القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الشغالة الغلبانة كانت




"الشغالة الغلبانة كانت


"الشغالة الغلبانة كانت بتمسح البلاط تحت رجلين المليونير العاجز والأصم، ومراته الهانم واقفة تضحك عليها بـ شماتة وتذلها، وفجأة من غير أي مقدمات.. المليونير وقف على رجليه ونطق بجملة واحدة زلزلت جدران القصر وخرّست الكل!".. الجملة دي مكانتش مجرد خناقة بين هانم وشغالة في بيت كبير، دي كانت بداية بركان ح يفرتك قناع الطيبة والشر اللي عاشوا فيه سنين، ومكنتش الست القاسية تتخيل إن البنت الفقيرة اللي دخلت بيتها ح تكون هي المفتاح اللي ح يرجع الروح للراجل اللي افتكرت إنها دفنته بالحي، وإن السكوت اللي سكتتهوله ليلتها كان مجرد الهدوء اللي بيسبق العاصفة، والمواجهة اللي جاية ح تهد الإمبراطورية كلها فوق دماغ اللي ظلم!

"هو أنا مكتوب عليا أعيش طول عمري بمسح تراب الناس عشان لقمة العيش؟".. ندى قالت الجملة دي وهي واقفة قدام بوابة القصر العتيق في قصر الدوبارة بجاردن سيتي، القصر كان عالي ومخيف كأنه سجن من رخام أبيض، والشبابيك بتاعته بتلمع تحت شمس القاهرة الحامية ببرود كأنها بتبص لـ فقرها بقرف، فضلت واقفة بـ جزمتها القديمة اللي عليها تراب الشارع، وإيدها متبتة في حزام شنطتها الجلد المقشرة، وبتسأل نفسها هو الفقر اللي خلاها شجاعة وميفرقش معاها حاجة؟ ولا قلة الحيلة هي اللي رمتها في طريق الوحوش؟ الصبح ده، ندى سابت وراها شقة إيجار قديم ضيقة في روض الفرج، شقة النور فيها مقطوع بقاله شهرين عشان الوصلات متدفعتش، وأختها الصغيرة "بسمة" كانت قاعدة بتعد أقلام المدرسة القديمة كأنها كنز، وأمها لسه عايشة في وهم إنها لو كسبت جمعية أو جالها قرش من الهوا ح تحل مصايب الدنيا، وأبوها مات ليلتها وهو بيحمي بسمة من بلطجي في الحارة، مكنش راجل مثالي، كان بيشرب شاي تقيل ويزعق ويغلط ياما، بس في آخر لحظة في عمره ودا ضناه بحياته، والنوع ده من الوجع مبيتمحيش، عشان كدة أول ما شفت اليافطة الصغيرة المحطوطة على سور القصر: "مطلوب جليسة مقيمة لحالة خاصة"، ضغطت على الجرس قبل ما الخوف يرجعها، الباب فتحته ست شيك أوي، من نوعية الناس اللي النظافة والأصول بيبانوا عليهم بفلوس كتير،


"شاهيناز الهواري" كانت لابسة حرير ودهب وضحكتها مرسومة بالمسطرة بس عينها مليانة لؤم، بصت لـ ندى من فوق لتحت وقالت: "إنتي اللي جاية عشان الشغل؟"، ندى ردت بصوت واطي: "أيوة يا هانم.. أنا محتاجة الشغلانة دي أوي"، شاهيناز فضلت تبص في وشها التعبان ولبسها البسيط كأنها بتدور على نية مستخبية، وبعدين وسعت لها تدخل وسط الرخام والنجف الكريستال والهدوء المرعب اللي مالي المكان، وقالت: "الشغل هنا مش ترويق ومسيح عادي.. إنتي مش ح تخلي بالك من عيل صغير، إنتي ح تخلي بالك من جوزي"، ندى بربشت بعينها بس م رجعتش لورا، كملت شاهيناز ببرود: "جوزي عمل حادثة عربية من سنتين، فقد السمع تماماً، والنطق عنده اتبهدل، وعصبي وبيرمي الحاجة من إيده، وكل اللي جربوا يشتغلوا هنا مكملوش أسبوع"، ندى بلعت ريقها وهي بتفتكر وصلات النور والإيجار ووش بسمة الصبح وهي بتحاول تبان قوية: "أنا بعرف أستحمل الصعب يا هانم"، ضحكة شاهيناز بقت أشرس وقالت: "ح نشوف.. وبصي بقا يا بنت الناس، جوزي ده عاجز ومكسور بس يخصني أنا، م تحاوليش تعملي فيها سبع الرجال ولا تعيشي دور البطلة، والوجب والحنية دول ملهومش عازة هنا وميخلوكيش حاجة في البيت ده، فاهمة؟"، ندى وطت راسها: "فاهمة يا فندم"، بس أول ما خطت جوة، ندى حست بحاجة غريبة، مكنش أمل، كان كأنه خيط نور ضعيف جاي من تحت باب مقفول في أوضة ضلمة، مكانتش تعرف إن ورا الحيطان الشيك دي فيه بني آدم مدفون صاحي في السكات، ومكانتش تعرف إن الست اللي شغلتها دي مخبية بلاوي سودة قادرة تهد عائلات، وأكيد مكانتش تتخيل إن لقمة العيش دي ح تقلب إمبراطورية الفلوس رأس على عقب، أول ما شافت "شريف الهواري"، كان قاعد على كرسي متحرك جنب الشباك، كان أصغر من السن اللي متخيلاه، في أواخر الثلاثينات، شعره أسود وملامحه قوية بس عينه فيها نظرة حد شاف الناس كلها بتبيع وتتخلى عنه، فازة إزاز مكسورة مية حتة على الأرض جنب كرسيه والشغالة الثانية بتلم القزاز في سكات، شاهيناز كانت واقفة فوق دماغه زي القضا المستعجل وبتقول بقساوة من غير ما يفرق معاها مين سامع: "إنت بني آدم

م تطاقش! إنت عارف العيشة معاك بقت مقرفة وبتقصر العمر إزاي؟ لا بتسمع ولا بتنطق، وكل يوم عامل لنا حكاية وفاكر الدنيا ح تقف عشان إنت عاجز!"، شريف كان باصص للأرض وساكت، ندى اتسمرت على الباب، هي اشتغلت عند ناس مبسوطة قبل كدة وشافت خناقات، بس عمرها ما شفت قلة أصل وقساوة لـ بني آدم عاجز بالطريقة دي، شاهيناز لفت وشافتها واقفة: "طب وأنت واقفة تتفرجي؟ شوفي البيه ونظفي القرف ده وحاولي متزوديش عصبيته"، ندى قربت بالراحة، مكانتش بتفهم لغة إشارة ولا تعرف شريف بيستوعب إيه، بس كانت عارفة إن مفيش بني آدم يستحق يتعامل كأنه حمل تقيل وكركبة في البيت، نزلت على ركبها جنب الكرسي من غير ما تلمسه، ولَمّت حتة قماش وزقاق قزاز زرقا بالراحة وحطتها في الجاروف، ورفعت راسها وبصت له باحترام حقيقي وطيبة، عيون شريف راحت ناحيتها، ولأول مرة من ساعة ما ندى دخلت القصر، الراجل ده بص لـ حد كأنه شايفه بجد وحاسس بيه، شاهيناز ضحكت من وراها بـ شماتة: "وفرّي عياطك وحنيتك.. دة مبقاش يفهم نص اللي بيحصل حواليه أصلاً"، بس ندى م صدقتش الكلام ده، لأن في نفس اللحظة، فك شريف اتشنج، وصوابع إيده قفشت في مسند الكرسي المتحرك بقوة، وفي الثانية السريعة دي، ندى لمحت السر اللي كل اللي في القصر عميوا عنه.. شريف الهواري مكنش انتهى، دة كان محبوس، وورا السكات والكرسي والوجع اللي الناس افتكرته عجز وضعف.. الراجل ده كان لسه بيعافر وح ياخد حقه تالت ومتلت—

يا ترى إيه الجملة المرعبة اللي شريف ح ينطق بيها ويفوق الشارع كله عليها، وإيه السر الأسود اللي شاهيناز مخبياه وبتعاقبه بسببه، وهل ندى ح تقدر تحميه وتكون ضهره في اللي جاي ولا نهايتهم هما الاثنين ح تتكتب جوة القصر ده؟ اللي جاي مواجهة تزلزل القلوب!

في النهاية 

أول أسبوع لندى في القصر كان شبه المشي فوق تلج رفيع.

كل حاجة هادية زيادة عن اللزوم.


الخدم بيتكلموا بالهمس.

الست شاهيناز مبتضحكش غير قدام الناس.

وشريف...

كان ساكت طول الوقت.


بس السكات ساعات بيبقى أعلى من الصريخ.


ندى بدأت تلاحظ حاجات صغيرة محدش بيركز فيها.


شريف كان


بيتابع كل كلمة بعينه.

يفهم اللي حواليه أسرع من أي حد.

ولما شاهيناز تدخل الأوضة، صوابعه تتشنج تلقائي.

وفي مرة بالليل، ندى دخلت له العشا، لقيته بيحاول يكتب بحاجة على الترابيزة بإصبعه المرتعش.


قربت بحذر.


كان كاتب حرفين بس:


"خ...و"


ولما حس بيها، مسحهم بسرعة وخبط بإيده على الكرسي بعصبية.


ندى سكتت، لكنها فهمت إن الراجل ده مش مكسور زي ما بيقولوا.


فيه حاجة مستخبية.


...


بعدها بيومين، شاهيناز عملت حفلة كبيرة في القصر.


رجال أعمال.

سياسيين.

كاميرات.

ضحك عالي.


وشريف متلبس بدلة شيك ومتثبت على الكرسي المتحرك في ركن الصالون كأنه قطعة ديكور.


كل ما حد يقرب يسلم عليه، شاهيناز ترد بداله:

"للأسف حالته صعبة جدًا... مبقاش مدرك أغلب الوقت."


لكن ندى كانت شايفة عينيه.


شايفة الغضب اللي جواه.


وفي نص الحفلة، واحدة من الضيوف قالت بشفقة:

"حرام... الراجل ده كان مالي الدنيا."


شاهيناز ردت بابتسامة باردة:

"الدنيا مبتفضلش لحد."


الجملة دي خلت شريف يضغط على مسند الكرسي بعنف لدرجة إن عروقه برزت.


ندى كانت واقفة وراه مباشرة.


وفجأة...

شريف رفع راسه.


وبص لمراته لأول مرة بثبات كامل.


وبعدين حصل المستحيل.


وقف.


الكاسات وقعت من إيد الناس.


المزيكا سكتت.


حتى الخدم اتجمدوا مكانهم.


شريف وقف على رجليه المرتعشة، ماسك طرف الترابيزة، وبص لشاهيناز بعين كلها نار.


وبصوت مبحوح ومتقطع لكنه واضح قال:


"أنا... مش... عاجز."


الصالة كلها شهقت.


شاهيناز وشها اتحول للون الرماد:

"شريف! اقعد!"


لكنه كمل وهو بيبص للناس:

"هي... اللي... حبستني."


الفوضى انفجرت.


الضيوف بقوا يبصوا لبعض.

الكاميرات اتفتحت.

والخدم واقفين مذهولين.


شاهيناز جريت ناحيته وهي بتصرخ:

"إنت تعبان! إنت مش واعي!"


لكن شريف زق إيدها لأول مرة من سنتين.


وقال الجملة اللي هدت القصر كله:


"الحادثة... مكانتش حادثة."


...


الشرطة وصلت بعد ساعة.


والقصر بقى عامل زي خلية نحل.


ندى كانت واقفة في المطبخ وإيديها بتترعش وهي سامعة الأصوات جاية من فوق.


لحد ما باب المطبخ اتفتح فجأة.


كان شريف.


واقف


متسند على الحيطة، بيتنفس بالعافية.

قال لها بصوت متكسر:

"ساعديني."


ندى جريت عليه بسرعة وسندته:

"إنت لازم ترتاح."


هز راسه:



 

"مفيش وقت."

وقعد يحكي.


قبل سنتين، شريف اكتشف إن شاهيناز وأخوها بيغسلوا فلوس في شركاته، وبيحولوا ملايين برة البلد باسمه.


ولما واجهها وهدد يبلغ عنهم، اتقلبت حياته.


في ليلة الحادثة، شريف شرب قهوته كالمعتاد.


بعدها بدقايق، فقد السيطرة على العربية.


العربية خبطت في السور.


لكن الصدمة الحقيقية...

إنه فاق بعدها.


كان سامع.

شايف.

واعي.


لكن جسمه مشلول جزئيًا بسبب دواء اتحطله.


وشاهيناز استغلت حالته.


كانت كل يوم تزود له جرعات مهدئات تخليه أبطأ وأضعف.


وتقول للناس إنه فقد النطق والسمع.


سنتين كاملين.


سنتين وهو محبوس جوة جسمه.


يسمع الإهانات.

يشوف سرقة عمره.

وما يقدرش ينطق.


ندى كانت دموعها بتنزل من غير ما تحس:

"ليه محدش لاحظ؟"


ضحك ضحكة


مكسورة:

"الناس بتصدق اللي معاها فلوس."

...


في اليوم التالي، النيابة بدأت التحقيق.


شاهيناز حاولت تنكر كل حاجة.


لكن المفاجأة جات من أجرأ شخص في القصر...


السواق القديم "عم فتحي".


الراجل دخل النيابة بنفسه وقال:

"أنا شوفتها وهي بتحط الدوا في قهوة البيه."


وبعده الممرضة الخاصة اعترفت إنها كانت بتدي شريف حقن بأوامر شاهيناز.


الخيط بدأ يفك.


الحسابات البنكية.

التحويلات.

التقارير الطبية المزورة.


كل حاجة طلعت.


أما شاهيناز...

فالقناع وقع أخيرًا.


وفي مواجهة بينها وبين شريف داخل مكتب التحقيق، صرخت فيه:

"إنت السبب! كنت هتضيعنا كلنا!"


شريف بص لها بهدوء مرعب:

"وأنتِ دفنتيني بالحيا."


...


القضية قلبت الصحافة والرأي العام.


"رجل الأعمال السجين


داخل جسده."

"زوجة تخدر زوجها سنتين للاستيلاء على ثروته."

الناس كانت مصدومة.


أما ندى...

فحياتها كلها اتقلبت.


بعد ما كانت مجرد شغالة، بقت الشاهدة الأساسية اللي ساعدت تكشف الحقيقة.


شاهيناز اتحكم عليها بالسجن بتهم الشروع في القتل والتزوير وغسيل الأموال.


وأخوها هرب، لكن الانتربول مسكه بعدها بشهور.


أما شريف...


العلاج الطبيعي أخد وقت طويل جدًا.


كان يقع وهو بيتعلم يمشي.

يتعصب.

ويكسر حاجات.


لكن كل مرة، يقوم تاني.


وفي يوم، ندى كانت بتمسح الجنينة الصبح، وسمعت صوت خطوات وراها.


لفت.


شريف كان ماشي لوحده.


ببطء...

لكن ثابت.


ابتسم لها لأول مرة بجد:

"شكلك لسه بتمسحي البلاط."


ندى ضحكت رغم دموعها:

"الشغل عمره ما عيب."


هز راسه:

"العيب إن


الناس تدوس على اللي أجدع منها."

سكت شوية، وبعدين مد لها ظرف.


فتحت لقيت عقد شقة باسم أمها، وإيصالات مدرسة بسمة مدفوعة بالكامل.


اتوترت بسرعة:

"لا يا بيه، أنا معملتش ده عشان فلوس."


شريف رد بهدوء:

"وأنا مش برد جميل... أنا برد كرامة."


...


بعد سنة، القصر اتغير.


الرخام البارد بقى فيه حياة.

الخدم بقوا يضحكوا.

والأبواب المفتوحة دخل منها شمس لأول مرة.


وشريف قرر يحول جزء من شركاته لمؤسسة علاج مجانية لمرضى الإصابات العصبية.


وفي الافتتاح، الصحفي سأله:

"مين أكتر شخص أنقذك بعد ربنا؟"


شريف بص وسط الناس.


على ندى الواقفة بعيد بلبسها البسيط المعتاد.


وقال:

"واحدة فقيرة... كانت الوحيدة اللي شافت إني لسه إنسان."


ندى وطت راسها بخجل.


لكنها ابتسمت.


لأنها فهمت أخيرًا إن الفقر عمره ما كان عيبها...

وإن أقسى حاجة ممكن تحصل للبني آدم، مش إنه يخسر فلوسه أو صحته...


لكن إنه يعيش وسط ناس قررت تدفنه وهو لسه حي


 

تعليقات

التنقل السريع
    close