القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ارملة ابنى 



ارملة ابنى 


شفت مرات ابني الأرملة بتنزل من عربيتها وترمي شنطة تقيلة في الترعة… نزلت وسط الطين أطلعها، وفجأة سمعت صوت أنين خافت.

“هي ما رمتش الشنطة علشان تتخلص منها… هي رمتها علشان محدش يسمع اللي جواها!”

ولما فتحتها، اكتشفت السر الأبشع في حياتي.

الجزء الأول

“الشنطة دي ما اترمتش في الميه بالغلط… دي اترمت علشان محدش يسمع اللي جواها!”

دي كانت أول فكرة جت في بالي وأنا شايفة “ريم”، مرات ابني، بتنزل بسرعة من عربيتها السودا جنب ترعة الإسماعيلية.

كنت قاعدة قدام بيتي في قرية هادية على أطراف الإسماعيلية، وماسكة كباية شاي بردت بين إيديا، لما شفتها جاية بسرعة تثير التراب وراها.

من يوم ما ابني “أحمد” مات من تمن شهور، وريم تقريبًا اختفت من حياتنا. ولو كانت بتيجي، كانت بتيجي علشان ورق، أو فلوس، أو أي حاجة تقول إن أحمد “وعدها بيها”.

ولا مرة جت تقرأ له الفاتحة.

ولا مرة سألتني أنا عاملة إيه.

وأنا “أمينة”، ست عندي 64 سنة، اتعلمت أدفن وجعي جوايا وأسكت.

لكن اليوم ده… وش ريم ماكانش وش واحدة مكسورة على جوزها.

كان وش واحدة… بتهرب.

فتحت شنطة العربية الخلفية بعصبية، وطلعت شنطة سفر بنية جلد. عرفتها فورًا… دي نفس الشنطة اللي أحمد جابهالها بعد جوازهم لما سافروا شرم الشيخ.

كانت بتجرها ناحية الميه وهي كل شوية تبص حواليها بخوف، كأن حد بيراقبها.

صرخت من بعيد: — ريم!

ما بصتش ناحيتي حتى.

شفتها وهي بتاخد نفس قوي، وترجّح الشنطة بكل قوتها وترميها في الترعة.

صوت وقعتها كان تقيل… مرعب.

الشنطة فضلت طافية ثواني بسيطة، وبعدها بدأت تغرق ببطء.

ريم جريت بسرعة على عربيتها، وطلعت بأقصى سرعة من غير ما تبص وراها.

لحد النهارده معرفش جبت القوة دي منين.

نزلت أجري من البيت، وعدّيت الجنينة الصغيرة، وقلبي كان بيدق بعنف كأنه هيقف.

الميه كانت باردة والطين بيشد رجلي لتحت، لكن كان فيه صوت جوايا بيصرخ: “ما تسيبيهاش تغرق!”

ولما مسكت إيد الشنطة، حسّيت إنها تقيلة بشكل مرعب.

شدّيتها بكل قوتي لحد ما طلعتها على الشط.

وفجأة…

سمعت صوت.

خفيف جدًا.

زي أنين صغير.

زي نفس محبوس بالعافية.

إيديا كانت بتترعش وأنا بحاول أفتح السوستة المبلولة.

ولما اتفتحت أخيرًا…

حسّيت الدنيا كلها بتنهار فوق دماغي.

كان جوا الشنطة طفل رضيع ملفوف في بطانية زرقا مبلولة.

مولود لسه جديد.

جسمه كان بارد، وشفايفه مزرقة، وما بيتحركش.

الحبل السري مربوط بخيط عشوائي، كأنه اتولد في السر… من غير دكتور… من غير مستشفى… من غير حد يستقبله بحب.

همست وأنا ببكي: — لا… يا ساتر يا رب… لا…

شيلته بحذر وضمّيته لصدري، وحطيت خدي جنب مناخيره.

كان فيه نفس.

ضعيف جدًا…

بس فيه نفس.

جريت بيه على البيت أسرع من أي مرة جريت فيها في حياتي.

اتصلت بالإسعاف بإيد، وحضنته بالإيد التانية.

كنت بصرخ في التليفون وأنا بعيط: — الحقوني… طفل بيموت… بالله عليكم بسرعة!

المسعفة فضلت تقولي: — نشّفيه… غطّيه كويس… حاولي تدفيه…

ولما الإسعاف وصلت، المسعفين أخدوه من حضني بالعافية.

لكن أنا ركبت معاهم.

ماقدرتش أسيبه… حتى لو ماكانش حفيدي.

في المستشفى، ممرضة سألتني بصوت مرتبك: — مين اللي رمى الشنطة؟

بلعت ريقي بصعوبة وقلت: — مرات ابني… أنا شفتها بعيني.

بعدها بساعات وصلت الشرطة.

خلّوني أحكي كل حاجة من أول وجديد.

لكن أول ما قلت اسم ريم… الضباط بصوا لبعض بنظرات غريبة.

واحدة من الظباط، اسمها المقدم “ليلى”، قربت مني وقالت: — يا مدام أمينة… لازم نتأكد من حاجات كتير قبل ما نتهم حد.

بصتلها بعدم استيعاب. — نتأكد من إيه؟! أنا شفتها!

لكن الصدمة الحقيقية جات بعدها بساعات.

رجعت الظابطة وقالتلي حاجة خلّت الدم يتجمد في عروقي:

— فيه كاميرا مراقبة صوّرت عربية ريم في مكان تاني تقريبًا في نفس الوقت.

بقيت أبصلها وأنا مش قادرة أستوعب.

إزاي؟!

يعني أنا كنت بتخيل؟!

قالوا يمكن حزني على أحمد خلاني أشوف حاجات مش حقيقية.

قالوا يمكن كنت بدور على مذنب بأي طريقة.

لكن أكتر سؤال كسّرني فعلًا…

لما المقدم ليلى بصتلي مباشرة وقالت: — إنتِ كنتِ بتكرهي مرات ابنك… صح؟

وقتها حسّيت إن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش…

وإن السر اللي كنت على وشك أكتشفه… أخطر بكتير من مجرد طفل مرمي في شنطة…


الجزء الثاني

قضيت الليلة كلها في المستشفى وأنا قاعدة قدام حضانة الأطفال، عيني معلقة على الرضيع الصغير اللي كان محاط بأسلاك وأجهزة أكبر من جسمه نفسه. كل شوية الجهاز يطلع صوت رفيع يخلي قلبي يقف، والممرضات يدخلوا يظبطوا حاجة وأنا أقعد أقرأ قرآن بصوت مرتجف وأدعيله كأنه حفيدي فعلًا.

الغريب إني ماقدرتش أبصله كطفل غريب.

من أول ما ضميته لصدري وأنا طالعة بيه من الترعة… حسيت بحاجة اتكسرت جوايا وصحّت في نفس الوقت.

يمكن لأني بعد موت أحمد، البيت بقى ميت.

صوته اختفى.

ضحكته اختفت.

حتى ريحة قهوته الصبح اختفت.

وفجأة ظهر الطفل ده… من قلب كابوس.

المقدم ليلى دخلت القاعة بهدوء وهي ماسكة ملف أسود رفيع. كانت ست في أواخر الثلاثينات، ملامحها جامدة، لكن عينيها ذكية بشكل يخوف.

وقفت جنبي وقالت: — الطفل حالته مستقرة شوية دلوقتي.

حمدت ربنا وأنا بامسح دموعي بسرعة.

لكنها ماقعدتش.

فضلت واقفة تبصلي كأنها بتقيس كل حركة في وشي.

وقالت فجأة: — علاقتك بمرات ابنك كانت عاملة إزاي؟

اتوترت فورًا. — عادية.

رفعت حاجبها. — عادية لدرجة إن أهل البلد كلهم عارفين إنكم كنتم متخانقين على الورث؟

حسيت بالإهانة. — أنا ماطلبتش منها غير حقي وحق ابني الله يرحمه.

— وهي كانت شايفة إنكِ بتتهميها إنها السبب في موته.

قلبي دق بعنف. — وأنا ماقلتش كده!

لكن الحقيقة إني… فكرت فيها.

أحمد مات في حادثة غريبة.

عربيته وقعت من فوق الطريق الزراعي بالليل واتقلبت في الترعة.

قالوا إنه كان سايق بسرعة.

لكن ابني ماكانش متهور.

وعمره ما شرب.

ولحد النهارده… كان فيه حاجة جوايا بتقول إن الحكاية مش طبيعية.

ليلى فتحت الملف وقالت: — كاميرات المراقبة بتاعة محطة البنزين اللي على أول الطريق صورت عربية ريم الساعة ٦:١٢… ووقت رمي الشنطة تقريبًا كان ٦:٠٥.

بقيت أبصلها بعدم فهم. — يعني إيه؟

— يعني نظريًا… مستحيل تكون هي اللي عند الترعة.

اتنهدت بعنف. — بس أنا شوفتها!

قربت مني أكتر وقالت: — شوفتي عربية شبه عربيتها؟ ولا شوفتي ريم بنفسها؟

فتحت بقي علشان أجاوب… لكن الكلام وقف.

لأني فجأة افتكرت حاجة صغيرة جدًا.

ريم كانت لابسة نضارة شمس كبيرة.

والطرحة ملفوفة حوالين وشها.

وأنا فعلًا… ما شفتش غير نص وشها.

لكن مستحيل. مستحيل أكون غلطت.

همست: — كانت هي…

ليلى قفلت الملف وقالت: — أحيانًا عقل الإنسان وهو مكسور بيشوف اللي هو مستنيه يشوفه.

الجملة جرحتني أكتر من الاتهام نفسه.

خرجت الظابطة وسابتني لوحدي مع أفكاري السودا.

لكن بعد حوالي ساعة، وأنا قاعدة قدام الحضانة، لمحت شخص واقف بعيد آخر الممر.

ست.

لابسة إسدال أسود.

واقفة تبص على الطفل من بعيد.

أول ما عينينا اتقابلت… اتحركت بسرعة ومشت.

قمت وراها فورًا رغم رجلي اللي كانت لسه بتوجعني من الطين.

وصلت لآخر الممر… لكن الست اختفت.

وكأن الأرض بلعتها.

فضلت واقفة بقلبي اللي بيدق بعنف، لحد ما سمعت صوت ممرضة بتناديني: — يا مدام أمينة… الطفل فاق شوية.

رجعت بسرعة.

دخلت الحضانة بإذن الممرضة، وشوفت الطفل الصغير فاتح عينيه نص فتحة.

عينين سودا واسعة.

مرعوبة.

زي طفل اتولد في العالم الغلط.

قربت من الحضانة الزجاجية ومديت صباعي بحذر.

والمعجزة إنه حرك إيده الصغيرة جدًا… ومسك طرف صباعي.

في اللحظة دي… انفجرت في العياط.

لأن آخر مرة إيد صغيرة مسكتني بالشكل ده كانت إيد أحمد وهو طفل.

بعدها بساعتين، الدكتور طلب يقابلني.

دخلت مكتبه وأنا مرعوبة.

قال بهدوء: — الطفل غالبًا اتولد من أقل من ٢٤ ساعة.

بلعت ريقي. — يعني؟

— يعني اللي ولدته كانت في خطر كبير لو ولدت لوحدها فعلًا.

سألته بتردد: — ينفع… تكون ريم؟

بصلي للحظة قبل ما يرد: — محتاجين فحص طبي علشان نعرف إذا كانت ولدت قريب ولا لأ.

ولأول مرة… حسيت بالخوف الحقيقي.

لأن لو طلعت ريم مش أم الطفل…

يبقى مين؟

خرجت من المكتب لقيت المقدم ليلى واقفة مستنياني.

قالت: — محتاجين تروحي البيت شوية ترتاحي.

هزيت راسي بعند. — مش هسيبه.

— الطفل هيفضل هنا تحت الملاحظة يومين على الأقل.

سكت شوية وبعدين قالت: — في حاجة لازم تعرفيها.

قلبي اتقبض. — إيه؟

فتحت الملف وطلعت صورة.

ولما شفتها… شهقت.

كانت صورة أحمد.

ابني.

لكن مش الصورة اللي أعرفها.

الصورة كانت من كاميرا مراقبة قديمة في موقف سيارات بالقاهرة.

وتاريخها… قبل موته بثلاث أيام.

وكان واقف جنب ست.

ست حامل.

بطنها واضحة جدًا.

لكن وشها مش ظاهر في الصورة.

ليلى قالت بهدوء: — الصورة دي لقيناها ضمن تحقيق قديم مرتبط بحادث ابنك.

حسيت رجلي بتضعف. — تحقيق قديم؟

— عربية ابنك ماكانتش سليمة وقت الحادث.

بصتلها بصدمة. — يعني إيه؟

— الفرامل كانت متعطلة بشكل متعمد.

حسيت الدنيا بتلف حواليا.

من تمان شهور وأنا بدفن ابني كل يوم… والنهارده لأول مرة حد يقولي إنه يمكن ما ماتش بحادثة.

همست بصعوبة: — مين عمل كده؟

ليلى سكتت ثواني، وبعدين قالت: — لسه مانعرفش.

قعدت على أقرب كرسي وأنا حاسة إني هقع.

كل حاجة بدأت تتغير.

ريم. الطفل. الشنطة. الحادثة.

ولا حاجة بقت مفهومة.

وفجأة… رن تلفوني.

رقم غريب.

رديت بإيد مرتجفة: — ألو؟

لكن اللي سمعته خلّى الدم يتجمد في عروقي.

صوت ست… بتهمس بالعافية: — الطفل ده… لو فضل عايش… كلنا هنموت.

واتقفل الخط.

فضلت باصة للتليفون كأني مسكت تعبان سام.

ليلى لاحظت لوني اللي اتغير وخطفت التليفون من إيدي. — مين كان بيكلمك؟

بصتلها وأنا مش قادرة أبلع ريقي. — واحدة ست…

— قالت إيه؟

همست: — قالت لو الطفل عاش… كلنا هنموت.

في ثانية، وش ليلى اتغير تمامًا.

خدت التليفون بسرعة وخرجت تتكلم مع حد.

وأنا فضلت مكاني… ببص على الحضانة من بعيد.

الطفل الصغير كان نايم بهدوء.

ولا كأنه مركز الشر كله.

بعد نص ساعة تقريبًا، المستشفى اتقلبت فجأة.

اتنين عساكر وقفوا قدام الحضانة.

ممرضات بيتحركوا بسرعة.

ليلى رجعت وقالت: — من اللحظة دي، محدش يعرف إن الطفل هنا.

بصتلها بذهول. — طفل إيه اللي محدش يعرفه؟ ده رضيع!

قالت بحدة: — يا مدام أمينة اسمعيني كويس… إحنا غالبًا داخلين على قض*ية أكبر بكتير من اللي متخيلاه.

— ق*ضية إيه؟!

لكنها ما ردتش.

في اللحظة دي، باب المستشفى اتفتح بعنف.

وكل الناس بصوا ناحية الداخل.

ريم دخلت.

وشها كان شاحب بطريقة تخوف.

شعرها مبهدل.

وعينيها حمرا كأنها بقالها ساعات بتعيط.

أول ما شافتني… جريت ناحيتي.

وقبل ما أتكلم حتى، مسكت إيدي بقوة وقالت بصوت مبحوح: — الطفل فين؟!

شدّيت إيدي منها بعنف. — يبقى الطفل بتاعك فعلًا!

صرخت وهي بتبكي: — والله ما رميته! أقسم بالله ما رميت حد!

الممرضات والضباط اتحركوا حوالينا بسرعة.

لكن ريم فضلت تبصلي بانهيار غريب وهي بتقول: — أنا كنت بحاول أنقذه!

صرخت فيها: — تنقذيه بإنك ترميه في الترعة؟!

هزت راسها بعنف وهي بتعيط أكتر. — دي ماكنتش أنا!

اتجمدت مكاني.

نفس الجملة اللي كانت الشرطة بتحاول تقنعني بيها… ريم نفسها بتقولها دلوقتي.

قربت ليلى منها بسرعة. — تقصدي إيه؟

ريم كانت بتتنفس بصعوبة، وكأنها على وشك الإغماء.

وقالت الجملة اللي قلبت كل حاجة: — فيه واحدة شبهى… وهي اللي قت*لت أحمد.

يتبع



الممر كله سكت.

حتى صوت الأجهزة اللي طالعة من أوضة الحضانة حسّيته اختفى للحظة.

بصيت لريم بعدم استيعاب، وأنا حاسة إن عقلي خلاص مبقاش قادر يستحمل مفاجآت أكتر من كده.

همست: — إنتِ اتجننتي؟

لكن ريم كانت مرعوبة بجد.

مش خوف واحدة اتكشفت… خوف واحدة بتهرب من كابوس بيجري وراها.

المقدم ليلى مسكت دراعها بسرعة وقالت بحدة: — تقعدي وتهدي حالًا… وتفهمينا كل كلمة بتقوليها.

ريم بصتلها بعيون زايغة. — مش هنا… بالله عليكي مش هنا.

— ليه؟

ريم قربت منها وهمست: — لأنها ممكن تكون مراقبانا.

الظابطة ثبتت عينيها فيها ثواني طويلة، وبعدها أشارت للعساكر: — خدوها أوضة التحقيق اللي فوق.

وقبل ما يتحركوا، ريم لفت ناحيتي فجأة وقالت بصوت مكسور: — أنا عارفة إنك بتكرهيني يا طنط أمينة… بس أقسم بالله أحمد مات وهو بيحاول يحميني.

الكلام نزل عليا زي حجر.

لأني طول الشهور اللي فاتت كنت مقتنعة إن ابني مات بسببها.

لكن لأول مرة… ظهر في صوتها وجع حقيقي.

طلعت معاهم أوضة صغيرة في الدور التالت.

المكان كان ضيق وريحتُه مطهرات وتعب.

ليلى قفلت الباب وقالت ببرود: — من أول السطر… مين الست اللي شبهك؟

ريم كانت بتترعش بشكل واضح.

شربت شوية مية، وبعدين قالت: — اسمها “رنا”.

أول ما قالت الاسم، حسيت قلبي وقف.

الاسم مألوف.

مألوف جدًا.

وفجأة افتكرت.

رنا.

البنت اللي أحمد كان مخطوب لها قبل ريم بسنين.

البنت اللي اختفت فجأة من حياته من غير ما نعرف السبب.

همست بصدمة: — رنا؟!

ريم هزت راسها ببطء. — هي أختي التوأم.

الدنيا اسودت قدام عيني.

توأم؟!

طول عمري معرفش إن لريم أخت.

حتى أحمد نفسه عمره ما قال.

ليلى ضيقت عينيها. — ليه مخبتوش الموضوع؟

ريم نزلت عينيها. — لأن رنا مريضة.

— مريضة بإيه؟

سكتت لحظة… وبعدين قالت: — اضطراب شخصية حاد… وعندها هوس مرضي بيا.

الهواء بقى تقيل فجأة.

ريم بدأت تحكي، وأنا حاسة إن كل كلمة بتفتح باب رعب جديد.

قالت إنهم من وهم صغيرين كانوا شبه بعض بشكل مخيف.

لدرجة إن أمهم نفسها كانت بتتلخبط بينهم.

لكن مع الوقت، رنا بدأت تتغير.

تبقى عدوانية لو حد اهتم بريم أكتر منها.

تلبس هدومها.

تقلد صوتها.

تحاول تبقى هي.

وفي مرة وهي عندها ١٧ سنة… حاولت تخنقها وهي نايمة.

شهقت بدون وعي.

ريم كملت وهي بتعيط: — دخلناها مصحة وقتها… وأبويا قال للناس إنها سافرت.

ليلى سألت بسرعة: — خرجت إمتى؟

— من سنة تقريبًا.

— وإنتِ ما بلغتيش؟

— لأنها وعدتنا إنها خفت… وكانت بتاخد علاج.

ضحكت ضحكة مكسورة. — طبعًا كدبت.

بدأت أحس ببرودة غريبة في جسمي.

لو الكلام ده حقيقي…

يبقى اللي شفته عند الترعة… ممكن فعلًا ما يكونش ريم.

ليلى سألت: — إيه علاقتها بأحمد؟

ريم غمضت عينيها كأن السؤال بيوجعها. — كانت مهووسة بيه.

قلبي دق بعنف.

— كانت دايمًا تقول إنه المفروض يكون ليها هي… مش ليا.

ليلى قربت أكتر. — عندك دليل إن رنا رجعت؟

ريم رفعت إيديها المرتعشة وفتحت موبايلها.

طلعت صورة.

ولما شفتها… شهقت.

الصورة كانت لريم.

أو ده اللي افتكرته أول ثانية.

لكن بعد التدقيق…

كان فيه حاجة غلط.

الابتسامة أوسع شوية.

العينين أبرد.

نظرة تخوف.

قالت ريم: — دي رنا.

الصورة كانت متصورة من بعيد قدام بيتي أنا.

يعني الست كانت بتراقبنا.

ليلى أخدت الموبايل بسرعة. — إمتى الصورة دي؟

— من أسبوع.

— وليه ما بلغتيش؟

ريم بصتلها بانهيار. — لأن أحمد كان ميت خلاص… وكنت فاكرة إنها هتبعد بعد ما خلصت اللي عايزاه.

الكلمة الأخيرة خلت ليلى تنتبه فورًا. — تقصدي إيه بـ “خلصت اللي عايزاه”؟

ريم بدأت تبكي بعنف. — أحمد اكتشف إنها رجعت.

قلبي اتقبض.

— في الأول افتكرها أنا… لأنها كانت بتقابله بوشي وصوتي.

شهقت وأنا حاسة بغثيان.

يا رب.

يعني ابني كان بيشوف واحدة متقمصة مراته.

ريم كملت: — وفي يوم… شافها بعينه وهي داخلة بيتي وأنا أصلًا كنت عند الدكتورة.

ليلى قالت بسرعة: — وبعدها؟

— بعدها فهم الحقيقة.

سكتت ثواني طويلة… وبعدين همست: — ومن يومها بقى خايف.

افتكرت فجأة صورة أحمد اللي شفتها في ملف الشرطة مع الست الحامل.

يمكن ماكنتش ريم أصلًا.

يمكن كانت رنا.

ليلى سألت السؤال اللي كلنا خايفين منه: — الطفل ابن مين؟

ريم رفعت عينيها ببطء… وقالت: — معرفش.

الصمت بعدها كان مرعب.

صرخت فيها بدون وعي: — إزاي ما تعرفيش؟!

ريم انفجرت: — لأنها كانت بتلبس هدومي وتروحله! كانت بتروحله وأنا نايمة أو برا البيت! كانت مهووسة تبقى مكاني!

حسيت نفسي هقع.

ابني… ابني ممكن يكون اتخدع بالشكل ده؟

لكن ليلى كانت أهدى مننا كلنا.

قالت: — عندك دليل على الكلام ده؟

ريم مسحت دموعها بسرعة وقالت: — أحمد سجل فيديو قبل ما يموت.

في اللحظة دي… كلنا اتجمدنا.

— فيديو؟

هزت راسها. — باعتُهولي قبل الحادث بساعات… وقال لو حصله حاجة أفتحه.

ليلى قربت منها بسرعة. — والفيديو فين؟

ريم بلعت ريقها. — اختفى.

— اختفى إزاي؟!

— موبايلي اتسرق بعدها بيوم.

ليلى شتمت تحت نفسها لأول مرة.

لكن قبل ما حد يتكلم…

الباب اتفتح بعنف.

واحد عسكري دخل وهو متوتر: — يا فندم… الطفل اختفى.

قلبي وقف.

صرخت: — إيه يعني اختفى؟!

العسكري كان بيعرق. — الحضانة فاضية… والكاميرات فصلت خمس دقايق كاملة.

في ثانية واحدة… ريم انهارت على الأرض وهي بتصرخ: — قولتلكم! قولتلكم إنها رجعت!

جريت أنا وليلى ناحية الحضانة بأقصى سرعة.

الممر كله متلخبط.

ممرضات بيعيطوا.

دكاترة بيجروا.

ولما دخلت أوضة الحضانة…

حسيت روحي خرجت مني.

السرير الصغير فاضي فعلًا.

والبطانية الزرقا مرمية على الأرض.

لكن مش ده اللي جمد الدم في عروقي.

كان فيه حاجة تانية.

ورقة.

متعلقة على الحضانة من فوق.

ليلى أخدتها بسرعة، لكني لمحت المكتوب قبل ما تخبيها.

“الطفل ده مش المفروض يعيش.”

إيديا بدأت ترتعش بعنف.

وفي اللحظة دي…

تليفون ريم رن.

رقم مجهول.

ليلى فتحت الاسبيكر فورًا.

وفي اللحظة اللي جه فيها الصوت… صرخت ريم رعب.

لأن اللي كان بيتكلم…

كان صوتها هي نفسها بالظبط.

الصوت قال بهدوء مرعب: — قلتلك يا ريم… أحمد كان ليا الأول… وابنه كمان ليا.



ريم وقعت على ركبتها وهي بتصرخ بشكل هستيري، وإيديها الاتنين فوق ودانها كأنها بتحاول تهرب من الصوت.

لكن الصوت كمل بنفس الهدوء البارد: — متتعبيش نفسك يا حبيبتي… إنتِ عمرك ما عرفتي تحتفظي بحاجة لوحدك.

ليلى خطفت التليفون بسرعة: — إنتِ مين؟!

ضحكة خافتة طلعت من السماعة.

ضحكة ست… لكن فيها حاجة مكسورة تخوف.

— المقدم ليلى بنفسها؟ يا سلام… الق*ضية بقت مهمة أوي.

قالت ليلى بحدة: — لو الطفل حصله حاجة إنتِ هتتحاسبي.

الصوت سكت ثواني… وبعدين قال: — هو أصلًا ماكانش المفروض يتولد.

واتقفل الخط.

الممر كله كان ساكت بشكل مرعب.

وأنا واقفة حاسة إن نفسي بيتسحب بالعافية.

الطفل اختفى.

وفي واحدة مجهولة بتتكلم بصوت ريم.

وفي احتمال إن ابني اتق*تل.

وفي احتمال أبشع… إن الطفل ده يكون حفيدي فعلًا.

بصيت لريم، لقيتها منهارة على الأرض بتنتفض من العياط وهي بتقول: — هتموته… والله هتموته…

ليلى ركعت قدامها ومسكت وشها بقوة: — بصيلي… لو عايزة ننقذه لازم تقولي الحقيقة كاملة.

ريم كانت بتتنفس بسرعة. — قلت كل حاجة.

صرخت فيها ليلى: — لأ! لسه مخبية!

وفجأة… سكتت ريم.

وشها اتغير.

وفي لحظة حسيت إنها قررت تستسلم.

همست: — أحمد ماكنش يعرف يفرق بينا.

الجملة نزلت علينا زي الصاعقة.

أنا اتجمدت. — إيه؟!

ريم غمضت عينيها وهي بتبكي. — أول مرة رنا دخلت حياتنا بعد الجواز كانت وأنا في المستشفى.

ليلى سألت بسرعة: — مستشفى إيه؟

— كنت حامل… وحصل نزيف.

قلبي وقف.

— حامل؟!

هزت راسها بعياط. — ونزلت البيبي.

حسيت بغصة شديدة.

أنا أصلًا ماكنتش أعرف إنها حملت من أحمد قبل كده.

ريم كملت: — وأنا في المستشفى… رنا راحت البيت مكاني.

ليلى فهمت قبلنا كلنا. — وأحمد افتكرها إنتِ.

ريم بصتلها بانكسار. — كانوا شبه بعض جدًا… وأحمد ماشكش.

المكان لف بيا.

يعني ابني عاش مع واحدة غريبة من غير ما يعرف؟!

قالت ريم: — بعد كده بقت تعملها كتير… تدخل حياتي كأنها أنا. ترد على تليفونه. تخرج معاه. مرة حتى سافرت معاه يوم كامل وأنا فاكرة إنه في الشغل.

شهقت وأنا حاطة إيدي على بقي.

يا نهار أسود.

ليلى سألت ببرود: — وإنتِ سكتِ ليه؟

ريم بصتلها بصدمة كأن السؤال نفسه ظالم. — لأن رنا كانت بتهددني.

— بإيه؟

ريم بدأت ترتعش أكتر. — قالتلي لو قلت لأحمد الحقيقة… هتق*تل نفسها وتكتب جواب إني السبب.

سكتت لحظة… وبعدين همست: — وأنا كنت جبانة.

قلبي اتقبض.

لأول مرة… شفت قد إيه البنت دي عاشت في رعب.

لكن لسه فيه حاجة ناقصة.

ليلى سألت السؤال اللي كلنا بنفكر فيه: — والطفل؟

ريم بصت للحضانة الفاضية بعينين ميتين. — من حوالي شهرين… رنا اختفت فجأة.

— وبعدها؟

— وبعدها أحمد بدأ يشك إن في حاجة غلط.

اتوترت ملامحها. — كان يقولي إني بتغير فجأة… مرة حنينة ومرة باردة… مرة فاكرة كلام ومرة لأ… وأنا كنت بكدب وأقوله ضغوط.

ليلى عقدت دراعها. — لحد ما اكتشف الحقيقة.

ريم أومأت ببطء. — شافها بعينه وهي خارجة من شقتنا بالليل… وأنا أصلًا كنت عند صاحبتي.

— وعمل إيه؟

سكتت ريم.

ثم انفجرت في العياط.

— اتخانق معايا جامد… وقال إني مريضة زيها وساكتة.

أنا افتكرت أحمد وهو صغير. عنيد. صوته بيعلى لما يحس بالخيانة.

ريم كملت: — بعدها بيوم اختفى.

قلبي وقف. — اختفى؟!

— خرج من البيت ومردش على اتصالاتي. وبعدها بساعات… الشرطة كلمتني وقالوا إنه مات.

حسيت برعشة قوية.

يعني ابني مات بعد ما عرف الحقيقة مباشرة.

دي ماكانتوش صدفة.

ليلى كانت مركزة جدًا. — آخر مرة شفتي رنا إمتى؟

ريم بلعت ريقها. — يوم الحادثة.

— فين؟

— في الجراج تحت البيت.

قربت ليلى. — قالتلك إيه؟

ريم بصتلها بخوف حقيقي. — قالتلي: “أخيرًا بقيت مكاني بالكامل.”

الهواء برد فجأة حوالينا.

وفجأة… ممرضة جريت ناحيتنا وهي مرعوبة. — يا فندم!

ليلى لفت بسرعة. — إيه؟

الممرضة كانت بتنهج. — لقينا الكاميرات رجعت تشتغل.

في ثانية… كلنا جَرينا على غرفة الأمن.

الفني رجّع التسجيل بسرعة.

الصورة كانت مشوشة شوية… لكننا شفناها.

ست لابسة إسدال أسود داخلة الحضانة.

شايلة الطفل.

وماشية بهدوء غريب.

لكن وأنا ببص على الشاشة… حسيت قلبي هيقف.

لأن الست… ماكانتش ريم.

ولا حتى شبه ريم وبس.

دي كانت نسخة منها.

نفس الوش. نفس الطول. نفس طريقة المشي.

لكن فيه حاجة مرعبة مختلفة.

الابتسامة.

ابتسامة واسعة جدًا… باردة جدًا.

كأنها خارجة من كابوس.

ليلى وقفت الفيديو فجأة. — زوّد الصورة على وشها.

الفني كبّر اللقطة.

وفي اللحظة دي… ريم شهقت بخوف حقيقي.

لأن رنا كانت باصة مباشرة للكاميرا.

كأنها عارفة إنها متصورة.

وكأنها متعمدة.

لكن اللي خلى الدم يتجمد في عروقي بجد…

إن الطفل ماكنش بيعيط.

كان نايم في حضنها بهدوء.

كأنه عارفها.

ليلى همست: — الطفل ده شافها قبل كده.

ريم بدأت تهز راسها بعنف. — لا… لا…

لكن فجأة… وشها اتغير.

وبصتلنا ببطء شديد.

وقالت: — يا نهار أبيض…

قربت منها ليلى. — إيه؟

ريم همست بصوت ميت: — هي كانت حامل فعلًا.

سكتنا كلنا.

قالت وهي بتبص للشاشة: — وأنا كنت فاكرة إنها بتوهم نفسها… بس الحمل كان حقيقي.

أنا حاسة إني هقع.

— يعني الطفل ابنها؟!

ريم رفعت عينيها ببطء. — غالبًا…

لكن ليلى قالت بسرعة: — وابن مين؟

الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل بشكل مرعب.

لحد ما ريم قالت الجملة اللي كسرتني:

— يمكن يكون ابن أحمد.

حسيت روحي خرجت مني.

ابني… يمكن يكون عنده طفل… من أخت مراته.

يا ساتر يا رب.

لكن قبل ما حد يستوعب… الفني صرخ: — استنوا!

وقف الفيديو على لقطة صغيرة جدًا.

رنا وهي خارجة من باب المستشفى.

وراها… واقف راجل.

وشه مش واضح.

لكن فيه حاجة مألوفة فيه.

قربت من الشاشة أكتر… وقلبي بدأ يدق بعنف.

الجاكيت الرمادي ده…

أنا أعرفه.

همست بعدم تصديق: — ده… ده جاكيت أحمد.

ريم بصت للشاشة واتجمدت.

ليلى سألت بسرعة: — متأكدة؟

أنا كنت حرفيًا حاسة إني هختنق. — أنا اللي اشتريتهوله في عيد ميلاده.

في اللحظة دي… الفني كبّر الصورة أكتر.

والراجل رفع وشه للحظة قصيرة جدًا.

ثانية واحدة بس.

لكنها كانت كفاية.

لأن الراجل… ماكانش أحمد.

كان حد شبهه بشكل مرعب.

شهقت ريم: — مستحيل…

أما أنا… فحسيت إن الأرض بتتهز تحتي.

لأن الراجل اللي في الصورة…

كان ابني أحمد.

وفي نفس الوقت… ماكانش ابني أحمد.



اتجمدت أوضة المراقبة كلها.

الفني وقف بإيده على الكيبورد ومش بيتحرك، والممرضتين اللي كانوا واقفين عند الباب بصوا للشاشة وكأنهم شايفين شبح، أما أنا فحسيت إن قلبي بيدق بطريقة وجعاني جسديًا.

لأن الراجل اللي واقف ورا رنا كان نسخة من ابني.

نفس الطول.

نفس الوقفة.

حتى الطريقه اللي بيميل بيها راسه شوية وهو واقف.

لكن لما الصورة اتكبرت أكتر… ظهر الفرق.

العينين.

أحمد كانت عينيه أهدى. أدفى. حتى وهو زعلان.

أما الراجل ده… فعينيه كانت باردة بشكل غريب.

كأنك تبص لوش بني آدم من غير روح.

ريم شهقت وهي حاطة إيديها على بقها. — لا… لا مستحيل…

المقدم ليلى قربت من الشاشة أكتر. — مين ده؟

ريم بدأت ترجع لورا بخوف حقيقي. — أنا… أنا شفته قبل كده.

لفتلها ليلى بسرعة. — فين؟!

ريم بلعت ريقها. — يوم عزاء أحمد.

الهواء اتسحب من صدري.

افتكرت اليوم ده فورًا.

العزاء كان مليان ناس.

رجالة داخلة طالعة. قرايب. صحاب. جيران.

كنت تايهة أصلًا من الصدمة.

لو كان فيه حد شبه أحمد… يمكن فعلًا ماخدتش بالي.

ريم همست: — كان واقف بعيد تحت الشجرة اللي قدام البيت… وباصص علينا طول الوقت.

ليلى سألت: — وقولتيش ليه؟

ريم ضحكت ضحكة متقطعة كلها رعب. — لأن وقتها افتكرته تهيؤات… كنت حرفيًا بفقد عقلي.

لكن دلوقتي… دلوقتي أنا متأكدة.

ليلى بصتلها بثبات. — متأكدة من إيه؟

ريم همست: — رنا ماكنتش لوحدها.

سكتنا كلنا.

قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني حسيتهم سامعينه.

ليلى سألت: — تقصدي إن فيه حد بيساعدها؟

ريم هزت راسها ببطء. — رنا عمرها ما كانت ذكية كفاية تخطط لكل ده لوحدها.

الفني رجع الفيديو من الأول ببطء.

كلنا بقينا مركزين في كل تفصيلة.

رنا ماشية بهدوء. شايلة الطفل. خارجة من المستشفى.

والراجل واقف بعيد كأنه بيأمن خروجها.

وفجأة… وقف الفيديو على لحظة صغيرة جدًا.

الراجل مد إيده لرنا.

وكان في إيده… خاتم فضي.

قلبي وقف.

الخاتم ده أنا أعرفه.

صرخت بدون وعي: — ده خاتم أحمد!

ليلى لفتلي بسرعة. — متأكدة؟

دموعي نزلت غصب عني. — ده خاتم جوزه… أنا اللي جبتهوله.

الصمت بقى مرعب.

إزاي راجل غريب يلبس خاتم ابني؟

وفجأة… فكرة بشعة ضربت دماغي.

بصيت لليلى وأنا حاسة إني بتخنق. — الج*ثة…

ليلى فهمت قبل ما أكمل.

وشها اتغير فورًا. — تقصدي ج*ثة أحمد؟

همست: — أنا ما شفتوش.

ريم بصتلي بصدمة.

كملت وأنا حاسة برجلي بتنهار: — يوم الحادثة… قالولي العربية اتحرقت جامد… والج*ث/ة مش*وهة… وقالوا التعرف كان من المحفظة والخاتم والعربية.

ليلى سكتت ثواني طويلة.

ثواني حسيتهم عمر كامل.

وبعدين طلعت تليفونها بسرعة وطلبت رقم.

أول ما حد رد قالت: — عايزة ملف حادث أحمد السيوفي كامل حالًا… وتقارير الطب الشرعي الأصلية.

قفلت وبصتلنا.

ولأول مرة… شوفت التوتر الحقيقي في وشها.

همست: — لو اللي بفكر فيه صح… يبقى إحنا داخلين على مصيبة.

أنا حرفيًا كنت هقع.

لأن الفكرة اللي بدأت تدخل دماغي كانت مستحيلة.

مستحيل.

لكن كل حاجة حوالينا كانت بتزقنا لنفس السؤال:

ماذا لو أحمد… ما ماتش؟

في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بعنف.

عسكري دخل وهو متوتر: — يا فندم… لقينا عربية الست ريم.

ليلى لفت بسرعة. — فين؟

— قدام المستشفى.

اتجمدنا كلنا.

ريم همست: — عربيتي؟!

العسكري كمل: — بس مفيش حد جواها.

جرينا كلنا لتحت.

المطر كان بدأ ينزل خفيف، والهوا بارد بشكل خانق.

عربية ريم كانت فعلًا واقفة قدام باب المستشفى.

لكن الباب الخلفي مفتوح.

ولما قربنا…

شهقت ريم.

لأن الشنطة البنية… كانت جوه العربية تاني.

نفس الشنطة اللي طلعتها بإيدي من الترعة.

رجلي ضعفت.

إزاي رجعت هنا؟!

ليلى رفعت إيدها بسرعة. — محدش يلمس حاجة.

لكن قبل ما حد يتحرك…

طلع صوت خافت.

صوت موبايل بيرن.

كلنا بصينا ناحية الشنطة.

الرنة جاية من جواها.

العسكري بص لليلى بخوف. — يا فندم…

ليلى قربت بحذر وفتحت الشنطة.

الموبايل كان جوه فعلًا.

تليفون قديم.

الشاشة منورة باسم واحد بس:

“أحمد”.

شهقت بصوت عالي.

إيديا بدأت تتلج.

ليلى ردت بسرعة وحطت الاسبيكر.

وكلنا حرفيًا وقفنا النفس.

ثانيتين.

ثلاثة.

وبعدين…

جالنا صوت تنفس.

تقيل.

متعب.

وبعدها… صوت راجل.

الصوت اللي سمعته طول عمري.

صوت ابني.

— أمي…

صرخت.

حرفيًا صرخت باسمه وأنا حاسة إن قلبي انفجر: — أحمد؟!

ريم وقعت على العربية وهي بتعيط.

لكن الصوت كمل بسرعة: — اسمعوني كويس… مفيش وقت.

ليلى خطفت التليفون. — إنت فين؟!

صوت أحمد كان متقطع. — رنا مش أخطر حد… اللي معاها أخطر.

ليلى قالت بحدة: — مين؟!

لكن فجأة سمعنا صوت تكسير بعيد… وبعدين أحمد شهق كأنه حد ضربه.

صرخت: — أحمد!

قال بسرعة وهو بيتنفس بالعافية: — الطفل… خلوه بعيد عنهم…

وبعدين… الخط اتقطع.

وقفت أبص للتليفون وأنا حاسة إني بحلم.

ابني حي.

حي.

لكن قبل ما نستوعب…

ريم همست برعب: — هي لقته.

ليلى لفتلها بسرعة. — مين؟

ريم كانت بتترعش بالكامل. — رنا… هي كانت بتدور عليه طول الشهور دي.

قلبي دق بعنف. — يعني إيه؟

ريم بصتلي بدموع. — أحمد ما ماتش في الحادثة… أحمد هرب.

الدنيا لفت بيا.

— هرب؟!

ريم هزت راسها بعنف. — بعد ما اكتشف إن رنا حامل… وإنها مهووسة بيه… حاول يبلغ الشرطة.

ليلى سألت: — وبعدها؟

— بعدها العربية وقعت فعلًا… بس أحمد نجا.

شهقت. — ليه ما رجعش؟!

ريم انفجرت في العياط: — لأنه كان فاكر إن رنا هتق*تلكم كلكم لو ظهر!

سكتنا.

وهي كملت بانهيار: — كانت بتبعتله صور البيت… وصورك إنتِ… وصوري أنا… وكانت تقوله لو رجع هتبدأ تق*تلنا واحد واحد.

قلبي كان بيتقطع.

ابني كان حي طول الوقت… وبيستخبى.

لكن ليلى كانت لسه مركزة في الأهم. — والطفل؟

ريم غمضت عينيها. — الطفل هو السبب في كل حاجة.

قربتلها بعنف. — إزاي؟!

همست: — لأن رنا مقتنعة إن الطفل ده لازم ياخد مكان أحمد كله.

الجو حوالينا بقى أبرد.

ليلى سألت: — تقصدي الورث؟

— وكل حاجة… الاسم… الفلوس… الحياة اللي هي ماعاشتهاش.

في اللحظة دي، موبايل ليلى رن.

ردت بسرعة.

كلنا كنا باصين لوشها وهو بيتغير ثانية بثانية.

قفلت المكالمة ببطء.

وقالت الجملة اللي خلت جسمي يتجمد:

— لقينا البيت اللي أحمد كان مستخبي فيه.

قلبي طلع على لساني. — وهو فيه؟!

ليلى بصتلي مباشرة. — كان فيه دم كتير.

شهقت ريم.

أما أنا… فحسيت الدنيا اسودت.

لكن ليلى كملت بسرعة: — بس مفيش ج*ثة.

اتنفست بالعافية.

لسه حي. لازم يكون حي.

وفجأة… العسكري اللي واقف بعيد صرخ: — يا فندم!

لفينا كلنا.

كان بيشاور ناحية الناحية التانية من الشارع.

في ست واقفة تحت المطر.

لابسة إسدال أسود.

وشها مستخبي.

لكن من وقفتها… عرفناها كلنا.

ريم شهقت: — رنا.

الست رفعت وشها ببطء.

ونفس الابتسامة الباردة ظهرت على وشها.

لكن اللي ق*تلني بجد…

إن الطفل كان في حضنها.

حي.

وساكت.

كأنها أمه فعلًا.

ليلى طلعت مس*دسها فورًا. — حطي الطفل على الأرض وارمي إيدك ورا ضهرك!

لكن رنا ما خافتش.

بالعكس…

ابتسمت أكتر.

وقالت بصوت هادي جدًا: — متأخرين أوي.

وفجأة… العربية اللي كانت واقفة جنبها فتحت بابها.

ونزل منها الراجل اللي شبه أحمد.

قلبي وقف.

المطر نازل فوق وشه.

وأول ما قرب للنور…

شهقت بقوة.

لأن الراجل ده…

كان ابني فعلًا.

أحمد.

حي.

لكن عينيه… كانت مليانة رعب عمره ما عرفه قبل كده.

بصلي للحظة.

ولأول مرة من تمن شهور…

سمعته بيقول: — سامحيني يا أمي.

يتبع



وقفت في نص الشارع تحت المطر وأنا ببص لابني كأني شايفة ميت رجع من قبره.

كل حاجة حواليا اختفت.

صوت العربيات.

صوت المطر.

صوت الناس.

حتى نفسي نفسه اختفى.

ما بقيش غير أحمد.

ابني اللي دفنته بإيديا.

ابني اللي عيطت عليه تمن شهور كل ليلة.

ابني اللي كنت بروح قبره كل جمعة وأقعد أكلمه كأنه سامعني.

واقف قدامي حي.

لكن وشه ماكانش وش أحمد اللي أعرفه.

كان مرهق.

ضعيف.

وعينيه مليانة خوف قديم عميق.

خوف واحد عاش شهور بيهرب.

دموعي نزلت بغزارة وأنا بمشي ناحيته بالعافية.

لكن فجأة… رنا ضمت الطفل أكتر لصدرها وصرخت: — محدش يقرب!

ليلى رفعت مس*دسها أكتر. — حطي الطفل يا رنا!

أحمد اتحرك بسرعة ناحية رنا. — اهدي… بالله عليكي اهدي.

لكن رنا كانت بتضحك.

ضحكة غريبة مرعبة.

وقالت وهي باصة لأحمد: — شايف؟ رجعتلهم برضه.

أحمد بص لها بحزن. — كفاية يا رنا… انتهى.

لكنها هزت راسها بعنف. — لأ! ما انتهتش! إنت وعدتني!

صرخت ريم بانهيار: — أحمد عمره ما وعدك بحاجة!

رنا بصتلها بنظرة كلها كراهية. — طول عمرك سرقاني يا ريم… كل حاجة كانت بتروحلك إنتِ.

المطر كان بينزل بغزارة دلوقتي، والطفل بدأ يعيط للمرة الأولى.

الصوت شق قلبي.

رضيع صغير وسط كل الجنون ده.

ليلى قالت بهدوء حذر: — الطفل هيبرد… سيبيه يا رنا.

لكن رنا حضنته أكتر وهي بترتعش. — ده ابني… محدش هياخده مني.

أحمد قرب خطوة. — وأنا مش هاخده منك.

بصتله بسرعة.

ولأول مرة… شوفت الضعف في عينيها.

همست: — بجد؟

أحمد صوته اتكسر. — بجد.

قلبي اتقبض.

في اللحظة دي فهمت الحقيقة كاملة.

ابني ماكانش هربان من الشرطة.

كان هربان من كارثة.

هربان من ست مريضة نفسيًا ومهووسة بيه.

هربان وهو بيحاول يحمي الكل.

لكن المشكلة إن هروبه دمرنا كلنا.

ريم كانت بتعيط بشكل هستيري. — ليه يا أحمد؟ ليه سبتني فاكرة إنك ميت؟!

أحمد بص لها بوجع حقيقي. — لأنهم قالولي إن رنا لو اتحجزت هتنتحر… وأنا كنت خايف عليكم منها.

صرخت فيه: — وخفت علينا أكتر وإحنا فاكرينك ميت؟!

عينيه اتمَلوا دموع. — كل يوم كنت بموت يا أمي… كل يوم.

سكتنا كلنا.

حتى رنا بطلت تضحك.

بصت لأحمد وهمست: — كنت بتيجي تشوفني.

ريم شهقت بصدمة وبصت لأحمد.

أما هو… فنزل عينيه للأرض.

قلبي اتقبض تاني. — يعني إيه؟

أحمد بلع ريقه. — كنت بروح أطمن عليها وعلى الطفل من بعيد.

ريم صرخت: — بعد كل اللي عملته؟!

قال بانهيار: — لأنه ابني يا ريم!

الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل بشكل خانق.

أنا حسيت رجلي بتضعف.

الطفل فعلًا حفيدي.

ابن أحمد.

وابن رنا.

يا ساتر يا رب.

بصيت للرضيع الصغير اللي بيعيط في حضن أمه، وحسيت الدنيا كلها بتتلخبط جوايا.

طفل جه للحياة من مرض وخوف وكدب ومطاردة.

لكن ماله ذنب.

مالوش أي ذنب.

ليلى نزلت المسدس ببطء. — يا أحمد… لازم تنهي ده دلوقتي.

أحمد بص لرنا بحزن عميق. — تعالي نسلم نفسنا ونبدأ علاج.

لكن رنا ابتسمت ابتسامة مكسورة. — علاج؟ بعد ما بقيتوا كلكوا ضدي؟

قرب أكتر. — أنا مش ضدك.

صرخت فجأة: — كداب! لو كنت بتحبني ماكنتش رجعتلها!

ريم بصتلها بذهول ودموع. — إنتِ أختي يا رنا…

رنا لفتلها ببطء.

ولأول مرة… شوفت قد إيه الوجع اللي جواها قديم.

قالت بصوت مرتعش: — طول عمرنا كانوا بيبصوا ليا كأني النسخة الغلط منك.

دموعي نزلت بدون ما أحس.

لأن حتى الشر أحيانًا بيبدأ من جرح قديم.

رنا كملت وهي بتبكي: — ماما كانت تحضنك إنتِ الأول… الناس كانت تحبك إنتِ الأول… حتى أحمد… أول ما شافك ما بقاش شايفني.

ريم انهارت. — أنا ما أخدتش منك حاجة!

ضحكت رنا بمرارة. — إنتِ أخدتي كل حاجة من غير حتى ما تحاولي.

الطفل كان بيعيط بقوة دلوقتي، ورنا بدأت تهزه بعصبية وهي منهارة.

أحمد قرب بسرعة. — هاتيه يا رنا… الطفل خايف.

لكنها بعدت. — لأ! هو ليا أنا!

وفي اللحظة دي… سمعنا صوت فرامل عربية جاية بسرعة.

كلنا لفينا.

عربية نقل كبيرة فقدت السيطرة بسبب المطر وكانت داخلة ناحيتنا مباشرة.

صرخت ليلى: — ابعدوا!

كل حاجة حصلت في ثواني.

ريم جريت.

أنا اتجمدت مكاني.

ليلى شدتني بعيد.

لكن رنا…

فضلت واقفة مكانها وهي حاضنة الطفل.

وأحمد جرى ناحيتها بأقصى سرعة.

صرخت باسمه: — أحمد!

لحقها قبل العربية بثانية واحدة.

خطف الطفل من حضنها وزقه ناحية ليلى…

لكن هو ورنا اتخبطوا بالعربية بقوة مرعبة.

الصوت شق الدنيا.

وقعت على الأرض وأنا بصرخ.

الناس جريت.

العساكر جريوا.

المطر نازل بغزارة فوق الدم اللي بدأ ينتشر على الأسفلت.

قلبي كان بيتقطع.

شفت أحمد واقع على الأرض بيتحرك بالعافية.

أما رنا…

فكانت ساكنة.

تمامًا.

صرخت وأنا بجري ناحية ابني.

حضنت وشه بإيديا وأنا بعيط: — لا يا حبيبي… لا…

أحمد كان بيتنفس بصعوبة.

لكن أول حاجة عملها…

إنه بص ناحية الطفل.

ليلى كانت شايلة الرضيع وبتغطيه بمعطفها.

ولما شافه حي…

ابتسم.

ابتسامة صغيرة متعبة.

وقال بالعافية: — عايش…

دموعي نزلت أكتر. — إنت كمان هتعيش… سامعني؟

لكن عينيه كانت بتقفل بالعافية.

ريم ركعت جنبنا وهي بتصرخ باسمه.

وأحمد بص لها.

بص طويل كأنه بيعتذر عن عمر كامل.

وقال: — آسف…

ريم هزت راسها بعنف. — متقولش كده… متسبنيش تاني.

ابتسم بحزن.

وبعدين بصلي أنا.

ولأول مرة من زمان… رجع ابني الصغير.

مش الراجل المكسور اللي قدامي.

ولا الهربان.

رجع أحمد ابني.

همس: — تعبتك معايا يا أمي.

شهقت بعياط. — اسكت… بالله عليك اسكت.

لكن إيده طلعت بالعافية ولمست خدي.

وقال: — خلي بالك من ابني.

وفي اللحظة دي… الأجهزة في عربية الإسعاف وصلت.

المسعفين أخدوه بسرعة.

وأخدوا رنا كمان.

أنا وريم ركبنا وراهم، والطفل في حضني للمرة التانية.

بس المرة دي… عرفت إنه حفيدي فعلًا.

طول الطريق وأنا ببصله.

نفس عينين أحمد.

نفس التجعيدة الصغيرة جنب فمه.

يا وجع قلبي.

وصلنا المستشفى وسط فوضى وصراخ.

دخلوا أحمد العمليات فورًا.

أما رنا…

فالدكتور خرج بعد دقائق وقال إنها ماتت.

ريم انهارت تمامًا.

رغم كل حاجة… دي كانت أختها.

توأمها.

جزء منها.

حضنتها وهي بتعيط في حضني كأنها طفلة صغيرة.

ولأول مرة… ماحستش إنها مرات ابني اللي كنت بلومها.

حسيتها بنت مكسورة.

بس.

عدت ساعات طويلة واحنا قاعدين قدام العمليات.

والطفل نايم في حضني بهدوء غريب.

كأنه أخيرًا حاسس بالأمان.

ليلى كانت واقفة بعيد بتتكلم في التليفون، وبعدين قربت مننا.

قالت بهدوء: — كل حاجة اتقفلت رسميًا.

بصتلها بتعب. — يعني؟

— تقرير الطب الشرعي أكد إن الج*ثة القديمة ماكانتش أحمد… كانت لرجل مجهول سرق عربيته بعد الحادثة. أحمد هرب وقتها بعد ما خاف من تهديدات رنا.

غمضت عيني بألم.

تمان شهور من العذاب… بسبب الخوف.

ليلى كملت: — وأحمد كان بيبعت رسائل غير مباشرة يطمن بيها ريم من غير ما يكشف مكانه.

ريم انفجرت في العياط. — وأنا كنت فاكرة إنه مات وهو بيكرهني…

قربت منها وربت على إيدها.

لأن الحقيقة أحيانًا بتبقى أقسى من الكدب.

بعد حوالي أربع ساعات… باب العمليات اتفتح.

الدكتور خرج.

كلنا وقفنا.

قلبي كان هيقف.

لكن الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: — الحمد لله… عاش.

وقعت على الكرسي من كتر البكاء.

ريم سجدت على الأرض وهي بتصرخ بالحمد.

أما أنا… فحضنت حفيدي بقوة وأنا ببكي.

لأن ربنا رجعلي ابني من الموت مرتين.

مرت الأيام بعد كده ببطء.

أحمد فضل في المستشفى أسابيع.

وكان بيتعالج نفسي قبل الجسدي.

لأن الإنسان مش بيهرب الشهور دي كلها من غير ما يتكسر.

أما الطفل…

فبقينا نسميه “آدم”.

اسم اختاره أحمد بنفسه.

وقال: — يمكن يبقى بداية جديدة لكلنا.

الغريب إن ريم ما سابتش آدم لحظة.

مع إنه ابن أختها وجوزها.

لكنها حبته بشكل صادق.

يمكن لأنها كانت شايفة فيه آخر جزء باقي من رنا.

وأنا…

أنا كمان حبيته.

بقيت أصحى على صوته بدل صمت البيت.

رجعت ريحة اللبن والدفا والأغاني القديمة.

رجعت الحياة لبيت كان ميت.

وفي يوم بعد شهور، كنت قاعدة في الجنينة وآدم بيلعب قدامي، وأحمد قاعد على الكرسي جنبي.

كان لسه أضعف من الأول، لكن عينيه رجعت فيها الحياة.

بصلي فجأة وقال: — عمرك هتسامحيني؟

بصيتله طويل.

افتكرت كل ليلة عيطت فيها عليه.

كل مرة حضنت قبره.

كل مرة حسيت إني لوحدي.

لكن افتكرت كمان إنه كان خايف.

ومكسور.

وإنه حاول بطريقته الغلط يحمينا.

تنهدت وقلت: — الأم عمرها ما بتبطل تسامح يا أحمد… حتى وهي موجوعة.

عيط بصمت.

ولأول مرة من سنين… حضنته.

في اللحظة دي، آدم جري ناحيتنا وهو بيضحك.

شاله أحمد بحذر، والطفل مسك دقنه الصغيرة وضحك.

ضحكة صافية.

بريئة.

ضحكة طفل مالوش ذنب في أي حاجة حصلت.

بصيت للسما ودموعي نزلت بهدوء.

وفهمت أخيرًا إن أوقات ربنا بينقذ الأرواح بطرق تخوفنا الأول.

شنطة مرمية في الترعة… كانت بداية الكابوس.

لكنها كمان كانت السبب إن الحقيقة تطلع للنور.

وإن طفل صغير… ينقذ عيلة كاملة من الضياع.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close