لما جالي التليفون كانت الدنيا
لما جالي التليفون كانت الدنيا
لما جالي التليفون، كانت الدنيا خلاص اتهدت. الخط كان ساكت وسكوت مرعب، يدوب صوت الممرضة وهي بتتكلم بنبرة حذرة أوي، النبرة اللي بتتقال لما يكون اللي قدامك عارف إن حياتك بتتمرجح على كف عفريت، وقالت لي "مراتك عايشة، بس لازم تيجي فوراً". كلمة عايشة دي كان المفروض تطمني، بس طيرت النوم من عيني. أنا بقالي شهور برة مصر في مأموريات صعبة، هناك في الخدمة كل حاجة واضحة، بتحدد الخطر وبتتعامل معاه وتخلص حوارك، نضيف وسريع، إنما مفيش حاجة في الدنيا بتجهزك للحظة اللي تدخل فيها أوضة مستشفى وتلاقي نفسك مش عارف الملامح اللي بتعشقها. "تقى" كانت غرقانة في السرير، مش حاسة بالدنيا، وشها ورم لدرجة تخوف، وجسمها كله شاش وأجهزة مابتفصلش وزقزقتها بتقطع القلب، وإيدها كانت ساندة على بطنها.. البطن اللي فضيت خلاص. الدكتور مقدرش يحط عينه في عيني وهو بيقول لي "عندها كسر في الترقوة، وتلات ضلوع مكسورين، وللأسف.. الجنين نزل". أنا مكنتش حاسس بحاجة وقتها، لا زعل ولا غضب، كان فيه برود وسكوت غريب جوة صدري، السكوت اللي بيسبق العاصفة، فسألته "ايه اللي حصل؟" فبصلي وقال لي "ضرب مبرح ومتكرر من كذا حد، دي مش حادثة، دول تسعة على الأقل". خرجت الطرقة ولقيتهم واقفين،
حمايا وولاده التمنية، واقفين ولا كأنهم لسه دبحوا فرحة كانت لسه هتشوف النور، بصيت على إيديهم وعلى وقفتهم، تمن رجالة قواطير طالعين منها زي الشعرة من العجين قدام ست واحدة مفرومة ورا الباب، المنظر ده معناه حاجة واحدة بس.. إنها مكنتش بتتضرب وبس، دي كانت متكتفة. واحد منهم ضحك بسخرية وقال "وقعت من على السلم، إنت عارف الحريم وميعاد دلعهم"، والتاني كمل بضحكة باردة "وبعدين هتعمل إيه يعني؟ ما إنت مكنتش هنا أصلاً"، وبعدها حمايا رما الكلمة اللي حفرت قبرها في عقلي وقال "إنت مجرد عسكري غلبان". قربت منهم خطوة واحدة، خطوة بطيئة وموزونة بالملي، وبصيت في عينيهم وقلت بصوت واطي وراسي "لأ.. أنا اللي باقي لما كل حاجة تقع". في اللحظة دي بالذات، تليفوناتهم كلها بدأت ترن في نفس السانية، تليفون ورا تليفون، الضحكة اختفت والوشوش اتقلبت وبقوا يبصوا لبعض بذهول، ومن ورا زجاج البوابة الكبيرة للمستشفى، بدأت فلاشات النور الأحمر والأزرق تنور الحيطان، مش عربية ولا اتنين.. ده كان طوفان متحرك، وصوت البيادات وهي بتهز الأرض برتم واحد كان بيقرب. هما افتكروني لوحدي، وافتكروا إن البدلة الميري دي مجرد شغلانة، بس هما ميعرفوش إن فيه خطوط حمراء لما بتتخطى، الدارين
بتتقلب، والـحـق اللي وراه رجالة مابيموتش. الحرب مش دايماً بتبدأ في سينا.. ساعات بتبدأ من طرقة مستشفى،
واللي جاي مفيش فيه رحمة.
لو عاوزين تعرفوا السر اللي قلب الموازين ومين اللي وصل للمستشفى،
الطرقة كلها اتجمدت.
العيون راحت ناحية الباب الزجاج، والفلاشات الحمرا والزرقا كانت بتقطع ضلمة المستشفى زي سكاكين.
أول عربية وقفت، وبعدها التانية والتالتة… لحد ما المكان اتملا برجالة نازلة بخطوات ثابتة، ملامحهم جامدة، وصوت البيادات بيخبط في الأرض بنفس الإيقاع.
إخوات "تقى" بدأ الخوف يبان في وشوشهم لأول مرة.
واحد منهم بلع ريقه وقال:
— "إيه ده؟!"
ما رديتش.
كنت واقف ساكت، بصيت عليهم واحد واحد، وبعدين بصيت ناحية أوضة العناية المركزة.
باب المستشفى اتفتح بقوة، ودخل راجل كبير في السن، شعره أبيض لكن حضوره كان يخلي أي حد يبعد من طريقه غصب عنه. كل الناس وقفت له تلقائي. حتى الظباط اللي دخلوا شدوا نفسهم أول ما شافوه.
حمايا وشه اصفر أول ما عرفه.
الراجل قرب مني، وقف قدامي ثواني، وبعدين حط إيده على كتفي وقال بهدوء: — "مرات ابننا جوه؟"
هزيت راسي.
لف ناحيتهم، وعينه بقت حادة بشكل مرعب: — "مين فيكم لمسها؟"
محدش رد.
لكن الصمت ساعات بيكون
اعتراف.
الراجل ده ماكانش أي حد…
ده اللواء المتقاعد "حسن الجارحي"، القائد السابق للوحدة اللي كنت بخدم فيها، والراجل اللي علّمني يعني إيه تبقى راجل وقت الشدة.
وأنا بالنسباله ماكنتش مجرد ضابط تحت إيده… أنا كنت زي ابنه.
حمايا حاول يتكلم بثقة مزيفة: — "يا باشا دي مشكلة عائلية، والبنت وقعت—"
لكن اللواء قاطعه بنظرة واحدة خلت صوته يموت: — "التقرير الطبي بيقول إنها اتربطت واتضربت لحد ما فقدت ابنها."
واحد من إخواتها صرخ بعصبية: — "ومين هيصدقكم؟!"
في اللحظة دي بالذات، اتفتح باب جانبي ودخلت ممرضة ومعاها كاميرا مراقبة صغيرة محطوطة في كيس أدلة.
قالت: — "دي الكاميرا اللي كانت في سطح البيت المقابل… التسجيل وصل من ساعة."
الهدوء اتقلب.
واحد منهم جري ناحية الباب، لكن اتنين من القوة مسكوه قبل ما يتحرك خطوتين.
اللواء أخد نفس طويل وقال: — "هاتوا الشاشة."
بعد دقايق، الفيديو اشتغل قدام الكل.
مفيش صوت في الطرقة غير صوت الضرب.
تقى كانت بتصرخ… تستنجد… تبكي… وتحاول تحمي بطنها بإيديها، وهم حواليها، واحد يثبتها، والتاني يضرب، والتالت يشتم، وأبوها واقف يتفرج… ولا كأنه بيشوف بنته، كأنه بيشوف عار لازم يتدفن.
أنا ما رمشتش.
ولا حتى اتحركت.
بس كل واحد كان واقف هناك حس إن الجو بقى أبرد فجأة.
الفيديو خلص… وسكتت الشاشة.
حمايا وقع على الكرسي ووشه بقى شاحب: — "هي اللي غلطت… هي اللي عصتنا…"
قربت منه أخيراً.
ركعت قدامه، وبصيت في عينه مباشرة لأول مرة من ساعة ما وصلت.
وقلت بهدوء مرعب: — "الغلط الوحيد… إنها صدقت إنكم أهل."
وبعدين قمت.
القيود اتحطت في إيديهم واحد واحد.
التمنية… وأبوهم.
وهم بيتاخدوا، واحد من إخواتها فضل يزعق: — "إنت بوظت العيلة!"
بصيت له وقلت: — "العيلة ما بتمدش إيدها على بنتها."
عدى أسبوع.
تقى بدأت تفوق بالتدريج، لكن ملامحها ما رجعتش زي الأول.
كان فيه وجع ساكن في عينيها… وجع أكبر من الكسر والخياطة.
دخلت عليها أوضة المستشفى
بالليل، لقيتها بصالي وساكتة.
قعدت جنبها.
قالت بصوت مكسور: — "البيبي راح…"
لأول مرة من يوم الحادثة، حسيت إن صدري اتفتح واتكسر فعلاً.
مسكت إيدها بحذر، وخبيت دموعي بالعافية.
— "هيجيلنا غيره."
هزت راسها بالنفي، والدموع نزلت: — "أنا كنت سامعة كل حاجة… وأنا بتضرب… كنت مستنياك."
الكلمة دخلت في قلبي زي السكينة.
قربت منها، وسندت جبيني على إيدها: — "وأنا جيت."
فضلنا ساكتين شوية.
بعدين سألتني بخوف: — "هتسيبني؟"
رفعت عيني ليها باستغراب: — "أسيبك؟"
— "أنا بقيت حمل."
ابتسمت لأول مرة من أيام، ابتسامة فيها وجع وحب وتعب الدنيا كلها: — "إنتِ مش حمل… إنتِ البيت
الوحيد اللي برجعله."
تقى انفجرت في العياط، وأنا حضنتها بحذر، كأنها حاجة مكسورة خايف تتفتت أكتر.
بعد شهور…
المحكمة كانت زحمة.
القضية قلبت الرأي العام، خصوصاً بعد انتشار الفيديو والتقارير الطبية.
الأحكام نزلت تقيلة: السجن المشدد للأب وأولاده… لسنين طويلة.
ولأول مرة، شفت تقى واقفة من غير خوف.
خرجنا من المحكمة وهي ماسكة إيدي بقوة.
وقفنا برة، تحت السما، وهي أخدت نفس طويل كأنها بتتنفس لأول مرة بجد.
قالت: — "أنا حاسة إني اتولدت من جديد."
بصيتلها، والشمس كانت نازلة على وشها بهدوء: — "المرة دي… محدش هيقدر يكسرك."
ابتسمت… الابتسامة اللي كنت فاكر إني خسرتها
للأبد.
وبعد سنة كاملة…
رجعت من الخدمة بدري يومها، وفتحت باب البيت بهدوء.
لقيت طفل صغير بيجري ناحيتي وهو بيضحك: — "بابا جه!"
شيلته وقلبي بيرتعش.
وتقى كانت واقفة في المطبخ، بطنها الكبيرة باينة من تحت الفستان، وعينيها مليانة حياة من جديد.
بصتلي وضحكت: — "مالك واقف كده ليه؟"
قربت منها ببطء، حطيت إيدي على بطنها، وحسيت برفسة صغيرة.
ساعتها بس… فهمت معنى النجاة.
مش إنك تنتقم.
ولا إنك تكسب الحرب.
النجاة الحقيقية… إنك بعد كل الخراب ده، تقدر تبني حياة تاني، وتفضل إنسان.
وفي ليلة هادية، وأنا نايم جنبها، سمعتها بتهمس قبل ما تنام: — "أهو أنت جيت في الآخر."
أكتر، وغمضت عيني.
لأن بعض الحروب…
ما بتخلصش بالرصاص.
بتخلص لما القلب أخيراً يحس بالأمان


تعليقات
إرسال تعليق