الساعة كانت اتنين وربع بليل
الساعة كانت اتنين وربع بليل
الساعة كانت اتنين وربع بعد نص الليل، لما أكبر وأخطر راجل في منطقة الزمالك، منصور الشافعي، كان بيزحف على بطنه وهو بيطلع من قصره اللي بيتحرق، الدخان مالي صدره، والدم مغرق عينيه، وصوت ضحكة خطيبته رانيا لسه بيرن في ودنه وهي سيباه للموت. منصور عاش عمره كله وسط الرصاص، ، ومداهمات الشرطة، ورجالة بتبتسم في وشه وهي مخبية السكاكين ورا ظهرها، بنى إمبراطورية وسوق بحاله من المكاتب المقفولة، والموانئ، والأبراج السكنية، والوعود اللي بتتقال في الضلمة، لدرجة إن الناس كانت بتوسع له الطريق أول ما تشوف عربيته الجيب السوداء مهدية في الشارع، ورجالة بشنبات كانت بتوطي صوتها لمجرد إن اسمه ييجي في الكلام. بس في الليلة الشتوية المرعبة دي من شهر نوفمبر، ولا واحد من رجالته ظهر عشان يلحقه، ولا حارس من حراسه جري يفتح البوابة، ولا بني آدم من اللي حلفوا له على المصحف وبالدم إنه يفديه بلقمته تجرأ يحط رجله وسط الدخان. البني آدم الوحيد اللي جري عليه وسط النار كانت طفلة عندها تمن سنين، لابسة كوتشي مقطع، وجاكت بمبي دبلان، ودموعها حافرة خطوط نظيفة وسط السواد اللي مغطي وشها الصغير، وهي بتصرخ بأعلى صوتها يا ماما! إلحقي.. عمو لسه عايش! أمها، فايزة، كانت
واقفة متبنجة من الرعب على الرصيف، ماسكة في إيدها كيس بلاستيك فيه خضار وعينيها متثبتة من الخوف وهي بتزعق حبيبة لأ! ارجعي هنا! بس حبيبة كانت خلاص بتجري بأقصى سرعتها. ورا البوابات الحديد الضخمة، قصر الشافعي كان بيتحرق كأنه قطعة من جهنم، النار طالعة من الشبابيك، والزجاج بيتفجر لبره، والدخان الأسود غطى على نور القمر، وفي مكان بعيد وصوت سرينات المطافي بيصوت بس كان جاي من بعيد قوي، كأنه رايح لإنقاذ حد تاني خالص. حبيبة وطت راسها تحت البوابة اللي كانت مواربة وجريت في الممر الغرقان بمية الحريق، السخونية ضربت جسمها الصغير قبل ما توصله، منصور الشافعي كان مرمي جنب النافورة الرخام، فارد إيده ناحية الشارع كأنه كان بيحاول يزحف عشان يرجع للدينيا تاني، قميصه الأبيض متشيط من عند الكم، والدم نازل من جرح فوق حواجبه، ووشه اللي كان بيخوف بلد بحالها وبيرعب أي حد يبص له، كان باين فيه ضعف وقلة حيلة غريبة. حبيبة قعدت على ركبها جنبه وماسكت إيده وقالت يا عمو! قوم أرجوك.. اصحى عشان خاطري. صوابعه اتحركت حركة خفيفة، والحركة دي كانت كفاية بالنسبة لها عشان تشده بكل قوتها اللي حيلتها. على أول أرض القصر، فايزة فاقت من صدمتها وجريت ورا بنتها، هي بقالها
ست شهور بتمسح البلاط الرخام ده، وعارفة كويس نوعية الرجالة اللي بتعيش ورا الأبواب دي، وعارفة المشاكل والدم اللي بيمشوا ورا الفلوس دي، بس الست الغلبانة كانت عارفة كمان إن ابن الأصول ميسيبش بني آدم يموت قدام عينيه، فصرخت وهي بتشد منصور من تحت باطه ابعدي يا حبيبة.. ابعدي يا بنتي! فحبيبة ردت وهي بتعيط بحرقة ده ساعدنا يا ماما.. ده كان طيب معانا، لازم نساعده هو كمان. وبالفعل، الشغالة الغلبانة وبنتها الصغيرة فضلوا يشدوا في هيبة وضخامة تاجر السلاح ورجل الأعمال المغمي عليه، شبر ورا شبر في الممر، والنار وراهم بتاكل الأخضر واليابس. قبل اللحظة دي بعشرين دقيقة بس، منصور كان واقف جوه مكتبه، بيبص على النيل وأضواء القاهرة من ورا الزجاج اللي واصل من السقف للأرض، قصره في الزمالك كان منور ودافي، كل النجف الكريستال بيبرق، كل الممرات متأمنة، وكل حيطة فيه تمنها يعيش عائلات لسنوات، كان المفروض يحس إنه فوق البشر، بس كان حاسس ب هدد حيل وتعب ملوش آخر، ودخلت عليه رانيا من غير ما تخبط، طالعة زي ما الفلوس والدهب بيطلعوا، شعرها الأصفر، حلقان الماس في ودنها، وروب ستان لون الشامبانيا، كانت بتتحرك في القصر كأنها صاحبته الفعلي. ومنصور من غير ما يلف
وشه قالها فوتّي العشا، فردت بابتسامة صفراء الناس بدأت تتكلم يا منصور، بيقولوا إنك بقيت بتروح منطقة السيدة زينب كتير وأيامك كلها هناك، فلف ليها وبص في عينيها وهو كاره إنها عارفة بتلعب على أنهي وتر، لأن منصور بقاله أسابيع بيحمي فايزة وبنتها في السر، فايزة كانت شغالة في شركة من شركاته القديمة من سنين طويلة قبل ما يبقى الاسم اللي الكل بيخاف منه، كانت رقيقة ووقتها كانت أرق من إنها تستحمل دنيته، حبها في صيف قديم ومستحيل ومشي وسابها عشان يقنع نفسه إنه كده بيحميها، ومكنش يعرف إنها خلفت، ولا سأل الأسئلة الصح في وقتها، ودلوقتي فايزة بقت بتمسح بيته بالليل لأن الفقر بيرجع الناس دايما للأبواب اللي هربوا منها، وبنتها حبيبة كانت بتقعد في المطبخ لما الست اللي بتخلي بالها منها تعتذر، بنت عيونها بتلمع وذكية وضحكتها بترد الروح، دايما بترسم على ورق قديم، وبتقول شكراً كأن الكلمة دي فرض ودين. منصور مكنش عارف ليه البنت دي بالذات هدت كيانه ولمست قلبه، كل اللي كان عارفه إن لما بيبص في وشها، فيه حاجة جواه بتوجعه. رانيا كملت كلامها وضحكت بقرف أنت مخلي السواق بتاعك يودي طلبات وشاشات لبيت شغالة؟ وبتدفع إيجار شقتها؟ دفعت مصاريف مدرستها؟ متستغفلنيش
وتنكر! فمنصور رد بصوت واطي ومرعب فايزة وبنتها كانوا محتاجين مساعدة، فرانيا ضحكت بصوت عالي وكله غل شغالة وبنتها؟ هما دول اللي معطلينك والرجالة بتاكل في سوقك وإمبراطوريتك؟ فقالها إمبراطوريتي زي ما هي، فردت لأ.. إمبراطوريتك بقت ضعيفة عشان أنت بقيت ضعيف. منصور بص لها وعرف إن في دنيتهم ليها ريحة زي ريحة الدم على الفلوس، وقبل ما ينطق، الباب اتفتح ودخل عصام، ذراعه اليمين، الراجل اللي باس إيده وأخد فلوسه وبايعه قدام الكل، ونظرة عصام كانت كفيلة تفهم منصور كل حاجة؛ رانيا راحت وقفت جنب عصام، ومنصور متحركش وسألهم بقيتوا مع بعض من إمتى؟ فرانيا ابتسمت وقالت من زمان قوي، وعصام طلع ريموت صغير أسود من جيبه وقال بعد الليلة دي، الشغل محتاج إيد جامدة ومبتترعش، فمنصور جز على سنانه وقال ولعتوا في بيتي والناس والشغالين جواه؟ فرانيا ردت ببرود يفرس كلهم مشيوا، ما عدا اللي أخدوا فلوس عشان يعملوا مش شايفين، فسألها بلهفة وفايزة؟ فرانيا عينيها لمعت بشر شغالتك الحلوة أخدت بنتها ومشت من عشر دقائق، حظهم من السما. منصور هجم عليهم، بس عصام داس على الزرار، والانفجار الأول هز الجناح الشرقي للقصر كأن الرعد ضرب جوه الحيطان، والنار طلعت من الممرات، والباب اتخلع من مكانه، ومنصور وقع على الأرض بقوة والدخان دخل صدره والزجاج
نزل فوق ظهره، ووسط الزيطة وصوت الصفير في ودنه، سمع صوت رانيا وهي بتقول سيبوه يتحرق. الدخان غماها وغطى المكان، ومنصور بدأ يحارب بجسمه عشان يطلع بغريزته، حط ذراعه على وشه وفضل يتطوح وسط الممرات اللي كانت من شوية رخام إيطالي وصور عائلية غالية، دلوقتي الحيطان بتصرخ، والدهان بيقشر، والستائر بقت كتلة نار، حراسه اختفوا، والكاميرات فصلت، وتليفونه اتهرس تحت رجليه، وفي وسط جهنم دي، منصور الشافعي عرف قيمته وقيمة فلوسه وسلطته لما الموت بيقفل إيده على الرقبة.. ميسواش مليم! افتكر أمه وهي بتولع الشموع في بيتها القديم، وافتكر ضحكة فايزة في الشمس من سنين، وافتكر حبيبة وهي قاعدة على ترابيزة المطبخ وبتديه نص البسكوته بتاعتها عشان حست إنه زعلان، وفجأة سقف خشب اتكسر فوق راسه، منصور حدف نفسه من الباب الجانبي، واتدحرج على السلم الرخام وفضل يزحف لحد ما جسمه مات جنب النافورة، وآخر حاجة شافها قبل ما الدنيا تسود تماماً، كان جسم صغير بيجري وسط الدخان والنار عشان يلحقه. لما فاق، القصر كان خلاص بقى تراب، بس المفاجأة الأكبر والصدمة اللي هتدمر منصور وتغير كل حساباته، مكنتش في الحريق ولا ، الصدمة كانت لما عينه جت بالصدفة على وحمة معينة في رقبة البنت الصغيرة وهي بتسنده، الوحمة دي وراها سر خطير هيدمر إمبراطورية الشافعي
ويكشف حقيقة هتقلب التربيزة على الكل!
منصور فتح عينه بالعافية.
صوت صفارات المطافي كان بعيد، كأنه جاي من عالم تاني، وجسمه كله بيتكسر من الوجع، صدره بيطلع وينزل بصعوبة، وطعم الدم مالي بقه.
أول حاجة شافها كانت وش حبيبة.
البنت كانت قاعدة جنبه على الرصيف، هدومها متبهدلة من التراب والسخام، وإيديها الصغيرة ماسكة إيده الكبيرة بكل قوتها، كأنها خايفة الموت يخطفه لو سابته.
وفايزة كانت واقفة وراها بتترعش، وشها شاحب وعينيها مليانة خوف قديم رجع يطاردها.
منصور حاول يتكلم، لكن الكحة قطعت نفسه.
ولما لف وشه ناحية البنت، لمح الوحمة.
وحمة صغيرة تحت ودنها اليسار نفس الوحمة اللي كانت في رقبة أمه.
ونفس الوحمة
اللي كانت في رقبته هو كمان.
قلبه وقف لحظة.
بص لفايزة بصدمة البنت دي
فايزة غمضت عينيها كأن اللحظة اللي هربت منها سنين وصلت أخيرًا.
أيوه يا منصور حبيبة بنتك.
الدنيا سكتت.
حتى صوت النار اختفى من ودنه للحظة.
بصلها كأنه مش فاهم.
إيه؟
فايزة دموعها نزلت لما سيبتني من سنين كنت حامل.
حبيبة بصت بينهم باستغراب بريء ماما؟
لكن فايزة مقدرتش تبص في عيني بنتها.
كملت بصوت مكسور أنا حاولت أقولك بس وقتها كنت داخل حرب مع نص البلد، وناس بتموت حواليك كل يوم. خفت لو عرفت يبقى عندك نقطة ضعف ياخدوها منك.
منصور افتكر.
افتكر الليلة
اللي اختفى فيها فجأة بعد أول صفقة سلاح كبيرة، لما أعداؤه ابتدوا يطاردوا كل حد يقرب منه.
وقتها كان فاكر إنه بيحمي فايزة لما بعد.
لكن الحقيقة
إنه ضيع عمر كامل.
الإسعاف وصلت أخيرًا.
المسعفين شالوا منصور بسرعة، لكنه قبل ما يركب العربية، مد إيده لحبيبة.
البنت جريت عليه فورًا.
بصلها والدموع واقفة في عينيه لأول مرة من سنين طويلة إنتِ أنقذتيني.
حبيبة ابتسمت رغم خوفها عشان إنت طيب.
الجملة ضربته أقوى من الحريق نفسه.
هو؟
طيب؟
منصور الشافعي اللي ناس كتير اتشردت بسببه والدم اتراق في صفقاته طفلة شايفاه طيب لمجرد إنه ساعدها يومين.
ركب الإسعاف وهو حاسس إن حياته كلها كانت غلط.
في المستشفى، الأخبار انتشرت كالنار.
حريق قصر الشافعي. محاولة اغتيال رجل الأعمال منصور الشافعي. اختفاء ذراعه اليمين عصام.
لكن اللي محدش كان يعرفه
إن منصور فاق إنسان تاني.
أول حاجة طلبها بعد العملية كانت هاتولي فايزة وحبيبة.
الدكتور رفض في الأول، لكن منصور هدد المستشفى كلها لحد ما دخلوهم.
حبيبة دخلت بخجل وهي ماسكة إيد أمها.
منصور فضل يبصلها طويل.
ملامحها.
ضحكتها الصغيرة.
الوحمة.
كل حاجة فيه كانت بتصرخ إنها بنته.
سألها بهدوء إنتِ بتحبي ترسمي لسه؟
البنت فرحت آه!
طلع كراسة من شنطتها وجريت توريهاله.
كان فيه رسمة لقصر كبير بيتحرق وراجل واقف قدامه وبنت صغيرة ماسكة إيده.
فايزة شهقت إنتِ رسمتي
ده إمتى؟
حبيبة قالت ببراءة قبل الحريقة بيوم حلمت بيه.
منصور حس بقشعريرة.
لكن الجحيم الحقيقي بدأ بعدها بيومين.
لأن عصام ما اختفاش.
عصام هرب.
وأول ما عرف إن منصور عاش قرر يخلص عليه وعلى أي حد يخصه.
ومنصور كان عارف كويس قواعد لعبته القديمة.
الضربات الجاية هتبقى على أضعف نقطة.
حبيبة.
في ليلة ممطرة، منصور كان قاعد في أوضة المستشفى لوحده لما دخل عليه واحد من رجاله القدام.
وشه كان متوتر عصام عرف بالبنت.
الدم جمد في عروق منصور.
مين اللي قاله؟
رانيا.
منصور غمض عينيه.
عمرها ما بتخلص.
في اللحظة دي، منصور أخد قرار قلب حياته كلها.
بص لراجلته وقال صفّي كل شغلي.
الراجل اتصدم إيه؟!
كل الموانئ المخازن
السلاح غسيل الأموال كله يتقفل.
بس دي إمبراطوريتك!
منصور ضحك بمرارة الإمبراطورية دي كانت هتاكل بنتي.
القرار نزل كالصاعقة.
رجالة كتير انقلبوا عليه.
شركاء هددوه.
ناس حاولت تغتاله تاني.
لكن لأول مرة، منصور مكانش خايف على نفسه.
كان خايف على حبيبة.
نقل فايزة والبنت لفيلا صغيرة في مكان محدش يعرفه.
وبقى يروح لهم كل يوم.
في الأول، حبيبة كانت مترددة تناديه بابا.
لكن في مرة، وهو بيساعدها تحل واجب الحساب، قالتها من غير ما تحس
بابا
منصور اتجمد.
القلم وقع من إيده.
البنت بصتله بخضة زعلت؟
لكن منصور حضنها فجأة بعنف وهو بيترعش.
لأن الكلمة دي
ماحدش قالهاله في حياته كلها.
أما رانيا
فلما اكتشفت إن منصور
بدأ يقفل شغله ويحول أملاكه القانونية باسم بنته، جُنّت.
راحت لعصام تطلب فلوسها ونصيبها.
لكن عصام كان خلاص بقى وحش مطارد.
وفي ليلة، الشرطة لقت عربيتها مرمية على طريق صحراوي.
ورانيا مختفية.
محدش عرف عصام عمل فيها إيه.
أما النهاية الحقيقية
فجات بعد شهور.
منصور كان قاعد مع حبيبة على كورنيش النيل وقت الغروب.
البنت كانت بترسم الشمس وهي نازلة في المية.
وفجأة سألته بابا إنت كنت وحش زمان؟
السؤال وجعه.
بص للنيل طويل قبل ما يرد أيوه أذيت ناس كتير.
طب ليه؟
عشان كنت فاكر إن القوة والفلوس أهم حاجة.
حبيبة سكتت شوية، ثم حطت إيدها الصغيرة على إيده وقالت بس إنت دلوقتي بقيت كويس.
منصور حس دموعه بتنزل
لأول مرة من غير ما يكسف منها.
لأن طفلة صغيرة
شافت الإنسان اللي جواه قبل ما هو نفسه يشوفه.
بعد سنة كاملة، قصر الشافعي كان مجرد أرض فاضية.
الإمبراطورية انتهت.
عصام اتقبض عليه بعد مطاردة طويلة.
ومنصور بنفسه سلّم ملفات واعترافات عن كل شغله القديم مقابل حماية بنته.
الناس قالت إنه ضعف.
وقالوا إنه خسر.
لكن منصور لأول مرة في حياته حس إنه كسب.
وفي يوم مدرسي عادي، حبيبة كانت واقفة على المسرح بتستلم جائزة رسم.
المذيعة سألتها تحبي تهدي الجايزة لمين؟
حبيبة ابتسمت وبصت على الصف الأول.
مكان ما كان منصور قاعد ببدلته البسيطة بعيد عن الحراس والهيبة القديمة.
وقالت بصوت عالي لبابا عشان علمني إن الواحد ممكن يغلط جدًا بس يقدر يبدأ من جديد.
ومنصور وقتها
ماحاولش يخبي دموعه.


تعليقات
إرسال تعليق