توفي شقيقي الأكبر
شقيقى
توفي شقيقي الأكبر أمس… وفي صباح اليوم التالي، وصلني إشعار من البنك يفيد بسحب كافة مدخراتي من حسابنا المشترك، تاركاً لي رصيداً بقيمة “صفر”. وبعد دقائق، اتصلت بي زوجته وقالت جملة لن أنساها ما حييت…
اهتز هاتفي.
مجرد اهتزاز صامت على الطاولة الزجاجية.
كنت أجلس في شقتي المعتمة، وعيناي متورمتان من البكاء طوال الليل. فقدت أخي، سندي الوحيد، وشريكي في كل شيء.
أضأت الشاشة.
رسالة من البنك:
**”تم سحب مبلغ 350,000 دولار أمريكي. الرصيد المتبقي: 0.00″**
تجمدت في مكاني.
هذا الحساب كان يضم جنى عمري. كل قرش كسبته من عملي الطويل في إدارة شركتنا خلف الكواليس، بينما كان أخي “طارق” هو الوجه اللامع أمام الكاميرات والمستثمرين.
أمس فقط، كان طارق يلفظ أنفاسه الأخيرة إثر نوبة قلبية مفاجئة.
واليوم…
أصبحت بلا أخ، وبلا مال.
عشرون عاماً.
عشرون عاماً وأنا أعمل في الظل. أكتب له خطاباته، أصلح أخطاءه الإدارية، وأتنازل عن حقي في الأضواء ليبقى هو “رجل الأعمال الناجح”، فقط لأنني كنت أؤمن أننا كيان واحد.
بعد ثوانٍ فقط، بدأ الهاتف يرن.
الاسم الذي ظهر على الشاشة جعل معدتي تتقلص.
**”دينا”**
زوجة طارق.
أجبت بصوت مبحوح، لم أستطع إخفاء انكساره.
كان صوتها حاداً، وواثقاً.
واثقاً أكثر بكثير من امرأة ترملت للتو.
— شفتي رسالة البنك؟
ابتلعت ريقي بصعوبة.
— دينا… طارق مات البارحة. كيف يمكنكِ التفكير في…
قاطعتني ببرود جليدي:
— طارق كان ذكياً. نقل لي صلاحية الحساب قبل أسبوع. كان يعرف أنكِ ستطالبين بنصف الشركة بعد موته.
شددت قبضتي على حافة الطاولة حتى ابيضت مفاصلي.
— نصف الشركة هو حقي! أنا من أسسها معه!
سمعت ضحكتها الخافتة عبر الهاتف. ضحكة جافة، خالية من أي تعاطف.
— لا يوجد شيء باسمك في الأوراق الرسمية. كنتِ دائماً مجرد “مستشارة” تقبض راتباً. والآن… انتهى دورك.
شعرت بالهواء ينسحب من الغرفة.
وكأن عمري كله كان مجرد كذبة.
وكأنني لم أكن أخته، بل مجرد أداة تم استهلاكها ثم رميها.
لكن دينا لم تنتهِ بعد.
— المحامي أرسل لكِ رسالة. قراءة الوصية وتصفية المتعلقات ستتم اليوم في الرابعة عصراً. تعالي لتوقيع أوراق التنازل النهائية عن حصتك الوهمية… وإلا سأطردكِ حتى من الشقة التي تسكنين فيها، لأنها، للتذكير، مسجلة باسم الشركة.
ثم أغلقت الخط.
بقيت جالسة في الظلام.
نظرت إلى صورة طارق المعلقة أمامي.
كان يضع يده على كتفي ويبتسم، بينما كنت أنظر إليه بفخر.
هل كان يخطط لهذا؟ هل كان يعلم أن زوجته ستلقي بي في الشارع بعد موته مباشرة؟
وقفت ببطء.
ذهبت إلى الحمام وغسلت وجهي بالماء البارد.
المرأة التي نظرت إليّ من المرآة لم تكن الأخت المكسورة التي بكت طوال الليل.
كانت امرأة أدركت للتو أنها وُضعت في زاوية، وليس لديها ما تخسره.
فتحت خزانتي.
تجاهلت الملابس السوداء الفضفاضة التي كنت أنوي ارتداءها حداداً عليه.
وسحبت بزة رسمية رمادية حادة التفاصيل. البزة التي كنت أرتديها في الاجتماعات المغلقة حين كنت أنقذ الشركة من الإفلاس.
لملمت شعري ورفعته بإحكام.
إذا كانت دينا تعتقد أنها استدعت “الموظفة الضعيفة” لتوقيع استقالتها… فهي مخطئة.
أنا من صنع طارق. وأنا من يستطيع هدم ما تركه.
في الرابعة عصراً، دفعت باب مكتب المحامي “عصام”.
كانت رائحة القهوة المرة تملأ المكان.
جلست دينا في صدر الطاولة، ترتدي نظارات شمسية سوداء لم تخفِ ابتسامة الانتصار على شفتيها. وبجانبها شقيقها، الذي كان ينظر إليّ وكأنني حشرة مزعجة.
ابتسم المحامي عصام بارتباك واضح عندما رآني.
— تفضلي يا أستاذة ليلى… تفضلي بالجلوس.
جلست قبالة دينا مباشرة. لم أنزل عيني عن عينيها.
تأففت دينا ونظرت إلى ساعتها المرصعة بالألماس.
— أستاذ عصام، خلينا نخلص. أعطها أوراق التنازل عن ادعاءاتها بالشركة، واقرأ الوصية عشان نعرف الإجراءات.
مسح المحامي قطرات عرق عن جبينه.
كان متوتراً بشكل غير طبيعي.
— سيدة دينا… الأوراق التي تركها المرحوم طارق… معقدة قليلاً.
رفعت دينا حاجبها.
— معقدة كيف؟ كل شيء مسجل باسمه، وبالتالي يؤول إليّ بصفتي الوريثة الوحيدة وزوجته. أليس كذلك؟
فتح المحامي الملف الجلدي الأسود ببطء شديد.
وصوته بدأ يرتجف.
— بناءً على الوصية المسجلة سرياً قبل شهرين…
اعتدلتُ في جلستي. (قبل شهرين؟)
أكمل المحامي:
— يقول المرحوم: “أنا طارق عبد الرحمن، أقر وأعترف وأنا بكامل قواي العقلية… أن كل ما أملكه، من عقارات، وشركات، وأرصدة بنكية… هو في الحقيقة واجهة.”
عقدت دينا حاجبيها بصدمة.
— واجهة؟ واجهة لمَن؟!
تجاهلها المحامي، وابتلع ريقه بصعوبة وهو يقرأ السطر التالي، وعيناه تتهربان من النظر إلينا.
— “وأقر بأنني قمت بتحويل كافة الأصول، والملكيات، وحتى عقد زواجي… كضمانات بنكية لسداد ديون جهة أخرى.”
ساد صمت مميت في الغرفة.
حتى أنا لم أفهم ما يعنيه.
صرخت دينا وهي تضرب الطاولة:
— ديون ماذا؟! من هذه الجهة؟!
رفع المحامي عينيه أخيراً… لكنه لم ينظر إلى دينا.
نظر إليّ أنا.
كانت عيناه مليئتين بالرعب المطلق.
— يكمل المرحوم… “وبما أنني لم أستطع السداد… فإن كل ما أملكه، بما في ذلك حياتي التي قد تنتهي قريباً بشكل يبدو طبيعياً… هو ثمن تأخير الدفع.”
تجمد الدم في عروقي.
لم يمت بنوبة قلبية.
ولم أستوعب حجم الكارثة الحقيقية، إلا عندما قلب المحامي الصفحة، وقرأ السطر الأخير الذي جعل دينا تنهار على الكرسي بلا حراك:
— “وأترك شقيقتي ليلى… بصفتها الكفيل الضامن الوحيد في العقد… لتتحمل العواقب معهم.”
وفي تلك اللحظة بالضبط…
سمعنا صوت خطوات ثقيلة، هادئة، تتوقف خلف باب الغرفة المغلق.
خطوات أشخاص لم يأتوا لقراءة وصية… بل جاؤوا لتحصيل الدين.
انفتح الباب ببطء.
لم يدخل رجال مسلحون، ولم تقتحم الغرفة عصابة بوجوه ملثمة كما يحدث في الأفلام.
دخل رجل واحد.
في منتصف الخمسينيات، يرتدي بدلة كحلية مصممة بعناية فائقة، ويحمل بيده عصا أنيقة بمقبض فضي. كان هادئاً لدرجة تبث الرعب في الأوصال.
خلفه، وقف رجلان ضخمان بوجوه خالية من أي تعبير، سدا مخرج الباب تماماً.
سقط ملف المحامي عصام من بين يديه المرتجفتين وتناثرت أوراقه على الأرض.
أما دينا، فقد تراجعت بكرسيها إلى الخلف حتى اصطدمت بالحائط، وعيناها متسعتان برعب لا يوصف. شقيقها الذي كان ينظر إليّ باحتقار قبل دقائق، كان الآن يحاول كتم أنفاسه المذعورة.
تقدم الرجل ذو البدلة الكحلية بخطوات بطيئة، وتوقف عند رأس الطاولة.
نظر إلى الكرسي الفارغ، ثم ابتسم ابتسامة جليدية.
— طارق كان يحب هذا الكرسي… أليس كذلك؟
لم يجبه أحد.
حتى الهواء في الغرفة بدا وكأنه يرفض التحرك.
نقل الرجل نظره إلى دينا، التي كانت ترتجف كعصفور مبلل.
— السيدة دينا… أرملة طارق. أعتقد أنكِ سحبتِ 350 ألف دولار هذا الصباح؟
انتفضت دينا وبدأت تتحدث بسرعة، بصوت يقطر ذلاً:
— خذوها! خذوا كل شيء! الفلوس، الشقة، الشركة… أنا لا أعرف شيئاً! أنا مجرد زوجة! هو من ورط نفسه، أنا لا علاقة لي بأي ديون!
ضحك الرجل بخفوت.
— الفلوس؟ نحن لا نبحث عن فكة يا سيدة دينا. الـ 350 ألف دولار التي سحبتِها… عادت إلى حساباتنا في جزر الكايمان منذ نصف ساعة. ألم تتفقدي هاتفكِ؟
شهقت دينا وسحبت هاتفها بيدين ترتعشان. نظرت إلى الشاشة، وانهارت تماماً. رصيدها لم يعد صفراً فقط، بل تم تجميد كل بطاقاتها الائتمانية وحساباتها الخاصة.
تجاهلها الرجل تماماً، وكأنها لم تعد موجودة في الغرفة.
ثم التفت إليّ.
التقطت عيناه عينيّ.
كانت نظرته فاحصة، تخترقني، تبحث عن شيء محدد.
— ليلى…
نطق اسمي وكأنه يعرفني منذ سنوات.
لم أتحرك. لم أرمش. كنت أحاول السيطرة على دقات قلبي التي كانت تقرع كطبول حرب داخل صدري.
— أخي مات مقتولاً؟
سألتُ بصوت خرج أثبت مما توقعت.
ابتسم الرجل إعجاباً.
— طارق كان غبياً. طماعاً. ومقامراً فاشلاً. خسر أموالنا في صفقات وهمية ليلمع اسمه في الصحف. أعطيناه فرصة للسداد… لكنه اختار أن يهرب. ولأننا لا نترك ديناً معلقاً… كان لابد من تصفيته. نوبة قلبية… دواء بسيط يوضع في القهوة ولا يترك أثراً في التشريح.
شعرت بغصة مرة في حلقي.
أخي.
الرجل الذي أفنيت عمري لأصنع نجاحه، كان يسرق وحوشاً ليطعم غروره، ثم تركني لمواجهتهم.
اقترب الرجل مني خطوة، واستند بيديه على الطاولة، مقترباً من وجهي.
— لكن طارق فعل شيئاً ذكياً واحداً قبل أن يموت. وضعكِ أنتِ في الصورة كضامن.
— أنا لا أملك شيئاً.
قلتها ببرود.
— بل تملكين كل شيء يا ليلى.
قالها وهو يشير بعصاه نحوي.
— نحن نعرف من كان يدير الشركة حقاً. نعرف من كان يقرأ العقود، ومن كان يصلح كوارث طارق المادية. نحن نعلم أن العقل المدبر وراء كل هذا النجاح الواجهة… كان يجلس في الظل.
ساد صمت ثقيل.
بدأت الصورة تتضح في رأسي.
طارق لم يضعني كضامن لأنه يكرهني… بل لأنه كان يعرف أنني الوحيدة القادرة على إرضائهم. رمى بي إلى التهلكة، لأنه كان يعلم أنني أستطيع السباحة في الدم.
— وما المطلوب الآن؟
سألتُه وأنا أرفع ذقني.
أخرج الرجل سيجاراً من جيبه الداخلي، وقال بهدوء:
— الشركة الآن ملكنا. لكننا لا نجيد الإدارة، ولا نريد لفت الانتباه. أنتِ ستديرين الشركة. ستعملين لدينا. ستسددين ديون شقيقكِ بجهدك وعقلك.
ثم أضاف بنبرة تحمل تهديداً مبطناً:
— أو… يمكنكِ الانضمام إليه. خياران لا ثالث لهما.
نظرت إلى دينا.
كانت تبكي بصمت، منكمشة على نفسها، بلا كرامة، بلا قوة، بلا مال.
ثم نظرت إلى المحامي الذي كان يرتجف في زاويته.
وأخيراً، نظرت إلى صورة أخي في مخيلتي.
لقد استغلني طوال حياته.
سرق عمري، وسرق الأضواء، وفي النهاية، سرق حتى حقي في الحزن عليه.
لكنه، وبطريقة ملتوية ومريضة، منحني اليوم شيئاً لم أكن لأجرؤ على طلبه:
**القوة المطلقة.**
وقفت ببطء.
قمت بتسوية سترتي الرمادية.
ونظرت مباشرة في عيني الرجل ذي البدلة الكحلية.
— أوافق.
قلتها بوضوح.
ابتسم الرجل وابتعد عن الطاولة.
— كنت واثقاً من أنكِ أعقل من شقيقكِ.
— لكن بشروطي.
قاطعته بصوت حاد، جعل حاجبيه يرتفعان دهشة.
— شروطكِ؟ وأنتِ تحت رحمتنا؟
سألني ببرود.
— أنا لست تحت رحمة أحد. أنتم تحتاجون إليّ لغسيل أموالكم وإدارة إمبراطوريتكم الوهمية دون أن يكتشفكم القانون. بدوني، ستسقط هذه الشركة في شهر واحد، وستلفتون انتباه السلطات.
صمت الرجل، منتظراً.
أشرت بإصبعي نحو دينا.
— أولاً: هذه المرأة تخرج من هنا بملابسها التي عليها فقط. لا أموال، لا شقق، ولا تعويضات.
شهقت دينا: — ليلى! أرجوكِ! أين سأذهب؟
لم أنظر إليها حتى.
— ثانياً: المحامي عصام يُعزل من منصبه اليوم. لا أثق في رجال يرتجفون. سأعين فريقي الخاص.
— وثالثاً؟
سأل الرجل وعيناه تلمعان باهتمام حقيقي هذه المرة.
— ثالثاً… أنا لا أعمل “لديكم”. أنا شريكة. لي نسبة من الأرباح الصافية، والقرار الإداري بيدي وحدي. طارق كان مجرد واجهة غبية… أنا لست طارق. وإذا أردتم أن تنجح هذه الشراكة، عليكم أن تعتادوا على التعامل مع سيدة الأعمال ليلى عبد الرحمن.
مرت دقيقة كاملة من الصمت المطبق.
كنت أقف على حافة الهاوية. إما أن يقتلني الآن، أو أولد من جديد.
فجأة…
انفجر الرجل ضاحكاً. ضحكة عميقة ومجلجلة ملأت الغرفة.
ضرب بعصاه على الأرض مرتين، ثم انحنى قليلاً في حركة تحمل احتراماً لم يتوقعه أحد.
— اتفقنا يا شريكتي.
قالها وهو يستدير نحو الباب.
— أرجو أن يكون مكتب طارق مريحاً لكِ. سنبقى على تواصل.
خرج الرجل وخرج حراسه.
بقيت في الغرفة مع دينا المنهارة والمحامي المذعور.
توجهت نحو رأس الطاولة… إلى الكرسي الكبير الذي كان طارق يحتكره.
جلست عليه ببطء.
كان مريحاً جداً.
نظرت إلى دينا، وقلت بصوت هادئ، بارد، كصوت شفرة تقطع الجليد:
— أمامكِ خمس دقائق لتخرجي من شركتي… ولا تريني وجهكِ أبداً.
لم يتبقَ لي أخ.
ولم يتبقَ في قلبي مكان للحزن.
لقد ماتت “ليلى” الطيبة التي تعيش في الظل أمس مع طارق.
أما من تجلس على هذا الكرسي الآن… فهي الجحيم الذي لم يكونوا مستعدين له.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق