جارتى كلمتنى وانا فى الشغل
جارتى كلمتنى وانا فى الشغل
كنت قاعدة في مكتبي في الدور التاسع، قدامي شاشة اللابتوب مفتوحة على تقرير مهم لازم يتبعت قبل آخر اليوم، والتكييف ساقع زيادة عن اللزوم لدرجة إن صوابعي كانت متلجة وأنا بكتب. يوم عادي جداً… أو ده اللي كنت فاكراه.
تليفوني رن.
بصيت للشاشة لقيت: "طنط ميرفت".
جارتي القديمة. الست الوحيدة في العمارة اللي بتعرف كل حاجة قبل ما تحصل أصلاً.
اتجاهلت المكالمة أول مرة.
بعدها بثواني، اتصلت تاني.
وبعدين تالت.
قلبي نغزني فجأة.
استأذنت من الاجتماع وخرجت بسرعة للطرقة ورديت:
"أيوة يا طنط ميرفت؟ خير؟"
لقيتها بتتكلم بصوت واطي ومتوتر:
"إنتِ فين يا بنتي؟"
قلت باستغراب:
"في الشغل… مالك؟"
سكتت ثانية، وبعدها قالت الجملة اللي خلت الدنيا تلف بيا:
"أختك بتنقل حاجتها في شقتك."
افتكرت إني سمعت غلط.
"بتعمل إيه؟"
قالت بسرعة:
"
في عربية نص نقل تحت البيت، وأمك واقفة معاها المفتاح، ومنة بتقول للعمال يحطوا العفش في أوضة النوم الكبيرة."
وقفت مكاني.
حرفياً وقفت.
كل الأصوات حواليا اختفت… صوت الموظفين، صوت التكييف، حتى صوت نفسي.
أنا اسمي إنجي.
عندي 34 سنة.
اشتغلت من وأنا عندي 22 سنة.
اشتغلت كل حاجة تقريباً… ترجمة، خدمة عملاء، شغل إضافي بالليل، كورسات، سفر، ضغط، قلق، وتعب.
كل ده عشان أشتري شقة صغيرة محترمة أقول عليها "بيتي".
الشقة دي مش مجرد أربع حيطان بالنسبة لي.
دي أول مرة أحس إن عندي أمان.
أما أختي منة…
فكانت طول عمرها مختلفة عني تماماً.
منة كانت شايفة إن الدنيا لازم تدلعها.
لو اتضايقت؟ تشتري.
لو زهقت؟ تسافر.
لو اتخانقت مع حد؟ تسيبه.
آخر كارثة عملتها كانت لما خطيبها فسخ الخطوبة بعد ما اكتشف إنها صرفت مبلغ كبير من حسابه من
غير ما تقوله.
ومن ساعتها وهي قاعدة عند أمي طول الوقت متعصبة وبتشتكي إن الحياة "ظالماها".
بس عمري… عمري ما توقعت يوصل بيهم التفكير إنهم يدخلوا شقتي كأنها أوضة زيادة عندهم.
كلمت أمي فوراً.
ردت بعد رنتين، وبصوت طبيعي جداً:
"أيوة يا إنجي."
قلت بهدوء مخيف:
"طنط ميرفت قالتلي إن منة بتنقل حاجتها عندي."
قالت بمنتهى البرود:
"آه، ما أنا كنت لسه هكلمك."
في الخلفية سمعت صوت منة:
"قوليلها الستارة البيج دي تتحط في الريسبشن، هتبقى شيك أوي."
حسيت إن ضغطي طلع السما.
قلت:
"يعني إيه بتنقل حاجتها عندي؟"
أمي ردت وكأنها بتشرح حاجة بديهية:
"يا بنتي ما إنتِ مش قاعدة في الشقة أصلاً غير يومين في الأسبوع، وأختك متبهدلة ومش لاقية مكان ترتاح فيه."
قلت:
"وده يخليكم تدخلوا بيتي من غير إذني؟"
قالت بنبرة ضيق:
"يا إنجي بلاش
أنانية. إنتِ طول عمرك قلبك ناشف مع أختك."
ضحكت.
ضحكة صغيرة خلت أمي تسكت.
يمكن لأول مرة تحس إن فيه حاجة غلط فعلاً.
سألتها:
"مين اداكي المفتاح؟"
قالت بثقة:
"المفتاح الاحتياطي اللي سبتيه عندي. وإحنا أهل، مفيش بينا استئذان."
بصيت قدامي وأنا ساكتة ثواني.
بعدها قلت بهدوء:
"تمام يا ماما."
وقفلت المكالمة.
رجعت مكتبي، قفلت اللابتوب، وخدت شنطتي.
زميلتي سألتني:
"إنتِ ماشية؟"
ابتسمت:
"عندي مشوار مهم."
أول شخص كلمته بعد كده كانت دينا.
محاميتي وصاحبتي من الكلية.
ردت بسرعة:
"خير؟"
حكيتلها كل حاجة في دقيقتين.
وفي آخر المكالمة، سكتت شوية وقالت:
"إنتِ معاكي عقد الملكية وكل الورق صح؟"
قلت:
"كله."
قالت:
"يبقى محدش له حق يدخل الشقة من غير إذنك. وأنا هتصرف."
بعد نص ساعة، كانت بتبعتلي خطوات واضحة أعملها.
أما
أمي…
فكانت لسه بتتصل.
رديت المرة دي وفتحت السبيكر.
قالت بعصبية:
"إنتِ كلمتي مين؟"
قلت بهدوء:
"محاميتي."
سكتت.
بعدها قالت:
"إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟"
رديت:
"لأن الشقة دي مش لعبة."
منة خطفت التليفون منها وقالت بعصبية:
"إنتِ عاملة فيها ضحية ليه؟ دي شقة كبيرة ومش محتاجاها كلها."
ابتسمت وأنا ببص من شباك المكتب على الزحمة تحت:
"بس محتاجاها أو لا… ده قراري أنا."
قالت بسخرية:
"يعني هترميني في الشارع؟"
رديت:
"أنا مرميتكش في أي مكان. أنا بس برفض حد ياخد حقي كأنه طبيعي."
أمي رجعت للتليفون وقالت:
"إنتِ اتغيرتي أوي يا إنجي."
ولأول مرة في حياتي، رديت من غير خوف من زعلها:
"لا يا ماما… أنا بس بطلت أوافق على كل حاجة."
وقفلت المكالمة.
بعد أقل من ساعة، طنط ميرفت بعتتلي فويس وهي بتقول:
"يا بنتي الدنيا مقلوبة تحت… وفي ناس بتسأل على صاحبة الشقة."
عرفت وقتها إن دينا بدأت تتحرك.
وأنا؟
كنت بحجز أول تذكرة طيران راجعة.
طول الطريق وأنا سرحانة.
مش في الشقة.
في كل مرة سكتّ فيها قبل كده.
كل مرة دفعت حساب حد.
كل مرة وافقت عشان "ما نزعلش"
.
كل مرة أمي كانت تقارن بيني وبين منة، وأنا أقول عادي.
يمكن المشكلة ماكنتش في الشقة.
يمكن المشكلة إنهم اتعودوا إن إنجي دايماً هتسكت.
وصلت مصر بالليل.
أول ما العربية دخلت الشارع، لقيت العمارة كلها منورة كأن فيها فرح.
طنط ميرفت أول ما شافتني نزلت تجري عليا:
"حمدالله على السلامة يا بنتي."
ابتسمتلها:
"خير؟"
قالت وهي بتحاول تخبي فضولها:
"أمك ومنة فوق من بعد الظهر، والعمال نزلوا نص العفش تاني."
طلعت الأسانسير وأنا هادية بشكل غريب.
لما باب الشقة اتفتح، لقيت أمي قاعدة على الكنبة، ومنة واقفة في النص ماسكة كوباية عصير وكأنها صاحبة المكان.
أول ما شافتني قالت:
"أخيراً جيتي."
بصيت حواليا.
شنط.
كراكيب.
هدوم.
كراتين مفتوحة.
ريحة بيتي نفسها كانت مختلفة.
أمي قامت وقالت بسرعة:
"بصي يا إنجي، خلينا نتكلم بهدوء."
قلت:
"أنا هادية جداً."
منة عقدت دراعاتها:
"إنتِ عملتي منظرة مالهاش
لازمة."
بصيتلها:
"المنظرة إن حد يدخل بيت مش بيته."
قالت:
"إحنا أهلك."
ابتسمت بهدوء:
"وأنا عمري ما أنكرت ده. بس الأهل برضه بيخبطوا قبل ما يدخلوا."
أمي اتنهدت وقالت:
"يعني عايزانا نمشي دلوقتي؟"
قلت:
"أنا عايزاكم تحترموا إن ده بيتي."
منة رمت الكوباية على الترابيزة وقالت:
"إنتِ شايفة نفسك علينا عشان معاكي فلوس."
ضحكت بخفة:
"لا. أنا بس تعبت عشان أوصل للي عندي."
وساعتها حصلت أول مرة أشوف أمي تسكت ومتعرفش ترد.
قعدت على الكرسي بهدوء وقلت:
"أنا طول عمري بساعد. وطول عمري موجودة. لكن المساعدة حاجة… وإن حد ياخد قرار مكاني حاجة تانية."
أمي بصتلي وكأنها أول مرة تشوفني كبيرة.
وقالت بصوت أهدى:
"إحنا كنا فاكرينك مش هتزعلي."
قلت:
"عشان اتعودتوا إني بسكت."
الصمت اللي حصل بعدها كان غريب.
مش خناق.
مش صريخ.
بس لحظة كل واحد فينا فهم فيها حاجة.
منة بصت حوالين الشقة، وبعدها قالت
بعصبية مخلوطة بإحراج:
"يعني أعمل إيه دلوقتي؟"
بصيتلها شوية.
ورغم كل حاجة… مقدرتش أقسى.
قلت:
"أنا ممكن أساعدك تلاقي مكان مؤقت. وممكن أساعدك تبدأي شغل. لكن مش هينفع تاخدي حياتي الجاهزة وتسكنيها."
أمي قالت بهدوء:
"إنتِ فعلاً اتغيرتي."
ابتسمت وأنا ببص على بيتي:
"يمكن… بس التغيير ده جه متأخر."
بعد ساعتين، كانت الشقة رجعت فاضية تاني.
العمال نزلوا الكراتين.
وأمي قبل ما تمشي وقفت عند الباب وقالت:
"حقك علينا."
الجملة كانت بسيطة.
لكنها كانت أول اعتذار حقيقي أسمعه منها من سنين.
قفلت الباب بعد ما مشيوا.
وسندت ضهري عليه.
بصيت حواليا.
الهدوء رجع.
اللمبة الصفراء الدافية في الريسبشن.
ريحة القهوة اللي كنت بسيبها في البرطمان.
الستارة اللي اخترتها بعد شهر كامل لف.
كل حاجة رجعت مكاني.
وفي اللحظة دي، فهمت إن البيت مش بس ملكية مكتوبة في عقد.
البيت هو المكان اللي محدش يقرر فيه
عنك.
ويمكن أهم حاجة اتعلمتها في الليلة دي…
إن وضع الحدود مش قسوة.
وإن الإنسان لما يحافظ على حقه، ده مش معناه إنه بيكره أهله.
ده بس معناه إنه أخيراً… احترم نفسه.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق