خطيبى
خطيبى
خطيبي ساكن قريب مني، وساعات بيكون نفسه في أكل معين زي فطير مشلتت أو محشي، ويقولي اعمليلي، وأنا عمرى ما قصّرت معاه، كنت بقوم أعمله اللي هو عايزه،
إمبارح كنت صايمة، وبعتله وقلتله نفسي في شاورما،
قال: “ما أخوكي موجود كنتي بعتيه، يوم ما تبقي في بيتي هبقى أجيبلك أنا”.
من ساعة ما اتخطبت لـسيف، وأنا حاسة إني داخلة على حياة مختلفة… حياة فيها اهتمام، وضحك، وحد يسمعني لما أتكلم حتى لو كلامي تافه.
كان ساكن في الشارع اللي ورانا، يعني بين بيتنا وبيته دقيقتين مشي، وده خلّى وجوده في حياتي شبه يومي.
كل يوم تقريبًا ألاقي رسالة منه:
“نفسي في محشي كرنب.”
“هو ينفع تعملي فطير مشلتت؟”
“بقولك إيه… نفسي في صينية بطاطس زي اللي عملتيها المرة اللي فاتت.”
وكنت… بغباء المحبين… أسيب أي حاجة في إيدي وأعمل اللي هو نفسه فيه.
حتى أمي كانت بتضحك وتقولي:
— “إنتِ اتخطبتي ولا فتحتي مطعم؟”
وأضحك وأقول:
— “حرام عليكي يا ماما، ده خاطري أفرحه.”
كان دايمًا ياخد الأكل ويقولي:
“أقسم بالله محدش هيعرف ياخد مكانك في قلبي.”
والكلمة دي كانت تكفيني.
إمبارح كان اليوم الوحيد اللي حسيت فيه إن قلبي وقع مرة واحدة.
كنت صايمة طول اليوم، والدنيا حر، وراسي بتوجعني، وبصراحة نفسيتي كانت تعبانة.
وفي وسط التعب… نفسي فتحت على شاورما.
مسكت الموبايل وبعتله بهزار خفيف:
— “نفسي في شاورما أوي.”
استنيت منه يقول:
“خلاص هجيبلك.”
أو حتى:
“سلامتك يا حبيبتي.”
لكن رده نزل عليا كأنه تلج:
“ما أخوكي موجود، كنتي بعتيه. يوم ما تبقي في بيتي هبقى أجيبلك أنا.”
فضلت أبص للشاشة شوية…
وأعيد الجملة كذا مرة.
“يوم ما تبقي في بيتي.”
يعني إيه؟
يعني طول الفترة دي كلها أنا أعمل وأتعب وأجري عادي… لكن هو؟
مجرد سندوتش شاورما تقيلة؟
رديت بعدها بكلمة واحدة:
“تمام.”
ولأول مرة… ما بعتش بعدها ولا فتحت كلام.
بالليل، أمي دخلت عليا لقتني ساكتة بشكل غريب.
قالت وهي بتقعد جنبي:
— “مالك؟”
هززت كتفي:
— “مفيش.”
لكن أمي كانت حافظاني.
خدت الموبايل من إيدي وقعدت تقرأ الشات، وبعد دقيقة رفعت عينيها ليا وقالت بهدوء:
— “الراجل بيبان من دلوقتي يا بنتي.”
الكلمة خوفتني.
لأني لأول مرة… بدأت أراجع مواقف صغيرة كنت بعدّيها.
افتكرت إني مرة كنت تعبانة جدًا، وبرضه وقفت أعمله فطير عشان كان نفسه فيه.
وافتكرت إنه عمره ما سألني: “إنتِ محتاجة إيه؟”
دايمًا السؤال كان: “هتعملي إيه النهارده؟”
نمت متضايقة، لكن اللي حصل تاني يوم هو اللي قلب كل حاجة فعلًا.وو
صحيت تاني يوم الصبح على صوت موبايلي وهو بيرن. كان سيف.
بصيت للشاشة وكأنها غريبة عليا، ولأول مرة محستش باللهفة اللي كانت بتخليني أرد من أول رنة. سبته يرن لحد ما فصل، وبعدها بعت رسالة:
“أنا صاحية بس بجهز حاجات في البيت، خير؟”
رد عليا بعد ربع ساعة وكأن مفيش أي حاجة حصلت:
“بقولك إيه، صحابي جايين يقعدوا معايا في الشقة النهارده، وأنا قولت مفيش حد هيظبط لنا القعدة غيرك.. ينفع تعملي لنا صينية بسبوسة وصينية جلاش باللحمة المفرومة؟ هعدي آخدهم منك على العصر.”
قرأت الرسالة ودموعي نزلت من القهر. مش عشان الطلب، عشان التوقيت وعشان الطريقة. الراجل ده بجد مش حاسس؟ مش فاكر الكلمة اللي قالها لي إمبارح وأنا صايمة وتعبانة؟
رديت عليه ببرود عمري ما جربته معاه قبل كده:
“لأ مش ينفع، تعبانة ومش هقدر أقف في المطبخ.”
مفيش دقيقتين ولقيته بيتصل، رديت.. وجاء صوته مستغرب ومش عاجبه:
— “تعبانة إزاي يعني؟ ما إنتِ طول عمرك بتعملي، وبعدين دول صحابي وأنا شكل بيبقى وحش قدامهم لو مجبتش حاجة بيتي من إيدك.”
مسكت نفسي بالعافية وقولتله:
— “وسنديوتش الشاورما بتاع إمبارح كان شكله هيبقى وحش قدام مين يا سيف؟”
سكت ثواني وبعدين ضحك باستهزاء:
— “هو إنتِ لسه زعلانة من التفاهة دي؟ يا بنتي أنا بكلمك في الأصول، إنتِ دلوقتي في بيت مامتك ومسؤولة من أهلك، لما تبقي في بيتي وتطلبي عيوني هجيبها لك، إنما دلوقتي ملوش لزمة اللف في الشوارع عشان سنديوتش، وبعدين ما أنا كمان بطلب منك وإنتِ في بيت أهلك وبتعملي عادي.”
الكلام صدم لدرجة إني ملقيتش رد أقوله. قفلت السكة في وشه وأنا حاسة إن الغشاوة بدأت تتشال من على عيني.
دخلت المطبخ لقيت أمي بتعمل قهوة، بصت لي وقالت:
— “سمعتك وأنتِ بتتكلمي.. ها، لسه شايفة إنه خاطر وبتفرحيه؟”
قعدت على الكرسي وحطيت راسي بين إيديا:
— “مش قادرة أفهم المنطق بتاعه يا ماما.. هو شايف إن من حقه يطلب ويؤمر عشان هو خطيبي، بس مش من حقي أتمنى عليه حاجة عشان أنا لسه في بيت أبويا؟”
أمي حطت فنجان القهوة قدامي وقالتلي بحكمة السنين:
— “المنطق بتاعه اسمه ‘أنانية وحب تملك’، الراجل اللي بيحب بجد يا بنتي بيستغل أي فرصة عشان يفرح حبيبته ويثبت لها إنه يشيلها في عيونه، مش بيتحجج بالأصول عشان يوفر تمن سنديوتش شاورما أو يكسل يمشيلك دقيقتين. ده واخدك خدمة دليفري وصيت قدام صحابه وأهله، بياخد ومبيعرفش يدي.”
نزلت كلام أمي في قلبي زي السكاكين، بس كان لازم أعترف إنها صح.
على العصر، لقيت الباب بيخبط. فتحت لقيت سيف واقف، مكنش باصص في عيني، كان بيبص ورايا على ترابيزة السفرة وكأنه بيدور على الصواني!
لما ملّقاش حاجة، كشر وقال:
— “إنتِ بتكلمي بجد؟ يعني معملتيش حاجة فعلاً؟”
وقفت بثبات وقولتله:
— “أيوة، قولتلك تعبانة.”
نزل حواجبه وبص لي بضيق:
— “تمام يا…، بس افتكريها، عشان يوم ما تبقي في بيتي وتطلبي حاجة، هبقى أقولك تعبان ومش قادر.”
التفت عشان يمشي، وفي اللحظة دي بالذات، حسيت إن في جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. الجملة اللي قالها مخلتنيش أخاف من المستقبل معاه.. دي خلتني أخد القرار اللي كنت خايفة أواجه نفسي بيه.
ناديت عليه بصوت عالي وثابت:
— “سيف.. استنى عندك.”
لف وبص لي وهو رافع حاجبة وفاكر إني هعتذر له.
سيف لف وبص لي وهو رافع حاجبه، وفي عينيه نظرة ثقة وكأنه متأكد إني هصالح وأعتذر، أو إني مجهزة الحاجة جوه وبأدبه.
قربت منه خطوتين وقولتله بمنتهى الهدوء:
— “ادخل يا سيف، عشان الكلام ده ماينفعش يتقال على السلم.”
دخل ووقَف في الصالة وهو مربع إيديه وملامحه كلها ضيق:
— “خير؟ لحقتي تغيري رأيك وتطلعي الصواني؟ أصل صحابي مستنيين على قفشة.”
في اللحظة دي، أمي طلعت من المطبخ، وقفت على جنب وهي بتبص لنا بنظرات كلها ترقب، كأنها مستنية تشوف بنتها هتعمل إيه بعد كل اللي اتعلمته.
بصيت في عينيه وقولت:
— “الصواني دي مش هتتعمل، لا النهارده ولا بعد كده.. والبيت اللي إنت عمال تذلني بيه وتقول ‘يوم ما تبقي في بيتي’، البيت ده مش هيتجمع فيه اسمي واسمك أبدًا.”
ملامحه اتمطت من الصدمة، وضحك ضحكة صفرا:
— “إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اتجننتي يا بنتي؟ عشان حتة سنديوتش شاورما وساعتين تعب للمطبخ هتهدي خطوبتنا؟”
زعق بصوته كله وهو فاكر إنه بكده بيرهبني:
— “أنا راجل وبحافظ على قرشي، ومش هجري ورا دلع بنات، والكل عارف إني شاري وبجهز شقتي، إنما إنتِ اللي نكَدية وبتلككي!”
لقيت نفسي ببتسم.. ابتسامة برود وراحة عمري ما حسيتها معاه. وقولتله:
— “الموضوع عمره ما كان سنديوتش شاورما يا سيف، ولا كان صينية بسبوسة.. الموضوع إنك استخسرت فيا الكلمة الحلوة وجبر الخاطر وأنا صايمة وتعبانة، في نفس الوقت اللي بتستحل فيه تعبي ومجهودي وتطلبهم كأنه حق مكتسب ليك. إنت مش بتوفر قرشك، إنت بتستخسر فيا.. واللي يستخسر في خطيبته وهي في بيت أهلها، هيجوعها وهي في بيته.”
أمي اتدخلت في اللحظة دي وقالت بصوت قوي:
— “كلام البنت صح يا سيف.. الأصول اللي بتتكلم عنها بتقول إن الراجل بيبان كرمه وحنيته في فترة الخطوبة، وإنت مبيبانش منك غير الطلبات وبس. شيلتك لصحَابك على حساب تعب بنتي مش رجولة، وكسر خاطرها وهي صايمة مش أصول.”
سيف وشه احمر وعروقه ظهرت، حس إنه اتكشف، وبدل ما يعتذر، كبريائه عماه. بص لي وقال بغل:
— “ماشي.. إنتِ اللي اخترتي يا…، وأنا مابشتريش واحدة بتبيع بالساهل وبتسمع كلام أمها في خربان البيوت. الحاجات اللي جبتها هبعت أبويا وأخويا ياخدوها النهارده.”
رديت عليه بكلمة واحدة هزت ثقته في نفسه:
— “حاجتك كلها هتجيلك لحد باب بيتك في كرتونة، من أول الدبلة لحد أكياس الشيبسي اللي كنت بتجيبها وأنت داخل.. مش مستنيين حد يجي ياخدها.”
بص لي بذهول، كأنه مكنش متوقع إن البنت اللي كانت بتسيب كل حاجة في إيدها عشان ترضيه، تقدر تبيعه في لحظة بالبساطة دي.
لف وضهره مشحون بالغضب، ورزع الباب وراه بكل قوته لدرجة إن البيت كله اتهز.
أمي قربت مني، خدتني في حضنها وطبطبت على كتفي.. لأول مرة من فترة طويلة، مكنتش حاسة بالخوف، كنت حاسة إني اتنفست، كأن الهوا رجع يدخل صدري من تاني بعد ما كان مكتوم.
البيت هدي تماماً، وبدأنا أنا وأمي نجمع كل حاجة تخصه في كراتين عشان نقفل الصفحة دي نهائي. لكن وأنا بقفل آخر كرتونة، مكنتش أعرف إن سيف مش من النوع اللي بيقبل الهزيمة بالسهولة دي، وإن اللي هيعمله بالليل هيخلي الحكاية تاخد طريق تاني خالص.
على الساعة تمانية بالليل، كنا خلاص قفلنا الكراتين كلها وربطناها، وحطينا الدبلة والمحابس في علبتهم القطيفة فوق أول كرتونة. كنت قاعدة على الكنبة بتنفس الصعداء، حاسة بنغزة في قلبي أه، بس معاها راحة غريبة.. الراحة اللي بتيجي بعد ما المريض بياخد الدوا المر عشان يقطع المرض من جدوره.
فجأة، الموبايل بتاعي م بطلش رن، بس المرة دي مش سيف.. دي كانت أخت سيف الكبيرة، “منة”.
كنت عارفة إنها داخلة تهاجم أو تعاتب، بس قولت لنفسي لازم أواجه. رديت، وجاء صوته مستفز وفيه نبرة لوم حامية:
— “إيه اللي أنا سامعاه ده يا بنتي؟ إنتِ بجد فسختي الخطوبة وطردتي سيف عشان سنديوتش شاورما؟ لأ وكمان مامتك واقفة معاكي وبتشجعك؟ إيه الخيبة اللي إنتوا فيها دي! ده سيف مفيش في أدبه، وبقاله سنتين بيجهز في الشقة ومستخسرش فيكي قرش!”
أخدت نفس طويل وقولت بصوت هادي وراسي:
— “منة، أخوكي مَطردش، أخوكي نزل بكرامته بعد ما اختصرني واختصر تعبي في كلمة ‘خدمة’. والموضوع مش سنديوتش، الموضوع إنه استكتر عليا الفرحة وأنا صايمة وتعبانة، بينما هو شايف إن من حقه يطلب فطير ومحشي وصواني لصحابه وهو قاعد مأنتخ. اللي أوله شُح في المشاعر وفي الأفعال، آخره بيبقى خراب يا منة.”
قاطعتني بزعاق:
— “بلا شح بلا كلام فارغ، إنتِ اللي عينك فارغة وبتتلككي، وأخويا ألف مين تتمناه، وأعلى ما في خيلك اركبيه، حاجتنا تجيلنا لحد البيت وإلا هنيجي نعملكم فضيحة في الشارع!”
قفلت السكة في وشها قبل ما تكمل كلامها السم، ورميت الموبايل على الكنبة. أمي بصت لي وقالت:
— “سيبك منهم، ناس متعودة تاخد ومبتعرفش الأصول. بكره الصبح هكلم عمامك ييجوا ينزلوا الكراتين دي ويوصلوها لبيتهم، ونخلص من السيرة دي.”
لكن سيف مكنش ناوي يستنى لبكره الصبح، ومكنش ناوي يسيب الموضوع يمر بهدوء يوجع كبريائه.
على الساعة عشرة، سمعنا صوت دوشة وزعيق تحت في الشارع. الشارع بتاعنا هادي، وأي صوت فيه بيبان. أمي جريت على البلكونة وأنا وراها، وبصينا.. وقلبي وقع في رجلي من المنظر.
سيف كان واقف في وسط الشارع، ومعاه تلاتة من صحابه (اللي كان عايزني أعملهم البسبوسة والجلاش)، وكان صوته جايب آخر الشارع وهو بيزعق ويشاور على بلكونتنا:
— “اطلعوا يا اللي مابتطمرش فيكم لقمة! اطلعوا يا اللي بتاكلوا مال الناس وبتتلككوا على الفسخ عشان تاخدوا الشبكة والمصاري! أنا اللي سايبك بمزاجي، وأنا اللي مش عايز واحدة نكدية ومابتفهمش في الأصول!”
الجيران بدأت تفتح الشبابيك والبلكونات، والناس في الشارع بدأت تتلم عليه وتحاول تهديه وهو عمال يزيحهم ويزعق بغل، وصحابه واقفين وراه بيسخنوه ويقولوا: “جدع يا سيف، عرف المنطقة كلها حقيقتهم!”
أمي وشها جاب ألوان من الكسوف والفضيحة، وقالت بصوت بيترعش من الغضب:
— “يا لهوي يا بنتي! الواد اتجنن وجايب صحابه يعملنا فضيحة في المنطقة؟ إحنا طول عمرنا عايشين في حالنا والناس بتحلف بأدبنا!”
دموعي نزلت، بس المرة دي مش من الوجع.. دي من القرف والندم على كل ثانية ضيعتها مع بني آدم بالرخص ده. مسحت دموعي بسرعة، وفي لحظة، الخوف اتحول لجبروت.
وقلت لأمي بلهجة قاطعة:
— “والله ما هسكت له يا ماما، ولا هسيب كرامتنا تتداس في الشارع عشان خاطر بني آدم ناقص.”
دخلت الصالة، وشيلت علبة الشبكة القطيفة في إيدي، وفتحت باب الشقة ونزلت على السلم جري، وأمي بتنادي عليا ورايا وهي مرعوبة:
— “رايحة فين يا بنتي! استني متنزليش للبلطجة دي!”
لكن أنا مكنتش سامعة حاجة. فتحت باب العمارة وطلعت للشارع مباشرة. أول ما سيف شافني خارجة، ضحك ضحكة انتصار وقال بصوت عالي قدام الجيران:
— “أهو، الهانم نزلت اهيه لما لقت السيرة هتوصل لأخر الدنيا!”
وقفت قدامه بالظبط، المسافة بيني وبينه خطوة واحدة. الشارع كله سكت، والجيران واقفين في البلكونات مستنيين يشوفوا إيه اللي هيحصل. بصيت في عينيه بكل احتقار، ورفعت إيدي اللي فيها علبة الشبكة، وفتحتها قدام كل الناس فالذهب لمع تحت إضاءة عواميد الشارع.
وقلت بصوت جهوري وقوي سمّع الشارع كله:
— “يا أهل الحتة، ويا جيراننا اللي عارفيننا وعارفين أصلنا! سيف واقف هنا مش عشان شبكة ولا عشان فلوس.. سيف واقف هنا عشان اتقال له ‘لأ’! واقف هنا عشان حب يخليني خدامة لطلباته ولأصحابه، ولما قولتله كرامتي وراحتي أهم، حب يعمل راجل ويجي يلطش في سمعة بنات الناس!”
رميت علبة الشبكة في صدره بكل قوتي، فالعلبة اتفتحت والذهب وقع على الأرض والتراب اتملى بيه. وقولتله وأنا بشاور في وشه:
— “أهي شبكتك اهيه تحت رجليك، دور عليها في التراب ونقيها حتة حتة، شبه أصلك! إحنا ناس بنشتري راجل، ومادام ملقيناش راجل، يبقى الفلوس والدهب ده م يلزمناش بقرش صاغ!”
سيف وشه اسودّ وبقى شبه الأموات من الصدمة، وصحابه بطلوا زعيق وبصوا للأرض من الكسوف بعد ما الجيران بدأت تتكلم وتلوم سيف ويقولوا: “عيب عليك يا سيف، البنت وأهلها طول عمرهم في حالهم، والدهب أهو رمتهولك في الأرض يعني مش طمعانة!”
سيف وطى على الأرض وبدأ يلملم الذهب والناس بتبص له باحتقار، ورفع عينه ليا وهو بيبرق وعروق جبهته هتنفجر وقال بفحيح مكتوم:
— “ورحمة أبويا ما هعديلك اللحظة دي يا…، وهتدفعي تمن الفضيحة دي غالي أوي.”
لفيت ضهري وطلعت العمارة وأنا حاسة بانتصار ملوش مثيل، بس التهديد بتاعه الأخير ساب جوايا رعب خفي.. لأن سيف لما بيتحصر في زاوية، بيتحول لـ بني آدم مشؤوم وممكن يعمل أي حاجة عشان يرد اعتباره.
طلعت الشقة، وأول ما قفلت الباب ورايا، رجلي مأشالتنيش. قعدت على أقرب كرسي في الصالة وجسمي كله بيترعش من كتر الأدرينالين والخوف اللي كنت مدارياه قدام الناس في الشارع.
أمي دخلت ورايا، قفلت الترباس وبصت لي بدموع محبوسة، مكنتش زعلانة مني، كانت مذهولة من القوة اللي ظهرت بيا فجأة. قربت مني وأخدتني في حضنها وقالت بصوت مخنوق:
— “عفارم عليكي يا بنتي.. وقفتي وقفة رجالة وخدتي حقك وحق بيتك قدام المنطقة كلها، بس أنا خايفة من نبرة التهديد اللي قالها في الآخر.. سيف وشه كان قالب شر، والنوع ده من الرجالة لما كبريائه بيتكسر قدام صحابه بيبقى عامل زي التعيب الجريح.”
مسحت دموعي وقولت وأنا بحاول أثبت نفسي:
— “يعمل اللي يعمله يا ماما، أنا مابقتش خايفة منه. اللي يبيع كرامة خطيبته في وسط الشارع عشان حتة دهب ويجيب صحابه يتفرجوا، ميبقاش راجل يُعمل له حساب. الدهب وخدّاه في التراب والناس شافت حقيقته، هيهبب إيه تاني يعني؟”
نمت الليلة دي وأنا حاطة الموبايل جمبي على وضع الطيران، مكنتش عايزة أسمع صوت رنين ولا أشوف رسايل من حد، كنت محتاجة بس عقلي يرتاح من التفكير.
تاني يوم الصبح، صحيت على خبط رزين وقوي على باب الشقة. قلبي انقبض، قومت بسرعة ووقفت ورا الباب وسألت:
— “مين؟”
جاء الصوت من بره، مكنش صوت سيف، كان صوت “الحاج عبد العظيم”، راجل كبير من كبار المنطقة وكلمته مسموعة عند الكل، وهو اللي كان واسط الخير في الخطوبة دي من الأول.
فتحت الباب وأنا برحب بيه باحترام:
— “أهلاً يا حاج عبد العظيم، اتفضل.”
دخل الراجل وقعد في الصالة، وأمي طلعت رحبت بيه وعملت له الشاي. الحاج عبد العظيم اتنهد وبص في الأرض شوية وبعدين بص لي وقال:
— “يا بنتي، أنا شوفت وسمعت اللي حصل إمبارح بالليل في الشارع، وأنا جاي النهارده مش عشان ألومك.. أنا جاي أقول كلمة حق. سيف غلط وغلطه راكبه من ساسه لراسه، ونزلته بالشارع وصحابه دي سقطة كبيرة في حق الرجولة. بس أنا جاي أطلب منكم طلب، بلاش الموضوع يكبر ويروح للمحاكم وقضايا القائمة والمؤخر، سيف جه ومسح بيا الأرض الصبح وقالي إنه عايز حاجته الباقية اللي في الشقة من غير شوشرة، والناس كلها عرفت إنكم ناس كرمّا ورميتوا له الدهب.”
أمي ردت بسرعة وحسم:
— “يا حاج عبد العظيم، إحنا ناس بنخاف على سمعتنا، والكراتين بتاعته اهي جاهزة في الصالة متقفل عليها، من أول لبسه لحد أدوات المطبخ اللي جابها.. إحنا مش عايزين منه قضايا ولا قرف، ياخد حاجته ويغور من حياتنا.”
الحاج عبد العظيم هز راسه بارتياح:
— “خلاص، أنا هبعت تلاتة من شباب المنطقة الثقاة، ييجوا يرفعوا الكراتين دي دلوقتي وينزلوها على تروسيكل ويوصلوها لبيته، وعايزين نقفل الصفحة دي بالمعروف.”
وفعلاً، في خلال ساعة كان الشباب جم ونزلوا الكراتين كلها، وحسيت وأنا ببص للصالة وهي بتفضي من حاجته إن روحي هي اللي بتنظف. قعدت وقولت لأمي:
— “الحمد لله يا ماما، كده ملوش عندنا قشة، والمنطقة كلها شهدت.”
لكن غل سيف مكنش هيهدى بالبساطة دي. الراجل اللي اتربى على إن كلمته تمشي، والمنفوخ بكلام أهله وصحابه، مكنش هيتحمل نظرات السخرية اللي شافها في عيون صحابه وهو بيلم الدهب من التراب.
على العصر، لقيت بنت خالتي بتتصل بيا، وصوتها كان مصدوم ومرعوب:
— “لحقتي تشوفي اللي نازل على الجروب الكبير بتاع المنطقة يا…؟”
قلبي سقط في رجلي، قولت لها بتلعثم:
— “جروب إيه؟ في إيه يا بنتي انطقي!”
قالت لي وهي بتعيط:
— “سيف.. سيف منزل بوست على الجروب اللي فيه نص مليون واحد من منطقتنا والمناطق اللي حوالينا، كاتب كلام يِسم البدن ومصور الشات اللي بينك وبينه!”
فتحت الفيس بوك بسرعة وبيد ترتعش، ودخلت على الجروب.. ولقيت الكارثة.
سيف كان منزل بوست طويل عريض، بس مكنش بيتكلم عن الشاورما ولا البسبوسة.. كان قاصص سكرين شوتس من محادثات قديمة بيني وبينه، رسايل حب وكلام خاص جداً بين أي مخطوبين، رسايل كنت بشتكي له فيها من تعبي أو بتكلم فيها بحسن نية عن أسرار تخص بيتنا وأهلي، ومواقف تافهة مطلعني فيها بشكل مريض وخاين.. وكاتب فوقيها:
“دي حقيقة الهانم اللي عملت تمثيلية إمبارح في الشارع عشان تداري على فضيحتها، البنت دي كانت بتستغلني وبتاخد مني فلوس، ولما طلبت منها الأصول خانت العهد، وبحذر كل راجل في المنطقة يدخل البيت ده!”
الكومنتات كانت نازلة زي المطر، ناس متعاطفة معاه وبتقول “حسبي الله ونعم الوكيل في بنات اليومين دول”، وناس تانية بدأت تنهش في سمعتي وتكتب كلام يجرح الشرف والمحارم.
وقفت في وسط الصالة والموبايل اتزحلق من إيدي ووقع على الأرض، وحسيت إن الحيطان بتلف بيا. سيف مأكتفاش بإننا سبنا بعض، سيف قرر يدمر مستقبلي وسمعتي في المنطقة كلها ويخليني مش قادرة أرفع عيني في عين حد من الجيران.
أمي شافت حالتي وجريت شافت الموبايل، وأول ما قرأت الكلام، صرخت وحطت إيدها على صدرها:
— “يا مري! يا فضيحتنا بين الناس! ده جايب سيرتنا وسيرة عرضنا على المشاع!”
في اللحظة دي، الغضب اللي جوايا اتمحى وحل محله برود غريب وقاتل. بصيت لأمي وقولت لها بصوت هادي ومرعب من كتر الثبات:
— “هو فاكر إن السوشيال ميديا دي لعبته عشان هو أدمن في كذا جروب؟ وفاكر إن القانون مبيجبش حق البنات اللي زقهم حظهم الأسود في طريق أندال؟”
نزلت على ركبي، شيلت الموبايل، وفتحت الأبليكيشن من تاني.. بس المرة دي مكنتش بعيط، كنت بأخد سكرين شوت لكل كلمة كتبها، ولكل كومنت فيه قذف محصنات وجرح في شرفي.
وقولت لنفسي: “أنت اللي بدأت يا سيف، والمرة دي اللعب مش هيبقى في الشارع قدام الحاج عبد العظيم.. المرة دي اللعب هيبقى رسمي وفي مكان مش هتعرف تطلع منه بكلمتين أصول.”
مسكت الموبايل، وبأصابع ثابتة زي الحجر، بدأت أجمع كل السكرينات. صورت البوست بتاعه، وصورت الحساب بتاعه، وصورت الكومنتات اللي كانت بتنهش في عرضي وسيرتي، كومنت كومنت، بالاسم والوقت والتاريخ.
أمي كانت قاعدة على الكنبة بتعيط بهستيريا وتلطم على خدودها:
— “يا خسارة تربيتنا فيكي يا بنتي.. الناس هتقول علينا إيه؟ هنمشي في الشارع إزاي ونبص في وش جيراننا اللي أكلنا معاهم عيش وملح إزاي؟”
قربت منها، قعدت تحت رجليها ومسكت إيدها وبوستها وقولت بصوت قوي:
— “ارفعي راسك يا أمي.. بنتك مغلطتش، بنتك حمت نفسها من سجن مؤبد مع بني آدم نِجس. والناس اللي بتتكلم دي، هخرسهم كلهم بالقانون. زمان كان اللي بيفضح بنت في منطقة، البنت بتدارى وتعيط والناس تصدق الفضيحة.. بس الزمان ده اتغير، والسوشيال ميديا اللي هو فرحان بيها وبيحتمي ورا شاشتها، هتبقى هي الحبل اللي هيتلف حوالين رقبته.”
قومت لبست عبايتي السمرة وطرحتي، وأمي بصت لي بذهول:
— “رايحة فين يا… في وقت زي ده؟”
رديت وأنا بلف الطرحة بحسم:
— “رايحة مباحث الإنترنت يا ماما.. رايحة أعمل محضر سب وقذف وتشهير، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. سيف فاكر نفسه ذكي وعامل فيها ‘أدمن’ وبيلعب بالبوستات، بس ميعرفش إن الدولة دلوقتي مابتسميش في الحاجات دي، وميعرفش العقوبة اللي مستنياه.”
نزلت من العمارة، ولأول مرة محطتش راسي في الأرض وأنا ماشية. بصيت في عيون الناس اللي كانت واقفة على أول الشارع بتبص لي وبتتهامس.. بصيت لهم بثقة وفخر، كأني بقولهم: “أعلى ما في خيلكم وخيل سيف اركبوه.”
أخدت تاكسي وطلعت على مقر مديرية الأمن، ودخلت قسم التكنولوجيا والمعلومات ومباحث الإنترنت. قعدت قدام الضابط، وبدأت أشرح له الموضوع من أوله لآخره بمنتهى الهدوء والترتيب. الضابط كان راجل محترم جداً، سمعني للآخر وهو بيهز راسه بضيق من اللي بيقرأه، وطلب مني أبعت السكرينات كلها على رقم الواتساب المخصص للمكتب.
بعد ما خلصت، الضابط بص لي وقال:
— “يا بنتي، إنتِ عملتي الصح.. النوعية دي من الشباب بيبقوا فاكرين إن الشاشات بتداري قلة أصلهم، وميعرفوش إن البوست ده جنحة عقوبتها بتوصل للحبس والغرامة المالية الكبيرة اللي مابتقلش عن ملو هدومهم. المحضر بتاعك هياخد رقم وهيتحول للنيابة، وخلال أيام هيتجاب من قفاه.”
خرجت من المديرية وأنا حاسة إن الهوا دخل صدري من تاني. رجعت البيت، لقيت أمي مستنياني وقلقانة، طمنتها وقولت لها:
— “الموضوع بقا في إيد الحكومة يا ماما، وإحنا مش هنرد عليه ولا بكلمة واحدة على الفيس بوك.. سيبيه يفرح باللايكات والكومنتات بتاعته كام يوم.”
مر يومين، وسيف كان عايش في وهم الانتصار. كان كل شوية ينزل بوست تلقيح وتلميح، وصحابه يظيطوا وراه، والمنطقة كلها مفيش وراها سيرة غير سيرة “سيف وخطيبته اللي فضحها”. لدرجة إن الحاج عبد العظيم جه لبيتنا تاني ووشه في الأرض وقال لأمي:
— “أنا جيت اعتذر لكم.. الواد سيف طلع قليل الأصل، وأنا كلمت أبوه وهزأته، بس أبوه قالي ‘ابني مجروح ودمه حامي ومحدش يقدر يمنعه عن حقه’.”
أمي ردت ببرود:
— “سيبه يا حاج عبد العظيم.. سيبه يجيب آخره، والمسامح كريم.” الحاج عبد العظيم مشي وهو مستغرب من هدوءنا المفاجئ.
وفي اليوم الرابع.. الصبح بدري، الشارع بتاعنا صحي على صوت سرينة عربية البوكس!
العربية وقفت بالظبط قدام بيت سيف اللي في الشارع اللي ورايا. اتنين أمناء شرطة ومعاهم ضابط، نزلوا ودخلوا العمارة بتاعته وسط ذهول المنطقة كلها اللي اتلمت في ثواني.
أمي جريت على البلكونة، وأنا وقفت ورا الشيش ببص بقلب بينبض بسرعة.
بعد عشر دقايق، لمحنا سيف وهو نازل.. بس مكنش نازل لابس ومتشيك ورافع راسه زي يوم ما جه يطلب البسبوسة، مكنش معاه صحابه يظيطوا له.
سيف كان نازل بالترنج بتاع البيت، وشه أصفر زي الليمونة، وعينيه في الأرض، وإيديه الاتنين محطوطة في الكلبش الحديد، والكلبش متغطي بجلابية الأمين اللي ساحبه وراه وبيقوده زي…!
أمه وأخته منة كانوا وراه بيصوتوا ويلموا عليه الناس:
— “يا لهوي! ابني عمل إيه؟ واخدينه فين يا بيه؟! ده راجل مهندس ومحترم!”
الضابط لف ليهم وقال بصوت هز الشارع كله:
— “ابنكم مطلوب في قرار ضبط وإحضار من النيابة العامة، بتهمة السب والقذف والتشهير الإلكتروني وجرح أعراض بنات الناس.. اركب يا روح أمك!”
اتزق سيف في بوكس الشرطة، والعربية دارت وطلعت بيه وسط ذهول وخزي أهله، وصدمة الجيران اللي كانوا من يومين بيصدقوا كلامه.
أمي بصت لي والدموع في عينيها، بس المرة دي دموع فرحة وقالت:
— “ربنا ينصرك يا بنتي.. ربنا جاب حقنا لحد باب بيتنا.”
حسيت بنشوة انتصار ملوش مثيل، بس وأنا ببص على عربية البوكس وهي بتختفي، كنت عارفة إن الحكاية لسه مخلصتش.. لأن سيف لما يروح النيابة ويشوف مستقبله وشغله بيضيعوا بسبب بوست، أهله مش هيسكتوا، واللي هيحصل بعد كده مكنتش أتوقعه أبداً.
سيف ركب البوكس، والعربية مشيت بيه وسابت وراها شارع كامل مذهول، وأم وأخت بيصوتوا ويلطموا في وسط الأرض. الجيران اللي كانوا من يومين بيهمسوا عليا ويبصوا لي بنظرات تجرح، بدأوا يغيروا كلامهم في ثواني، وبقت السيرة في المنطقة: “أهو ودا نفسه في داهية عشان قلة أصله.. ربنا مابيرضاش بالظلم وبنات الناس مش لعبة.”
دخلت من البلكونة وأنا حاسة برعشة خفيفة في إيديا، بس المرة دي كانت رعشة انتصار. قعدت جمب أمي اللي كانت بتدعي وتبكي من الفرحة وتقول: “الحمد لله اللي نصرنا وبيض وشنا قدام الحتة كلها.”
مرت الساعات بطيئة وتقيلة جداً، وبدأت شمس اليوم الجديد تطلع. وعلى الساعة واحدة الضهر، سمعنا خبط على الباب، بس الخبط المرة دي مكنش خبط بلطجة ولا خبط رزين.. ده كان خبط مكسور، خبط حد بيستجدي.
أمي بصت لي، وقُمت فتحت الباب.
وقفت ومسكت مقبض الباب بقوة وأنا ببص للي واقفين بره. كانت “أم سيف” وأخته “منة”.
منة اللي كانت من يومين بتزعق في الموبايل وتقولي “أعلى ما في خيلك اركبيه وإحنا هنعملكم فضيحة”، كانت واقفة النهارده وعينيها متورمة من العياط، ووشها في الأرض. وأم سيف الكبيرة، اللي كانت دايماً بتتعامل معايا بفوقية وكأن ابنها البشمهندس لقطة، كانت واقفة وضهرها محني.
أول ما أم سيف شافتني، مأستنتش حتى إني أقولها اتفضلي، لقيتها بتمسك إيدي وبتبوسها وهي بتعيط بحرقة:
— “ببوس إيدك يا بنتي.. سامحي سيف، ابني ضاع ومستقبله بيتهد! بقاله ليلة كاملة بايت في الحجز مع المجرمين، والنهارده اتعرض على النيابة والوكيل قال إنه هيتجدد له 15 يوم على ذمة التحقيق لو إنتِ ماتنازلتيش!”
منة قربت وهي بتعيط وتقول بنبرة مكسورة تماماً:
— “أنا أسفة يا…، حقك عليا أنا، أنا اللي كنت عمية ودافتعت عن الغلط. سيف غلط في حقك وفي حق والدتك، والبوست اتمسح والجروب كله عرف إنه اتمسك، امسحيها فيا أنا وبلاش تخربي مستقبله وشغله، ده لو اتحبس هيترفد من الشركة وشهَادته هتضيع!”
أمي طلعت على صوت عياطهم، ووقفت جمبي بصمت، ملامحها كان فيها شفقة الأمومة، بس برضه كان فيها هيبة الست اللي اتهان عرض بيتها.
بصيت لأم سيف وشيلت إيدي من إيدها بهدوء وقولت بصوت صلب ميهتزش:
— “يا خالة.. ابنك وهو بيكتب الكلام ده ويقصه وينشره على جروب فيه نص مليون بني آدم، مأفتكرش للحظة إن ليا أهل، ومأفتكرش إن مستقبلي أنا وسيرتي هيروحوا فين. ابنك استقوى بالسوشيال ميديا وداس على شرفي وشرف أمي عشان يداري على كسرة عينه لما رميت له الذهب في الشارع. هو اللي خرب مستقبله بإيده، مش أنا.”
أم سيف قعدت على الركبة في الصالة وهي بتبكي وتترجى أمي:
— “عشان خاطري يا أم حسين.. إحنا جيران وعيش وملح، والولد طيش شبَاب ودمه حامي، ابوس رجلك ارحمي قلبي المحروق على ابني، اطلبي اللي إنتِ عايزاه وإحنا هنعمله، بس يتنازلوا عن المحضر والنيابة تطلعه النهارده!”
أمي بصت لي، وشوفت في عينيها إنها بدأت تصعب عليها الأم الكبيرة، فقالت لي بصوت واطي:
— “يا بنتي.. إحنا خدنا حقنا قدام المنطقة كلها والكل عرف أدبنا وخيبته، والأم ملهاش ذنب، شوفي هتعملي إيه.”
فكرت لثواني.. أنا مش شريرة، ومش عايزة أخرب بيت حد، بس في نفس الوقت، النوعية دي من الرجالة لو خرجت بالسهولة دي، هيرجع يفرعن تاني ويقول “طلعت منها ومقدرتش تعملي حاجة”. كان لازم الأدب يبقى كامل، والشروط تكون قاطعة.
بصيت لمنة ولأمها وقولت بحسم:
— “أنا هتنازل يا خالة.. بس بشرطين، ومفيش فيهم فِصال.”
أم سيف رفعت راسها بسرعة ولهفة:
— “قولي يا بنتي، كل اللي تقوليه مجاب!”
وقفت وربعت إيديا وقولت:
— “الشرط الأول: سيف ينزل بوست اعتذار رسمي ومكتوب على نفس الجروب اللي فضحني فيه، ويفضل البوست ده متثبت 48 ساعة، يكتب فيه بالنص إنه كدّاب وإنه افترى عليا وعلى أهلي تهم باطلة عشان ينتقم لنفسه بعد ما أنا اللي فسخت الخطوبة بسبب بخل مشاعره وأفعاله.”
منة بلعت ريقها وهزت راسها بسرعة:
— “موافقين.. والله هيحصل أول ما يمسك الموبايل.”
تابعت وقولت ونبرة صوتي بتتحول لتهديد حقيقي:
— “الشرط الثاني والمهم.. الشقة اللي بيني وبينها دقيقتين مشي دي، سيف يبيعها أو يأجرها ويسيب المنطقة خالص. أنا مش هعيش في مكان، ولا هخرج من بيتي ألاقي بني آدم بالرخص ده في وشي هو وأصحابه. سيف يختفي من حياتنا ومن الشارع ده نهائي.”
أم سيف سكتت من الصدمة، الشقة دي بقاله سنتين بيجهز فيها وكل شقاه فيها، بس مكنش قدامها خيار تاني.. يا الشقة، يا الحبس وضياع المستقبل.
بصت لبنتها وبعدين بصت لي وقالت بصوت مخنوق:
— “موافقين يا بنتي.. الشقة هتتعرض للبيع من بكره، بس تعالي معانا دلوقتي على النيابة نقذيه.”
لبست ونزلت معاهم، وطول الطريق كنت حاسة إني برسم خط نهاية لقصة علمتني كتير. علمتني إن المحب مش اللي بياكل ويؤمر، المحب هو اللي بيشيل ويجبر الخاطر.
وصلنا النيابة، ودخلنا، وشوفت سيف واقف في الممر مستني دوره.. المنظر كان كفيل ينهي كل ذرة زعل جوايا ويديني درس عمري ما هنساه. سيف البشمهندس المتشيك، كان واقف دبلان، وعينيه مكسورة كسر عمري ما شوفت زيها في حياتي. أول ما عينه جت في عيني، دارى وشه للأرض من الخزي، مكنش قادر يرفع عينه في البنت اللي كان بيقولها من كام يوم “يوم ما تبقي في بيتي هبقى أجيبلك”.
دخلت مع المحامي وعملت إقرار التنازل والتصالح بالمعروف قدام وكيل النيابة. وفعلاً، صدر قرار بإخلاء سبيله.
خرجنا بره مبنى النيابة، وسيف استلم حاجته وموبايله. أمه جريت عليه تاخده في حضنها وهي بتعيط، وهو كان زي الج*ثة.. مبيتكلمش ومبينطقش.
منة هزت كتفه وقالتله: “اعمل اللي اتفقنا عليه يا سيف عشان نخلص.”
سيف مسك الموبايل بإيد بترتعش، وفتح الفيس بوك.. وعيني كانت عليه وهي بتراقب كل حركة بيعملها. وكتب البوست اللي هينهي كل حاجة، بس اللي سيف مكنش يعرفه، إن البوست ده لما ينزل، رد فعل الناس وأصحابه عليه هيكون هو القشة الأخيرة اللي هتقسم ضهره وتخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يدخل حياتي.
سيف كان واقف صامِد زي الصنم، عينيه في شاشة الموبايل، وصوابعه بتتحرك ببطء شديد كأنه بيحفر قبره بإيده. كتب الاعتذار الرسمي اللي شرطته عليه، نزل الكلام اللي بيعترف فيه بإن كل اللي قاله كان افتراء، وإن الفسخ جه مني أنا بسبب قلة أصله وبخله.
أول ما داس “نشر” (Post)، حسيت إن في قيد حديد اتفك من حوالين رقبتي وطار في الهوا.
بصيت له نظرة أخيرة.. نظرة مفيش فيها غل، ولا فيها عتاب، كان فيها بس شفقة على بني آدم ضيع نفسه وبيته ومستقبله عشان “سندوتش شاورما” استخسره في واحدة كانت بتعمله الفطير والمحشي وهي تعبانة وصايمة.
لفيت ضهري ومشيت أنا وأمي، وسبناه واقف مع أمه وأخته في وسط الزحمة، مكسور الخاطر والعين.
طول الطريق وأنا راجعة البيت، الموبايل م بطلش رن واهتزاز. الإشعارات كانت نازلة زي المطر على البوست الجديد. صحابه اللي كانوا واقفين يظيطوا له في الشارع ويسخنوه، أول ما قرأوا الاعتذار وعِرفوا إنه مضى عليه وهو خارج من الحجز، بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني، وكتبوا كومنتات يهاجموه فيها ويقولوا: “طلعت مش راجل وبتتبلى على بنات الناس عشان تداري خيبتك! إحنا غلطانين إننا وقفنا معاك!”
حتى الجروب اللي كان فاكر نفسه مسيطر فيه كـ “أدمن”، الإدارة شالته من الإشراف وطردته عشان “إساءة استخدام الجروب وتشوية السمعة”. سيف خسر كل حاجة في لحظة.. خسر البنت اللي كانت شارياه، وخسر هيبته قدام صحابه، وخسر احترامه في المنطقة.
مرت الأيام، ونفذت أمه الشرط التاني.. الشقة اتعرضت للبيع فعلاً، وشوفت اليافطة وهي بتتعلق على البلكونة اللي ورايا، وبعدها بشهرين كانوا نقلوا حاجتهم وسابوا الحتة كلها، ومبقاش ليهم أي أثر في المكان.
قعدت في البلكونة في يوم صايمة برضه، والدنيا حر، بس المرة دي كنت حاسة براحة نفسية وهدوء ملوش مثيل. أمي دخلت عليا وهي شايلة صينية عليها اتنين سندوتش شاورما وعلبة كانز ساقعة، حطتها قدامي وابتسمت وقالت:
— “فطير مشلتت لأ.. ومحشي كرنب لأ.. النهارده فطارك شاورما وبس يا ست البنات.”
ضحكت من قلبي، وحضنت أمي وأنا حاسة إن الدنيا لسه بخير، وإن ربنا بيعوض العبد الطيب لما بيصون كرامته.
### الحكمة من الحكاية:
> “الراجل بيبان من أولها يا بنتي.”
> الكلمة دي اللي قالتها الأم في أول الحكاية هي ملخص الأصول كلها.
> * **الخطوبة مش مطعم مجاني:** الخطوبة مش فترة عشان الست تفتح فيها مطعم دليفري وتثبت شطارتها في المطبخ على حساب صحتها وكرامتها، والراجل يقعد يؤمر ويتشرط. الخطوبة فترة اختبار للمشاعر والأخلاق وجبر الخواطر.
> * **من استخسر الكلمة.. استخسر اللقمة:** اللي يستخسر فيكي سِندوتش شاورما وإنتِ صايمة وتعبانة بحجة “الأصول والفلوس”، هو نفسه اللي هيستخسر فيكي لقمة العيش والأمان وإنتِ في بيته. البخل مبيقفش عند الفلوس، البخل بيبدأ من المشاعر والأفعال.
> * **الكرامة خط أحمر:** الحب مبيعيشش في بيت مفيش فيه احترام متبادل. البنت اللي تسيب كل حاجة في إيدها عشان ترضي خطيبها بغباء المحبين، لازم تتعلم تقفل الباب في وشه بمنتهى القوة لو حسّت إنه واخد وجودها وتعبها كأنه “حق مكتسب”.
> * **السوشيال ميديا مش ساحة لتصفية الحسابات:** وأخيراً.. اللي يفتكر إن الشاشات بتداري قلة الأصل، ميعرفش إن القانون والنيابة مابيهزروش في أعراض بنات الناس، وإن الكبرياء الأعمى آخره دايماً كلبش حديد وكسرة عين قدام الدنيا كلها.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق