.
سويتها بدون ملح كثير اسأل الدكتورة إذا تكدر تاكل.
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة.
دائمًا تجيبين أكل.
لا تخلط بين السمبوسة والكلى.
انكسرت ابتسامته فورًا.
وهذا كان جيدًا.
بعض الجمل يجب أن تؤلمه حتى لا ينساها.
بعد أشهر دخل علي برنامجًا رسميًا للزراعة.
غسيل.
تحاليل.
حمية.
قائمة انتظار.
علاج نفسي.
كل شيء بطيء لكنه نظيف هذه المرة.
انتقلت رنا إلى بيت أهلها.
ثم بدأ والدها يختفي عن الجلسات.
ثم أوقفوه وهو يحاول السفر بأوراق مزورة.
حتى الأناقة لا تنفع عندما تنكشف الحقيقة.
بدأ يوسف العلاج النفسي.
في البداية كان يرسم غرف عمليات دائمًا.
يرسمني ممددة وهو واقف يحمل هاتفًا كبيرًا.
ثم رسم يومًا مطبخًا صغيرًا.
أنا أطبخ.
وهو جالس على كرسي.
وعلي واقف عند الباب.
أما رنا فلم تكن موجودة في الرسم.
سألته الأخصائية
وين ماما؟
هز كتفيه.
لسه ما تعرف
تدخل مكان بدون ما تكسر شي.
الأطفال يقولون الحقيقة بسرعة يخاف منها الكبار سنوات كاملة.
بعد سنة حصل علي على كلية من متبرع متوفى.
ليست مني.
وليست مسروقة.
ولا مشتراة.
ولا مأخوذة بالذنب.
يوم العملية طلب مني أن أبقى خارج الغرفة.
ذهبت.
أحضرت مسبحتي.
وقهوة.
وأحضرت يوسف، الذي لم يعد يحمل الهاتف القديم، لكنه صار يحمل دفترًا صغيرًا يكتب فيه أسئلة للأطباء.
وعندما خرج الدكتور وقال إن العملية نجحت، لم أصرخ.
ولم أسقط باكية.
تنفست فقط.
ثم نظرت إلى يوسف.
أبوك أخذ فرصة ثانية.
سألني
وإنتِ؟
فاجأني السؤال.
ثم ابتسمت لأول مرة منذ شهور.
وأني هم.
لأن هذا كان صحيحًا.
أنا أيضًا حصلت على شيء.
ليس عضوًا.
بل حدودًا.
عاش علي.
لكن هذا لم يمحُ ما فعله.
صارت
علاقتنا مثل قماش مخيط من جديد.
ينفع للاستعمال لكن آثار الخياطة تبقى واضحة.
صار يزور محلي بعض أيام الجمعة.
يساعدني بحمل القدور.
ويجلس يلف السمبوسة مع يوسف.
أنظر إليه أحيانًا فأرى الطفل الذي كان يركض خلفي في السوق.
وأرى أيضًا الرجل الذي كان مستعدًا أن يدخلني غرفة العمليات وهو يعرف الحقيقة.
تعلمت أن أرى الصورتين معًا بدون أن أبرر أيًّا منهما.
أما رنا
فلم تعد تجلس على مائدتي.
لكن يوسف بقي.
كل جمعة يأتي جائعًا، ويتأكد أن هواتف الجميع مشحونة حتى إذا احتجنا نسجل شي.
فيضحكني ويحزنني بنفس الوقت.
وفي مساء هادئ بينما كنا نغلق المحل، سألني
يمّه الكبيرة قبل ما تعرفين الحقيقة، كنتِ فعلًا تريدين تعطين بابا كليتچ؟
فكرت طويلًا.
كانت رائحة الزيت
والبخار والمطر القديم تملأ الشارع.
إي.
وبعدين بطلتِ؟
بعدين فهمت إن الحب وحده مو كافي لازم أعرف إذا الناس تطلب حب، أو تأخذ حريتي.
هز رأسه بجدية.
ماما كانت تأخذ.
أوجعتني الجملة.
إي.
وبابا هم.
إي.
وإنتِ شتسوين هسه؟
عدلت ياقة سترته الصغيرة.
أتعلم أعطي بدون ما أختفي.
حضنني بقوة.
مثل تلك الليلة قبل العملية.
لكن هذه المرة لم يكن يمنع جراحة.
كان فقط يبقى معي.
ما زال الهاتف القديم محفوظًا داخل علبة معدنية مع أوراقي الطبية ونسخة من إفادة علي.
لا أحتفظ به من أجل الحقد.
بل من أجل الذاكرة.
لأن ذلك الهاتف ذو الشاشة المكسورة فعل ما لم يفعله كثير من الكبار
قال الحقيقة قبل فوات الأوان.
اسمي أمينة.
عمري اثنان وستون عامًا.
أملك كليتين وقلبًا مليئًا
بالندوب التي لا تظهر في التحاليل.
كاد ابني أن يموت.
وكدت أنا أن أسمح لهم بفتح جسدي بسبب كذبة.
دخل حفيدي يوسف إلى غرفة العمليات وهو يركض، وصرخ بالحقيقة التي لم يرد أحد سماعها.
ومنذ ذلك اليوم، عندما يقول أحد إن الأم يجب أن تضحي بكل شيء، أجيب بهدوء
الأم تعطي حبًا لا تسلم نفسها للذبح وهم يخدعونها.
عاش علي.
وصار يوسف يبتسم أكثر.
وأنا ما زلت أبيع السمبوسة في الأعظمية، ويداي تفوح منهما رائحة العجين والزيت، وظهري يؤلمني آخر الليل لكن بداخلي راحة جديدة.
جسدي لم يعد دينًا لأحد.
وحبي لم يعد وسيلة ضغط.
وإذا حاول أحد يومًا أن يقنعني أن إنقاذ شخص يعني أن أضيع أنا، فسأتذكر يوسف وهو يدخل بحذائه المليء بالطين، رافعًا هاتفًا قديمًا كأنه سيف، وسأقول ما كان يجب أن أعرفه منذ البداية
لا تفتحوا جسمي قولوا الحقيقة أولًا.


تعليقات
إرسال تعليق