عندما تغير زوجي
عندما تغير زوجي
يوم ما عرفت ليه سيد اتغير فجأة وبقى إنسان تاني، حسيت إن قلبي اتكسر من غير صوت، كأن حاجة جواه كانت بتتآكل واحدة واحدة وأنا واقفة مش فاهمة ولا قادرة أعمل حاجة، بس الحقيقة إن كل حاجة بدأت من يوم ولادة ابني التاني حمادة، قبلها كان سيد راجل بسيط وحنين بطبعه، ضحكته سهلة وكلامه خفيف على القلب، وجوده في البيت كان أمان وراحة، حتى في أصعب الظروف كان بيحاول يخفف عني، لكن بعد الولادة كل ده اختفى كأنه عمره ما كان موجود، في الأول قولت لنفسي عادي، ضغط الحياة، مصاريف، طفلين ومسؤوليات، طبيعي الواحد يتغير شوية، لكن التغيير ده ماكانش شوية، ده كان انقلاب كامل، بقى ساكت أغلب الوقت، شارد، عينه فيها خوف غريب، كل ما أقرب منه بأي شكل كان يبعد بهدوء كأن بيني وبينه حاجز مش شايفاه، حاولت أفسر لنفسي ألف سبب، يمكن تعبان، يمكن قلقان من الشغل، يمكن شايل هم حاجة ومش عايز يقول، بس الإحساس اللي جوايا كان بيكبر إن فيه سر مستخبي، سر تقيل عليه ومخليه مش قادر يكون زي الأول، الليالي بقت أطول، وهو يسهر لوحده في الصالة بالساعات، وأنا أراقبه من بعيد من غير ما يحس، لحد ليلة ما قدرتش أسكت أكتر من كده، صحيت على إحساس غريب وخرجت من الأوضة لقيته قاعد لوحده، راسه بين إيديه وشكله مكسور بطريقة خوفتني، قربت منه بهدوء وناديته، اتفاجئ كأنه اتقبض عليه وهو بيخبي حاجة، حاول يقول إن مفيش حاجة بس عينيه كانت بتكذبه، قعدت جنبه وقلت له بصراحة إني حاسة إنه بعيد عني ومش فاهمة ليه، وإن الوضع ده بيوجعني، سكت كتير، سكون تقيل كأن الكلام تقيل عليه، وبعدين قام وقف بعيد شوية وبصلي بنظرة مليانة وجع وخوف وقال بصوت مهزوز إنه عمره ما بطل يحبني، بالعكس هو شايفني أغلى حاجة في حياته، بس هو اتغير لأنه بقى خايف، الكلمة وقعت عليا زي الصدمة، خايف من إيه؟ إيه اللي يخلي راجل زي سيد يوصل للحالة دي؟ سكت لحظة كأنه بيجمع شجاعته، وبعدين
قال إن يوم الولادة كان أصعب يوم شافه في حياته، مش عشان الألم أو المستشفى، لكن عشان اللحظة اللي حس فيها إنه ممكن يخسرني، قال إنه كان واقف برا سامع صوتي وأنا بتألم، وكل صرخة كانت بتخبط في قلبه، وإنه لأول مرة في حياته حس بالعجز الحقيقي، ماقدرش يعمل حاجة ولا يخفف عني، ولما اتأخرت الولادة والدكاترة بدأوا يتكلموا عن احتمالات صعبة، الخوف سيطر عليه، عقله فضل يرسم أسوأ سيناريو ممكن، تخيل إني ممكن أروح منه، اللحظة دي كسرت فيه حاجة من جواه، ومن بعدها بقى شايفني بعين تانية، مش بس زوجته، لكن إنسانة ممكن تضيع في أي لحظة، بقى كل ما يقرب يحس بالخوف يرجع له، خوف من الفقد، خوف من إنه يعيش نفس اللحظة تاني، قال إنه مش قادر يتخطى الصورة اللي في دماغه، ولا الصوت اللي سمعه، وإنه حاول يقاوم الإحساس ده كتير بس مش عارف، كل مرة بيقرب يحس إن قلبه بيتقبض كأن حاجة بتفكره باللي حصل، وأنا واقفة قدامه ساعتها حسيت بمشاعر متلخبطة، وجع، حزن، وفي نفس الوقت فهم، لأنه مش بيبعد عني قسوة، لكنه بيهرب من خوف جواه أكبر منه، قربت منه بهدوء وقلت له إن اللي حصل كان صعب علينا إحنا الاتنين، لكن إحنا عديناه سوا، وإن وجودنا مع بعض هو اللي نجانا، وإنه مش لوحده في الخوف ده، أنا كمان كنت خايفة، بس الحياة كملت بينا، وولادنا محتاجين يشوفونا أقوى من كده، الكلام خرج مني من قلبي من غير تفكير، وهو سكت يسمعني، وعينيه فيها دموع، ولأول مرة من شهور حسيت إنه بدأ يهدى شوية، مش لأن الخوف اختفى، لكن لأنه أخيرًا طلع اللي جواه، ومن الليلة دي بدأنا خطوة صغيرة ناحية بعض، مش رجوع فجأة، لكن محاولة، كلمة ورا كلمة، يوم ورا يوم، لحد ما المسافة اللي بينا بدأت تصغر، وفهمت إن بعض الجروح مش بتبان، لكنها بتحتاج وقت وصبر علشان تطيب، وإن الحب الحقيقي مش بس في اللحظات الحلوة، لكن في إننا نستحمل ضعف بعض ونقف جنب بعض لحد ما نعدي أصعب
مخاوفنا سوا.
بعد الليلة دي، ماكانش فيه معجزة حصلت تاني يوم وخلاص كل حاجة رجعت زي الأول، بالعكس… الحقيقة كانت أهدى وأبطأ من كده بكتير، كأننا بنمشي على أرض متكسرة وكل خطوة محسوبة، بس لأول مرة من شهور حسيت إن في طريق مفتوح قدامنا، حتى لو طويل.
سيد بقى يتكلم… مش كتير، بس كفاية إني أحس إنه بيحاول. ساعات كان يقعد ساكت شارد، فأقعد جنبه من غير ما أتكلم، مجرد وجودي كان بيطمنه. وساعات كان هو اللي يبدأ، يحكيلي عن اللي بيدور في دماغه، عن الكوابيس اللي بتصحيه، عن اللحظة اللي حس فيها إن الدنيا بتنهار تحت رجليه وهو واقف مش قادر يعمل حاجة.
وفي يوم، قال جملة عمري ما هنساها: "أنا طول عمري فاكر نفسي راجل قوي… بس اليوم ده خلاني أحس إني أضعف واحد في الدنيا."
وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد خوف عابر… ده شرخ جواه في إحساسه بنفسه.
بدأت أغير طريقتي معاه، بطلت أضغط عليه أو أسأله كل شوية "إمتى هترجع زي الأول؟"، وبقيت أركز إننا نرجع نعيش مع بعض بشكل طبيعي الأول… نضحك، ناكل سوا، نتكلم عن يومنا، نخرج مشاوير بسيطة حتى لو في الشارع اللي جنب البيت.
واحدة واحدة، البيت رجع له صوت… صوت الحياة.
الأولاد كانوا عامل مهم جدًا… حمادة وأخوه كانوا بيجروا حوالينا ويضحكوا، وساعات سيد يقعد يبصلهم وهو ساكت، وفي عينه نظرة غريبة بين الخوف والحب، كأنه مش مصدق إننا عدينا المرحلة الصعبة دي وفضلنا سوا.
وفي ليلة، حصل موقف بسيط… بس فرق معايا جدًا.
كان التيار قاطع، والدنيا ضلمة، والأولاد نايمين. كنت قاعدة في الصالة لوحدي، وهو دخل بهدوء وقعد بعيد شوية زي عادته. فضلنا ساكتين شوية، وبعدين فجأة قال: "فاكرة زمان لما كنا نقعد في الضلمة ونتكلم بالساعات؟"
ابتسمت وقولت: "فاكرة… كنا بنخاف من الضلمة ساعتها، دلوقتي بقينا نخاف من اللي جوا دماغنا."
سكت شوية… وبعدين ضحك ضحكة خفيفة، يمكن أول ضحكة حقيقية من شهور.
الليلة دي كانت نقطة تحول… مش كبيرة، بس حقيقية.
بعدها بأيام، بدأ يقرب أكتر… مش بالمعنى اللي كنت مستنياه زمان، لكن قرب إنساني، اهتمام، سؤال، نظرة طويلة فيها إحساس رجع تاني.
وفي مرة، وأنا بشتغل في المطبخ، لقيته واقف على الباب بيتفرج عليا… نفس النظرة القديمة، بس أهدى. قال لي: "إنتي تعبتِ أوي الفترة اللي فاتت… وأنا كنت سايبك لوحدك."
بصيت له وقولت بهدوء: "إحنا الاتنين كنا تعبانين… بس إحنا مع بعض، وده أهم."
قرب خطوة… وتردد شوية، كأنه بيحارب حاجة جواه… وبعدين كمل الخطوة.
اللحظة دي كانت بسيطة جدًا، بس بالنسبة لنا كانت انتصار.
مش لأنه خلاص بقى زي الأول… لكن لأنه قرر يواجه خوفه بدل ما يهرب منه.
ومن بعدها بدأنا رحلة تانية… رحلة علاج بطيء من جوه، من غير دكاترة ولا أدوية، لكن بالكلام، بالصبر، وبإننا مانسيبش إيد بعض حتى في أصعب لحظة.
ساعات كان يرجع يتعب تاني، يسكت ويبعد شوية، بس الفرق إنه بقى يرجع لوحده… مش بيستخبى.
وفي يوم، قالي: "أنا فاكر إني كنت بحميكي لما بعدت… بس اكتشفت إني كنت بوجعك أكتر."
الكلام وجعني… بس في نفس الوقت ريحني، لأنه أخيرًا بقى شايف.
مرت شهور… ببطء، بحذر… لكن بثبات.
البيت بقى فيه دفا تاني… مش نفس الدفا القديم، لكن دفا أعمق، فيه فهم، وفيه تقدير للحظة اللي إحنا فيها.
وفهمت حاجة مهمة جدًا…
إن مش كل الحب بيرجع بنفس شكله الأول، لكن ممكن يرجع أقوى… أهدى… وأنضج.
وسيد… ما بقاش الراجل اللي قبل الولادة، وأنا كمان ما بقيتش نفس الست، بس يمكن ده كان لازم يحصل علشان نعرف قيمة بعض بجد.
وفي آخر يوم من السنة، كنا قاعدين مع بعض والأولاد نايمين، بصلي وقال: "إحنا عدينا سنة كانت ممكن تخلص على كل حاجة… بس إحنا لسه هنا."
ابتسمت وقولت: "علشان ما سيبناش بعض."
ساعتها، حسيت إن قلبي اللي اتكسر زمان… مش بس اتصلح، ده بقى أقوى من الأول.
وإن الخوف اللي
كان ممكن يفرقنا… هو نفسه اللي علّمنا إزاي نتمسك ببعض أكتر.


تعليقات
إرسال تعليق