القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كنت لسه عيل عندي عشر سنين لما مرات أبويا فتحت

 


كنت لسه عيل عندي عشر سنين لما مرات أبويا فتحت

 


كنت لسه عيل عندي عشر سنين لما مرات أبويا فتحت الباب قبل الفجر وزقتني في عز البرد وأنا شايل أختي الصغيرة اللي لسه بتتعلم المشي بين إيديا، رمت في صدري شنطة قماش قديمة وقالتلي بنبرة تخرع الكلب: "خدها معاك، مفيش لقمة ببلاش في البيت ده تاني". وقبل ما ألحق أنطق بكلمة، رقعت الباب في وشنا ورزعت الترباس، وأختي نعمة بدأت تكح وتصرخ مكتومة في صدري، وسمعت صوتها من ورا الخشب بتقول: "لو رجعتوا تاني مش هفتح ليكم واقعدوا في الشارع".

الدنيا كانت لسه كحل، وسما أكتوبر مغيمة وضلمة، والجو يدبح، وريحة الخشب المحروق لسه لازقة في هدمي، وسمعت صوت حمار أبويا من العشة بينهق، لكن مفيش إيد اتمدت من شباك، ولا صوت أبويا قال استنى، مفيش غير صوت الترباس وصوت عياط نعمة اللي هاري قلبي، رفعتها لفوق وبقيت أداري رجليها العريانة بالجلابية القديمة، ووشها الصغير كان مخطف وأزرق من الساقعة، وكنت حاطط في جيبي الحاجة الوحيدة اللي باقية لي من أمي الغالية، سبحة صغيرة والرقية الشرعية اللي حفظتهالي قبل ما تموت وتسبنا للدنيا.

لما الشمس بدأت تشقشق، رجعت وخبطت على الباب براحة، وقولت بصوت مخنوق: "يا خالتي صباح..."، لقيتها قربت من الشباك وقالتلي: "غور من هنا بدل ما


أعملك فضيحة في المنطقة". ما رديتش عليها، وربطت الحزام على وسط الخشب، وشيلت الشنطة على كتفي ومشيت في وسط الطين، المطر كان مبهدل الدنيا، والسكوت في الغيط كان يرعب، وكنت خايف على نعمة اللي نفسها بدأ يضيق، فضلت أكلمها وأغني لها طول الطريق عشان ما تنامش مني وتموت، لحد ما وصلنا لآخر الغيطان على المغربية، وركبي خانتني ووقعت في الأرض، وضميتها لصدري وفضلت أقرأ الرقية وأبكي وأدعي ربنا بدموع حارقة ينجينا.

أول ما فتحت عيني، لقيت قدامي في عتمة الشجر بيت قديم مبني من الخشب والطوب الأحمر، بيت مكنش موجود هنا من دقيقة واحدة، وكان طالع منه نور دافي...

تفتكروا لو مكانتكم والجو ليل ومعاكم طفلة بتموت بين إيديكم، كنتوا هتدخلوا البيت ده؟ البيت اللي كان جواه أكل... وجواه سر لو عرفته صباح ومراتي أبويا هيطير برج اللامنش من دماغها، وهيدمرها تمامًا!

دخلت البيت القديم بخوف وقلبي يدق كأنه هيخرج من صدري. نعمة كانت صغيرة، وجسدها كله يرتجف في حضني، عيونها السودا الواسعة مليانة رعب وبرد. لكن في نفس الوقت، كان فيه شيء غريب في المكان؛ ريحة الخشب والدخان راحت، والنور الدافي اللي طالعة من الشباك الخشبي حستني بالأمان لأول مرة من ساعة ما خرجنا من البيت.

البيت كان بسيط، لكن مرتب بعناية غريبة، وفيه مائدة صغيرة عليها بقايا أكل وسلال من الخضار والفواكه، وكأن حد كان مستنينا. وأنا بحاول أهدأ نفسي وأمسك نعمة، ظهر رجل كبير السن من ورا الباب الداخلي. وشه كان مطوي التجاعيد، لكن عيونه كانت مليانة رحمة وفهم، وصوته كان هادي بس واثق:

"ادخلوا بسرعة.. الدنيا برا مش آمنة عليكم."


دخلت وأنا شايل نعمة، وبصيت حوالي؛ حسيت لأول مرة من أيام كتيرة إني مش لوحدي، وإن في حد ممكن يحمينا. الرجل قرب مننا وساعدني أحط نعمة على كرسى خشبي صغير. ابتسم لي وقال:

"ما تخافش، كل حاجة هتبقى تمام."


الأكل اللي على الطاولة كان بسيط لكن دافي ومليان، والجو كان دافي بعد البرد اللي خدناه في الغيط. وبدأت أحس بشيء يخفف عني؛ الدموع اللي كنت كاتمها فجأة نزلت بدون توقف. الرجل جاب لنا بطانيات نظيفة وحط نعمة جوههم، وقال لي:

"انت شجاع يا ولدي.. حميت أختك الصغيرة من الخطر. ده أول خطوة كبيرة في حياتك."


جلست ساعتها أفكر في كل اللي حصل: الأم اللي ماتت وتركت لي السبحة والرقية الشرعية، خالتي اللي كرهتنا وحاولت تخلينا نموت في الشارع، وأبويا الغائب اللي كان في عالمه. كل الصدمات دي حسيت إن الوقت جه إني أقف على رجلي وأقرر


مصيري.

الرجل الكبير جلس جنبي وقال:

"البيت ده قديم.. بس سرحان قوي. اللي ييجي هنا مفيش خوف. بس أهم حاجة تحفظ قلبك وضميرك."


قعدنا هناك طول النهار، وأنا براقب نعمة وهي بتاكل لأول مرة من ساعة طويلة وباباها الضيق بقى في بالي بس مجرد ذكرى. بدأت أحس إن حياتنا ممكن تتغير، إننا ممكن نعيش بأمان، وإن الشجاعة اللي في قلبي ممكن تصنع فرق.


لما الشمس قربت تغيب، الرجل قال لي:

"الليلة دي كانت اختبار ليك.. واللي تحمله، هيخليك تكبر وتعرف تحمي اللي حواليك. ما تخافش.. الخير موجود، بس محتاج شجاعة زي شجاعتك."


رجعت البيت بالليل بعد ما الرجل جهز لنا مكان آمن للنوم، وأنا شايل نعمة في حضني. العالم بره كان مظلم، لكن جوه قلبي حسيت بنور جديد، نور الأمان والشجاعة والمسؤولية. فهمت إن الحياة صعبة، بس كمان مليانة ناس كويسة ممكن يساعدوك، ومليانة قوة جواك تقدر تحمي اللي بتحبهم.


من اليوم ده، معرفتش الرجوع لنفس الغلط القديم. خالتي ما عادتش قادرة تسيطر عليّ، أنا بقيت قوي بطريقتي، ونعمة كبرت بأمان، ومع كل يوم جديد، كنا بنتعلم إزاي نعيش ونحب ونحمي بعض. والسبحة الصغيرة اللي أمي سابتها ليا فضلت معايا، مش بس كذكرى، لكن كرمز للشجاعة والإيمان اللي ساعدني


أنقذ حياتنا من الظلام.

النهاية


تعليقات

التنقل السريع
    close