القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

  

شِق بطني يا بابا.. أبوس إيدك





شِق بطني يا بابا.. أبوس إيدك




شِق بطني يا بابا.. أبوس إيدك شِق بطني وسيبني أرتاح!

صوت صريخ يوسف اللي عنده حداشر سنة زلزل جدران الفيلا الكبيرة وهو بيتقلب على أرضية الأوضة من الوجع، وكان بيصرخ بهيستريا في حاجة صاحية جوة بطني وعمالة تنهش فيا!، الصرخة دي كسرت السكون اللي مغطي المكان كأنه لوح زجاج بيتدشدش على الرخام، ووقف عاصم المنشاوي، صاحب أكبر شركات المقاولات في التجمع، مذهول ومثبت في مكانه على باب أوضة ابنه، التليفون لسه في إيده، وزراير قميصه مقفولة غلط، وعينيه حمرا ودمها باين من كتر قلة النوم والهم اللي عاشه آخر كام يوم، وقدامه ابنه يوسف كان متكوم على الأرض، ضامم بطنه بإيديه الاتنين وضوافره بتغرز في جلده من كتر الألم، وبيعيط بحرقة ويقول طلعها يا بابا! دي بتاكل فيا من جوة!.

عاصم صرخ فيه بصوت مكسور وخايف كفاية يا يوسف! إحنا روحنا بيك المستشفى تلات مرات، وعملنا كل التحاليل والإشاعات والدكاترة أكدوا إنك سليم ومفيش فيك أي حاجة خطيرة!، لكن يوسف رفع وشه اللي كان غرقان عرق، شفايفه كانت ناشفة ومشققة وعينيه مليانة رعب حقيقي مستحيل طفل في سنه يعرف يمثله، وهمس بصوت يقطع القلب أنا مش بكدب يا بابا.. هي السبب.. هي اللي بتعمل فيا كده، وفي اللحظة دي ظهرت نيرمين، مراته الجديدة، واقفة على عتبة الباب، كانت طويلة ولابسة روب ستان


أبيض شيك، ورسمة على وشها ملامح حزن متفصلة بالمسطرة، كأنها بتجاهد عشان تبان مكسورة الخاطر وصعبان عليها الحال، وهمست نيرمين بنبرة واطية أهو بدأ تاني يا عاصم، يا حبيبي إنت مش هتعرف تعيش حياتك لو فضلت سايب يوسف يعمل كده، الولد مش عايز يتقبل فكرة إن بقا عندك عيلة جديدة وحياة تانية.

يوسف صرخ بكل قوته وهو بيموت من الوجع كدابة! إنتي اللي حطيتي حاجة في كوباية الكاكاو بتاعتي!، ونيرمين حطت إيدها على صدرها كأن التهمة جرحت مشاعرها الطاهرة وقالت بصوت ناعم سامع ابنك بيقول إيه؟ دلوقتي بقيت أنا اللي بسممه وبعايرني في شرفي؟ ده مابقاش حزن على أمه ولا زعل عيال، الولد ده محتاج يتعرض على دكتور نفسي فوراً، وعاصم غمض عينيه بقلة حيلة؛ لأن من ساعة ما نيرمين دخلت البيت ويوسف حاله اتقلب مية وتمانين درجة، مبقاش يرضى يقعد معاهم على سفرة واحدة، وقافل على نفسه أوضته بقفل، وبيصحى بالليل يصرخ من الكوابيس، وبيترعب لمجرد إن نيرمين تقرب منه، والدكاترة قالوا ده توتر، وقالوا ده صدمة وفات والدته الله يرحمها، وقالوا ده رفض لمرأة الأب، وعاصم من كتر التعب والخوف بدأ يصدق كلامهم، وبص لابنه وقاله ببرود لو اتهمت نيرمين تاني من غير دليل، أنا هأمضي على ورق المصحة الصبح وأوديك تتعالج هناك.

يوسف سكت فجأة وقطع العياط، وبص لأبوه نظرة


مكسورة كأنه حس إنه خسره للأبد، وفي الممر بره كانت واقفة رحمة، المربية الجديدة اللي بقالها أسبوعين بس شغالة في قصر المنشاوي، وحست إن الدم هرب من عروقها تماماً من الصدمة، لأنها في الأسبوعين دول شافت حاجات كتير أوي ومبقتش قادرة تسكت، شافت يوسف وهو بيترعش زي الفرخة كل ما نيرمين تطلعله كوباية الكاكاو الدافية، وشافت قزازة غامقة صغيرة متدارية ورا بطرمانات القرفة والفانيليا في ضرفة المطبخ، والليلة دي بالذات وهي بتجمع الهدوم من المطبخ، شافت نيرمين بعينيها وهي بتبخ نقط من القزازة دي جوة الكوباية قبل ما تطلع بيها لأوضة الولد، فخدت نفس طويل ودخلت الأوضة بالراحة وقالت يا عاصم بيه.. أرجوك بلاش الولد يشرب أي حاجة من إيد نيرمين هانم تاني.

نيرمين لفت ليها وعينيها برقت بشر وقالت إنتي بتقولي إيه يا بت إنتي؟، ورحمة بلعت ريقها بس منزلتش عينها من عليها وردت بثبات أنا شوفتك بعيني وإنتي بتحطي نقط في الكاكاو بتاعه في المطبخ، والسكوت نزل على الأوضة كأن الباب اتقفل بالترباس، ويوسف وهو بيترعش على الأرض مَد إيده ل أبوه وقال قلتلك يا بابا.. والله قلتلك، وعاصم لف عينه وبص لكوباية الكاكاو اللي محطوطة على الكومودينو، ولأول مرة يحس إن رعب ابنه حقيقي وأقوى بكتير من دموع مراته، ولما نيرمين حاولت تبتسم، الابتسامة مكنتش


بريئة، كانت شبه التهديد، وعاصم مَد إيده اللي بتترعش ومسك الكوباية، المشروب كان باين طبيعي جداً، دافي وحلو ومفيهوش أي حاجة غريبة، بس وش رحمة كان أبيض زي الحيطة، ويوسف لسه متكوم في الأرض وبيهمس أبوس إيدك متخليهاش تلمسني.

نيرمين قربت خطوة وقالت بصوت ناعم عاصم.. إنت بجد هتصدق كلام شغالة جايبينها من الشارع وتكدب مراتك؟، بس النبرة دي كان فيها حاجة غلط، كانت هادية زيادة عن اللزوم، ومترتبة، كأنها واثقة إنها كسبت اللعبة ومحدش هيقف قصادها، وعاصم بَص للست اللي اتجوزها بعد ست شهور بس من يوم ما دفن أم يوسف، وبص لابنه، الضنا اللي وعد نفسه يحميه من الدنيا كلها، وبقاله أسابيع بيقول عليه بيتدلع وبيألف، ومصدق التقارير ودموع نيرمين المزيفة، في الوقت اللي ابنه كان بيستغيث بيه من جوة البيت اللي دافع فيه ملايين عشان يكون أمان ليه، ودلوقتي الحقيقة كلها محبوسة في نص كوباية كاكاو، وهنا رحمة مدت إيدها في جيب المريلة وطلعت تليفونها وقالت أنا سجلت ليها فيديو في المطبخ وهي بتحط الحاجه.

وش نيرمين اتقلب في ثانية واحدة، القناع وقع، والحزن اختفى، وظهر ورا الوش ده نبرة باردة ومرعبة خلت عاصم يرجع خطوة لورا بصدمة، وفي اللحظة دي عاصم عرف إن الكابوس مكنش في خيال ابنه يوسف ولا كان مريض نفسي، الكابوس كان بيبات جنبه على


السرير كل


 

ليلة وهو فاكرها مراته وحبيبته.

يا ترى الفيديو اللي صورته الشغالة فيه إيه بالظبط؟ وإيه المادة المرعبة اللي نيرمين كانت بتحطها للطفل في المشروب عشان تخليه يتجنب ويموت بالبطء؟ الصدمة اللي هتكشفها التحاليل في الجزء اللي جاي هتشيب شعر الراس وتكشف سر قديم ومخيف أوي عن أم يوسف الله يرحمها!

الأوضة كلها اتجمدت.

يوسف لسه متكور على الأرض، أنفاسه متقطعة، ودموعه نازلة في صمت المرة دي الصمت اللي بيجي بعد ما الطفل يفقد الأمل إن حد يصدقه.

وعاصم واقف بالكوباية في إيده، حاسس إنها أتقل من جبل.

أما نيرمين فوشها اتغير فعلًا.

ملامحها بقت حادة، وعينيها بقى فيهم لمعة باردة مخيفة، كأن الست اللطيفة اللي كانت بتعيط وتتكسر قدامه كل يوم اختفت فجأة، وطلع مكانها شخص تاني خالص.

رحمة فتحت الفيديو بإيد مرتعشة.

الصورة كانت مهزوزة شوية، متصورة من ورا باب المطبخ نص المفتوح، لكن واضحة كفاية.

نيرمين واقفة قدام الكوباية وبتطلع القزازة الغامقة الصغيرة وتنزل منها سبع نقط بالظبط جوه الكاكاو.

وبعدين ابتسمت.

ابتسامة صغيرة مرعبة، وقالت لنفسها بصوت واطي استحمل شوية كمان يا حبيبي كله هيخلص قريب.

الدم هرب من وش عاصم.

بص لمراته ببطء كأنه أول مرة يشوفها فعلًا.

وقال بصوت مبحوح إيه اللي إنتِ بتحطيه لابني؟

نيرمين حاولت تتكلم، لكن يوسف صرخ فجأة من الأرض بطني!

ووقتها

جسمه اتشنج بعنف.

الكوباية وقعت من إيد عاصم واتكسرت على الرخام.

بعد أقل من عشر دقايق، كان يوسف في العربية متجهين بيه على المستشفى الخاصة، وعاصم سايق بجنون، ورحمة ضامة يوسف في الكنبة الخلفية وهو بيترعش وبيعيط من الألم.

أما نيرمين فكانت قاعدة جنب الباب في الفيلا لما الشرطة دخلت.

لا حاولت تهرب. ولا أنكرت.

بس قالت جملة واحدة وهي بتبص لعاصم متأخر أوي.

في المستشفى، التحاليل اتعملت بشكل عاجل.

ودكتور السموم خرج بعد ساعة وشه شاحب.

قال الطفل بيتعرض لجرعات صغيرة مستمرة من مادة سامة نادرة.

عاصم حس الدنيا بتلف.

الدكتور كمل السم ده مش بيقتل بسرعة بيعمل آلام حادة في المعدة والأعصاب، وتشنجات، وهلوسة تدريجية ولو كمل كام شهر كمان، أعضاءه كانت هتنهار واحدة واحدة.

رحمة حطت إيدها على بوقها من الصدمة.

أما عاصم، فافتكر كل مرة يوسف كان بيصرخ كل مرة قاله في حاجة بتاكلني من جوة.

وابنه كان بيقول الحقيقة حرفيًا.

لكن الصدمة الأكبر لسه جاية.

الشرطة فتشت أوضة نيرمين.

ولقوا وسط هدومها ملف قديم فيه تحاليل وتقارير وفاة زوجة عاصم الأولى، أم يوسف.

ومع التحاليل كان فيه نفس المادة السامة.

نفس السم.

الدنيا اسودت قدام عاصم.

مراته الأولى، ليلى، ماتت من سنة بعد تعب غامض وسريع. الدكاترة وقتها قالوا مضاعفات مناعية نادرة.

ونيرمين كانت صاحبتها المقربة الست

اللي كانت بتزورها كل يوم وتقعد جنبها بالساعات.

يعني نيرمين ما دخلتش البيت بعد الوفاة

نيرمين كانت جوه البيت من البداية.

التحقيقات كشفت الكابوس كله.

نيرمين كانت على علاقة بعاصم من ورا مراته من سنين.

لكن ليلى اكتشفت.

هددتها إنها هتفضحها وتطلب الطلاق وتاخد يوسف وتمشي.

ساعتها نيرمين بدأت تسممها ببطء.

جرعات صغيرة جدًا تخلي الأعراض تبان مرض طبيعي.

ولما ليلى ماتت، افتكرت إن الطريق بقى مفتوح.

لكن المشكلة الوحيدة اللي فضلت واقفة قدامها كانت يوسف.

الولد كان ذكي.

شافها مرة وهي بتحط نفس القزازة في عصير أمه قبل وفاتها بأيام.

ومن ساعتها وهو بيخاف منها.

ولما بدأت تحاول تسممه، فهم الحقيقة لكن محدش صدقه.

بعد القبض عليها، نيرمين فضلت ساكتة أيام كاملة.

لحد جلسة التحقيق الأخيرة.

وهناك، انهارت فجأة.

وقالت جملة خلت حتى الظابط يسكت أنا كنت بحبه وهو عمره ما شافني.

كانت تقصد عاصم.

حب مريض حوّلها لوحش.

قالت إنها فضلت سنين عايشة في ضل ليلى، شايفة نفسها أقل منها، لحد ما الكره بقى هوس.

ولما أخدت عاصم أخيرًا بقى يوسف هو النسخة الباقية من أمه.

كل ما كنت أبصله كنت أشوفها.

المحكمة حكمت عليها بالسجن المؤبد بتهمة القتل العمد والشروع في قتل طفل مع سبق الإصرار.

والقضية هزت البلد كلها.

الناس كانت مصدومة إزاي ست شكلها هادي وراقي بالشكل ده تعمل كل ده؟


لكن الدكتور النفسي اللي شهد في القضية قال جملة اتنشرت بعدها في كل الجرائد أخطر الناس مش اللي وشهم مرعب أخطرهم اللي بيعرفوا يستخبوا ورا الطيبة.

يوسف فضل شهور في العلاج.

السم كان مأثر على أعصابه ومعدته بشكل صعب، لكنه نجا.

في البداية، كان بيصحى من النوم يصرخ متدوشلها تدخل!

وكان يرفض أي كوباية يشربها إلا لو عاصم شرب منها الأول.

وده كان أكتر حاجة كسرت قلب أبوه.

عاصم بقى يقعد بالساعات جنب سريره، مستني اللحظة اللي ابنه يسامحه فيها.

لكن الأطفال مش بينسوا بسهولة.

خصوصًا لما أكتر شخص المفروض يحميهم يقول عن خوفهم دلع.

بعد سنة كاملة

يوسف كان قاعد في الجنينة، بيذاكر، والشمس نازلة بهدوء على وشه.

عاصم قعد جنبه وسأله إنت لسه زعلان مني؟

يوسف سكت شوية وبعدين قال بصوت هادي أكبر من سنه أنا كنت خايف أموت يا بابا وإنت كنت بتقول إني بكدب.

الكلمة دخلت في صدر عاصم كسكينة.

لكن يوسف بصله بعدها وقال بس إنت صدقتني في الآخر.

ولأول مرة من شهور مد إيده الصغيرة وحطها في إيد أبوه.

عاصم وقتها عرف إن الغفران مش لحظة الغفران رحلة طويلة، وثمنها وجع ما بيتنسيش.

أما رحمة

فرفضت تمشي من البيت بعد كل اللي حصل.

يوسف كان بيقول إنها أنقذت حياته.

وعاصم عملها مكافأة كبيرة، لكنها قالت أنا معملتش حاجة أنا بس صدقت طفل كان بيصرخ.

وده كان الفرق كله.

لأن أوقات العيال مش بيبالغوا. العيال بيستنجدوا.

وأسوأ حاجة ممكن يعملها الكبير إنه يسمي الاستغاثة دلع

 

تعليقات

التنقل السريع
    close