القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سلايفى كامله 



سلايفى كامله 


فى أى عزومه فى بيت اهل جوزى لما حد من سلايفى بيطلب حاجه بيطلبها منى كنت بستغرب أوى كل واحد مراته قاعده جمبه ليه يطلبوا منى

كنت بضحك في الأول وأقول في بالي: “يلا يا بت مش مهم ، يمكن بيعزوني زي أختهم، أو شايليني لليوم الأسود!”،

كنت بضحك في الأول وأقول في بالي: “يلا يا بت يا واد يا شهمة، يمكن بيعزوني زي أختهم، أو شايليني لليوم الأسود!”، وأقوم أجري على المطبخ أجيب لده مية، ولده شاي، وللتاني طبق زيادة، وأنا شايلاهم وشايلة عيالهم فوق راسي، والابتسامة مش بتفارق وشي.

بس الغشاوة مش بتفضل على العين كتير .. والنوايا بيبان ساسها لو ركزت في عينين اللي قدامك.

الجاي كان يوم جمعة، العيلة كلها ملمومة، والغدا خلص، والكل قاعد يـ”أنتخ” في الصالون. أنا طبعاً كنت في المطبخ، ضهري اتقطم بين المواعين والحلل، وعرقانة وطالع عيني. خلصت وكنت لسه هطلع، لقيت رجلي وقفت عند الباب لما سمعت صوت سلايفي وجوزي وإخواته بيتكلموا وضحكهم علّي.

وقفت ورا الحيطة أخد نفسي، وسمعت سيلفتي الكبيرة بتقول بدلع: “يا اختي أنا ضهري وجعني قوي من القعدة، ومكسلة أقوم أعمل فنجان القهوة بتاعي.. لما تطلع إيمان هخليها تعملي واحد مظبوط، أصلها بتعمله بوش حلو.”

رد عليها سلفي التاني بضحكة استهزاء هزت قلبي: “وإنتِ هتتعبني نفسك ليه يا بنتي؟ ما هي إيمان موجودة.. إحنا مصدقنا لقينا حد يشيل الشغل ده كله عننا، دي مابتصدق تخدم، واخدة على كدة.. اعتبريها الشغالة الرسمية للبيت هنا، طالما هي حابة تعيش في دور الست الشغالة، سيبوها تسلك معانا!”

الصدمة لجمت لساني. الدم حسيته غلي في عروقي وبقى يغلي في نفوخي. الكل ضحك.. حتى جوزي! اللي المفروض كرامتي من كرامته، قاعد وسطهم بيضحك وهز راسه وكأن الكلام عاجبه ومش فارق معاه إن مراته بتهان وتتوصف بالخادمة وهي بتكرم أهله!


دخلت عليهم بخطوات بخطوات هادية، ملامحي كانت جامدة زي الحيطة، وشايلة في إيدي صينية عليها فناجين القهوة والشاي اللي طلبوها قبل ما أدخل المطبخ. أول ما رجلي عتبت الصالون، الضحك اللي كان مالي المكان هدي فجأة، والعيون كلها اتلفتت ناحيتي.. عيون فيها نظرة لؤم على استخفاف، كأنهم مستنيين الشغالة تخلص صبتها وتمشي.

حطيت الصينية على الترابيزة بكل برود، وقبل ما أتحرك، سيلفتي الكبيرة لوحت بإيدها وقالت بنبرة فيها أمر مستخبي تحت ضحكة: “تسلم إيدك يا إيمان.. معلش يا حبيبتي، ركزي معايا بقى، فنجان القهوة بتاعي المرة الجاية عايزاه مظبوط سِكة، المرة اللي فاتت كان مر شوية.. وأهو بالمرة وأنتِ واقفة، هاتي معاكي غطا حلة المحشي اللي سيبناه في المطبخ عشان نغرف لولاد سلفك الصغير.”

وقبل ما أرد، دخل سلفي التاني في الكلام وهو بيظبط قعدته على الكنبة وبيتكلم بلهجة كلها تريقة: “جرى إيه يا نيرمين؟ ما تخفي على إيمان شوية، البنت لسه مخلصة مواعين جبل أحد اللي جوه! بس بصراحة يا إيمان، إحنا من غيرك في العزومات دي نضيع.. أصل سلايفك رِجلهم واخدة على السجاد المرستق، وميقدرواش على وقفة المطبخ دي.. أنتِ بقى بسم الله ما شاء الله، صحتك حديد وواخدة على الشقا!”

الكل ضحك ضحكة مكتومة، وجوزي قاعد بيبتسم وهو بيبص في تليفونه، ولا كأن الكلام فيه تجريح لكرامتي أو تقليل مني قدام الكل، بالعكس.. كان كأنه مبسوط إن مراته “مفيش منها” في الخدمة.

سيلفتي الصغير لوت بوزها وقالت بنبرة سم: “يا اختي المحظوظة محظوظة، أنا لو وقفت وقفتها دي في المطبخ ساعتين، أسبوع بحاله هقضيه عند دكتور العظام.. إيمان دي بركة البيت، بتستحمل اللي مفيش ست بيت تستحمله.. يلا يا إيمان يا حبيبتي، شوفي وراكِ إيه تاني جوه قبل ما القهوة تبرد.”

كنت واقفة وسامعة كل كلمة، والتريقة اللي متغلفة بكلام شبه المديح كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين

بصتلهم والهدوء اللي كان على وشي كان وراه بركان قايد جوة صدري. بصيت لاخت جوزى الكبيرة نيرمين، وبعدين لاختها الصغيرة، ونقلت عيني لسلفتي التانية اللي قاعدة حاطة رجل على رجل وكأنها ملكة متوجة في صالونها. وأخيراً.. نزلت بعيني على جوزي، اللي كان لسه باصص في شاشة تليفونه والابتسامة الباردة مرسومة على وشه.

سكت ثواني.. ثواني الكل افتكر فيها إني ببلع الإهانة وبستعد عشان أنفذ الأوامر كالعادة. الصالون كله بقى هس هس، مفيش غير صوت تكتكة صوابع جوزي على الشاشة.

أخدت نفس طويل، وربعت إيدي وبكل برود وروقان مكنوش يتخيلوه، قولت وصوتي طالع هادي بس حامي زي الموس:

“والله يا نيرمين يا حبيبتي، المحشي اللي بتتكلمي عليه ده أنا اللي واقفه لافاه صباع صباع من الفجر، وضهري اللي اتقطم فيه واولادى اولى بيه من بطن حد مكسل يقوم يجيب لعياله لقمة. والقهوة المظبوطة اللي نفسك فيها؟ تقدري تقومي تشمري وتظبطي وشها على مزاجك.. أصل من هنا ورايح، إيدي مابقتش بتعمل حاجة تطلع مُرة لحد.”

الضحكة المكتومة اختفت من على الوشوش في ثانية. نيرمين نزلت إيدها اللي كانت ملوحة بيها، وبوز سلفتي الصغيرة اتلوى أكتر من الصدمة. سلفي الصغير ظبط قعدته وبصلي وهو مبلم، وجوزي رفع عينه من التليفون فجأة وكأن صاعقة نزلت عليه، وعينه برقت وبان فيها الغل والارتباك.

التفت لسلفتي الصغيرة وقولت بابتسامة صفرا تلطش:

“سلامة ضهرك يا حبيبتي من وقفة المطبخ ودكاترة العظام.. بس على فكرة، الشقا مش قلة قيمة، الشقا ده للي واخد على الأصول وبيكرم بيت أهل جوزه من باب الذوق والتربية. بس الأصول دي بتبقى للي يفهمها ويصونها، مش للي يفتكرها وظيفة ميرغمة عليها. وصحتي الحديد اللي بتحسدوني عليها، هحوشها من اليوم وطالع لبيتي ولعيالي وبس.. أصل الجبل اللي كنت شايلاه على ضهري، اتهد خلاص.”

جوزي وشه بقى يجيب ألوان، ملامحه اتشدت وحس بالاحراج وسط إخواته وسلايفه بعد ما كلامي قصف الجبهات كلها. وقف على حيله وقال بنبرة عاليه متدارية في حرج:

“جرى إيه يا إيمان؟ إيه الطريقة اللي بتتكلمي بيها دي؟ الناس بتهزر معاكي وبتشكر فيكي وفي شطارتك، تقومي تقلبي القعدة كدة؟ اعتذري لـ نيرمين وإخواتي، وبلاش نكد ونبوظ اليوم!”

بصيت له في عينه .. النظرة اللي كانت دايماً كلها طيبة ورضا، اتقلبت لنظرة قوة خلت كلامه يقف في زوره.

قولت له ونبرة صوتي لسه هادية بس بتزلزل:

“الهزار اللي فيه قلة قيمة وكسر نفس ميبقاش هزار يا بو العيال. والشطارة اللي تخليك قاعد تضحك وتهز في راسك وأنا بتهان وبتسمى وسطكم بـ الشغالة الرسمية، تبقى شطارة أنا متبرية منها. أنا دخلت البيت ده بكرامتي، من بيت ناس يعرفوا الأصول والواجب، ومكنتش أعرف إن كرمي وذوقي هيتفسروا ضعف وقلة حيلة.”

التفت للكل، وأخدت شنطتي اللي كانت محطوطة على الكرسي قُرب الباب، وبصيت لهم بصه أخيرة خلت الكل ينزل عينه الأرض.. حتى اللي كانوا من دقيقتين سايقين فيها التريقة.

“العزومة الجاية يا جماعة، السجاد المرستق بتاعكم ده يفضل نضيف، وكل واحدة فيكم تشمر وتورينا شطارتها في مطبخ امها.. عشان الشغالة الرسمية قدمت استقالتها، وخرجت ومِش راجعة للمطبخ ده تاني.”

مشيت خطوتين ناحية الباب، ولفيت وشي لجوزي اللي كان واقف مكانه مشلول مش عارف يداري وشه فين من إخواته وسلايفه، وقولت له بكلمة واحدة هزت الصالون خلى عيالك معاهم ابقى روحهم وانت مروح

بصيت لوشه اللي اتخطف ومبقاش عارف ينطق، وقولت الكلمتين دول بكل برود الدنيا، ولفيت ضهري وخرجت من باب الشقة قبل ما حد فيهم يستوعب الصدمة أو يلحق يرد عليا بكلمة



نزلت السلم وأنا حاسة بوزن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. الدموع كانت هتنزل من عيني من كتر القهرة، بس حبستها.. قولت لنفسي: “لأ يا إيمان، دموعك غالية ومحدش يستاهل يشوفها مكسورة بعد النهاردة”. ركبت أول تاكسي قابلني وطلعت على بيت أبويا، البيت اللي خرجت منه معززة مكرمة.


طول الطريق تليفوني مفرصلش رن، هو ووالدته وإخواته، وكل شوية يبعت رسايل: “أنتِ اتجننتي؟”، “سايبة العيال وماشية رايحة فين؟”، “ارجعي وبلاش فضايح!”. قفلت التليفون خالص ورميته في الشنطة.. سيبته يشرب من نفس الكأس، ويدوق حوسة العيال وشيلتهم اللي كان شايفها حاجة عادية ومابتتعبش.


وصلت بيت أهلي، وأول ما أمي شافتني وشافت وشي ناشف ومفيش فيه تعبير، عرفت إن في حاجة كبيرة. حكيت لها وحكيت لأبويا وإخواتي على كل اللي حصل من طقاطق للسلام عليكم، وعن الضحك والتريقة وجوزي اللي كان بيهز راسه ومبسوط بقليلة قيمتي. أبويا ضب جبينه وقاللي: “جدعة يا بنتي، اللي ميعرفش يقيمك ويصون كرامتك قدام الغريب والقريب، مأمنش عليكي معاه.. ارتاحي وبيتك مفتوحلك”.


فاتت ساعات، وعلى العشا كدة، سمعنا خبط هبد على الباب. أخويا فتح، ولقيناه هو.. داخل وشايل العيال، والعيال هدومهم مبهدلة وبيعيطوا، وهو وشه مزنهر من كتر العرق والعصبية، وشكاله يضرب يقلب بعد ما سلايفه وإخواته سابوه ومشيوا وتدبس في العيال لوحده ومبقاش عارف يلم وراهم إيه ولا إيه.


أول ما شافني واقفة مع أخويا وأبويا، حط العيال وقال بزعيق وعصيبة:


“عاجبك كدة؟ سايبالي العيال وقالبة الدنيا وماشية عشان كلمتين هزار؟ سيبتيني محتاس بيهم وسط إخواتي وسلايفي وخليتي شكلي زفت قدامهم! ضهر مين وشغالة مين؟ إحنا أهل وبيت واحد، مكنش ليه لزمة الفيلم الهندي اللي عملتيه ده وتسيبي بيتك وعيالك!”


أبويا وقف حيطة سد بيني وبينه، وبص له بنظرة خلت صوته يوطى غصب عنه. قعدت على الكرسي، وحطيت رجل على رجل، وبصيت له وبكل برود الدنيا قولت له:


“الفيلم الهندي ده أنت اللي ألفتوه لما قعدت تضحك وتتفرج على مراتك وهي بتقل من قيمتها عشان بتخدم أهلك بلقمتها. والعيال دول عيالك زي ما هم عيالي، قولت أدوقك شوية من “البركة والصحة الحديد” اللي سلايفك كانوا بيحسدوني عليها.. مش أنت كنت شايف إن الوقفة والشقا مابتتعبش ومفيش منها؟ أهو نص يوم بس وكنت هتشد في شعرك!”


حمق نفسه وحاول يدخل أبويا في الكلام: “يا عمي قول حاجة، ينفع تسيب بيتها عشان خاطر شوية كلام؟”


أبويا رد عليه بكل حسم: “بنتي مسبتش بيتها عشان كلام، بنتي سابت بيتها عشان ملقتش راجل يحمي كرامتها ويوقف اللي يغلط فيها عند حده. طالما أنت شايفها شغالة وبتتكسف تدافع عنها، يبقى تقعد هنا معززة مكرمة في بيت أبوها، والعيال أهم معاك.. وريني بقى شطارتك هتربيهم وتخدمهم إزاي لوحدك، طالما الخدمة عندكوا سهلة ومبتتعبش!”


أخويا أول ما سمع كلمة “شوية كلام”، خطى خطوة لقدام ووقف قصاده بالملي، وعينه شرار. جوزي رجع خطوة لورا غصب عنه، والارتباك بان في عينه تاني.


أخويا شاور بصابعه في وشه وقال له بنبرة كلها وعيد وصوت جهوري هز الحيطان:


“أنت بتقول كلام؟ كلام إيه يا حيلتها اللي يتقال على أختي؟ أختي اللي خرجت من البيت ده ست البنات، تروح عندك عشان تتهان وتتقال عليها شغالة من اخواتك وأنت قاعد تكركر وتضحك؟ ده أنت لو فيك ريحة الدم، كانت كرامتك أنت اللي نقحت عليك قبلها! الست مننا كرامتها من كرامة جوزها، وطالما أنت رضيت عليها يتقل منها ، يبقى أنت اللي قليل وماتعرفش مقام الست اللي معاك!”


جوزي وشه احمر وحاول يعلي صوته عشان يداري خيبته:


“يا ابنى، بلاش كلام كبار، دي بيوت وبتتخرب على حاجات عبيطة، والناس كانت بتهزر…”


“اسكت خالص وماتنطقش!”.. الكلمة دي طلعت من أبويا زي الطلقة، ضرب بكفه على الترابيزة خلت الكل يتنفض في مكانه.


أبويا قام وقف، وبكل هيبة السنين طالعه في صوته، مشي لحد ما بقى واصاد جوزي وبص له من فوق لتحت بنظرة قرف وقاله:


“البيوت بتتعمر بالرجالة اللي بتصون عرضها وكرامة حريمها يا ابن الأصول.. إنما البيوت اللي بتهين بنات الناس عشان يرضوا أهلوهم، دي متلزمناش وماتشرفناش نناسبها. أنت جاي هنا متعصب وعروقك نافرة عشان شكلك بقى زفت قدام إخواتك وسلايفك؟ طب وشكل مرتك اللي اتمسح بيه الأرض وهي طالع عينها في مطبخك ومطبخ أهلك، ده ملوش تمن عندك؟”


جوزي لسه هيفتح بقه يدافع عن نفسه، أخويا دخل في الكلام وقصف جبهته تالت ومتلت:


“بقولك إيه.. لم الليلة وخد عيالك في إيدك واتفضل برة، الباب يفوت جمل. والعيال دول اللي أختي كانت شايلاهم وشايلاك فوق راسها، وريني بقى هتعمل فيهم إيه من غير الشغالة الرسمية؟ فرجنا على طول طولك وشطارتك.. إخواتك وسلايفك اللي كنت بتضحك معاهم أهم مالين البيت، خليهم يجوا يطبخوا للعيال ويوكلوهم، ويوروك السجاد المرستق بيتعمل إزاي!”


جوزي وقف مبرق، حس إنه صغر قوي، وبقى شكله عيل صغير وسط رجالة بجد بيعلموه الأدب والأصول. بص للعيال وبص لأبويا وقال بنبرة مكسورة ومخضوضة من شيلة العيال لوحده:


“يعني إيه يا عمي؟ هتخربوا بيتي؟ طب والعيال دول ذنبهم إيه أسيبهم فين وأنا بنزل شغلي؟”


أبويا ضحك ضحكة سخرية رنت في الصالة وقاله:


“والله دي مشكلتك أنت يا شاطر.. زي ما شيلت أختي الهم والذوق، شيل أنت بقى مسؤولية عيالك. بنتي هتقعد هنا، والباب ده مش هتعتبه تاني ولا هتشوف وشها، إلا لما تعرف قيمتها وتيجي وأنت شايل كفنك على إيدك، وتعتذر لها قدام أهلك وإخواتك كلهم نفر نفر، وتعملها قيمة تندمهم على اليوم اللي فكروا يلمحوا لها بكلمة.. وتعرف إن ليها ضهر يهد بلد لو حد فكر يمس طرفها.”

أخويا مسك جوزي من كتفه بكل عزم، ولفه ناحية الباب وقاله بلغة حاسمة:


“يلا يا بابا.. اتفضل برة من غير مطرود، والعيال أهم في إيدك.. ورونا الهمة بقى يا أبو العيال!”


جوزي لقى نفسه متدبس، شال ابنه الصغير وبنته في إيده ووشه في الأرض من كتر الخزي والكسرة، وخرج يجر أذيال الخيبة، والباب اتقفل وراه رقعة واحدة.


أبويا التفت ليا، وطبطب على كتفي وقاللي: “ارفعي راسك يا بنتي، طول ما فيا نفس في الدنيا دي، محدش يقدر يكسرلك عين ولا يقلل من قيمتك.. سيبيه يربيه الزمان، عشان يعرف إن الله حق.”


 


فاتت تلات أيام، وتليفوني اللي كنت فتحته عشان أطمن على العيال بس، مابطّلش رن. مكالمات من حماتي، ورسايل من إخواته، وهو باعت يجي خمسين رسالة كلهما رجاء على شوية عتاب متداري في كسرة نفس.


طول التلات أيام دول، كان عايش في “جنة” العيال لوحده. عرفت من أخته الصغيره — اللي كلمتني وهي مستخبية — إن البيت عنده بقى يضرب يقلب. العيال مبهدلين الدنيا عياط، والبيت مكركب، وهو مش ملاحق بين نزول الشغل الصبح، ويرجع يلاقي البيت يضرب يقلب، ولا عارف يطبخ لقمة، ولا عارف يغسل غيار للعيال. وسلايفه اللي كانوا مأنتخين في الصالون؟ مفيش واحدة فيهم خطت عتبة بيته ولا قالت له “أعملك لقمة للعيال يا سلفي”. كله نفض إيده وسابه في حوسته.


على العصر كدة في اليوم الرابع، الباب خبط. أخويا فتح، ولقينا جوزي واقف، بس المرة دي مكنش داخل بعصبية ولا عروق نافرة زي المرة اللي فاتت. المرة دي كان داخل وشه في الأرض، شايل في إيده سبت ورد كبير، وعلبة شوكولاتة غالية، ووراه حماتي داخلة بوش كشر بس باين عليه الحرج.


أبويا قعد في الصالة، وربع إيده، وأخويا وقف ساند ضهره على الحيطة وعينه عليه ومفيش على وشه أي تعبير ترحيب.


حماتي بدأت الكلام وهي بتحاول تلطف الجو: “جرى إيه يا أبو أحمد؟ إحنا أهل برضه، والصلح خير.. الواد غلطان وإحنا جينا لحد عندكم عشان نطيّب خاطر إيمان، دي بنتنا برضه ومستحملانا.”


أبويا رفع إيده ووقف كلامها بكل هيبة وقام باصص لجوزي مباشرة وقال له:


“الكلام مش معاكي يا أم أحمد، الكلام مع الراجل اللي دخل بيتي وخد بنتي بأمان الله. ها يا أبو العيال؟ عرفت قيمة “الشغالة الرسمية” اللي كنت بتضحك عليها؟ عرفت الست اللي كانت شايلاك وشايلة بيتك وعيالك ومخلية شكلها يندملها الجبين من كتر الخدمة، قيمتها إيه لما غابت عن البيت؟”


جوزي بلع ريقه، وبص لأبويا وبعدين بصلي وأنا قاعدة جنب أمي وراسي مرفوعة. قال بصوت واطي ومكسور ونبرة ندم حقيقية:


“أنا أسف يا عمي.. أنا غلطت، وحقك عليا فوق راسي. الكلام لحس دماغي ومخدتش بالي إن الهزار ماسخ وفيه قلة قيمة لمراتي اللي صايناني وصاينة أهلي. البيت من غير إيمان حيطة سد، والعيال هيموتوا عليها، وأنا نفسي عرفت إني ماليش قيمة من غيرها.”


أخويا خطى خطوة وقال بصوت حاد:


“والكلام العبيط اللي اتقال من سلايفها في وشها؟ نيرمين وهانم التانية؟”


جوزي رد بسرعة عشان يلحق نفسه: “والله يا متر أنا كلمت إخواتي كلهم، وقولت لهم مراتي خط أحمر، ونيرمين بنفسها جاية بكره شقتي عشان تعتذر لإيمان قدام الكل وتصالحها، ومفيش مخلوق في العيلة هيطلب من إيمان كباية مية بعد النهاردة. إيمان هتدخل بيت أهلي ملكة، هتقعد ضيفة معززة مكرمة زيها زي الكل، واللي عايز حاجة يقوم يخدم نفسه.”


أبويا بصلي، شاف في عيني نظرة الرضا بعد ما كرامتي رجعتلي وتأدبوا كلهم وعرفوا مقامي. أبويا بصلة وقاله بحسم:


“بنتي هترجع معاك النهاردة عشان خاطر عيالها وعشان بيتها.. بس حلقة في ودنك يا ابن الناس: الست ملهاش غير كرامتها، لو اتهانت في بيت جوزها وملقتش راجل يرد غيبتها، يبقى بيت أبوها أولى بزيادة. المرة دي عديناها بالذوق والأصول وجينا على نفسنا عشان العمار، المرة الجاية.. مش هتشوف ضفرها تاني.”


جوزي هزر راسه وعينه في الأرض: “حقكم عليا، وعلى راسي من فوق، ومش هتشوفوا مني غير اللي يسركم.”


قمت لميت حاجتي، وحماتي وأمي اتصالحوا، وجوزي جه أخد الشنطة من إيدي وهو بيبصلي بنظرة كلها رجاء وتوسل إن الأيام السودا اللي شافها مع العيال متتكررش تاني. خرجت من بيت أبويا وأنا حاسة إني راجعة لبيتي بوش تاني خالص.. الوش اللي هيخليهم كلهم يعملوا لي ألف حساب بعد كدة.


ركبت العربية جنبه والعيال كانوا نايمين من كتر التعب ورا. طول الطريق كان بيبصلي بطرف عينه، يحاول يفتح كلام، وأنا باصة من الشباك وساكتة.. السكوت اللي بيعرفه إن اللي فات حمادة، واللي جاي حمادة تاني خالص.


أول ما عتبت رجلنا الشقة، البيت كان يضرب يقلب، المواعين واصلة للسقف، والهدوم مرمية في كل حته، كأن إعصار دخل المكان. هو بصلهم بكسوف وقالي بصوت واطي: “معلش يا إيمان، أنا عارف إن البيت يضايق، بس والله كنت محتاس بالعيال.. ارتاحي أنتِ بس والصبح يحلها حلال.”


بصيت للمنظر وبصيت له، وقولت بكل برود وروقان وأنا بقلع الطرحة:


“والله يا أبو العيال، البيت ده بيتك وبيتي، هيروق حبة حبة على أقل من مهلنا ولأجل عيالي بس. إنما بقى بمناسبة الرجوع وبداية الصفحة الجديدة.. حط الحلقة دي في ودنك عشان نشتري دماغنا وندخل على نظافة.”


وقف وبصلي باهتمام، فكملت كلامي وصوابعي بتعد على إيدي:


“أولاً: عزومات في بيتي هنا لأهلك مش هيحصل تاني. اللي عايز يشوفنا يزورنا أهلاً وسهلاً على عيني وراسي، يشرب شاي أو قهوة بوش مظبوط أكون عمايلها بمزاجي وأنا قاعدة وسطكم مكرمة، إنما ليلة المحاشي والحلل والمواعين دي بح.. اتقفلت صفحتها خلاص.”


بلع ريقه وهز راسه وقال: “حقك، عندك حق ومنعاً للمشاكل بلاش عزايم.”


قربت منه خطوة وقولت والنبرة حاسمة ومفيش فيها فصال:


“ثانياً: لما نروح هناك عند والدتك في أي مناسبة أو جمعة، أنا داخلة ضيفة.. زيي زي نيرمين، وزيي زي سلفتي الصغيرة. هقعد على الكنبة المرستقة، رجل على رجل، وشنطتي في إيدي. كلمة ‘يا إيمان هاتي’ أو ‘يا إيمان شوفي اللي في المطبخ’ مش عايزة أسمعها من لسان حد، لا من إخواتك ولا من سلايفي، ولا حتى من حماتي. اللي عايزة تغرف لعيالها تقوم تشمر، واللي ضهرها بيوجعها تقعد بلقمتها.. أنا صحتي الحديد دي خلاص، اتمهرت لبيتي ولعيالي وليك لو صنتني، غير كدة ماليش دعوة بحد.”


جوزي جه ناحيتي، وأخد إيدي وطيب خاطري وقال بنبرة كلها رضا وندم:


“ورحمة أبويا عندك حق، والمرة اللي فاتت دي كانت درس ليا قبل أي حد. أنا شوفت المرار في الكام يوم دول وعرفت قيمتك وقيمة تعبك اللي كنت باخده قفش وهزار. اللي أنتِ عايزاه هيكوون، ومحدش هينطق بكلمة معاكي، وأنا بنفسي اللي هقف للكل.”


ابتسمت ابتسامة هادية، وحسيت بنصرة جوة قلبي.. النصرة اللي بتيجي بعد ما الست تحط حدود لكل اللي استباحوا طيبتها وافتكروها ضعف.


تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close