تركت زوجة الاب طفلين
تركت زوجة الاب طفلين
تخلّت زوجة الأب عن التوأم وصعدت إلى الطائرة؛ وشهد رجلٌ ذو نفوذٍ كبير ذلك فماذا حدث بعد ذلك؟
الجزء الأول توأم المقعد 17
كان مطار مكسيكو سيتي الدولي مكتظًا بالعجلة والحقائب وأناسٍ يحدّقون في الشاشات بدل أن ينظر بعضهم إلى بعض. كان من تلك الأماكن التي يستطيع فيها أيّ شخص أن يختفي دون أن يلحظ أحد.
وهذا بالضبط ما حدث لطفلين في الخامسة من العمر.
كانت المرأة ذات المعطف البيج تمشي بسرعة، تحمل حقيبةً فاخرةً على ذراعها، وتضغط شفتيها كأنها متأخرة عن أمرٍ مهم. خلفها كان يجري صبيّ وفتاة متطابقان، بشعرٍ أشقر مجعّد وعيونٍ فاتحة، وتلك الطريقة الصامتة في اتّباع بالغٍ لم يعدا ينتظران منه حنانًا. كان الصبي يعانق دمية دب إلى صدره، وكانت الفتاة لا تفلت يده.
وصلت المرأة إلى صفّ المقاعد أمام البوابة 17، واستدارت قليلًا، وأشارت إلى مقعد، وقالت شيئًا ابتلعه ضجيج المطار. أطاع الطفلان فورًا.
جلسا.
نظرت إليهما لثانية.
لا قبلة.
لا لمسة.
لا تفسير.
ثم سلّمت بطاقة صعودها، وعبرت بوابة المغادرة، واختفت.
لم يتوقف أحد.
لم يتوقف أحد سوى سانتياغو فييرو.
في شمال المكسيك، كان اسمه يغيّر الهواء في أي غرفة. رجل أعمال عند البعض، محسن عند قلة، ورجل خطِر في نظر الغالبية. كان في الأربعين من عمره، يحمل سمعةً صُنعت بالصمت وقرارات باردة، ولديه قدرة غريبة
على جعل الآخرين يخفضون أصواتهم عند حضوره. كان حراسه يتحركون على المسافة الدقيقة قريبين بما يكفي لحمايته، وبعيدين بما لا يعيقونه.
سيدي، غيّروا موعد إقلاع رحلتك همس ماركو، رجله الموثوق.
لم يُجب سانتياغو.
لم يكن ينظر إلى الشاشة. كان ينظر إلى الطفل.
كان الصغير يحدّق في الباب الذي اختفت خلفه المرأة. لم يبكِ. لم يركض خلفها. كان فقط يضغط شفتيه بذلك الجهد اليائس لمن أدرك أن البكاء أمام بعض الناس لا ينفع.
عندها فعل سانتياغو شيئًا لم يفعله لأحد منذ سنوات.
مشى نحوهما.
انحنى حتى صار في مستواهما. نظر إليه الصبي قليلًا؛ أما الفتاة فثبتت نظرها فيه دون خوف. وقد أربكه ذلك أكثر من أي تهديد.
أين أمكما؟ سأل بصوتٍ ألطف مما ظن أنه يملك.
شدّ الصبي الدب أكثر.
ليست أمّنا قال.
سقطت الجملة مسطّحة، بلا دراما، كحقيقةٍ تكررت مراتٍ كثيرة.
حوّل سانتياغو نظره إلى الفتاة.
ما اسمك؟
لوسيا.
وأخوك؟
ماتيو.
كم عمركما؟
خمس سنوات أجاب ماتيو نحن الاثنان. نحن توأم.
جلس سانتياغو إلى جانبهما بدل أن يواصل استجوابهما. لم يُرد أن يبدو تهديدًا آخر.
هل سيأتي أحد لأجلكما؟
هزّت لوسيا رأسها ببطء.
ظلّ ماتيو ينظر إلى الباب.
في البعيد، بدأ الطائرة تبتعد عن ممر الصعود. رأى سانتياغو اللحظة الدقيقة التي فهم فيها الطفل أن تلك المرأة قد رحلت حقًا.
كانت حركة صغيرة.
ثبت
وجهه. امتلأت عيناه، لكنه لم يسمح للدموع أن تنزل.
شعر سانتياغو بشدّة غريبة في صدره، كذكرى مدفونة على نحو سيئ.
هل أنتما جائعان؟ سأل.
نظر إليه ماتيو لأول مرة بشيءٍ غير الفراغ حذر.
ثم نظر إلى لوسيا.
أومأت قليلًا.
قليلًا قال الصبي.
مدّ سانتياغو يده، كفًّا إلى الأعلى، دون فرض.
استغرق ماتيو ثلاث ثوانٍ ليقرر. ثم وضع يده الصغيرة في يده.
أما لوسيا، فبدون تردد، أمسكت بيد ماركو، الذي تجمّد كأن أحدهم سلّمه قنبلة ملفوفة بشريط.
أخذهما إلى صالة المطار الخاصة. كانت هناك سجادة، وإضاءة خافتة، وأرائك واسعة، وطاولة عليها فواكه ومعجنات وسندويشات. أكل ماتيو ثلاثًا بسرعةٍ مضبوطة لطفلٍ لم يكن دائمًا واثقًا أن الطعام له. رتّبت لوسيا الفراولة حسب الحجم قبل أن تذوق واحدة.
أجرى سانتياغو اتصالين.
الأول، لامرأة في السجل المدني تدين له بمعروف.
والثاني، لمحاميه.
طفلان تُركا في المطار قال مباشرة أريد أن أعرف ما الذي يمكن فعله قانونيًا وما الذي لا يمكن.
حين عاد إلى الطاولة، كان ماتيو قد نام جالسًا، جبهته على ذراعه، والدب مضغوط إلى صدره. بقيت لوسيا مستيقظة، تراقبه.
هل أنت شرطي؟ سألت.
لا.
تأملته قليلًا.
هل أنت طيب؟
سانتياغو فييرو، الذي أمضى خمسة عشر عامًا يجعل الآخرين يجيبون، لم يعرف ماذا يقول.
قبلت لوسيا صمته كإجابة كافية.
ماتيو يخاف من الظلام
قالت لاحقًا وهي تقضم فراولة إذا انطفأ الضوء يمسك يدي.
اهتزّ هاتف سانتياغو في جيبه.
قرأ الرسالة مرة ثم أخرى.
اسم عائلة التوأم كان كارديناس.
كان والدهما، توماس كارديناس، قد توفي قبل أحد عشر أسبوعًا في حادث بناء.
وكان سانتياغو يعرف هذا الاسم.
يعرفه لأنه قبل سبع سنوات، على طريقٍ مبتل قرب مونتيري، اشتعلت سيارته بعد كمين. الأبواب عالقة. النار تتقدم. النهاية محسومة.
الرجل الذي اقتحم اللهب ليخرجه كان ميكانيكيًا شابًا يعمل في ورشة قريبة.
توماس كارديناس.
عرض عليه سانتياغو المال تلك الليلة. لم يقبله.
قال فقط إذا أردت حقًا أن تردّ لي الجميل، فافعل شيئًا جيدًا للعالم يومًا ما.
والآن كان ولداه نائمين وينتظران في مطار، متروكين كأمتعة بلا مطالب.
شدّ سانتياغو فكه.
لقد عاد الدَّين إليه.
وهذه المرة كان له عينان لطفلين.
الجزء الثاني دين النار
ألغى سانتياغو رحلته إلى نيويورك دون تفكير.
لم يسأل ماركو. كان يعرف متى يكون الصمت أنفع من أي نصيحة.
جمع المحامي بقية القصة سريعًا توفيت الأم البيولوجية بمرض حين كانا في الثانية. تزوج توماس امرأة تُدعى ديانا فالديفيا قبل عام. بعد الحادث، قبضت التأمين وبدأت تخطط لحياة جديدة في كانكون
حياة بلا ماتيو ولوسيا.
أريد رقم الجدة من جهة الأب أمر سانتياغو وكل ما لديكم عن تلك المرأة.
كانت الجدة روزا كارديناس، تعيش في غوادالاخارا، عمرها واحد وسبعون عامًا، ولديها عملية
ورك مقررة.
اتصل بها عند السادسة صباحًا.
أخبرها بما حدث بلا تزيين. صمتٌ خشن على الطرف الآخر.
هل هما بخير؟ سألت أخيرًا.
نعم.
إذن سآتي.
سأرتب الرحلة.
من أنت؟ سألت.
نظر إلى الطفلين.
رجلٌ يدين بالحياة لابنك.
لكن قبل وصول الجدة، اندلعت العاصفة.
قدّمت ديانا بلاغًا ادعت أن طفليها اختُطفا.
وصل شرطيان وأخصائية اجتماعية.
الأطفال هنا قال سانتياغو أكلوا. وتواصلت مع جدتهم.
تقول إنك أخذتهما قالت الأخصائية.
الكاميرات ستقول غير ذلك.
وقالت الكاميرات الحقيقة.
ثلاثة وأربعون ثانية فقط.
امرأة تُجلس طفلين وتمضي بلا التفات.
انتهت الكذبة.
سألت الأخصائية لوسيا
هل كانت زوجة أبيك تحبكما؟
كانت تطبخ لنفسها أولًا ثم نأكل نحن إن بقي شيء.
ساد الصمت.
جلس ماتيو قرب سانتياغو.
أبي كان لديه صورة قال لسيارة تحترق قال إن رجلًا خرج حيًا لأنه أنقذه.
نظر إلى يديه.
هل أنت ذلك الرجل؟
نعم.
ثم سأل
هل ستتركنا أنت أيضًا؟
خفض سانتياغو نظره.
ليس هذه الليلة.
اكتفى الطفل.
الجزء الثالث الوعد الذي وُفي
وصلت الجدة عند الخامسة مساءً.
كانت امرأةً صغيرة الجسد، يكسو الشيب شعرها، وتحمل في عينيها تعب سنواتٍ طويلة، لكنه كان تعبًا ممزوجًا بقوةٍ لا تنكسر. ما إن رأت الطفلين حتى فتحت ذراعيها، فاندفع ماتيو نحوها دون تردد، بينما اقتربت لوسيا بخطواتٍ أبطأ، وكأنها تخشى أن
تكون هذه اللحظة حلمًا قد يختفي.
احتضنتهما الجدة وبكت.
لم تعتذر عن دموعها.
لم تحاول إخفاءها.
كانت دموعًا خرجت من قلبٍ انتظر طويلًا وخاف أكثر.
ثم رفعت رأسها ونظرت إلى سانتياغو.
ابني أخبرني عنك مرة قال إنه أنقذ رجلًا من نارٍ كادت تبتلعه وتمنى أن يكون ذلك يستحق.
ثبت سانتياغو نظره فيها.
لم يهرب.
لم يختبئ خلف صمته المعتاد.
ماذا تحتاجين؟ سأل بهدوء.
ترددت للحظة، ثم قالت بصوتٍ صادق
أحتاج أن آخذهما معي وأن أعرف أنهما سيكونان بخير.
أومأ سانتياغو.
هذا يمكنني فعله.
ولم يكن كلامًا فارغًا.
خلال أيامٍ قليلة، تحركت الأمور بسرعةٍ غير معتادة. الأوراق القانونية، الوصاية المؤقتة، كل شيء تم ترتيبه بدقة. تم إنشاء صندوقٍ باسميهما، يغطي دراستهما، صحتهما، واحتياجاتهما لسنواتٍ طويلة. لم يكن معروفًا في أي مستندٍ رسمي مصدر المال، لكن كل شيء كان واضحًا في نتائجه.
الجدة لم تسأل.
أحيانًا الامتنان يعرف متى يصمت.
في يوم السفر، كان المطار مزدحمًا كما كان في ذلك اليوم الأول.
لكن هذه المرة لم يكن هناك خوف.
ولا انتظارٌ فارغ.
وصل سانتياغو قبل الموعد بوقتٍ طويل، وكأنه يريد أن يضمن أن كل شيء سيكون على ما يرام أو ربما لأنه لم يستطع أن يبتعد دون أن يراهم مرةً أخيرة.
كان ماتيو أول من رآه.
ركض نحوه بسرعة، يحمل حقيبته الصغيرة على ظهره، والدب تحت ذراعه.
وعندما وصل، ارتمى في حضنه بقوةٍ لم يتوقعها سانتياغو.
تجمد للحظة.
ثم رفع يديه ووضعهما على ظهر الطفل.
ببطء.
كأنه يتعلم شيئًا لم يعتده منذ زمن.
هل ستزورنا؟ سأل ماتيو وهو يبتعد قليلًا، وعيناه ممتلئتان بالأمل.
نظر إليه سانتياغو.
هذه المرة لم يتردد.
نعم.
نظر إليه ماتيو لثوانٍ، كما لو أنه يختبر صدق الكلمة.
ثم ابتسم.
وكانت تلك الابتسامة كأنها تصديقٌ نهائي.
اقتربت لوسيا بعد ذلك.
لم تركض.
لم تتعجل.
كانت هادئة كعادتها.
مدّت يدها نحوه، وفيها منديل صغير مطوي بعناية.
فتحه سانتياغو ببطء.
كان رسمًا بسيطًا.
بيت.
شجرة.
طفلان يمسكان بأيدي بعضهما.
وشخص ثالث أطول منهما، يقف إلى جانبهما، وكأنه يحميهما.
هذا لك قالت كي لا تنسى.
نظر إلى الرسم.
ثم أعاد طيه بعنايةٍ أكبر، ووضعه في جيب سترته الداخلي، قرب قلبه.
لن أنسى.
نظرت إليه لوسيا بعينين ثابتتين، كأنها ترى شيئًا لا يراه الآخرون.
أنت طيب حتى لو بدا الأمر معقدًا.
هذه المرة لم يحاول الرد.
لم يكن بحاجة.
لأن شيئًا في داخله كان يعرف أن تلك الكلمات حقيقية.
نادوا على الرحلة.
تقدمت الجدة، أمسكت بيدي الطفلين.
قبل أن يدخلوا، التفتت نحوه.
ابني كان سيطمئن لو رأى هذا وكان سيفتخر بك.
لم يقل شيئًا.
لكنه أومأ برأسه.
رفع ماتيو يده بحماس.
لوّحت لوسيا بهدوء.
لوّح لهما أيضًا.
ثم اختفوا خلف البوابة.
بقي
سانتياغو واقفًا.
ينظر إلى المكان الفارغ.
كل شيء عاد كما كان.
الناس.
الأصوات.
الإعلانات.
لكن داخله لم يعد كما كان.
أدخل يده إلى جيبه.
أخرج المنديل.
فتح الرسم مرةً أخرى.
حدّق فيه طويلًا.
لقد بنى شركات.
وبنى نفوذًا.
وبنى خوفًا في قلوب الآخرين.
وبنى مسافاتٍ بينه وبين كل شيءٍ إنساني.
لكن
طفلين جلسا يومًا على مقعدٍ في المطار
كسرا كل ذلك.
فتحا فيه بابًا لم يكن يعلم أنه ما زال موجودًا.
مرت الأشهر.
وفي يوم أحد هادئ، قرر أن يفي بوعده.
سافر إلى غوادالاخارا.
لم يكن يحمل معه شيئًا فاخرًا.
فقط نفسه وهذه المرة، كان ذلك كافيًا.
فتح له ماتيو الباب.
قفز نحوه مرةً أخرى، وكأن الوقت لم يمر.
جئت!
قلتُ إنني سأفعل.
قادته لوسيا إلى الداخل.
أرته غرفتها.
كتبها.
أول الكلمات التي تعلمت قراءتها.
جلست الجدة تقدم له القهوة وخبزًا بسيطًا.
كان كل شيء عاديًا.
بسيطًا.
لكن حقيقي.
ثم لفت نظره شيء على الجدار.
رسم جديد.
نفس البيت.
نفس الشجرة.
نفس الطفلين.
لكن هذه المرة
الشخص الثالث لم يكن في الخارج.
لم يكن بعيدًا.
لم يكن مراقبًا.
كان داخل البيت.
بينهما.
جزءًا منهما.
نظر سانتياغو إلى الرسم.
ثم إلى الطفلين.
ثم إلى الجدة.
وشعر بشيءٍ لم يشعر به منذ سنوات طويلة
الانتماء.
لأن هناك رجالًا يبنون أسماءً يخشاها الآخرون
لكن هناك لحظات
تعيد بناء الإنسان من الداخل.
ولأن هناك أطفالًا
لا يحتاجون إلى سلطة ولا مال
كي يغيّروا مصير رجلٍ كامل.
يكفي
أن ينظروا إليه مرةً واحدة
ليتذكر من كان يمكن أن يكون.
ومن يمكنه أن يصبح.


تعليقات
إرسال تعليق