ماتت زوجتي أثناء الولادة… وكرهت ابنتي حتى سمعت التسجيل الصادم
ماتت زوجتي أثناء الولادة… وكرهت ابنتي حتى سمعت التسجيل الصادم
جاء صوت ليان خافتًا ومبحوحًا، وفيه تلك الرجفة التي كنت أعرفها جيدًا عندما كانت تحاول ألا تبكي.
وقفت متجمّدًا بجانب المهد، أمسك الهاتف كأنه شمعة مشتعلة. لم تعد ألين تبكي. كانت ترفع معصمها الصغير، والسوار الأحمر يلمع بخفوت في الظلام.
تابع الصوت
لا تغضب من أمي أنا طلبت منها ألا تقول شيئًا حتى تكون مستعدًا. وكنت أعرف أنك لن تكون مستعدًا في اليوم الذي دفنوني فيه.
شعرت كأن ضربة أصابت صدري.
حماتي.
كانت تأتي إلى البيت كل عصر، بمسبحتها، وعينيها المتورمتين من البكاء، ووشاحها الأسود. كنت أسمح لها بالدخول لأنني كنت أشعر بالذنب إن منعتها. لكنني لم أتخيل أنها لمست أشياء ليان.
قالت ليان
حسام حبيبي اسمع التسجيل كاملًا. لا توقفه. لا ترمِ الهاتف. ولا تخرج هاربًا كما تفعل دائمًا عندما يؤلمك شيء.
وضعت يدي على فمي.
حتى بعد رحيلها كانت تعرفني.
قالت
ألين لم تقتلني. ابنتنا لم تأخذ مني شيئًا. أنا كنت في خطر قبل ذلك.
بدأت الغرفة تدور حولي. جلست على الكرسي بجانب المهد، ذلك الكرسي الذي كانت ليان تقول إنها سترضع عليه ابنتنا وهي تضع بطانية فوق كتفيها. صرّ الخشب تحت وزني، وحرّكت ألين قدميها داخل غطائها الصغير.
قالت ليان
في الأسبوع الثاني والثلاثين، أخبروني أن هناك مشكلة. لم أخبرك
لأنني في اليوم نفسه رأيتك تبكي في المطبخ وأنت تختبئ، بينما كنت تركّب مهدها. قلت يومها إنك لأول مرة في حياتك تشعر أن الله يمنحك شيئًا نقيًا.
أغمضت عيني.
رأيت نفسي هناك، والمفك في يدي، أتظاهر بأن شيئًا من الغبار دخل في عيني.
قالت
كنت جبانة نعم. لكنني كنت أمًّا أيضًا. والأم تتخذ أحيانًا قرارات لا يفهمها أحد. قالوا لي إنهم سيحاولون إنقاذنا معًا، لكن ربما لا ينجو أحدنا. وقّعت. وطلبت منهم إن تعقّد الأمر أن ينقذوا ألين أولًا.
خرج صوت من حلقي.
لم يكن بكاءً.
كان شيئًا أقبح شيئًا مكسورًا.
همست ليان
لم أفعل ذلك لأنني أردت أن أتركك وحدك. فعلته لأنني كنت أحبها بالفعل. ولأنك كنت تحبها أيضًا، حتى إن كنت لا تستطيع أن تشعر بذلك الآن. كل ليلة كنت تتحدث إلى بطني، وكانت تتحرك عندما تسمع صوتك. تلك الصغيرة كانت تعرفك يا حسام.
فتحت ألين فمها، لكنها لم تبكِ. أصدرت صوتًا صغيرًا فقط، كأنه تنهيدة.
قالت ليان
اشتريت ذلك السوار الأحمر من القاهرة، أتذكر؟ من ذلك المحل الصغير الممتلئ بالتمائم والقطع الملوّنة والعرائس اليدوية. كنت تسخر مني لأنني قلت إنه سيحميها من العين، لكنك قبّلته عندما ظننت أنني لا أراك.
غطيت وجهي بيدي.
نعم، كنت أتذكر.
كانت ليان تساوم امرأة عجوزًا ذات ضفائر بيضاء في
سوق قديم، بينما كانت رائحة القهوة والمكسرات المحمصة والمطر على الحجارة القديمة تملأ الهواء. حين قالت لي
لا تضحك يا حسام هذه الصغيرة ستحتاج إلى كل الحماية في العالم.
فأجبتها
لديها أنا.
يا لي من أحمق.
كان لديها هي.
ثم لم يعد لدي أحد.
تابعت ليان
طلبت من أمي، إن رحلت أنا ولم تستطع أنت النظر إليها، أن تنتظر ستة أسابيع. ستة أسابيع يا حسام. لأنني قرأت مرة أن الطفل في هذا العمر يبدأ بالتعرف إلى الصوت والظل والحضور بشكل أفضل. ولأن البيت بعد ستة أسابيع يفرغ من الناس الزوار، والطعام، وكلمات كن قويًا. عندها تبدأ الوحدة الحقيقية.
وضعت الهاتف على جبيني.
قالت
طلبت منها أن تضع السوار في معصمها عندما تكون أنت على حافة الضياع. أمي تعرف كيف تقرأ الألم. تعلمت ذلك معي. وطلبت منها أن تترك هاتفي تحت وسادة ألين مع هذا المنبه. أنا لست شبحًا يا حبيبي ليس بعد.
ضحكت ليان ضحكة خفيفة.
تلك الضحكة مزقتني.
مع أنني لو استطعت أن أشد أذنيك من حيث أنا، لفعلت ذلك منذ زمن.
ضحكت من بين دموعي.
كانت ضحكة موجعة وجميلة في الوقت نفسه. أول ضحكة تخرج مني منذ يوم المستشفى.
تحركت ألين بقلق، فحملتها بارتباك. كانت دافئة، خفيفة، حيّة. كان رأسها تفوح منه رائحة الحليب وصابون الأطفال. ضممتها إلى صدري، فألقت
خدها على قميصي.
قالت ليان
لا تسمّها البنت. اسمها ألين، لأنني كنت أشعر دائمًا أنها ستجلب شيئًا جديدًا. حتى لو وُلدت وسط العاصفة. حتى لو كان مجيئها مؤلمًا. ألين بالنسبة لي بداية جديدة، كأرض تتفتح بعد مطر طويل.
نظرت إلى وجهها.
قلت لأول مرة
ألين.
خدشت الكلمة لساني أولًا ثم داوته.
تابع التسجيل
ستريد أن تلوم نفسك. لا تفعل. ستريد أن تلوم الأطباء، وأمي، والله، وأنا. افعل ذلك لبعض الوقت إن احتجت. لكن لا تلُمها هي. لقد خرجت إلى الحياة وهي تقاتل، كما كنت أنا أقاتل. وإذا كنت تسمع هذا عند الثالثة واثنتي عشرة دقيقة، فلأن هذا هو الوقت الذي سمعت فيه بكاءها لأول مرة. وهو أيضًا الوقت الذي عرفت فيه أنها ما زالت حيّة.
ابتلعت بصعوبة.
قالت ليان
أنت لم تكن في غرفة العمليات يا حسام. لم ترَ ما رأيته أنا. سمعتها تبكي وفكرت لقد وصلت. لم أفكر أنا أرحل. فكرت فقط ابنتنا هنا. كان هناك خوف، نعم لكن كان هناك سلام أيضًا.
أمسكت ألين بجزء من قميصي بأصابعها الصغيرة. كانت قوتها مضحكة، ومع ذلك شعرت أنها هي التي تمسكني.
قالت ليان
هناك فيديو آخر في المعرض. لا تشاهده الآن إن لم تستطع. لكن عدني بشيء. عندما ينتهي هذا التسجيل، لا تعدها إلى المهد. احملها. حتى لو أغضبك ذلك. حتى لو شعرت أنك لا تعرف كيف. حتى لو بكيت فوقها. الأطفال لا ينكسرون من دموع آبائهم بل
ينكسرون من الهجر.
انتهى التسجيل بصمت طويل.
ثم سُمعت قبلة.
أحبك. اعتنِ بيديها. لديها أصابعك.
انطفأت الشاشة.
وعادت الغرفة إلى ظلامها الكامل.
لكن الظلام لم يعد كما كان.
بدأت ألين تئن بخفوت. خفت كعادتي، لكن هذه المرة لم أشعر بالغضب. شعرت بالخوف. خوف صافٍ وكبير من أنني لا أعرف ماذا أفعل.
سألتها
هل أنتِ جائعة؟
انكمش وجهها الصغير.
قلت
لا أعرف أنا آسف. أنا أتعلم.
نهضت وهي ملتصقة بصدري، وذهبت إلى المطبخ. حضرت زجاجة الحليب بيدين مرتجفتين. سكبت الماء، أخطأت في الكمية، ثم بدأت من جديد. وبينما كان الحليب يسخن، نظرت إلى صورة ليان بفستانها الأصفر.
هذه المرة لم أهرب بعيني.
همست
لقد تركتها لي وأنا كنت أتركها وحدها.
شربت ألين الحليب بنهم. كانت وجنتاها تتحركان بسرعة، ممتلئتين بالحياة. نظرت إليها كأنني أراها للمرة الأولى. وربما كانت تلك فعلًا هي المرة الأولى.
رأيت انحناءة أنفها، والعلامة الخفيفة قرب أذنها، ورموشها التي تكاد لا تُرى. رأيت ليان في جبينها. ورأيت نفسي في أصابعها.
وعندما انتهت، وضعتها على كتفي.
سمعت صوت أمي في ذاكرتي يقول
اجعلها تتجشأ يا غبي.
ربتُّ على ظهرها برفق، فأطلقت ألين تجشؤًا صغيرًا.
ضحكت وقلت
يا للأناقة يا آنسة ألين.
كان البيت ما يزال تفوح منه رائحة الحزن، لكن شيئًا ما تغيّر. شيء صغير، كنافذة فُتحت قليلًا.
جاء
الصباح ولم أكن قد تركتها من ذراعي.
في السابعة، أدخلت حماتي المفتاح في الباب. وجدتني في غرفة الجلوس، أحمل ألين، وكانت هي تحمل كيسًا من الخبز الحلو وعينين مستعدتين ليوم جديد من الحداد.
توقفت مكانها عندما رأتني أحمل ألين.
لم تقل شيئًا.
ولا أنا قلت.
ثم رفعت معصم ابنتي وأشرت إلى السوار الأحمر.
بدأت حماتي تبكي.
قالت
هي طلبت مني ذلك. جعلتني أقسم ألا أخبرك قبل الوقت. أردت أن أعطيك الهاتف يوم الجنازة يا بني، لكن ليان قالت لا حسام يجب أن يصل إلى الحافة حتى يستطيع أن يسمعني.
شعرت بالخجل.
سألتها
هل كنت أبدو بهذا السوء؟
وضعت الكيس جانبًا وقالت
كنت تبدو ميتًا يا بني لكنك ما زلت تتنفس.
أصدرت ألين صوتًا صغيرًا.
تقدمت حماتي خطوة، ثم توقفت، كأنها تخاف أن أجعل ابنتي حاجزًا بيننا من جديد. فقرّبتها منها.
قلت
هل تريدين حملها؟
وضعت يدها على صدرها.
هل ستسمح لي؟
أومأت.
وحين استقرت ألين بين ذراعيها، أغمضت المرأة عينيها وبدأت تدعو بصوت خافت. لم تكن صلاة رسمية. كانت صلاة جدة. تلك الصلاة التي لا تطلب معجزات كبيرة، بل تطلب فقط أن يأكل الطفل، وينام، ولا يمرض.
ذهبت إلى الغرفة وفتشت هاتف ليان. كان في المعرض فيديو مسجل قبل الولادة بيومين. احتجت إلى ما يقارب الساعة حتى جمعت شجاعتي.
على الشاشة، ظهرت جالسة على سريرنا، وبطنها كبير، وضفيرتها مرتخية.
كانت متعبة. وكانت جميلة.
قالت وهي تنظر إلى الكاميرا
مرحبًا يا ألين. أنا أمك. إذا رأيتِ هذا يومًا، أريدك أن تعرفي أنكِ كنتِ مرغوبة. مرغوبة جدًا. أبوك كان يتظاهر بالجدية، لكنه اشترى لك ثلاثة أزواج متشابهة من الجوارب لأنه لم يعرف أي لون سيعجبك.
غطيت فمي.
تابعت
وأريدك أن تعرفي شيئًا عنه. أبوك لم يولد وهو يعرف كيف يحب. كان ذلك صعبًا عليه. أحيانًا يغلق على نفسه. أحيانًا يصبح قاسيًا. لكنه من الداخل طيب جدًا. اصبري عليه يا ابنتي. وعندما يخطئ، لأنه سيخطئ، انظري إليه بتلك العينين اللتين لم أرهما بعد. أنا متأكدة أنه سيضعف أمامهما.
لم أستطع متابعة الفيديو.
انحنيت فوق السرير وبكيت كما لم أبكِ حتى عند القبر. بكيت على ليان، وعلى ألين، وعلى الرجل القاسي الذي كنتُه طوال ستة أسابيع. بكيت على كل زجاجة حليب قدمتها بلا حب، وعلى كل مرة تركتها تبكي دقائق إضافية لأنني أردت أن أعاقب أحدًا. بكيت حتى شعرت أن جسدي أصبح فارغًا.
ثم سمعت ألين تبكي في غرفة الجلوس.
كانت رغبتي الأولى أن أهرب.
والثانية أن أمنع نفسي.
تنفست وقلت
أنا قادم يا ابنتي.
ابنتي.
خرجت الكلمة وحدها.
ولم تكسرني.
بل جمعتني.
كانت الأيام التالية مرتبكة. لم أصبح أبًا جيدًا بين ليلة وضحاها. سيكون ذلك كذبًا. الذنب ليس بابًا تعبره. إنه بيت كامل عليك أن تنظفه غرفة غرفة.
تعلمت كيف أحممها
دون أن أشعر أنها ستنزلق من يدي. تعلمت أن بكاءها يختلف حين تكون جائعة، وحين تكون نعسانة، وحين تريد فقط أن تُحمل. وتعلمت أن أظافرها تنمو كتهديدات صغيرة.
نظرت إليّ أمي باستغراب ذات عصر، وأنا أغني لألين بينما أطوي ملابسها الصغيرة.
قالت
ماذا حدث لك الآن؟
قلت
الخجل وقلة النوم.
فقالت
هذه هي الأبوة.
استمرت حماتي في المجيء، لكنها لم تعد تجلس قرب المهد كحارسة للحزن. أصبحت تعد المشروبات الساخنة، وتوبخني لأنني لا آكل، وتحكي لألين عن ليان.
كانت تقول لها
أمك كانت ترقص حتى على صوت الخلاط. كانت تحترق من الطعام الحار ثم تطلب المزيد. وكانت تقول إن أباك وجهه عابس، لكن قلبه قلب كلب صغير تم إنقاذه من الشارع.
كنت أتظاهر بالانزعاج.
أما ألين فكانت تفتح عينيها كأنها تفهم كل كلمة.
في يوم أحد، عندما أصبحت في شهرها الثالث، أخذتها إلى السوق القديم في القاهرة. لم يكن الأمر سهلًا. كل شيء هناك كان ممتلئًا بليان. المكان الذي اشترينا منه السوار. المقعد الذي اشتهت عنده طعامًا. الشارع المبلل الذي قالت لي فيه إنها إن رحلت قبلي، لا تريدني أن أتحول إلى تمثال. قلت لها يومها
لا تقولي كلامًا فارغًا.
لكن ليان نادرًا ما كانت تقول كلامًا فارغًا.
مشيت وألين ملتصقة بصدري، ملفوفة ببطانية صفراء. كانت البالونات تلمع فوق الممرات، والموسيقيون يعزفون لحنًا حزينًا، والأطفال يركضون بأيدٍ ملطخة بالحلوى.
توقفت أمام كشك الحِرف.
كانت المرأة نفسها، ذات
الضفائر البيضاء، هناك، ترتب الأساور والقطع المعدنية الصغيرة. نظرت إلى ألين، ثم إلى السوار الأحمر.
قالت
بعت هذا السوار لامرأة حامل. بكت وهي تشتريه.
شعرت بغصة.
قلت
كانت زوجتي.
قالت المرأة
والطفلة؟
قلت
هي ألين.
ابتسمت المرأة بحنان مؤلم.
قالت
إذن نجح.
سألتها
ما الذي نجح؟
لمست القطعة الصغيرة بإصبعها المجعد وقالت
لم يكن السوار ليمنع الموت يا بني. لا أحد يبيع ذلك. كان فقط كي يجد الحب طريقه للعودة.
لم أعرف ماذا أقول.
اشتريت سوارًا آخر لنفسي.
ربطته المرأة حول معصمي الأيسر بثلاث عقد.
قالت
عقدة لمن رحلت. وعقدة لمن جاءت. وعقدة لك كي لا تضيع مرة أخرى.
في ذلك العصر أخذت ألين إلى مسجد قديم قريب. لم أذهب لأنني أعتقد أن الله مدين لي بتفسيرات. لم أعد أريد التفسيرات. كنت أريد أن أتعلم كيف أعيش من دونها.
كان الناس يدخلون حاملين الدعوات والصور والآمال. وفي الخارج كانت رائحة الطعام والبخور والحجر الساخن تملأ المكان.
وقفت في الخلف. لم أعرف كيف أدعو بكلمات جميلة. لم أعرف ذلك أبدًا. ضممت ألين وقلت الشيء الوحيد الذي أملكه
احفظها وأخبر ليان أنني حملتها.
فتحت ألين عينيها. لامس الضوء وجهها. ولثانية واحدة بدت عيناها كأنهما ذهبيتان. ثم ابتسمت.
ابتسامتها الأولى.
لم تكن غازات.
لا يهمني ما يقولون.
كانت ليان تجيبني.
مرّت الشهور.
توقف البيت عن كونه مقبرة. احتفظت ببعض أشياء
ليان، لا كلها. بقي فستانها الأصفر معلقًا خلف باب غرفتي، لا لأبكي عليه، بل لير remindني أننا كنا سعداء حقًا ذات يوم.
دهنت غرفة ألين بسحب غير متقنة. وعلى أحد الجدران علّقت صورًا ليان وهي حامل. ليان تأكل في الشارع عند منتصف الليل. ليان نائمة ويدها على بطنها. ألين وهي مولودة. ألين والحليب على ذقنها. ألين وهي تقبض على إصبعي.
وتحت الصور كلها كتبت
وصلتِ مع العاصفة وبقيتِ مثل بداية جديدة.
لم يختفِ الذنب.
أحيانًا، عندما تبكي ألين كثيرًا، وأكون قد قضيت ثلاث ليالٍ بلا نوم، كان ظل قديم ينهض في صدري. الغضب نفسه. الصوت الفاسد نفسه. لكنني كنت أنظر إلى السوار الأحمر. سوارها وسواري. وأتنفس.
كنت أقول لها
ليس ذنبك.
مع أنني في الحقيقة كنت أقولها لنفسي أيضًا.
لم يكن ذنبك.
في المرة الأولى التي أصابتها الحمى، كدت أفقد عقلي. أخذتها إلى الطوارئ ومعي بطانية، وثلاث زجاجات حليب، وملابسان احتياطيان، وخوف كامل لأب جديد.
قالت الطبيبة إنها عدوى بسيطة.
بكيت أمامها.
قلت
آسف لكن أمها ماتت في المستشفى.
وضعت الطبيبة قلمها جانبًا. لم تقل لي اهدأ. لأن هذه الكلمة لا تنفع عندما يكون الإنسان خائفًا. قالت فقط
إذن سأشرح لك كل شيء خطوة بخطوة.
وفعلت.
في تلك الليلة، بينما كانت ألين نائمة على صدري، فهمت شيئًا.
أنا لم أكره ابنتي.
كرهت أنها كانت تحتاج إليّ بينما كنت أريد أن أختفي.
كرهت أن
حياتها كانت تجبرني على الاستمرار.
كرهت أن ليان تركت بين ذراعي أجمل دليل على أن الحب لا يُدفن كاملًا.
احتفلنا بعيد ميلاد ألين الأول في البيت. أحضر الجميع الطعام. وضعنا بالونات صفراء في غرفة الجلوس لأن ليان كانت تحب ذلك اللون. ضربت ألين الكعكة بيدها بجدية قاضٍ. ضحك الجميع. وضحكت أنا أيضًا.
في المساء، بعدما غادر الضيوف، جلست على الأرض مع ابنتي. كان السكر يلطخ شعرها، والنعاس يملأ عينيها.
شغلت هاتف ليان. كانت البطارية لا تصمد طويلًا الآن، لكنه ما زال يعمل. فتحت الفيديو الأخير، ذلك الذي تعلمت أن أشاهده من دون أن أنهار تمامًا.
زحفت ألين نحو الشاشة.
ظهرت ليان.
قالت
مرحبًا يا ألين.
توقفت ابنتي. لمست الشاشة بيدها الصغيرة الملطخة بالحلوى.
ثم تمتمت
ماما.
توقف العالم.
لا أعرف إن كانت كلمة حقيقية. لا أعرف إن كانت مصادفة. لا أعرف إن كان الراحلون يُسمح لهم بالعودة لحظة عبر أفواه الأطفال.
كل ما أعرفه أنني أصدرت أنينًا صغيرًا، فاعتذرت لها وأنا أضحك وأبكي.
قلت
نعم يا حبيبتي هذه ماما.
في تلك الليلة، عندما وضعتها في سريرها، رفعت ألين يدها كما فعلت في ذلك الفجر الأول. كان السوار الأحمر قد أصبح ضيقًا قليلًا. سأحتاج إلى تغييره قريبًا.
قبلت معصمها وهمست
شكرًا لأنك بقيتِ.
نظرت إليّ ألين بعيني ليان.
ثم أغمضت جفنيها.
لم تكن هناك موسيقى. ولا أضواء غريبة. ولا صوت من الموتى.
فقط ابنتي تتنفس.
ولأول مرة منذ ذلك المستشفى، لم يبدُ صوت أنفاسها ظلمًا لي.
بدا معجزة.
أطفأت المصباح وجلست بجانب المهد. ليس لأنني أخاف أن أفقدها، بل لأنني أردت أن أراها وهي تعيش.
عند الثالثة واثنتي عشرة دقيقة فجرًا، رن هاتف ليان مرة أخرى.
لم أكن قد ضبطت شيئًا.
نهضت ببطء، وقلبي يضرب بين أضلعي. كان الهاتف فوق الخزانة يضيء كيراعة قديمة.
لم يكن هناك تسجيل جديد.
ولا رسالة.
فقط ظهرت صورة لم أرها من قبل.
ليان في المستشفى، ترتدي ثوبًا أزرق، وشعرها مربوط إلى الخلف. كانت شاحبة ومتعبة، لكنها كانت تبتسم.
وفي ذراعيها كانت تحمل ألين المولودة حديثًا.
وعلى ظهر الصورة الرقمية، كان هناك تعليق كتبته ليان
كي لا تنسى أبدًا أنني لم أرحل خاسرة بل رحلت وأنا أحب.
ضغطت الهاتف إلى صدري.
نظرت إلى ألين وهي نائمة.
ثم رفعت عيني إلى السماء المظلمة خلف النافذة.
قلت بهدوء
فهمت الآن يا ليان متأخرًا، لكنني فهمت.
تنهدت ألين.
وبدا البيت كله كأنه يستريح.
ومنذ ذلك اليوم، أستيقظ كل ليلة عند الثالثة واثنتي عشرة دقيقة. أحيانًا من العادة. وأحيانًا لأن ألين تناديني. وأحيانًا لأن الألم ما زال يعرف كيف يطرق الباب.
لكنني لم أعد أدخل غرفتها غاضبًا.
أدخل حافي القدمين، نعم.
متعبًا، نعم.
بعينين مرهقتين، وبخوف، وبحياة متشابكة لا أفهمها دائمًا.
لكنني أدخل كأب.
أنحني فوق المهد، أعدل بطانيتها، أتفقد سوارها الأحمر الصغير، وأقول لها ما كان يجب أن أقوله منذ أول صرخة
لها
أنا هنا يا ألين أبوك هنا.


تعليقات
إرسال تعليق