القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثالث والسبعون 73بقلم سيلا وليد حصريه

 

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثالث والسبعون 73بقلم سيلا وليد حصريه




رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثالث والسبعون 73بقلم سيلا وليد حصريه


الفصل الثالث والسبعون


"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "


وما الحبُّ إلا طاعةٌ تتخفّى في هيئة التمرّد، وتجاوزٌ لا يعتذر عن جنونه، مهما حاولوا حصره في تعريفٍ أو معنى.


هو ذلك الإحساس الذي لا يُشرح بقدر ما يُعاش، ولا يُقاس باتساع الكلام، بل بارتجاف القلب حين يمرّ اسمه في الذاكرة.


أحببتكِ بطريقةٍ جعلتني أبحث عنكِ في تفاصيل يومي، وكأنني أخبئكِ داخلي لا لأمتلككِ، بل لأطمئن أنكِ بخير حتى حين يغيب العالم عني.


أغارُ عليكِ منّي ومن عيني ومن ظلّي، ومن كل لحظةٍ قد تمرّ بكِ دون أن أمرّ فيها. ولو وضعتكِ في حدقة عيني إلى الأبد، ما اكتفيت...


أحببتُكَ ببساطةٍ جعلتني أغفر كثيرًا، وبقربٍ خفّف من قسوة العالم، وكأن القلوب حين تصفو تُعيد ترتيب الحياة على نحوٍ أكثر هدوءًا وصدقًا.


فهناك أشخاص لا يكفيهم قلبٌ واحد، بل يحتاجهم الإنسان عمرًا ممتدًا، لا ينقصه إلا حضورهم.

تحرَّك يبحث بعينينِ متوتِّرتين، يزداد اضطرابه مع كلِّ ثانية تمرُّ بلا أثر لها..كان البحر من حوله هادئًا على مخيف

حاول أن يقنع نفسه أنَّها لم تبتعد، أنَّها تختبئ خلف صخرةٍ قريبة، أو تنشغل بتأمُّل شيءٍ ما، لكنها ليست متهوِّرة... ليست إلى هذا الحد.

ازداد خفقان قلبه، وصار النفس داخل الأسطوانة أثقل، راح يدور أسرع، يمدُّ ضوءه في كلِّ زاوية، يتتبَّع أي حركة، أي ظل، أي خيال قد يكون لها.

لحظات فقط...كيف يمكن للحظاتٍ عابرة أن تبتلع إنسانًا كاملًا؟

شعور بارد تسلَّل إلى أطرافه، ليس من ماء البحر، بل من خوفٍ بدأ يتشكَّل ببطءٍ مرعب:

ماذا لو لم تكن قريبة؟

ماذا لو حدث لها شيء...وهو كان منشغلًا بصورة؟

عدَّة أسئلة كادت أن ترهق روحه، سبح 


يبحث عنها بجنونٍ بين زرقة البحر اللامتناهية، عيناه تتحرَّكانِ بلهفة، وأنفاسه تتسارع حتى ظنَّ أن صوت نبضات قلبه سيشقُّ أذنيه من شدَّة الخوف...

كلُّ ثانية تمرُّ كانت كفيلة بقتله ألف مرَّة، وكلُّ فكرة سوداء مرَّت بعقله كانت تنتزع روحه ببطء.

لم يشعر بدموعه التي انسابت داخل الماء، ولا بذلك الاختناق الذي يطبق على صدره وهو يتخيَّل أنه فقدها... أنها اختفت للأبد.

وفجأة...لمح خيالًا أسود يتحرَّك بعيدًا.

تجمَّدت أنفاسه، واتَّجه نحوه بحذرٍ مرتبك، حتى اتَّسعت عيناه بصدمة وهو يراها هناك...

تقف بهدوءٍ طفولي، تجمع بين كفَّيها قواقع صغيرة وأسماكًا ملوَّنة، وكأنها لا تعلم أن قلبه كان يحتضر بحثًا عنها.

اقترب منها بصمتٍ مرعب، عيناه تلتهمان تفاصيلها المرتجفة خوفًا عليها، التفتت إليه بابتسامةٍ مشرقة، رفعت كفَّها بحماسٍ طفولي:

_بص يا يوسف...شوف لقيت إيه!

لم تنتبه لدموعه التي اختلطت بمياه البحر، ولا لذلك الرعب الساكن بعينيه وهو يحدِّق بها كأنه يتأكَّد أنَّها حقيقيَّة...أنَّها ما زالت أمامه ولم يخطفها البحر منه.

ظلَّ للحظاتٍ عاجزًا عن الكلام، فقط ينظر إليها بأنفاسٍ مضطربة، ثم أشار لها بكفٍّ مرتعشٍ أن يصعدا للأعلى فورًا.

عبست بخفَّة، حاولت التذمُّر والاعتراض، أرادت البقاء قليلًا، لكنَّه رفض رفضًا قاطعًا، بطريقةٍ أخافتها قبل أن تفهمها.

وبعد دقائق...

ساعدها بالصعود إلى متن اليخت، وكفِّه لا يفارقها لحظة، كأنَّ تركها ثانية واحدة يعني ضياعها منه مجدَّدًا.

دلفت إلى الداخل تنزع بدلة الغوص بصعوبة وهي تضحك بخفَّة:

_حرام عليك يا يوسف...مكمِّلناش حتى ساعة.

دخل خلفها سريعًا بعدما نزع بدلته، تحرَّك نحوها بصمتٍ مخيف، ساعدها في نزع البدلة بعصبية مرتجفة، ثم ألقاها بعيدًا وكأنَّ البحر كلَّه أصبح عدوًّا له.

وقف أمامها مباشرة...صامتًا.

صامتًا بطريقةٍ أرعبتها أكثر من أي صراخ.

رفعت عينيها إليه بابتسامةٍ صغيرة:

_رغم إنِّي زعلت علشان طلَّعتنا بسرعة...بس انبسطت أوي.

لم يرد.

فقط ظلَّ ينظر إليها بعينينِ ممتلئتينِ بالرعب والدموع، كأنَّه ما زال يراها تغرق أمامه.

قطبت جبينها بقلق، واقتربت منه خطوة:

_مالك يا يوسف، واقف كدا ليه؟ روح غيَّر هدومك...كلَّها مبلولة.

ظلَّ على صمته..


_فيه حاجة..حصل معاك حاجة؟

خرج صوتها مرتجفًا وهي تراه بتلك الحالة، عيناه المليئتان بالرعب، وأنفاسه الثقيلة، وجسده الذي ما زال ينتفض وكأنه خرج لتوِّه من كابوسٍ مرعب.

تجمَّعت الدموع بعينيه أكثر كلَّما تذكَّر لحظة اختفائها...

لحظة بحثه المجنون عنها، وعجزه عن الوصول إليها، والثواني التي أقنعه فيها خوفه أنَّها ضاعت منه للأبد.

ارتجف قلبها من هيئته، اقتربت بسرعة تحتضن وجهه بين كفَّيها:

_حبيبي...ايه اللي حصل؟

أغمض عينيه للحظة وهو يضع كفَّيه فوق يديها، وكأنه يستمدُّ من لمستها طمأنينة فقدها منذ دقائق، ثم خرج صوته متحشرجًا موجوعًا:

_قوليلي أعمل فيكي إيه؟...إنتي موِّتيني.

انسابت دمعة حارقة على وجنته وهو يكمل بانفعالٍ اختلط بالخوف:

_مش قولتلك ما تتحرَّكيش من جنبي؟!

دا بحر يا هانم...بحر، مش جنينة أطفال.

إنتي عارفة الدقايق دي حسِّيت فيها بإيه؟!

شهقت بخفوت فور رؤيتها لدموعه، وكأنَّ قلبها انقبض بعنف.

دفنت نفسها داخل أحضانه فورًا، تضمُّ خصره بقوة:

_آسفة...والله مكنش قصدي أقلقك.

شوفت السمك ومشيت وراه من غير ما أحس.

ابتعد عنها فجأة، يحاول الهروب من ذلك الشعور الذي سحقه منذ قليل، مرَّر كفِّه المرتجف على وجهه بعنف وهو يشيح بعينيه بعيدًا عنها.

اقتربت منه بخطواتٍ حذرة، لكنَّه رفع كفِّه بإشارة أوقفتها مكانها:

_مش عايز أسمع حاجة.

قالها بصوتٍ خافت...لكنَّه كان ممتلئًا بالقهر والخوف أكثر من الصراخ نفسه.

استدار سريعًا نحو الحمَّام، ينزع ثيابه بعصبية، وجسده ما زال يرتجف تحت تأثير الرعب الذي عاشه.

دلفت خلفه بخطواتٍ متردِّدة، ثم احتضنته من الخلف برقَّة، وألصقت خدَّها بظهره:

_صدَّقني...والله ما كان قصدي.

أغمض عينيه بقوَّة فور سماعه نبرتها المرتعشة، شعر بضعفه ينهار أمام حزنها...

ورغم ذلك لم يستدر إليها، لأنَّه لو فعل سيضمُّها بعنفٍ ويعترف أنه كان على وشك الانهيار من خوفه عليها.

طبعت قبلةً صغيرةً على ظهره العاري، ثم همست بصوتٍ مختنقٍ بالبكاء:

_آسفة إني خوَّفتك...والله ما كان قصدي.

بس المنظر تحت...نسَّاني كلِّ حاجة.

قالتها واستدارت لتخرج، ظنًّا منها أنه ما زال غاضبًا...

لكن قبل أن تخطو خطوةً واحدة، استدار إليها فجأة، جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره المبتلّ، وخرج صوته خشنًا باردًا أخافها:

_رايحة فين؟

رفعت عينيها إليه بارتباك، ليكمل وهو ينظر لها بنظرةٍ مشتعلة بالخوف الذي يحاول إخفائه:

_جسمي كلُّه ميَّة بحر...ساعديني.

ظلَّت تحدِّق بعينيه طويلًا...

تلك العينان اللتان تحاولان الهروب منها حتى لا ترى حجم الرعب الذي سكنهما بسببها.

دخل أسفل المياه، بينما بقيت مكانها للحظات، تنظر إليه وقلبها يعتصر ألمًا عليه.

رفع رأسه إليها أخيرًا، وقال بجمودٍ يخفي خلفه احتياجه لها:

_لو مش هتساعديني...اطلعي برَّة.

ارتجفت شفتاها، ثم اقتربت منه ببطء...

و تحاول أن تطمئن قلبه قبل أن تلمس جسده:

_آسفة..لو أعرف دا هيزعَّلك أوي مكنتش نزلت ولا طلبت منك. 

فجأةً جذبها إلى صدره بعنفٍ أربكها، ضمَّها كالغريق الذي وجد نجاته أخيرًا، حتى شعرت بارتجاف جسده كلِّه.

دفن وجهه بعنقها، وقال بصوتٍ مرتجف، وأنفاسٍ خرجت متكسِّرة موجوعة:

_متعمليش فيَّا كدا تاني...

اتَّسعت عيناها بدهشة، لتشعر بعدها بدموعه الساخنة فوق بشرتها، وهمس بنبرةٍ مرتعشة يكمل بانكسارِ رجلٍ خائف فقد روحه للحظات:

_وجعتيني، قلبي وقف وأنا بدوَّر عليكي.

تمسَّحت بصدره المبتلّ كطفلةٍ مذنبة، وانسابت دموعها فوق جلده وهي تهمس بصوتٍ مبحوحٍ متكسِّر:

_سلامة قلبك...آسفة...بجد آسفة.

تنهَّد بأنفاسٍ مرتجفة، ثم أبعدها قليلًا عنه، 

وراح يحتضن وجهها، يمرِّر أنامله المرتعشة، كأنَّ روحه تتحسَّسها لتتأكَّد أنَّها حقيقية...أنها لم تختفِ منه، ولم يخطفها البحر. 

كان ينظر إليها بعينينِ موجوعتينِ بشكلٍ أخاف قلبها...

عينانٍ عاشتا الرعب كاملًا في دقائق قليلة.

شعرت بما داخله دون أن يتكلَّم، فاقتربت أكثر حتى اختلطت أنفاسهما، والمياه تتقاطر فوق جسديهما بهدوء، رفعت ذراعيها حول عنقه، ثم قبَّلته برقَّةٍ عاشقة تحاول أن تربت على قلب رجلٍ احترق خوفًا عليها.

وما إن لامست شفتيها شفتيه...

حتى أغمض عينيه باستسلامٍ كامل، لتنهار حصونه دفعةً واحدة.

كيف لرجلٍ أحبَّ بهذا الجنون أن يبقى قويًّا أمام المرأة التي تسكن نبضه؟

وهي...أضعف أسلحته، وأعظم نقاط ضعفه، وطمأنينته الوحيدة في هذا العالم.

هنا لا وجود لكبرياء، ولا غرور، ولا محاولة للتماسك...

هنا قلبٌ كاد يتوقَّف رعبًا، ثم عاد للحياة بين ذراعي من يعشقها.

شدَّها إليه أكثر، حتى شعرت بنبضاته العنيفة تضرب صدره، وكأنَّ قلبه يعاتبها لأنه كاد يفقدها.

همس بين قبلاته المتعبة، بصوتٍ خرج محمَّلًا بكلِّ خوفه وعشقه:

_أوعي تعملي فيَّا كدا تاني...

أوعي تبعدي عنِّي بالشكل دا، أنا بموت فيكي...فاهمة يعني إيه بموت؟

ارتجفت بين ذراعيه، ورفعت عينيها الغارقتينِ بالدموع نحوه، لتجده ينظر إليها وكأنَّها دنياه كلَّها، وكأنَّ فقدانها يعني نهايته هو...لما لا وهي الحياة له بأكملها.

ما أجمل شعور الاحتواء...

حين تضمُّك يدٌ ائتمنتها على روحك دون خوف، وتشعر أن العالم كلَّه قد يؤذيك إلَّا هذا القلب.

ازدادت حرارة أنفاسهما، وضاعت المسافات أكثر، وبدأت السيطرة تتلاشى أمام ذلك العشق العنيف الذي جمعهما.

أغلق المياه أخيرًا، ثم حملها بين ذراعيه دون أن يرفع عينيه عنها، واتجه بها إلى الخارج، بينما هي متشبِّثة بعنقه تخشى أن تبتعد عنه ولو خطوة.

كان يسير بها وكأنَّه يحمل قلبه بين يديه...

أقسم أن يحاسبها بطريقته الخاصَّة...ليعلِّمها كيف لعاشقٍ أن ينجو بعدما سُلبت روحه للحظات؟

وكيف له أن يغفر لمن جعل قلبه يذوق رعب الفقد...ثم عاد ليعشقها أكثر؟


بمنزل بلال..

كانت الغرفة تغرق بسكونٍ دافئ، لا يقطعه سوى أنفاس صغيرهما المنتظمة، بعدما أنهك الجميع ببكائه المتواصل لساعات، حتى كاد قلب بلال يتوقَّف عجزًا وخوفًا عليه..ولم يهدأ الصغير إلَّا بعدما اتَّصل بلال بوالدته، فجاءت وحمَّمته بهدوء حتى استسلم أخيرًا للنوم بين ذراعيها.

وأخبرت رولا ببعض النصائح لنومه. 


نظر لزوجته التي كانت تغفو بجوار طفلها بإرهاقٍ واضح..

خطا لداخل الغرفة بخطواتٍ حذرة، وعيناه تعلَّقتا بذلك الكائن الصغير الراقد بسلام..فتبدَّلت ملامحه القلقة لابتسامةٍ هادئة، ممتلئة بدهشة. فما زال لا يصدِّق أنَّ هذا الملاك أصبح ابنه.

اقترب ببطء، ثم انحنى أمام فراشه، يستند على ركبتيه.. 

مدَّ أنامله يتحسَّس خصلات شعره الناعمة بحذرٍ شديد، يخشى أن يوقظه أو يؤذيه دون قصد..ثم انحنى أكثر، وطبع قبلةً طويلة حانية فوق جبينه الصغير، أغمض عينيه يسحب رائحته..

رفع رأسه ينظر إليه مطوَّلًا، وهمس بصوتٍ بالكاد سُمع:

_ربِّنا يحفظك يا حبيبي. 

ثم التفت نحو زوجته، يتأمَّل ملامحها الشاحبة من التعب، عيناه امتلأتا بعجزٍ موجع..فهي منذ الولادة لم تعرف الراحة، تسهر لأجله، تبكي لبكائه، وتنهض فزعًا مع كل نفسٍ يخرج منه.

تنهَّد بخفوت، ثم خرج من الغرفة بهدوءٍ شديد، تاركًا صغيره ووالدته يغرقان أخيرًا في نومٍ هادئ.

نزل للأسفل بعدما أخبره رجل الأمن بوصول المربيَّات اللاتي طلبهن.

_المكتب يا دكتور، بعت كام مربيَّة لو حضرتك حابب تقابلهم.

أومأ له بلال بإرهاق: 

_دخَّلهم بسرعة يا محمد، عندي شغل متراكم.

_تحت أمرك يا دكتور.

دلف إلى مكتبه، وجلس خلف مكتبه يمرِّر كفِّه فوق وجهه المرهق، يزفر ببطء..فمنذ أن جاء ابنه إلى الدنيا، لم يعد يعرف للنوم طريقًا، وكأنَّ قلبه أصبح معلَّقًا بذلك الكائن الصغير الذي يخاف عليه من نسمة هواء.

دخلت أوَّل مربية، وبعد دقائق قليلة اعتذر منها..ثم الثانية..ولم يشعر بالراحة أيضًا.

حتى دلفت شابة صغيرة، بالكاد تجاوزت العشرين.

رفع بلال الأوراق بين يديه، ثم عقد حاجبيه بدهشة:

_اتنين وعشرين سنة!.وهتعرفي تهتمِّي بطفل رضيع؟

رفعت عينيها بثبات رغم توتُّرها الواضح:

_أيوة يا فندم..أنا بشتغل بقالي سنتين، ولسَّه مخلَّصة كلية، وعندي خبرة كويسة..وحضرتك هتلاقي أماكن شغلي كلَّها في الـCV.

ظلَّ يتأمَّلها لثوانٍ، ثم سأل: 

_وسبتي الشغل ليه؟

ابتلعت ريقها تجيب بسرعة:

_ما سبتوش يا فندم.. أوَّل بيت كان وقت امتحاناتي ومقدرتش أوفَّق، والتاني سافروا برَّة مصر..أمَّا البيت التالت، صاحبة المنزل رفضت سنِّي، كانت عايزة حد أكبر.

ساد الصمت للحظات، بينما كان بلال يدقِّق النظر بها، يحاول أن يقرأ ملامحها جيِّدًا..فهو لم يعد يأتمن أحدًا، خاصَّةً بعد تحذير إلياس له بمعرفة كلِّ شيء.

ثم قال أخيرًا:

_اسمك هناء..صح؟

_أيوة يا فندم.

أومأ برأسه بهدوء:

_تمام يا هناء..هجرَّبك كام يوم، ولو ارتاحتلك المدام وعجبني شغلك، هتكمِّلي معانا.

اتَّسعت عيناها بفرحةٍ واضحة: 

_شكرًا يا فندم..إن شاء الله أكون قدِّ الثقة.

أكمل بجديَّة:

_وخلِّي بالك..ابني أهمِّ حاجة عندي، وهتباتي معاه، مفيش حاجة اسمها ينفع ومينفعش.

أومأت فورًا: 

_عارفة يا فندم.

التقط هاتفه واتَّصل بالخادمة التي وصلت إليه فورًا:

_خدي الأستاذة هناء وطلَّعيها أوضتها..لحدِّ ما المدام تصحى وتتكلِّم معاها.

_تحت أمرك يا دكتور.

خرجت هناء خلف الخادمة، بينما عاد بلال يسند رأسه للخلف ويغمض عينيه بإرهاق..

لكنَّه رغم التعب..ابتسم دون وعي.

لأوَّل مرَّة يشعر أنَّ البيت لم يعد ناقصًا..

فقد أصبح هناك قلبًا صغيرًا ينبض بداخله حياةً كاملة.


بمنزل كريم..

كانت تجلس أمام المسبح، تحدِّق بشرود في تموُّجات المياه بلا هدف.

اقتربت إيمان منها، تحمل مشروبها، وضعته على الطاولة، ثم استدارت تراقب ملامح ابنتها التي تغيَّرت كثيرًا في الفترة الأخيرة، لم تعد تلك الفتاة المشاغبة التي تملأ البيت ضحكًا وحياة.

جلست بجوارها وهمست بحنان:

_قاعدة لوحدك كدا ليه يا آسيا؟

انتبهت آسيا أخيرًا، رفعت عينيها إليها، ثم رسمت ابتسامة باهتة بالكاد ظهرت على شفتيها:

_هعمل إيه يعني يا ماما...

ضيَّقت إيمان عينيها تدقِّق النظر بها:

_مالك يا حبيبتي؟ بقالك فترة ساكتة... مش دي آسيا اللي أعرفها.

استدارت إليها بكامل جسدها، تحاول التظاهر بالقوة:

_مفيش...يمكن الشغل، ويمكن علشان رولا انشغلت بالبيبي، إحنا كنَّا دايمًا سوا.

ربتت إيمان على يدها بحنان:

_طيب ما سدن موجودة، اخرجو غيَّروا جو شوية.

تنهَّدت آسيا وهي تعيد بصرها للمسبح:

_سدن بقت طول الوقت مع آسر... وبعدين هيَّ أصلًا مبتحبِّش الخروج.

صمتت إيمان للحظة، ثم مسَّدت على شعرها: 

_أنا مبسوطة أوي إنُّكم رجعتوا زي زمان، البيت رجع فيه روح من تاني.

ارتجفت عينا آسيا بالدموع فجأة، ثم

التفتت إليها وهمست بصوتٍ مختنق:

_عارفة إنِّي تعبتك أوي، سامحيني يا ماما.

لم تحتمل إيمان رؤية انكسار ابنتها، جذبتها فورًا إلى صدرها تضمُّها بقوة، وكأنها تخشى أن تضيع منها مرَّةً أخرى..وانسابت دمعة حارَّة على وجنتها وهي تهمس قرب أذنها:

_متعرفيش كنت بعيش إزاي...مكنتش بنام، وكلِّ ليلة أفضل أدعي ربِّنا يرجَّعكم للطريق الصح...وكل شوية ألوم نفسي وأقول أكيد قصَّرت في حقكم.

ابتعدت آسيا قليلًا، تمسح دموعها بسرعة:

_لا يا حبيبتي...إنتِ مقصرتيش أبدًا.

يمكن فعلًا المجتمع بيفرق، زمان كنت رافضة العيشة هنا، حاسَّة إنِّي غريبة، لكن دلوقتي...

ابتسمت وسط دموعها:

_حاسَّة إن البلد دي بقت حياتي كلَّها.

احتوت إيمان وجهها بين كفَّيها، تتأمَّل ملامحها بحبٍّ وحنين:

_الكلام دا فرَّح قلبي يا آسيا...ونفسي أشوفك زي زمان، البنت الشقية اللي كانت مجنَّنة البيت كلُّه.

لمعت عينا آسيا أكثر، وخرج صوتها ضعيفًا كطفلةٍ صغيرة:

_كبرت خلاص يا ماما...

هزَّت إيمان رأسها سريعًا، ثم سحبتها لأحضانها مرَّةً أخرى، تضمُّها بقوة وتمسِّد على شعرها بحنان أمٍّ تخاف على صغيرتها: 

_مهما كبرتي...هتفضلي بنتي الصغيرة، وهفضل أخاف عليكي كأنك لسه أوَّل مرَّة أشيلك فيها بين إيديا.

أغمضت آسيا عينيها داخل أحضان والدتها، وكأنَّ قلبها وجد أخيرًا المكان الوحيد الآمن بعد تعبٍ طويل.

_المهم ما ترجعيش لطريق الحرية السايبة اللي كنتي بتنادي بيها.

ابعدتها عنها تتعمَّق بالنظر إليها:

_آسيا أنتوا كنتو أصدقاء بس، مش كدا حبيبتي؟. 

أزالت دموعها وابتعدت عنها:

_لو قصدك على جاك يا ماما، فمتخليش دماغك تاخدك لطريق تاني. 

أدارت وجه ابنتها تنظر لعينيها:

_غصب عنِّي حبيبتي، أنا أم، والفترة دي 

كنت...رفعت آسيا كفَّ والدتها تمسِّد عليه:

_اطَّمني يا ماما، أنا عارفة الحدود كويس، يمكن مكنتش مهتمية بالحلال والحرام، علشان كدا كنت مصرَّة إن عادي البنت تقعد مع الولد، لكن بعد ما جيت هنا عرفت كلِّ حاجة. 

احتضنت وجه ابنتها وطبعت قبلة فوق جبينها، ثم نظرت لعينيها:

_نفسي ترجعي زي زمان، وتراعي دينك يا بنتي، مينفعش نصلِّي ونمشي بشعرنا وهدوم ضيَّقة وقصيرة.

سحبت نفسًا وزفرته: 

_شايفة سدن بتتغيَّر بسرعة، مش ناقص لها غير الحجاب، وحاسَّة قريب جدًّا إنَّها هترجع لحجابها، بتمنَّى إنتي كمان تتحجبي. 

_لو سمحتي يا ماما اتكلِّمنا في الموضوع دا، وقت ما أحس إنِّي مقتنعة بيه مش هنتظرك. 

_آسيا حبيبتي، فيه حاجات مينفعش نصبر عليها دا فرض. 

زفرت آسيا باختناق: 

_ماما هرجع وأقولِّك هاتي ما يثبت في آية بكدا. 

_إيه اللي بتقوليه دا يا بنتي، على العموم في آية بتقول: 

"﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾

قطع الحديث صوت الخادمة من بعيد:

_الأستاذ آسر جه يا دكتورة...ومعاه الباشمهندس.

ابتعدت إيمان ببطء، تمسح دموعها سريعًا قبل أن يراها أحد، ثم التفتت للخادمة:

_روحي اعمليلهم قهوة...وأنا جاية.

غادرت الخادمة، بينما اعتدلت إيمان تنظر لابنتها بحنان:

_نكمِّل كلامنا بعدين، قالتها ونهضت متسائلة:

_مش هتخرجي تسلِّمي على خالك وابنه؟

هزَّت آسيا رأسها بخفَّة وهي تحاول استعادة هدوءها:

_لأ...هقعد شوية، افتكرت شغل كنت ناسياه.

ابتسمت إيمان بحنان، وانحنت تقرص وجنتها بخفَّة كما كانت تفعل وهي صغيرة، ثم نهضت وغادرت، بينما بقيت آسيا مكانها...

بعد دقائق معدودة...

شعرت بوجوده خلفها..فمنذ أن أعلن حبِّه إليها وبدأت تشعر بكلِّ خطواته، وكأنَّ قلبها يحفظ اقترابه قبل أن تسمعه أذناها.

توتَّرت أنفاسها دون إرادة، بينما اقترب بخطواتٍ هادئة حتى توقَّف جوارها، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ يحمل ضيقًا مكتومًا:

_عايز أتكلِّم معاكي.

قبضت على طرف ثوبها بقوة، تحاول الثبات:

_مش فاضية.

تحرَّك حتى جلس بمقابلتها مباشرة، يحاصرها بعينيه قبل جسده، ثم سألها بنبرةٍ أثقل:

_ممكن أفهم..بتهربي منِّي ليه؟

ارتجف قلبها بعنف.

سؤال واحد فقط...وكان كفيلًا بفضح كلِّ شيء.

لقد اشتاقت إليه حدَّ الوجع...

منذ أسبوع كامل، منذ سبوع يوسف الصغير، وهي تتعمَّد الاختفاء من كل تجمُّع عائلي فقط حتى لا تراه...لأنَّ رؤيته وحدها كانت تضعفها بطريقةٍ تخيفها.

انحنى قليلًا للأمام، مستندًا بكفَّيه فوق الطاولة، ثم نطق اسمها بصوته الرجولي الأجش: 

_آسيا...

رفعت رأسها إليه أخيرًا.

وللحظة...تاه العالم كلَّه.

عيناه كانتا ممتلئتينِ بأسئلة كثيرة، عتاب، شوق، وغضب مكتوم، وهي..

تعلَّقت عيناها بعينيه دون مقاومة، وشعرت بضعفٍ مخيف يجتاحها...كيف يضعفها بتلك الطريقة، لحظة واحدة فقط...

كادت فيها أن تنهض، أن ترتمي داخل أحضانه، أن تخبره كم اشتاقت إليه وكم أتعبها البعد عنه.

لكن صوت سدن قطع كلَّ أمنياتها:

_إيه ده!.قاعدين هنا ليه؟ بابا جه... وعمُّو طارق كمان، وعلي العفريت برة مقلِّب الدنيا.

لم يلتفت إليها حتى، بقيت عيناه معلَّقتين بآسيا، يراقب ارتجافة جسدها الواضحة، ثم قال بهدوءٍ يحمل أمرًا:

_سدن...سبينا شوية، عايز آسيا في موضوع مهم.

كأنَّ كلماته أفزعتها..

هبَّت واقفة بسرعة، تبحث عن أي مهرب:

_أنا...عندي شغل على اللاب و..

لكنَّها توقَّفت فجأة حين وقف أمامها مباشرة، يحجب عنها طريق الهروب، وعيناه تشتعلانِ غضبًا مكبوتًا:

_قولت عايز أتكلِّم معاكي.

ثم اقترب أكثر، وصوته انخفض بطريقةٍ جعلت قلبها يرتجف:

_وأعرف حكاية شغلك مع نور اللي كلِّ شوية بتستخبِّي وراه.

أنهى جملته وهو يطبق على ذراعها بقوة لم تؤلمها بقدر ما هزَّتها من الداخل...

قبضة تحمل غضبه، واشتياقه، وخوفه من ابتعادها.

ثم استدار برأسه نحو سدن دون أن يتركها:

_سدن...سبينا شوية مع أختك.

نظرت سدن بينهما بقلقٍ خفيف، تشعر بالتوتُّر المشحون الذي يحيط بهما، ثم قالت بهدوء:

_تمام...أعملُّكم قهوة؟

أجابها دون أن يرفع عينيه عن آسيا:

_يا ريت..

غادرت سدن ببطء...

ليعمَّ الصمت بينهما من جديد..رفع ذقنها ينظر لعينيها:

_ممكن أعرف مالك؟

هزَّة عنيفة كادت أن توقف قلبها من ملامسته،حتى تراجعت تجلس على الطاولة حين شعرت بضعف ساقيها، 

سحب المقعد وجلس بجوارها: 

_سامعك...رفعت عيناها إليه وحاولت أن تستمدَّ قوتها من تمرُّدها:

_مش فاهمة سامعني في إيه، وبعدين بتكلِّمني بالطريقة دي ليه، زي ما يكون ولي أمري.

رغم أنَّ كلماتها طعنته بشدَّة ولكنه لم يهتم.

سحب ذراعها بقوة حتى اصطدمت بكتفه، وارتفعت أنفاسها:

_أنا مش عيِّل معاكي، لمَّا أتكلِّم تكلِّميني بأسلوب محترم، أنا جاي أتكلِّم معاكي علشان أحط حد لعلاقتنا، لازم أعرف هنبقى إزاي، مش علشان تكلِّميني بالطريقة دي.

سحبت كفَّها بغضب، وثار جنونها من طريقته، ثم نهضت تدفع المقعد:

_علاقة إيه يا أبو علاقة، إنتَ صدَّقت نفسك، بتكلِّمني ولا كأنِّنا مقطَّعين بعض رسايل غرامية.

نصب عوده وتوقَّف أمامها ينظر أليها بصمتٍ للحظات أربكتها ثم نطق:

_دا آخر كلام؟. 


دفعته غاضبة، لا تعلم هل غاضبة من قلبها الذي بدأ ينبض إليه بعنف، رغم معرفتها بحبِّ أختها له، أم غاضبة من ردِّه البارد القاسي كما خيِّل لها، كلَّ ما تشعر به غضبًا ونيران تحرق قلبها:

_مفيش حاجة نتكلِّم فيها، بعد إذنك يا متر.


بمنزل آدم.. 

كانت منشغلة بعملها، تدندن وهي تدوِّن بعض الملاحظات، دلفت إليها إيلين تبتسم على ابنتها:

_إحنا مش بقينا بريفكت عربي بس، لا كمان بنغنِّي شعبي. 

رفعت رأسها لوالدتها: 

_النغم يا مامي حماس..بتحسِّي بالحياة، غير الأغاني الهادية الرومانس.

جلست تنظر إلى ابنتها: 

_بتعملي إيه؟.

‏_I am doing scientific research

أممم..عن إيه؟.

قالتها وهي ترفع الورق:

‏Political systems" النظم السياسيَّة"

_حلو أوي...ودي بتدريسها ليه، فهِّمي مامي أهميِّتها لكلية الإعلام. 


اعتدلت بوجها تنظر لوالدتها قائلة:

_بتتكلِّم عن الأنظمة السياسيَّة وطبيعة الحكم وتأثير السياسة على المجتمع والإعلام، مثل:

الديمقراطية والديكتاتورية.

السلطات الثلاث (التشريعية - التنفيذية - القضائية)

الأحزاب السياسية والانتخابات.

علاقة الإعلام بالسياسة.

حريِّة التعبير والرأي العام.

تأثير وسائل الإعلام على القرارات السياسية.

الدعاية السياسية والحروب الإعلامية.

الأنظمة السياسية في الدول المختلفة.

حاجات كتيرة أوي يا مامي، رغم دكتورها سيادة الصقيع المتعجرف.

ضحكت إيلين بصوتٍ مرتفع، سحبت رأسها لصدرها تضمُّها وما زالت ابتسامتها تنير وجهها:

_إيه اللقب دا، وماله سيادة الصقيع، مضايق فروحة ليه؟.

ابتعدت عن أحضان والدتها: 

_عادي، دكتور مغرور شوية سيبك منه. 

قطبت إيلين حاحبيها:

_يعني إيه، بضايق في المحاضرة يعني؟. 

نقرت بقلمها على المكتب وشردت قليلًا وهي تقول:

_أنا أصلًا بطَّلت أحضره له محاضرات. 

_يعني إيه يا فرح...ينفع ما نحضرش محاضراتنا؟. 

جمعت خصلاتها، لكي تلهي والدتها وقالت:

_عادي يا مامي، حضرتك معلِّماني اللي ما أرتحلوش أتجنِّبه، والدكتور دا واخد مقلب في نفسه. 

رفعت ذقن ابنتها تنظر في عينيها:

_اسمه إيه الدكتور دا يا فروحة؟.

_ليه يا ماما، أنا عايزة أعتمد على نفسي، رجاءً مش عايزة تدخُّل. 

_حبيبتي مش هدخَّل، بس عايزة أعرف اسمه بس. 

_عمران الجارحي.

قطبت جبينها متسائلة:

_عمران الجارحي...

الاسم مش غريب... 

فتحت فاهها بذهول:

_ليكون ابن إسحاق الجارحي؟.

أومأت فرح برأسها:

_أيوة اسمه حاجة زي كدا. 

تراجعت إيلين بجسدها تراقب ملامح ابنتها وقالت:

_احكي لي بقى كلِّ حاجة، أصل اللي أعرفه عن إسحاق إنُّه جادِّي. 


بقصر الجارحي...وخاصة بغرفة الرياضة كان يتحدَّث بسمَّاعة هاتفه وهو يمارس تمارينه الرياضية: 

_ألف مبروك يا سيدي بالرفاء والبنين.. 

أجابه على الطرف الآخر: 

_عقبالك يا عمورة، مش ناوي؟. 

للحظة مرَّ طيفها أمامه، هزَّ رأسه بذهول يهمس لنفسه:

_إيه اللي بيحصل دا؟!.

أفاق على صوت صديقه:

_هتيجي مش كدا؟.

_إن شاءلله. 

قالها قبل أن يغلق الهاتف.


بمنزل إلياس..

كان يتحدَّث مع مالك بخصوص سفره هو وغادة، للاطمئنان على ابنته: 

_هتقعدوا كتير، ولَّا مجرَّد فحص وترجع؟.

_غادة عايزة تقعد كام يوم مع إسلام أخوها، بتقول وحشها، هسيبها هناك وأرجع.

_ليه ناوية تطوِّل ولَّا إيه؟.

_عايزة تقعد الإجازة كلَّها، وبصراحة عايزها تغيَّر جو، الفترة اللي فاتت كان شدِّ عصب عليها. 

_إن شاءلله خير، لو عايز إنتَ كمان تفضل خلِّيك معاها.

_لا..مينفعش أسيب ماما لوحدها، غادة هتكون مع أخوها، بس ماما لوحدها.

_ربِّنا يباركلك فيها.. 

_آمين..قاطعهم دخول أرسلان ملقيًا السلام: 

_عاملين إيه.

_كويسين الحمدلله.. 

تمتم بها مالك وتوقَّف وهو يقول:

_عايزين حاجة قبل السفر؟. 

_لا..توصلوا بالسلامة، يبقى طمِّني على فريدة.

_إن شاءلله. 

جلس أرسلان بعد خروجه، بجسدٍ منهك، وملامح مذرية، صمت للحظات وإلياس يتابع صمته:

_مالك فيه إيه؟.

سحب نفسًا وطرده: 

_فيه موضوع مهم، عرفته من فترة، وجه الوقت اللي تعرفه.

سحب إلياس سجائره، يومئ برأسه:

_خير..قول سامعك. 

_مش خير أبدًا.

هنا رفع الياس رأسه يدقِّق النظر بملامحه، للحظة شعر بنغزة، لأوَّل مرَّة يراه بتلك الحالة، ظنَّ أنَّه يمزح كعادته، ولكن ملامحه لا تبشِّر بالخير:

_خير يا أرسلان..قلقتني، الولاد مش كويسين، إنتَ كلِّمت ضي، فيه إيه، يوسف زعَّلها تاني؟. 

مسح على وجهه، وزفرة حارقة أخرجها كادت أن تحرق روحه، توقَّف إلياس، وأصبح نبض قلبه كالمضخَّة، وكل ما فكَّر فيه أنَّ شيئًا أصاب ابنه..جلس بمقابلته:

_يوسف حصل له حاجة؟.

_الولاد بخير يا إلياس، الموضوع بعيد عن الولاد. 

تنهَّد براحة وعاد بجسده للخلف، يحدجه بنظرةٍ غاضبة:

_ما دام الموضوع بعيد عن الولاد، فكلُّه يهون، مش مهم أي حاجة تانية. 

ابتعد أرسلان بنظره عنه وتمتم:

_للأسف يا إلياس، فيه حاجات بعد ما ماتت رجعت تحيا تاني، بألم أصعب من الأوَّل. 

قطب إلياس جبينه، وطالعه بجهل:

_إنتَ جاي تختبرني بألغازك.

_إلياس اللي هقوله مفيش حد ممكن يصدَّقه، والنار هتولَّع في قلوبنا من تاني. 

هنا ثار غضب إلياس ينهره بنبرةٍ صارخة:

_إنتَ هتقول، ولَّا تقوم تمشي، الموضوع مش متحمِّل ألغاز، يعني هيكون أصعب من اللي شوفناه، قالها ورفع كوب المياه، يرتشف بعضه، بعدما شعر بالاختناق.

_راجح. 

سقط الكوب من يد إلياس، واتجه بنظره سريعًا إلى أرسلان:

_راجح مين؟!. 

_راجح الشافعي. 

ارتفعت دقَّاته بعنف، هنا تيقَّن أنَّ هناك ما لم يتحمَّله قلبه، حتى شعر بارتجاف جسده، فتساءل بتقطُّع:

_ماله راجح؟.

_طلع متجوِّز واحدة يونانية.

أومأ له ليكمل حديثه:

_وله بنت وولد من الستِّ دي. 

هنا لم يقوَ إلياس على الصمود، ليهوى بجسده فوق المقعد، وغصَّة كادت تخنقه:

_بنت وولد!!..رفع رأسه إليه: 

_إيه الجنان اللي بتقوله دا؟!.

للأسف يا إلياس دا مش جنان، دي حقيقة. 

تاه إلياس يهزُّ رأسه بعنف:

_لا..مستحيل، يعني إيه بنت وولد بعد السنين دي كلَّها، صمت فجأة ورفع رأسه إليه:

_إنتَ عرفت منين الكلام، ومن إمتى عرفت، وليه خبِّيت عليَّ...إنتَ عارف إنتَ بتقول ايه؟!. 


_عرفت من فترة، بعد حادثة يوسف. 

رجفة قوية أصابت إلياس، حين ظنَّ أنَّهما خلف حادث ابنه:

_إنتَ تقصد إيه؟.

_ما أقصدش حاجة، موضوع معتز اللي كان بيراقب رولا وآسر.

أومأ إلياس إليه، فتابع قائلًا:

_جاسر الألفي، بحث وراه، وعرف من جهات مختصَّة إنُّه على علاقة براجح.

ضرب الياس على المكتب:

_إنتَ هتنقطَّني، ما تقول على طول.

_معتز له كذا جنسية، والمعلومات بتأكِّد إنُّه ابن لست كانت مرات راجح. 

أمسك إلياس رأسه، يفرك وجهه بعنف، علَّه يقدر أن يفهم شيئًا ممَّا يصير:

_مش فاهم، أنا عقلي وقف، إيه اللي بتقوله دا، ودا عايز إيه من رولا وآسر، وليه جاي بعد السنين دي كلَّها؟.

_استنى فيه الأهم من دا كلُّه.

رفع رأسه ينظر إليه:

_لمَّا جاسر، إداني طرف الخيط، سافرت اليونان، وبمساعدة أشخاص ثقة عرفت إنِّ أبو معتز دا هوَّ اللي كان بيساعد رؤى. 

صدمة، ذهول، توسَّعت عيناه ينظر اإيه:

_يعني مختار العوضي دا هوَّ أبو معتز؟!. 

_لا...مالوش علاقة، مختار كان أبوه شريك لراجح، بس أبو معتز كان يعرفه، طبعًا مكنش يعرف حاجة، إيه اللي حصل بين الاتنين معرفش، الاتنين ماتوا، ومفيش حد يعرف إيه اللي حصل، وليه معتز عايز ينتقم من يزن.

أومأ إلياس يتمتم:

_رؤى...أكيد هيَّ اللي ورا فكرة الانتقام من يزن، علشان كانت مفكَّرة إنُّه هوَّ اللي دخَّلها السجن.

_بس رؤى متأكِّدة إنَّك ورا دا كلُّه. 

تذكَّر حديثها معه في آخر زيارة: 

_عايز كشف كامل لكلِّ الأمن والخدم وعلاقاتهم، إحنا وقتها عملنا كشف، والكلِّ طلع نضيف، ما دام معتز دا رجع يفتح القديم، أكيد له خيط هنا.

_أنا شغَّال على الموضوع من غير ما تقول، بس دلوقتي هنعمل إيه؟.

_إنتَ وصلت للبنت والولد؟. 

هزَّ رأسه وقال:

_البنت والولد مش متسجِّلين باسم راجح، وكمان أمُّهم نصرانية، ومش في مصر.

_أرسلان هتهزَّر، إنتَ مكنتش مخابراتي، عايز خلال أسبوع كلِّ حاجة. 

_إلياس، أنا قولت لك بقالي فترة عارف وببحث في الموضوع، يعني لو عرفت حاجة مكنتش هنتظر. 

اقترب يجزُّ على شفتيه:

_شوف إسحاق، لأن الموضوع دا ما يخرجش من تحت إيده، وأكيد هوَّ على علم بحاجة زي كدا.

_سألته قالِّي معرفش.

طاح بما فوق المكتب: 

_آاااه...الراجل دا مش سايبنا هوَّ عايش وكمان وهوَّ ميِّت، أعمل إيه.


بقصر الجارحي..

دلف إلى غرفة والدته بعدما سمحت له بالدخول، فوجدها تجلس بشرود، تنظر في اللاشيء.

_حضرتك طلبتيني يا ماما؟

رفعت عيناها إليه، حاولت أن تبتسم:

_تعال يا حمزة... 

اقترب وجلس أمامها مباشرة، يراقبها في صمت:

_مراتك لسه قدَّامها شهر على الولادة...مش كدا؟

أومأ بهدوء:

_أيوة.

تنهَّدت طويلًا، ثم قالت بعدما تردَّدت وكأنها تخشى اعتراضه:

_طيب...إيه رأيك تسافر لعمَّك، وتولد هناك؟

انعقد حاجباه بدهشة:

_هناك فين؟!.

_أمريكا...عند عمَّك.

صمت لثوانٍ، يحاول فهم سبب طلبها المفاجئ، ثم قال بهدوءٍ حذر:

_ليه يا ماما؟ وبعدين...مامتها أكيد هترفض.

التفتت إليه سريعًا، وكأنَّ خوفها انكشف دون قصد:

_حمزة...ممكن تسمع كلامي من غير نقاش؟ أنا بكلِّمك علشان تقنع باباك بكلامي، ولو على ميرال أنا أقدر أقنعها.

ظلَّ ينظر إليها طويلًا، ثم مال بجسده للأمام يسألها بصوتٍ أخفض:

_من حقِّي أفهم...دا خوف ولَّا أمن؟.

ارتبكت ملامحها، وهربت بعينيها بعيدًا عنه:

_معرفش، بس قلبي مش مطَّمن.


زيادة الحراسة حوالين البيت، وسفر باباك الكتير، والأمن اللي بقى بكلِّ مكان...كل دا مخوِّفني.

أنا طول عمري بخاف بالإحساس يا حمزة...والإحساس المرَّة دي راعبني.

شعر بانقباض قلبه لرؤية والدته بتلك الحالة، فاقترب منها أكثر، وأحاط كتفيها بذراعه، يسند رأسها إلى صدره: 

_بصِّيلي يا حبيبتي...

رفعت عينيها إليه بقلقِ أم أنهكها الخوف.

ابتسم بهدوء، رغم القلق الذي تسلَّل إلى داخله هو الآخر، ثم قال بنبرةٍ ثابتة تحمل قوَّة رجلٍ اعتاد المواجهة:

_إنتِ متخيِّلة إنِّي لو معرفتش أحمي مراتي وابني في بلدي...هعرف أحميهم برَّة؟

صمت لحظة، ثم أكمل وهو يربت على كتفها بحنان:

_اطمِّني...محدش يقدر يقرَّبلهم.

بابا أكيد عامل حسابه لكلِّ حاجة، وإنتِ بنفسك قولتي الأمن متضاعف حوالينا.

ابتسم بخفَّة يحاول انتشالها من خوفها:

_وبعدين...دي بنت إلياس الشافعي، الراجل اللي شركات الأمن بتاعته مأمِّنة نصِّ البلد، لمَّا بنته تدخل مستشفى الدنيا كلَّها بتقف على رجل.

تنهَّد، ثم أكمل بنبرةٍ امتزج بها الفخر بالحب:

_وجوزها طيران حربي...

توقَّفت عيناه للحظة، قبل أن يقول بصوتٍ أخفض وأكثر عمقًا:

_أمَّا بابا...فالكلام عنه قليل أصلًا.

شدَّد من احتضانها، وكأنَّه يحاول أن يزرع الطمأنينة داخل قلبها بالقوَّة:

_أنا وعدتك محدش هيقدر يلمس شعرة منهم.

ممكن ما تخافيش...لأن خوفك بيوجعني أكتر، ومش عايز شمس تحسِّ بأي شيء، شمس بريئة ولو شعرت بحاجة ممكن لا قدَّر الله يحصلَّها حاجة.

اهتزَّ قلبها لكلماته، فرفعت يدها تلمس وجهه بحنانِ أم مرتعبة:

_ربِّنا يحفظكم يا حبيبي يارب.

قبَّل أعلى رأسها ثم اتَّجه للخارج، يتخبَّط بسيره رغم محاولته الثبات أمام والدته، فلقد حذَّره والده منذ فترة من بعض الأمور التي يجب الحذر منها. 


بالأعلى بغرفتهما...

كانت تجلس فوق الفراش، تمدُّ ساقيها بتعبٍ خفيف، بينما تستقرُّ كفَّاها فوق بطنها المنتفخة، تملِّس عليها بحنان.

ابتسمت بعينينِ لامعتين وهمست لطفلتها:

_بابي مصمِّم إنِّك هتكوني بنت...وأنا كمان نفسي تكوني بنت أوي، كان نفسي يبقى عندي أخت.

اهتزَّ صوتها قليلًا بذكرياتها مع أخوها، وانسابت دمعة فوق وجنتها، فأكملت: 

_رغم إنِّ يوسف عمره ما خلَّاني أحسِّ إنِّي محتاجة حد...كان أخويا وصاحبي وأبويا كمان، شالني فوق قلبه طول عمره..بس برضه كان نفسي يبقى عندي أخت أحكيلها كلِّ حاجة.

تنهَّدت، ثم مرَّرت أناملها فوق بطنها بحبٍّ أذاب ملامحها:

_لمَّا تيجي يا حبيبتي، هحكيلِك عنِّنا كتير...عن جناننا وضحكنا وخناقنا، هورِّيكي صورنا وكلِّ الذكريات اللي عشناها سوا...ونفسي ربِّنا يرزق خالك ببنت هوَّ كمان، أصلي متأكِّدة إنه هيكون أب يجنِّن.

اختنق صوتها أكثر، وانهمرت دموعها بصمت:

_إحنا الاتنين اتعذِّبنا أوي يا قلب ماما...أوي، بس كنَّا بنهوِّن الدنيا على بعض، عشان كدا...متأكِّدة إنِّك هتحبِّي خالك جدًّا، وهوَّ هيحبِّك أكتر من نفسه.

أراحت رأسها فوق الوسادة، شاردة بعينيها، ثم ابتسمت فجأة وهي تتذكَّر:

_يا ترى يومك هيكون زي سبوع يوسف الصغير..اليوم دا كان جميل أوي...البيت كلُّه كان بيضحك، وكأن الفرح أخيرًا عرف طريقه لقلوبنا.

قاطع حديثها صوت الباب يُفتح بهدوء، ثم دخل حمزة بابتسامته التي تُطفئ تعب الدنيا كلَّها لديها.

اقترب منها وهو يقول بمشاكسة دافئة:

_شوفي مين جه...بابي جه.

ضحكت وسط دموعها، وحاولت الاعتدال، لكنَّه سبقها سريعًا، جلس بجوارها وسحبها لأحضانه بحنانٍ غامر، وكأنَّ خوفه عليها يسكن بين ضلوعه طوال الوقت.

دفنت وجهها بعنقه وهمست بصوتٍ متحشرج: 

_كنت بحكي لبنتنا عنِّي وعن يوسف.

أغمض عينيه لحظة، ثم مرَّر كفِّه فوق خصلاتها بحنان: 

_طيب...ومش المفروض شمسي تحكي لبنتها عن باباها، ولَّا أنا ما ليش حكاية عندكم؟

ابتعدت قليلًا تنظر إليه...ذلك الرجل الذي كلَّما رأته، شعرت أنَّ الله عوَّض قلبها عن عمرٍ كامل من الألم.

ابتسمت وسط دموعها: 

_إنتَ حكايتي الحلوة يا حمزة... الحاجة الوحيدة اللي كلِّ ما أحاول أوصفها، ألاقي الكلام قليل عليها... أحسن راجل شافته عينيَّ.

ارتجف قلبه من كلماتها، فرفع كفَّها يقبِّله ببطءٍ وعشق:

_وإنتِ بنتي قبل ما تكوني مراتي... قطعة من روحي، ونور أيَّامي..شمسي اللي من غيرها الدنيا تضلِّم.

لمعت عيناها فجأةً بالخوف، وتكسَّر صوتها وهي تهمس: 

_أنا خايفة أوي يا حمزة...

تبدَّلت ملامحه فورًا، احتوى وجهها بين كفَّيه بسرعة: 

_من إيه يا روح حمزة؟

ارتعشت شفتيها، ثم قالت بصعوبة: 

_من الولادة..خايفة أموت وأسيب بنتي.

توقَّف قلبه لثانية...

شهقة حادَّة خرجت من صدره، كأنها انتزعت الهواء من رئتيه، واتَّسعت عيناه بصدمةٍ مرعبة، حتى بدا وكأنَّ الفكرة وحدها قادرة على قتله.

هزَّ رأسه بعنفٍ رافضًا، ثم جذبها إليه فجأة، يحتضن وجهها ويقبِّل شفتيها بقوةٍ مرتجفة، قبلة خائفة...يائسة... وكأنَّه يهرب بها من تلك الفكرة اللعينة قبل أن تلمسها السماء.

ابتعد بالكاد، وأنفاسه تحترق فوق وجهها، ثم أسند جبينه لجبينها وهمس بصوتٍ مكسور: 

_مستحيل..أوعي تقولي كدا تاني، فاهمة؟

أنا مقدرش أعيش من غيرك...والله ما أقدر.

إنتِ النفس اللي بتنفِّسه يا شمس... ولو جرالك حاجة، أنا هروح وراكِ.


عند دارين...

كانت تجلس بحديقة الفندق، ، تعصف الفوضى بداخلها كإعصارٍ لا يهدأ.

أبعدت نظَّارتها الشمسية ببطء، ومرَّرت أصابعها فوق جبينها المتعب، ثم همست بضيقٍ حاد وهي تتحدَّث بالهاتف:

_متى سأرحل من هذه البلاد؟ صرت هنا منذ خمسة أشهر، حتى دخول ذلك المنزل لم أستطع تنفيذه.

جاءها صوت جون عبر الهاتف يحمل تحذيرًا واضحًا:

_ستفعلين يا دارين...سفرك الآن سيجعلهم يشكُّون، خصوصًا إلياس.

أطلقت زفرة حانقة، وهي تضرب الطاولة بأطراف أصابعها:

_ومتى سيعود يوسف إلى أمريكا؟

موسى أخبرني أنَّ رئيسه تواصل معه... يبدو أنَّهم يريدونه ليستكمل عمله هناك.

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تبتسم ابتسامة باردة وقالت:

_أقسم أنَّني لن أبقى هنا دقيقة بعد سفره.

ضحك جون بخفوت:

_يبدو أنَّكِ عشقتيه فعلًا...مثلما قال موشيه.

تبدَّلت ملامحها فورًا، وانطفأ شيء بعينيها، ثم قالت بنبرة ممتلئة بالكبرياء المجروح:

_عشقه لا يعنيني...ما يعنيني هو رفضه.

ذلك الأحمق ظنَّ أنه يستطيع تحطيم غروري والرحيل ببساطة.

وأنا..لا أترك من يهين كرامتي دون أن يدفع الثمن.

صمت جون قليلًا قبل أن يقول:

_وصلتنا معلومة...لا أعلم إن كانت ستفيدك أم لا.

اعتدلت سريعًا وقالت: 

_تحدَّث.

_يوسف كان يتردَّد على دكتور ماركون.

عقدت حاجبيها بعدم فهم:

_وماذا يعني ذلك؟

ماركون طبيب ذكورة..أليس كذلك؟

ساد الصمت للحظات..

ثم همست ببطء:

_نعم...

شردت عيناها، بدأت قطع كثيرة تتجمَّع داخل عقلها دفعةً واحدة...


عاد صوت جون يخترق أفكارها:

_التحريَّات أكَّدت أنه يعاني من مشكلة في الإنجاب...ويبدو أنَّه كان يتابع حالته منذ فترة.

اتَّسعت عيناها بصدمةٍ حقيقية، وكأنَّها لم تتوقَّع الأمر رغم كلِّ شيء.

_مستحيل...

ثم همست لنفسها، وابتسامة غريبة ترتسم فوق شفتيها:

_إذًا...لهذا السبب.

مرَّ أمامها شريطًا سريعًا من المواقف، كأنَّها أخيرًا فهمت ما كان خفيًّا عنها طوال الوقت.

رفع جون صوته يسألها:

_دارين؟

أغمضت عينيها، ثم قالت بنبرةٍ ممتلئة بالنشوة:

_هذا يعني...أنَّ بينه وبين زوجته مشكلة حقيقية.

ويعني أيضًا...أنَّني سأنتصر يا جون.

_لا تقلقي...لكن كوني حذرة.

ضحكت بخفَّة، ضحكة باردة:

_اليوم فقط...منحتني خبرًا يستحقُّ الاحتفال.

ثم وقفت من مكانها ببطء، تتأمَّل أضواء الفندق حولها، وكأنَّها ترى خطَّتها تتشكَّل أمامها: 

_سأغلق الآن...أريد أن أفكِّر جيِّدًا، 

إلى اللقاء.

أغلقت الهاتف، وما زالت تلك الابتسامة الواسعة تزيِّن وجهها.

همست بسعادة مفرطة:

_لم يُنجب...

لكن فجأة...توقَّفت.

تبدَّلت نظرتها، وتحوَّلت من الفرح إلى شيء أكثر خطورة...شيء يشبه التحدِّي.

رفعت رأسها للسماء، ثم قالت بصوتٍ خافت يحمل وعيدًا واضحًا:

_الآن فقط...حان وقت لقاءنا يا عزيزي.

اشتعلت عيناها بحديثه المؤلم لكبريائها أكثر من قلبها:

_كيف لي أن أنسى أوَّل رجل رفضني؟

تحرَّكت ببطء بين الممرَّات، وكأنَّها تخطو نحو حرب تعرف جيِّدًا كيف تبدأها.

الآن سنلعب قليلًا يا جو...

ثم ابتسمت ابتسامة مخيفة وهمست:

_وأقسم..لن أتركك حتى أحصل على ما أريد.

بشرم الشيخ، وعلى متن اليخت تحديدًا، كانت تجلس بين ذراعيه، يروي لها تفاصيل عمله بالخارج.

صوته الهادئ يمتزج بصوت الأمواج، وعيناه تلمعان كلما تحدَّث عن شيء حلم به طويلًا.

كانت تستمع إليه بحماسٍ حقيقي، كأنَّها تكتشفه من جديد.

اعتدلت قليلًا داخل أحضانه، تنظر إليه بعينينِ ممتلئتين بالفضول والحب:

_دا اللي كنت بتفكَّر فيه من زمان؟

هزَّ كتفيه ببساطة، لكن خلف بساطته كان هناك عمرًا كاملًا من التعب:

_كان مجرَّد أمنية...مش شرط كل أمنية تتحقَّق.

ضيَّقت عينيها وهي تراقبه جيدًا، ثم همست بنبرةٍ أصابت قلبه مباشرة:

_ولَّا كانت حجَّة علشان تهرب؟

صمت لحظة...لحظة صغيرة لكنها كانت كافية لتفضحه أمامها.

مدَّ يده يداعب خصلاتها بحنان، وكأنه يحاول الهروب من السؤال بلمسة:

_بلاش نقلًِب في الماضي...خلٍّينا في النهاردة.

لكنها لم ترد الهروب هذه المرة.

ظلت تنظر إليه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ هادئ يحمل وجع سنوات:

_يوسف...نفسي تتكلِّم معايا في كل حاجة..بلاش تعيش لوحدك جوًَا نفسك، عايزة أعرفك بجد...كل حاجة جواك.

التفت إليها باستغراب:

_ليه بتقولي كدا؟ أنا مش مخبِّي عنك حاجة.

هزَّت رأسها ببطء، وكأنها لا تصدِّق كلماته أبدًا:

_لأ...من زمان أوي وأنا حاسَّة إنك غامض، حتى وإنتَ بتضحك وتهزَّر مع بلال...كان في دايمًا حاجة مستخبية جوَّاك، حاجة مبتظهرش.

تنهَّد بصمت، وأبعد عينيه عنها نحو البحر..

لكنها لم تسمح له بالهروب.

رفعت كفَّيها وأدارت وجهه إليها برفق، تجبره أن ينظر لعينيها:

_ماما كانت بتقول إنَّك شبه باباك... قليل الكلام..بس أنا عمري ما اقتنعت، كنت دايمًا بشوف وجع مستخبِّي ورا عينيك...أو خوف...معرفش.

حاول الابتسام، ابتسامة يستخدمها كستار، ثم قرص وجنتها بخفَّة:

_فاشلة يا روحي في قراءة العيون... مفيش حاجة، أنا بس مبحبِّش الكلام الكتير.

ضيَّقت عينيها بشك، ثم قالت وهي ترفع حاجبها:

_كدَّاب يا يوسف...أنا قريت مذكَّراتك كلَّها.

تجمَّدت ملامحه للحظة.

لحظة واحدة فقط...لكنها مرَّت عليها كأنَّها دهر.

رأت فيها ذكريات كثيرة تعبر بعينيه، ذكريات حاول دفنها طويلًا.

فقال بصوتٍ خفيض:

_مذكَّرات إيه؟

شعرت أنَّه تضايق، فاقتربت أكثر، حتى اختلطت أنفاسهما:

_الغرور قتلني...وكنت عايزة أعرف ماضي حبيبي، مين اللي قدرت تخطف قلبه قبلي...علشان أروح أطلَّع قلبها بإيدي وأولَّع فيه.

ضحك بسخرية خافتة رغم اختناق قلبه:

_هعمل نفسي مصدَّقك يا بنت عمِّي... بس إيه أسلوب المخابرات دا؟ واضح إنِّ أرسلان مأثَّر عليكي.

لم تضحك هذه المرَّة.

لمست وجهه بحنانٍ موجوع، وهمست:

_إنتَ زعلت علشان شوفت حاجة من حقِّي أعرفها؟

ثم تابعت بصوتٍ متقطِّع:

_لمَّا سمعت كلامك مع بابا...اتجنِّنت أكتر كنت خايفة إنك تكون متجوِّزني غصب...وإن عمِّي فرضني عليك. .

اختنق صوتها، ونزلت دموعها أخيرًا:

_روحت أدوَّر على أي حاجة تدينك... أي حاجة تخلِّيني أكرهك، أو أفهم ليه بتكسرني بالشكل دا...ٍ

قاطعها فجأة، وقال بصوتٍ موجوع أكثر منها:

_وطلَّعتيني خاين...مش كدا؟

شهقت باكية، ورفعت قبضتيها تضرب صدره ضربات ضعيفة مرتعشة:

_أعمل إيه؟! وإنتَ واجع قلبي بالشكل دا...إنتَ دبحتني يا يوسف، من غير حتى ما تتكلِّم.

في لحظةٍ واحدة، سقطت كل الحواجز 

اجتذبها بقوّة إلى صدره، حتى كادت أن تسمع ارتجاف قلبه قبل صوته، وأسند جبينه فوق رأسها مغمض العينين بألمٍ موجع:

_مكنش قصدي... والله ما كان قصدي. كنت فاكر إنِّي لما أبعدك عن وجعي هتكوني أسعد... بس أنا كنت بموت كل يوم زيك بالظبط.

ارتعشت أنفاسها، ثم شدّت ذراعيها حوله أكثر، ودفنت وجهها بصدره تهمس قرب قلبه بصوتٍ مختنق: 

_هفضل أقولك غبي يا ابن عمِّي... لأن سعادتي عمرها ما كانت مع غيرك.

تنهد بوجعٍ، وضمّها إليه أكثر، حتى شعرت أنّه يحاول أن يعوضها عن كل ليلةٍ بكت فيها بدونه.

مرّت لحظات صامتة... لا يُسمع فيها سوى، دقات قلبيهما التي عادت تنبض معا

ابتعد قليلًا ينظر إلى عينيها المبللتين، إلى ملامحها التي يشتاقها حدّ الألم، حتى وهي بأحضانه ثم تمتم بخفة يحاول الهروب من شدّة مشاعره: 

_طيب... إيه الجو برد مش ناوية نرجع القرية؟

هزّت رأسها بدلالٍ وهي تلتصق به أكثر: _تؤ... هنا أحسن. هلاقي أحسن من حضنك فين؟

ضحك رغم غصته، ومرر يده بين خصلاتها بحنان:

_يا بت بطلي شغل المسح ده.

ارتفعت ضحكتها... تلك الضحكة ال?


باقي الفصل

بمنزل إلياس..

كان يتحدَّث مع مالك بخصوص سفره هو وغادة، للاطمئنان على ابنته: 

_هتقعدوا كتير، ولَّا مجرَّد فحص وترجع؟.

_غادة عايزة تقعد كام يوم مع إسلام أخوها، بتقول وحشها، هسيبها هناك وأرجع.

_ليه ناوية تطوِّل ولَّا إيه؟.

_عايزة تقعد الإجازة كلَّها، وبصراحة عايزها تغيَّر جو، الفترة اللي فاتت كان شدِّ عصب عليها. 

_إن شاءلله خير، لو عايز إنتَ كمان تفضل خلِّيك معاها.

_لا..مينفعش أسيب ماما لوحدها، غادة هتكون مع أخوها، بس ماما لوحدها.

_ربِّنا يباركلك فيها.. 

_آمين..قاطعهم دخول أرسلان ملقيًا السلام: 

_عاملين إيه.

_كويسين الحمدلله.. 

تمتم بها مالك وتوقَّف وهو يقول:

_عايزين حاجة قبل السفر؟. 

_لا..توصلوا بالسلامة، يبقى طمِّني على فريدة.

_إن شاءلله. 

جلس أرسلان بعد خروجه، بجسدٍ منهك، وملامح مذرية، صمت للحظات وإلياس يتابع صمته:

_مالك فيه إيه؟.

سحب نفسًا وطرده: 

_فيه موضوع مهم، عرفته من فترة، وجه الوقت اللي تعرفه.

سحب إلياس سجائره، يومئ برأسه:

_خير..قول سامعك. 

_مش خير أبدًا.

هنا رفع الياس رأسه يدقِّق النظر بملامحه، للحظة شعر بنغزة، لأوَّل مرَّة يراه بتلك الحالة، ظنَّ أنَّه يمزح كعادته، ولكن ملامحه لا تبشِّر بالخير:

_خير يا أرسلان..قلقتني، الولاد مش كويسين، إنتَ كلِّمت ضي، فيه إيه، يوسف زعَّلها تاني؟. 

مسح على وجهه، وزفرة حارقة أخرجها كادت أن تحرق روحه، توقَّف إلياس، وأصبح نبض قلبه كالمضخَّة، وكل ما فكَّر فيه أنَّ شيئًا أصاب ابنه..جلس بمقابلته:

_يوسف حصل له حاجة؟.

_الولاد بخير يا إلياس، الموضوع بعيد عن الولاد. 

تنهَّد براحة وعاد بجسده للخلف، يحدجه بنظرةٍ غاضبة:

_ما دام الموضوع بعيد عن الولاد، فكلُّه يهون، مش مهم أي حاجة تانية. 

ابتعد أرسلان بنظره عنه وتمتم:

_للأسف يا إلياس، فيه حاجات بعد ما ماتت رجعت تحيا تاني، بألم أصعب من الأوَّل. 

قطب إلياس جبينه، وطالعه بجهل:

_إنتَ جاي تختبرني بألغازك.

_إلياس اللي هقوله مفيش حد ممكن يصدَّقه، والنار هتولَّع في قلوبنا من تاني. 

هنا ثار غضب إلياس ينهره بنبرةٍ صارخة:

_إنتَ هتقول، ولَّا تقوم تمشي، الموضوع مش متحمِّل ألغاز، يعني هيكون أصعب من اللي شوفناه، قالها ورفع كوب المياه، يرتشف بعضه، بعدما شعر بالاختناق.

_راجح. 

سقط الكوب من يد إلياس، واتجه بنظره سريعًا إلى أرسلان:

_راجح مين؟!. 

_راجح الشافعي. 

ارتفعت دقَّاته بعنف، هنا تيقَّن أنَّ هناك ما لم يتحمَّله قلبه، حتى شعر بارتجاف جسده، فتساءل بتقطُّع:

_ماله راجح؟.

_طلع متجوِّز واحدة يونانية.

أومأ له ليكمل حديثه:

_وله بنت وولد من الستِّ دي. 

هنا لم يقوَ إلياس على الصمود، ليهوى بجسده فوق المقعد، وغصَّة كادت تخنقه:

_بنت وولد!!..رفع رأسه إليه: 

_إيه الجنان اللي بتقوله دا؟!.

للأسف يا إلياس دا مش جنان، دي حقيقة. 

تاه إلياس يهزُّ رأسه بعنف:

_لا..مستحيل، يعني إيه بنت وولد بعد السنين دي كلَّها، صمت فجأة ورفع رأسه إليه:

_إنتَ عرفت منين الكلام، ومن إمتى عرفت، وليه خبِّيت عليَّ...إنتَ عارف إنتَ بتقول ايه؟!. 


_عرفت من فترة، بعد حادثة يوسف. 

رجفة قوية أصابت إلياس، حين ظنَّ أنَّهما خلف حادث ابنه:

_إنتَ تقصد إيه؟.

_ما أقصدش حاجة، موضوع معتز اللي كان بيراقب رولا وآسر.

أومأ إلياس إليه، فتابع قائلًا:

_جاسر الألفي، بحث وراه، وعرف من جهات مختصَّة إنُّه على علاقة براجح.

ضرب الياس على المكتب:

_إنتَ هتنقطَّني، ما تقول على طول.

_معتز له كذا جنسية، والمعلومات بتأكِّد إنُّه ابن لست كانت مرات راجح. 

أمسك إلياس رأسه، يفرك وجهه بعنف، علَّه يقدر أن يفهم شيئًا ممَّا يصير:

_مش فاهم، أنا عقلي وقف، إيه اللي بتقوله دا، ودا عايز إيه من رولا وآسر، وليه جاي بعد السنين دي كلَّها؟.

_استنى فيه الأهم من دا كلُّه.

رفع رأسه ينظر إليه:

_لمَّا جاسر، إداني طرف الخيط، سافرت اليونان، وبمساعدة أشخاص ثقة عرفت إنِّ أبو معتز دا هوَّ اللي كان بيساعد رؤى. 

صدمة، ذهول، توسَّعت عيناه ينظر اإيه:

_يعني مختار العوضي دا هوَّ أبو معتز؟!. 

_لا...مالوش علاقة، مختار كان أبوه شريك لراجح، بس أبو معتز كان يعرفه، طبعًا مكنش يعرف حاجة، إيه اللي حصل بين الاتنين معرفش، الاتنين ماتوا، ومفيش حد يعرف إيه اللي حصل، وليه معتز عايز ينتقم من يزن.

أومأ إلياس يتمتم:

_رؤى...أكيد هيَّ اللي ورا فكرة الانتقام من يزن، علشان كانت مفكَّرة إنُّه هوَّ اللي دخَّلها السجن.

_بس رؤى متأكِّدة إنَّك ورا دا كلُّه. 

تذكَّر حديثها معه في آخر زيارة: 

_عايز كشف كامل لكلِّ الأمن والخدم وعلاقاتهم، إحنا وقتها عملنا كشف، والكلِّ طلع نضيف، ما دام معتز دا رجع يفتح القديم، أكيد له خيط هنا.

_أنا شغَّال على الموضوع من غير ما تقول، بس دلوقتي هنعمل إيه؟.

_إنتَ وصلت للبنت والولد؟. 

هزَّ رأسه وقال:

_البنت والولد مش متسجِّلين باسم راجح، وكمان أمُّهم نصرانية، ومش في مصر.

_أرسلان هتهزَّر، إنتَ مكنتش مخابراتي، عايز خلال أسبوع كلِّ حاجة. 

_إلياس، أنا قولت لك بقالي فترة عارف وببحث في الموضوع، يعني لو عرفت حاجة مكنتش هنتظر. 

اقترب يجزُّ على شفتيه:

_شوف إسحاق، لأن الموضوع دا ما يخرجش من تحت إيده، وأكيد هوَّ على علم بحاجة زي كدا.

_سألته قالِّي معرفش.

طاح بما فوق المكتب: 

_آاااه...الراجل دا مش سايبنا هوَّ عايش وكمان وهوَّ ميِّت، أعمل إيه.


بقصر الجارحي..

دلف إلى غرفة والدته بعدما سمحت له بالدخول، فوجدها تجلس بشرود، تنظر في اللاشيء.

_حضرتك طلبتيني يا ماما؟

رفعت عيناها إليه، حاولت أن تبتسم:

_تعال يا حمزة... 

اقترب وجلس أمامها مباشرة، يراقبها في صمت:

_مراتك لسه قدَّامها شهر على الولادة...مش كدا؟

أومأ بهدوء:

_أيوة.

تنهَّدت طويلًا، ثم قالت بعدما تردَّدت وكأنها تخشى اعتراضه:

_طيب...إيه رأيك تسافر لعمَّك، وتولد هناك؟

انعقد حاجباه بدهشة:

_هناك فين؟!.

_أمريكا...عند عمَّك.

صمت لثوانٍ، يحاول فهم سبب طلبها المفاجئ، ثم قال بهدوءٍ حذر:

_ليه يا ماما؟ وبعدين...مامتها أكيد هترفض.

التفتت إليه سريعًا، وكأنَّ خوفها انكشف دون قصد:

_حمزة...ممكن تسمع كلامي من غير نقاش؟ أنا بكلِّمك علشان تقنع باباك بكلامي، ولو على ميرال أنا أقدر أقنعها.

ظلَّ ينظر إليها طويلًا، ثم مال بجسده للأمام يسألها بصوتٍ أخفض:

_من حقِّي أفهم...دا خوف ولَّا أمن؟.

ارتبكت ملامحها، وهربت بعينيها بعيدًا عنه:

_معرفش، بس قلبي مش مطَّمن.


زيادة الحراسة حوالين البيت، وسفر باباك الكتير، والأمن اللي بقى بكلِّ مكان...كل دا مخوِّفني.

أنا طول عمري بخاف بالإحساس يا حمزة...والإحساس المرَّة دي راعبني.

شعر بانقباض قلبه لرؤية والدته بتلك الحالة، فاقترب منها أكثر، وأحاط كتفيها بذراعه، يسند رأسها إلى صدره: 

_بصِّيلي يا حبيبتي...

رفعت عينيها إليه بقلقِ أم أنهكها الخوف.

ابتسم بهدوء، رغم القلق الذي تسلَّل إلى داخله هو الآخر، ثم قال بنبرةٍ ثابتة تحمل قوَّة رجلٍ اعتاد المواجهة:

_إنتِ متخيِّلة إنِّي لو معرفتش أحمي مراتي وابني في بلدي...هعرف أحميهم برَّة؟

صمت لحظة، ثم أكمل وهو يربت على كتفها بحنان:

_اطمِّني...محدش يقدر يقرَّبلهم.

بابا أكيد عامل حسابه لكلِّ حاجة، وإنتِ بنفسك قولتي الأمن متضاعف حوالينا.

ابتسم بخفَّة يحاول انتشالها من خوفها:

_وبعدين...دي بنت إلياس الشافعي، الراجل اللي شركات الأمن بتاعته مأمِّنة نصِّ البلد، لمَّا بنته تدخل مستشفى الدنيا كلَّها بتقف على رجل.

تنهَّد، ثم أكمل بنبرةٍ امتزج بها الفخر بالحب:

_وجوزها طيران حربي...

توقَّفت عيناه للحظة، قبل أن يقول بصوتٍ أخفض وأكثر عمقًا:

_أمَّا بابا...فالكلام عنه قليل أصلًا.

شدَّد من احتضانها، وكأنَّه يحاول أن يزرع الطمأنينة داخل قلبها بالقوَّة:

_أنا وعدتك محدش هيقدر يلمس شعرة منهم.

ممكن ما تخافيش...لأن خوفك بيوجعني أكتر، ومش عايز شمس تحسِّ بأي شيء، شمس بريئة ولو شعرت بحاجة ممكن لا قدَّر الله يحصلَّها حاجة.

اهتزَّ قلبها لكلماته، فرفعت يدها تلمس وجهه بحنانِ أم مرتعبة:

_ربِّنا يحفظكم يا حبيبي يارب.

قبَّل أعلى رأسها ثم اتَّجه للخارج، يتخبَّط بسيره رغم محاولته الثبات أمام والدته، فلقد حذَّره والده منذ فترة من بعض الأمور التي يجب الحذر منها. 


بالأعلى بغرفتهما...

كانت تجلس فوق الفراش، تمدُّ ساقيها بتعبٍ خفيف، بينما تستقرُّ كفَّاها فوق بطنها المنتفخة، تملِّس عليها بحنان.

ابتسمت بعينينِ لامعتين وهمست لطفلتها:

_بابي مصمِّم إنِّك هتكوني بنت...وأنا كمان نفسي تكوني بنت أوي، كان نفسي يبقى عندي أخت.

اهتزَّ صوتها قليلًا بذكرياتها مع أخوها، وانسابت دمعة فوق وجنتها، فأكملت: 

_رغم إنِّ يوسف عمره ما خلَّاني أحسِّ إنِّي محتاجة حد...كان أخويا وصاحبي وأبويا كمان، شالني فوق قلبه طول عمره..بس برضه كان نفسي يبقى عندي أخت أحكيلها كلِّ حاجة.

تنهَّدت، ثم مرَّرت أناملها فوق بطنها بحبٍّ أذاب ملامحها:

_لمَّا تيجي يا حبيبتي، هحكيلِك عنِّنا كتير...عن جناننا وضحكنا وخناقنا، هورِّيكي صورنا وكلِّ الذكريات اللي عشناها سوا...ونفسي ربِّنا يرزق خالك ببنت هوَّ كمان، أصلي متأكِّدة إنه هيكون أب يجنِّن.

اختنق صوتها أكثر، وانهمرت دموعها بصمت:

_إحنا الاتنين اتعذِّبنا أوي يا قلب ماما...أوي، بس كنَّا بنهوِّن الدنيا على بعض، عشان كدا...متأكِّدة إنِّك هتحبِّي خالك جدًّا، وهوَّ هيحبِّك أكتر من نفسه.

أراحت رأسها فوق الوسادة، شاردة بعينيها، ثم ابتسمت فجأة وهي تتذكَّر:

_يا ترى يومك هيكون زي سبوع يوسف الصغير..اليوم دا كان جميل أوي...البيت كلُّه كان بيضحك، وكأن الفرح أخيرًا عرف طريقه لقلوبنا.

قاطع حديثها صوت الباب يُفتح بهدوء، ثم دخل حمزة بابتسامته التي تُطفئ تعب الدنيا كلَّها لديها.

اقترب منها وهو يقول بمشاكسة دافئة:

_شوفي مين جه...بابي جه.

ضحكت وسط دموعها، وحاولت الاعتدال، لكنَّه سبقها سريعًا، جلس بجوارها وسحبها لأحضانه بحنانٍ غامر، وكأنَّ خوفه عليها يسكن بين ضلوعه طوال الوقت.

دفنت وجهها بعنقه وهمست بصوتٍ متحشرج: 

_كنت بحكي لبنتنا عنِّي وعن يوسف.

أغمض عينيه لحظة، ثم مرَّر كفِّه فوق خصلاتها بحنان: 

_طيب...ومش المفروض شمسي تحكي لبنتها عن باباها، ولَّا أنا ما ليش حكاية عندكم؟

ابتعدت قليلًا تنظر إليه...ذلك الرجل الذي كلَّما رأته، شعرت أنَّ الله عوَّض قلبها عن عمرٍ كامل من الألم.

ابتسمت وسط دموعها: 

_إنتَ حكايتي الحلوة يا حمزة... الحاجة الوحيدة اللي كلِّ ما أحاول أوصفها، ألاقي الكلام قليل عليها... أحسن راجل شافته عينيَّ.

ارتجف قلبه من كلماتها، فرفع كفَّها يقبِّله ببطءٍ وعشق:

_وإنتِ بنتي قبل ما تكوني مراتي... قطعة من روحي، ونور أيَّامي..شمسي اللي من غيرها الدنيا تضلِّم.

لمعت عيناها فجأةً بالخوف، وتكسَّر صوتها وهي تهمس: 

_أنا خايفة أوي يا حمزة...

تبدَّلت ملامحه فورًا، احتوى وجهها بين كفَّيه بسرعة: 

_من إيه يا روح حمزة؟

ارتعشت شفتيها، ثم قالت بصعوبة: 

_من الولادة..خايفة أموت وأسيب بنتي.

توقَّف قلبه لثانية...

شهقة حادَّة خرجت من صدره، كأنها انتزعت الهواء من رئتيه، واتَّسعت عيناه بصدمةٍ مرعبة، حتى بدا وكأنَّ الفكرة وحدها قادرة على قتله.

هزَّ رأسه بعنفٍ رافضًا، ثم جذبها إليه فجأة، يحتضن وجهها ويقبِّل شفتيها بقوةٍ مرتجفة، قبلة خائفة...يائسة... وكأنَّه يهرب بها من تلك الفكرة اللعينة قبل أن تلمسها السماء.

ابتعد بالكاد، وأنفاسه تحترق فوق وجهها، ثم أسند جبينه لجبينها وهمس بصوتٍ مكسور: 

_مستحيل..أوعي تقولي كدا تاني، فاهمة؟

أنا مقدرش أعيش من غيرك...والله ما أقدر.

إنتِ النفس اللي بتنفِّسه يا شمس... ولو جرالك حاجة، أنا هروح وراكِ.


عند دارين...

كانت تجلس بحديقة الفندق، ، تعصف الفوضى بداخلها كإعصارٍ لا يهدأ.

أبعدت نظَّارتها الشمسية ببطء، ومرَّرت أصابعها فوق جبينها المتعب، ثم همست بضيقٍ حاد وهي تتحدَّث بالهاتف:

_متى سأرحل من هذه البلاد؟ صرت هنا منذ خمسة أشهر، حتى دخول ذلك المنزل لم أستطع تنفيذه.

جاءها صوت جون عبر الهاتف يحمل تحذيرًا واضحًا:

_ستفعلين يا دارين...سفرك الآن سيجعلهم يشكُّون، خصوصًا إلياس.

أطلقت زفرة حانقة، وهي تضرب الطاولة بأطراف أصابعها:

_ومتى سيعود يوسف إلى أمريكا؟

موسى أخبرني أنَّ رئيسه تواصل معه... يبدو أنَّهم يريدونه ليستكمل عمله هناك.

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تبتسم ابتسامة باردة وقالت:

_أقسم أنَّني لن أبقى هنا دقيقة بعد سفره.

ضحك جون بخفوت:

_يبدو أنَّكِ عشقتيه فعلًا...مثلما قال موشيه.

تبدَّلت ملامحها فورًا، وانطفأ شيء بعينيها، ثم قالت بنبرة ممتلئة بالكبرياء المجروح:

_عشقه لا يعنيني...ما يعنيني هو رفضه.

ذلك الأحمق ظنَّ أنه يستطيع تحطيم غروري والرحيل ببساطة.

وأنا..لا أترك من يهين كرامتي دون أن يدفع الثمن.

صمت جون قليلًا قبل أن يقول:

_وصلتنا معلومة...لا أعلم إن كانت ستفيدك أم لا.

اعتدلت سريعًا وقالت: 

_تحدَّث.

_يوسف كان يتردَّد على دكتور ماركون.

عقدت حاجبيها بعدم فهم:

_وماذا يعني ذلك؟

ماركون طبيب ذكورة..أليس كذلك؟

ساد الصمت للحظات..

ثم همست ببطء:

_نعم...

شردت عيناها، بدأت قطع كثيرة تتجمَّع داخل عقلها دفعةً واحدة...


عاد صوت جون يخترق أفكارها:

_التحريَّات أكَّدت أنه يعاني من مشكلة في الإنجاب...ويبدو أنَّه كان يتابع حالته منذ فترة.

اتَّسعت عيناها بصدمةٍ حقيقية، وكأنَّها لم تتوقَّع الأمر رغم كلِّ شيء.

_مستحيل...

ثم همست لنفسها، وابتسامة غريبة ترتسم فوق شفتيها:

_إذًا...لهذا السبب.

مرَّ أمامها شريطًا سريعًا من المواقف، كأنَّها أخيرًا فهمت ما كان خفيًّا عنها طوال الوقت.

رفع جون صوته يسألها:

_دارين؟

أغمضت عينيها، ثم قالت بنبرةٍ ممتلئة بالنشوة:

_هذا يعني...أنَّ بينه وبين زوجته مشكلة حقيقية.

ويعني أيضًا...أنَّني سأنتصر يا جون.

_لا تقلقي...لكن كوني حذرة.

ضحكت بخفَّة، ضحكة باردة:

_اليوم فقط...منحتني خبرًا يستحقُّ الاحتفال.

ثم وقفت من مكانها ببطء، تتأمَّل أضواء الفندق حولها، وكأنَّها ترى خطَّتها تتشكَّل أمامها: 

_سأغلق الآن...أريد أن أفكِّر جيِّدًا، 

إلى اللقاء.

أغلقت الهاتف، وما زالت تلك الابتسامة الواسعة تزيِّن وجهها.

همست بسعادة مفرطة:

_لم يُنجب...

لكن فجأة...توقَّفت.

تبدَّلت نظرتها، وتحوَّلت من الفرح إلى شيء أكثر خطورة...شيء يشبه التحدِّي.

رفعت رأسها للسماء، ثم قالت بصوتٍ خافت يحمل وعيدًا واضحًا:

_الآن فقط...حان وقت لقاءنا يا عزيزي.

اشتعلت عيناها بحديثه المؤلم لكبريائها أكثر من قلبها:

_كيف لي أن أنسى أوَّل رجل رفضني؟

تحرَّكت ببطء بين الممرَّات، وكأنَّها تخطو نحو حرب تعرف جيِّدًا كيف تبدأها.

الآن سنلعب قليلًا يا جو...

ثم ابتسمت ابتسامة مخيفة وهمست:

_وأقسم..لن أتركك حتى أحصل على ما أريد.

بشرم الشيخ، وعلى متن اليخت تحديدًا، كانت تجلس بين ذراعيه، يروي لها تفاصيل عمله بالخارج.

صوته الهادئ يمتزج بصوت الأمواج، وعيناه تلمعان كلما تحدَّث عن شيء حلم به طويلًا.

كانت تستمع إليه بحماسٍ حقيقي، كأنَّها تكتشفه من جديد.

اعتدلت قليلًا داخل أحضانه، تنظر إليه بعينينِ ممتلئتين بالفضول والحب:

_دا اللي كنت بتفكَّر فيه من زمان؟

هزَّ كتفيه ببساطة، لكن خلف بساطته كان هناك عمرًا كاملًا من التعب:

_كان مجرَّد أمنية...مش شرط كل أمنية تتحقَّق.

ضيَّقت عينيها وهي تراقبه جيدًا، ثم همست بنبرةٍ أصابت قلبه مباشرة:

_ولَّا كانت حجَّة علشان تهرب؟

صمت لحظة...لحظة صغيرة لكنها كانت كافية لتفضحه أمامها.

مدَّ يده يداعب خصلاتها بحنان، وكأنه يحاول الهروب من السؤال بلمسة:

_بلاش نقلًِب في الماضي...خلٍّينا في النهاردة.

لكنها لم ترد الهروب هذه المرة.

ظلت تنظر إليه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ هادئ يحمل وجع سنوات:

_يوسف...نفسي تتكلِّم معايا في كل حاجة..بلاش تعيش لوحدك جوًَا نفسك، عايزة أعرفك بجد...كل حاجة جواك.

التفت إليها باستغراب:

_ليه بتقولي كدا؟ أنا مش مخبِّي عنك حاجة.

هزَّت رأسها ببطء، وكأنها لا تصدِّق كلماته أبدًا:

_لأ...من زمان أوي وأنا حاسَّة إنك غامض، حتى وإنتَ بتضحك وتهزَّر مع بلال...كان في دايمًا حاجة مستخبية جوَّاك، حاجة مبتظهرش.

تنهَّد بصمت، وأبعد عينيه عنها نحو البحر..

لكنها لم تسمح له بالهروب.

رفعت كفَّيها وأدارت وجهه إليها برفق، تجبره أن ينظر لعينيها:

_ماما كانت بتقول إنَّك شبه باباك... قليل الكلام..بس أنا عمري ما اقتنعت، كنت دايمًا بشوف وجع مستخبِّي ورا عينيك...أو خوف...معرفش.

حاول الابتسام، ابتسامة يستخدمها كستار، ثم قرص وجنتها بخفَّة:

_فاشلة يا روحي في قراءة العيون... مفيش حاجة، أنا بس مبحبِّش الكلام الكتير.

ضيَّقت عينيها بشك، ثم قالت وهي ترفع حاجبها:

_كدَّاب يا يوسف...أنا قريت مذكَّراتك كلَّها.

تجمَّدت ملامحه للحظة.

لحظة واحدة فقط...لكنها مرَّت عليها كأنَّها دهر.

رأت فيها ذكريات كثيرة تعبر بعينيه، ذكريات حاول دفنها طويلًا.

فقال بصوتٍ خفيض:

_مذكَّرات إيه؟

شعرت أنَّه تضايق، فاقتربت أكثر، حتى اختلطت أنفاسهما:

_الغرور قتلني...وكنت عايزة أعرف ماضي حبيبي، مين اللي قدرت تخطف قلبه قبلي...علشان أروح أطلَّع قلبها بإيدي وأولَّع فيه.

ضحك بسخرية خافتة رغم اختناق قلبه:

_هعمل نفسي مصدَّقك يا بنت عمِّي... بس إيه أسلوب المخابرات دا؟ واضح إنِّ أرسلان مأثَّر عليكي.

لم تضحك هذه المرَّة.

لمست وجهه بحنانٍ موجوع، وهمست:

_إنتَ زعلت علشان شوفت حاجة من حقِّي أعرفها؟

ثم تابعت بصوتٍ متقطِّع:

_لمَّا سمعت كلامك مع بابا...اتجنِّنت أكتر كنت خايفة إنك تكون متجوِّزني غصب...وإن عمِّي فرضني عليك. .

اختنق صوتها، ونزلت دموعها أخيرًا:

_روحت أدوَّر على أي حاجة تدينك... أي حاجة تخلِّيني أكرهك، أو أفهم ليه بتكسرني بالشكل دا...ٍ

قاطعها فجأة، وقال بصوتٍ موجوع أكثر منها:

_وطلَّعتيني خاين...مش كدا؟

شهقت باكية، ورفعت قبضتيها تضرب صدره ضربات ضعيفة مرتعشة:

_أعمل إيه؟! وإنتَ واجع قلبي بالشكل دا...إنتَ دبحتني يا يوسف، من غير حتى ما تتكلِّم.

في لحظةٍ واحدة، سقطت كل الحواجز 

اجتذبها بقوّة إلى صدره، حتى كادت أن تسمع ارتجاف قلبه قبل صوته، وأسند جبينه فوق رأسها مغمض العينين بألمٍ موجع:

_مكنش قصدي... والله ما كان قصدي. كنت فاكر إنِّي لما أبعدك عن وجعي هتكوني أسعد... بس أنا كنت بموت كل يوم زيك بالظبط.

ارتعشت أنفاسها، ثم شدّت ذراعيها حوله أكثر، ودفنت وجهها بصدره تهمس قرب قلبه بصوتٍ مختنق: 

_هفضل أقولك غبي يا ابن عمِّي... لأن سعادتي عمرها ما كانت مع غيرك.

تنهد بوجعٍ، وضمّها إليه أكثر، حتى شعرت أنّه يحاول أن يعوضها عن كل ليلةٍ بكت فيها بدونه.

مرّت لحظات صامتة... لا يُسمع فيها سوى، دقات قلبيهما التي عادت تنبض معا

ابتعد قليلًا ينظر إلى عينيها المبللتين، إلى ملامحها التي يشتاقها حدّ الألم، حتى وهي بأحضانه ثم تمتم بخفة يحاول الهروب من شدّة مشاعره: 

_طيب... إيه الجو برد مش ناوية نرجع القرية؟

هزّت رأسها بدلالٍ وهي تلتصق به أكثر: _تؤ... هنا أحسن. هلاقي أحسن من حضنك فين؟

ضحك رغم غصته، ومرر يده بين خصلاتها بحنان:

_يا بت بطلي شغل المسح ده.

ارتفعت ضحكتها... تلك الضحكة التي كانت دائمًا قادرة ظلمةً داخله، فتوقّف يتأملها طويلًا، كأنّه يراها لأول مرة، وكأنّ الحياة كلها اختُصرت في هذه الابتسامة الصغيرة.

ثم قال فجأة، بصوتٍ هادئ لكنه ممتلئ باليقين: 

_إيه رأيك... لما نسافر نشوف موضوع أطفال الأنابيب، نجرب انا بعد كدا مش هيأس

تجمّدت ضحكتها، واتسعت عيناها بصدمةٍ ممزوجة برجاءٍ خافت، وبدأت الدموع تتجمع داخلهما دون إرادة:

_بجد يا يوسف...؟

رفع وجهها بين كفيه بحنانٍ بالغ، وكأنها أغلى ما يملك، ثم طبع قبلة طويلة فوق شفتيها وهمس: 

_بجد يا حياة يوسف... المهم أشوف ضحكتك اللي بتنور حياتي. ولو آخر حاجة أعملها في الدنيا... هعملها علشانك.

اختنق صدرها بمشاعرٍ عجز قلبها عن احتمالها، فنهضت سريعًا وهي تمد يدها إليه حتى لا يرى ارتعاش دموعها: 

_إنت بقيت رغّاي أوي... يلا، عايزة أنام.

ابتسم وهو يراقب دموعها اللامعة، تلك التي لم يعرف أهي دموع فرحةٍ... أم دموع امرأة أحبت رجلًا حتى صار وطنها الوحيد.

أمسك يدها، وشبك أصابعه بأصابعها بحنان، ثم سارا معًا للعودة 


بعد شهرين...

كانت رولا تجلس على الأريكة تضم طفلها الصغير إلى صدرها، تداعب وجنتيه بحنانٍ، يضحك لها ببراءةٍ 

رفعت عينيها نحو ضي التي كانت منشغلة بعملها:

_ضي...

رفعت الأخرى رأسها:

_فيه إيه؟

تنهدت رولا وهي تضم طفلها : 

_في أخبار عن شمس؟

هزّت ضي رأسها بالنفي:

_معرفش... بتصل بيوسف ومبيردش.

بدأ القلق ينهش قلبها: 

_اتصلي ببلال كدا... ياريتني رحت معاهم، معرفش إيه اللي خلاني أسمع كلام يوسف.

تناولت هاتفها سريعًا، واتصلت ببلال مرة... واثنتين... وثلاثًا، لكن الهاتف كان مغلقًا.

عقدت حاجبيها باستغراب: 

_غريبة... تليفون بلال مقفول ليه؟

رفعت ضي هاتفها هي الأخرى واتصلت بأخيها، لكن الرد ذاته تكرر: "الهاتف مغلق."

زفرت بضيق: 

_خلاص هكلم عمو إلياس... أصل حتى بابا مش بيرد هو كمان، بس اكلمه اقوله ايه... اووف

فتحت رولا فاهها للحديث ولكنها توقفت حين سمعت صوت إشعار رسالة على هاتف رولا.

خفضت رولا نظرها للهاتف بلا اهتمام في البداية... لكنها ما إن قرأت الكلمات حتى شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.

"جوزك بيخوّنك مع طليقته... ولو مش مصدقة شوفي دي."وبأسفل الرسالة...

صورة.

صورة لبلال... وكارما بين ذراعيه، قريبة منه بصورةٍ لا تحتمل أي تفسير بريء، كأنهما عاشقان التقيا بعد شوقٍ طويل.

تجمدت أنفاسها.

وشحب وجهها دفعةً واحدة، حتى بدا وكأن الدم انسحب من عروقها بالكامل.

ارتعشت يدها بقوة، وكادت أن يسقط الهاتف منها.

في اللحظة نفسها، انفجر طفلها بالبكاء، كأنه شعر بانهيارها الصامت.

أسرعت ضي تحمل الصغير بين ذراعيها وهي تهدهده بحنان: 

_حبيب عمتو... بتعيط ليه بس، قلبي إنت.

ثم نظرت إليه مبتسمة تحاول إضحاكه: _الواد ده شبه يوسف أوي على فكرة... شوفتي العسل؟

لكن رولا لم تكن تسمع.

كانت غارقة داخل عالمٍ أسود... عالمٍ اختلطت فيه الصدمة بالخيانة بالخوف، حتى شعرت أن قلبها يُسحق ببطء داخل صدرها.. تهمس بشفتين مرتجفتين

_بلال؟


انسابت دموعها رغمًا عنها، بصمتٍ موجع، بينما راحت الصورة تحترق داخل رأسها مرةً بعد أخرى.

انتبهت لحديث ضي

_رولا... كنتي بتتحومي على جوزي يا بت ولا إيه؟

انتفضت رولا على صوتها، ومسحت دموعها سريعًا قبل أن تراها، ثم استدارت إليها تحاول بكل قوتها السيطرة على ارتجافة قلبها.

وقعت عيناها على طفلها بين ذراعي ضي... كان يضحك ببراءة

اختنق صدرها أكثر، ثم قالت بصوتٍ بالكاد خرج ثابتًا: 

_ضي... في مشوار مهم افتكرته، ممكن تخلي بالك من يوسف لما أرجع؟

ضمت ضي الطفل بسعادة:

_روحي يا حبيب عمتو... أكيد. واتأخري براحتك، ولو جاع هأكله فرخة بريشها.

خرجت ضحكة من رولا كانت باهتة... مؤلمة أكثر من البكاء نفسه.

ثم تحركت سريعًا نحو الداخل، قبل أن تفضحها دموعها أكثر...


وصلت بعد دقائق شعرت بأنها اعوام، الى شقته التي بمقابلة شقة كارما، وقفت للحظات تسحب انفاسًا بهدوء، وقلبها ينتفض بعنف، استمعت الى موسيقى رومانسية، كأنه موعد غرامي

اخرجت المفتاح بانامل مرتعشة، تشعر وأن قلبها سيتوقف، فتحت الباب بهدوء مرعب

دلفت للداخل، خطوة ثم اخرى، لتتوقف فجأة تشعر بأن الدماء تهرب من جسدها 


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كل عام وانتم بخير 

عيد سعيد عليكم جميعا يارب 


الفصل تقريبا مش فاكرة فيه ايه، لاني بكتبه من فترة مشاهد، والنهاردة جمعته 

من غير ماارجعه، عارفين زحمة العيد 

اتمنى أن ينال اعجابكم 

وبالنسبة للمشهد الاخير 

تريثوا ولا تسبقوا الاحداث

كدا كدا بلال في قلبي لكن من جهة اليمين

يوسف الصراحة اللي منور جهة اليسار 

لانه حبيبي وابن حبيبي 

عيدكم مبارك

متنسوش التفاعل، دوسوا بخفة على اللايك يااجمل فانز


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا





تعليقات

التنقل السريع
    close