تنضيفه العيد كامله
تنضيفه العيد كامله
اتصلت على ابنى قولتله مش معايا فلوس اجيب واحده تنضفلى الشقه والشقه متبهدله عايزاك تبعتلى مراتك تنضفلى الشقه وتغسلى السجاجيد
رد عليا وقالي: “يا أمي، عينيا ليكي والله، بس إنتي عارفة إن مراتي لسه راجعة من الشغل وتعبانة، وشغل البيت كمان هيدوس عليها جامد، وخصوصاً غسيل السجاجيد ده مجهود كبير.. ممكن تبعتى لحد من اخواتى يساعدوكى وهى لما تخلص الشقه هنا تيجى تساعدنى
أنا أول ما سمعت الكلام ده، دمي غلي في عروقي وحسيت بغصة في قلبي. قولت في بالي: “بقى ده اللي كبرته وسهرت عليه؟ بيقدم راحة مراته على راحتي أنا أمه؟”
روحت رادة عليه بنبرة كلها زعل وعتاب: “بقى كدة يا ابن بطني؟ مستخسر فيا مساعدة مراتك؟ أنا اللي شيلتك وتعبت فيك، دلوقتي لما كبرت ومبقاش معايا صحة ولا فلوس تجيب حد يساعدني، تكسر بخاطري كدة؟ ماشي يا بني، كتر خيرك، سيبني في غلبتي مع الشقة المتبهدلة، والله غني عنكم وعن مساعدتكم.”
روحت مكملة كلامي قبل ما يديني فرصة يقاطعني، وقولتله بقهر: “أبعت لمين من إخواتك يا فالح؟ إخواتك اللي كل واحد فيهم غرقان لشوشته؟ كلهم بيخلصوا شقههم وبيجهزوا شنكهم عشان هيسافروا في العيد.. كلهم مش فاضيين ومطحونين في دنيتهم! إنما مراتك المصونة إيه المشكلة يعني لما تيجي بعد ما تخلص شغلها؟ الشغل مش هيهرب، إيه يعني لما تيجي وتضغط على نفسها شوية عشان خاطر حماتها اللي زي أمها؟”
واسترسلت في الكلام وأنا بحاول أهدي نبرة صوتي بس لسه فيها لوم: “وبعدين أنا مش جايباها سخرة يا حبيبي.. دي هتيجي بيت حماتها، وبالمرة وهي بتنضف تعملنا لقمة حلوة كدة نتغدى بيها سوا، ونقعد كلنا مع بعض ونلم الشمل.. هو أنا غريبة عنها ولا ده بيت غريب؟ ده بيت جوزها وأم جوزها! ولا هي خلاص بقيتوا تشوفوا طلباتي تقيلة وعايزين تتهربوا مني بأي حجة؟”
روحت نازلة عليه بالكلمة اللي توجع، وقولتله بنبرة كلها تهكم: “ولا هي المحروسة ممشياك على مزاجها يا ابن بطني؟ ومبقتش قادر تطلب منها حاجة ولا تكسر لها كلمة عشان بتشتغل وبتسند معاك في المصاريف؟”
كملت وأنا بسخن الكلام أكتر: “جرى إيه يا ابن قلبي؟ من إمتى والراجل بيكش من مراته ومبيقدرش يمشي كلمته عليها عشان قرشين بتجيبهم؟ ده أنا اللي مربياك وعارفاك طول عمرك صاحب كلمة، تيجى لحد عندي وتعملي فيها حنين وخايف على تعبها؟ قولي صراحة كدة إنك بتخاف من زعلها ومتقدرش تفتح بقك معاها، بدل ما تتحججلي بإخواتك وسفر العيد! الراجل راجل في بيته يا بني، والست الأصيلة تشيل أهل جوزها في رمش عينيها، مش تقعد في بيتها وتتمنع عن مساعدة أمه!”
سكتت وأنا بنهج من العصبية، مستنية الكلمة تقع في جنابه وتخليه يحس إنه صغر في نظر أمه..
خلاص يا أمي.. وحياة دموعك وغلاوتك عندي بلاش تدعي عليا، أنا مقدرش على غضبك ولا زعلك.. حاضر، هبعتهالك تنضفلك الشقة وتعملك كل اللي إنتي عايزاه، متزعليش نفسك واهدي.”
أنا أول ما سمعت كلمته دي، نار قلبي هديت شوية وحسيت إني انتصرت، وقولتله بنبرة لسه ناشفة: “هو ده العشم يا بني، وده اللي أنا مستنياه منك.. هستناها تيجي.” وقفلنا الخط.
بعدها مكدبتش خير واستنيت مراتى تيجى من الشغل وطلبت منها تروح لامى تنضفلها الشقه وتغسلها السجاجيد
أحمد قفل التليفون وهو حاطط إيده على دماغه، مخنوق والدنيا لفت بيه.. كلام أمه وتلقيحها عليه إنه “مش راجل في بيته” كان لسه بيرن في ودنه وبيأكل في كرامته.
دخل الصالة لقى مراته لسه راجعة من شغلها، قالعة جزمتها وبتفرك في رجليها من التعب، وبتلم شعرها لورا وبتقوله بتعب: “حمد الله على السلامة يا حبيبي.. هغير هدومي بسرعة وأقوم أشوف هعمل لقمة إيه ناكلها، أنا ميتة من الفرهدة النهاردة في الشغل.”
أحمد وقف قدامها، ملامح وشه جامدة ومشدودة، وبلع ريقه وصوته طلع ناشف على غير عادته وقالها: “سيبك من الأكل هنا دلوقتي يا رانيا.. إنتي هتغيري هدومك وتنـزلي تروحي لأمي.”
رانيا بصلته باستغراب وعدلت قعدتها: “أروح لماما دلوقتي؟ ليه في حاجة تعباها ولا مالها؟”
أحمد بصلها وربع إيده وقال بنبرة فيها أمر وعناد عشان يداري كسرة نفسه: “لا مش تعبانة.. الشقة عندها متبهدلة وعايزاكي تنضفيهالها من الإبرة للصاروخ، وتغسلي السجاجيد عشان العيد، وبالمرة تعمليلنا لقمة نتغدى بيها كلنا هناك!”
رانيا لفت وشها ليه وصدمة مالت عينيها، وقامت وقفت وقالتله بصوت مش مصدق: “إنت بتتكلم جد يا أحمد؟! غسيل سجاجيد وتنضيف شقة كاملة دلوقتي؟ وأنا راجعة مش شايلاني من التعب؟!”
بص لها أحمد، وحاول يبلع ريقه وينزل من حدة نبرته عشان يهدي الأمور، وقرب منها وقال بصوت فيه محايلة: “رانيا، افهميني بس، أمي تعبانة ومافيش حد غيرنا، وأنا بجد مش قادر أسمع صوتها وهي بتعيط في التليفون.. خدي بكرة إجازة من الشغل، وروحي لها.. والله ما هنسى لك الوقفة دي أبداً، هي محتاجة حد معاها دلوقتي.”
رانيا بصت له وعينيها مليانة استفهام ووجع، وقالت له بصوت مرتعش: “أحمد، أنت عارف إني بقالي شهر مضغوطة في الشغل ومحتاجة يوم الإجازة ده عشان أرتاح، وبعدين فين إخواتك؟ ليه هما دايماً بره الصورة؟ هما مش ولادها برضه؟ ولا هي جت عليا أنا بس؟”
أحمد اتنهد تنهيدة طويلة، وبص في الأرض عشان يتفادى نظراتها اللي بتكشف حيرته، وقال لها بصوت واطي ومكسور: “إخواتي… إخواتي مشغولين يا رانيا، كل واحد فيهم لاهي في بيته وتجهيزات سفره للعيد، ومحدش فاضي يشيل الهم ده.. ما تضغطيش عليا أكتر من كدة، أرجوكي، الموضوع مش مستاهل، كلمة وهتقوليها وخلاص.”
رانيا سكتت تماماً، ملامح وشها اتغيرت من الاستغراب للذهول.. حست إنها لوحدها في مواجهة مش بس حماتها، لكن كمان جوزها اللي بدأ يتخلى عن إنصافها عشان يرضي أمه بأي تمن.
رانيا ضحكت ضحكة كلها مرار، وهزت راسها مش مصدقة وقالتله: “لاهيين في بيوتهم وتجهيزات سفرهم؟ يعني إخواتك ولاد بطنها لاهيين في الفسح والخروج، وأنا الغريبة اللي المفروض أنزل أتهد في غسيل السجاجيد والترويق في يوم إجازتي الوحيد اللي بنام فيه؟”
أحمد ملامحه اتشدت تاني وحس إن كلامها بيحشره في الزاوية، فقال بزعل وعصبية مكتومة: “جرى إيه يا رانيا؟ قولتلك أمي بتبكي، وأنا مش هبقى ابن عاق عشان يوم إجازة! اعتبريها ستي يا ستي، اعتبري نفسك بتعملي ثواب.. هي الكلمة هتمشي بكرة وخلاص، هتقطعي عيشك يعني لو خدتي إجازة عارضة بكرة؟”
رانيا بصت له وكأنها بتكتشف شخص تاني واقف قدامها، وقالت بنبرة حاسمة وصوت هادي بس قوي: “أنا مش هقطع عيشي يا أحمد، بس هقطع كرامتي وصحتي.. أنا بحترم مامتك وبحبها، وبشيلها في عيني لما تكون تعبانة ومريضة، لكن تطلبني أروح أعمل شغل البيت وغسيل سجاجيد كأني شغالة جايباها بفلوسها عشان ولادها التانيين يسافروا ويتفسحوا؟ لأ يا أحمد، أنا مش هروح، ومش هقبل تيجوا عليا بالطريقة دي لمجرد إنك مش قادر تقف قدام مامتك وتفهمها الأصول!”كامله على صفحته
أحمد الكلمة لمست العصب العاري عنده، وافتكر كلام أمه وهي بتقوله “ممشياك على مزاجها ومتقدرش تفتح بقك معاها”، الدم غلي في عروقه وزعق وهو بيشاور بإيده: “لأ هتروحي يا رانيا! ورجلك فوق رقبتك كمان! أنا قولت كلمة ووعت أومي بيها، ومش هصغر قدامها وأبان إني مش راجل في بيتي ومبمشيش كلمتي عليكي.. بكرة هتصحي من النجمة، وتاخدي إجازتك، وتروحيلها.. وإلا هيبقالي معاكي تصرف تاني خالص!”
رانيا اتصدمت من أسلوبه وزعيقه اللي عمره ما عمله معاها، ودموعها نزلت من الصدمة، وبصتله وقالت: “بقى كدة يا أحمد؟ بتبيعني وبتيجي على كرامتي وتزعقلي عشان تثبت لأمك إنك راجل
قفلت الباب وراها ودخلت الأوضة، وقعدت على السرير وهي بتعيط من قهرتها.. بس فجأة، مسحت دموعها بسرعة وملامح وشها اتحولت من الكسرة للتفكير والهدوء المخيف.. كأنها لقت الفكرة اللي هترجع لها حقها من غير ما تخسر جوزها أو تبان هي اللي غلطانة.
أحمد كان واقف بره في الصالة، رايح جاي وعصبيته بتاكله، لسه هيقرب من باب الأوضة عشان يخبط ويخرب الدنيا أكتر، لقى الباب بيتفتح ورانيا خارجة وهي هادية تماماً، مفيش في عينيها غير نظرة ثبات غريبة.
بصت له وقالت بنبرة هادية ومستسلمة: “خلاص يا أحمد..
أنا فكرت في كلامك ولقيت إنك عندك حق.. زعلك بالدنيا، وأنا مش هكون السبب في إنك تخسر مامتك أو تعقها.. أنا بكرة الصبح هاخد إجازة وهكون عندها من النجمة، وهعمل لها كل اللي هي عايزاه وزيادة كمان.. متزعلش مني.”
أحمد أول ما سمع كلامها، حس براحة رهيبة والضغط اللي على كتافه انزاح، واتنهد وقال بنبرة ممتنة: “ربنا يخليكي ليا يا رانيا.. أنا عارف إنك أصيلة وبنت ناس، والله ما هنسالك الجميلة دي، وهعوضك عنها.”
رانيا ابتسمت له ابتسامة باهتة وقالت له: “مفيش جمايل بيننا يا حبيبي، ده بيت حماتي برضه.. ادخل أنت ارتاح بقى عقبال ما أجهز حاجتي.”
دخل أحمد الأوضة وهو فرحان إنه فرض كلمته، لكن رانيا أول ما قفلت باب المطبخ عليها، طلعت موبايلها والابتسامة الباهتة دي اتحولت لضحكة ثقة.. فتحت الموبايل، وبدأت تنفذ خطتها في السر
فتحت رانيا الموبايل، وعين اللؤم والذكاء لمعت في عينيها. بدأت تدخل على جروب الواتساب اللي بيجمعها بإخوات أحمد وسلايفها، وبنبرة كلها ود وحب كتبت رسالة صوتية:
“مساء الخير يا جماعة، عاملين إيه؟ أنا كلمت أحمد ولقينا إننا بقالنا كتير متلميناش، وبما إنكم كلكم مشغولين في توضيب الشقق وميزانية السفر للعيد ومزنوقين، أنا قولت لأحمد بكرة أنا واخدة إجازة ونازلة لماما أعملها أكلة محشيات وبط وفراخ بلدي، وعازماكم كلكم بكرة تتغدوا معانا هناك.. ريحوا نفسكم خالص من طبيخ بكرة ووفروا مصاريف الغدا، وتعالوا على الجاهز، اللمة مش هتكمل من غيركم!”
طبعاً سلايفها وإخوات جوزها أول ما شافوا الرسالة، عيونهم لمعت.. فكرة إنهم يريحوا نفسهم من وقفة المطبخ وتجهيز الأكل، وفي نفس الوقت يوفروا ميزانية يوم كامل من مصاريف العيد، كانت لقطة بالنسبة لهم! في ثواني كانت الردود نازلة ورا بعض: “تسلمي يا رانيا يا بنت الأصول، إحنا جايين طبعاً!”، “الله ينور عليكي، وفرتي علينا حيرة الغدا بكرة، إحنا هناك على الساعة 4.”
قفلت رانيا الموبايل وهي بتضحك وبتقول في سرها: “وريني بقى يا حماتي يا حبيبتي هتغسلي السجاجيد بيا إزاي قدام ولادك وعزوتك اللي جايين يتغدوا.”
[اليوم التالي – الصباح]
صحي أحمد الصبح على الساعة 10، بص في الساعة واتخض لما لقى رانيا لسه نايمة ومقامتش من النجمة زي ما اتفقوا. صحاها بسرعة وهو مخضوض: “رانيا! رانيا قومي، الساعة بقت 10 وإنتي لسه هنا؟ مش قولنا هتكوني عند أمي من النجمة عشان تلحقي الترويق وغسيل السجاجيد؟”
رانيا فتحت عينيها بكل هدوء وتمطعت، وقالتله بنبرة رايقة وناعمة: “جرى إيه يا حبيبي؟ صباح الخير الأول.. أنا صاحية وعارفة أنا بعمل إيه، بس قولت بدل ما أروح هناك مكركبة، هخلص شقتنا هنا الأول بسرعة، وأغسل المواعين، عشان لما أروح لماما أبقى قاعدة معاها براحتي وبالي رايق، ومستعجلش وأنا نازلة.. مش لازم أروح وأنا مستعجلة وأقصر معاها في حاجة.”
أحمد ارتاح لكلامها وحس إنها بتفكر في مصلحة أمه، فقالها: “ماشي يا حبيبي، تسلم إيدك.. أنا هكلم أمي دلوقتي أقولها إنك جاية في السكة بس بتخلصي كام حاجة ونازلة، عشان متفتكرش إنك رجعتي في كلامك.”
وبالفعل، مسك أحمد التليفون وطلب أمه: “ألو.. صباح الخير يا أمي.. رانيا صاحية من بدري وبتجهز نفسها وجايلك في السكة علطول، بس بتشطب وراها كام حاجة في الشقة عشان تفضالك وتعملك كل اللي نفسك فيه.”
الأم أول ما سمعت المكالمة، ملامح وشها اتهللت وابتسمت ابتسامة النصر، وقالت في بالها: “أهو كدة.. عرفت إن الله حق، وعرفت إن ملوش غير أمه، والواد مشي كلمته عليها ونزلها غصب عنها!”.. قفلت مع ابنها وقعدت في الصالة المكركبة مستنية رانيا تيجي عشان تبدأ تملي عليها الأوامر وتفرد سيطرتها.
مرت الساعات، وبقت الساعة حوالي 2 الضهر.. حماتها قاعدة مستنية على نار، ومستغربة رانيا اتأخرت ليه كدة.. وفجأة، جرس الباب رن رنات ورا بعضها، رنات فيها بهجة وزيطة!
الحما قامت بسرعة وهي بتقول: “أخيراً جيتي يا ست رانيا.. لما أشوف حجتك إيه في التأخير ده كله!”
فتحت الباب وهي عاقدة حاجبها ومستعدة للمواجهة.. لكن الصدمة لجمتها! لقت قدامها بناتها التلاتة،
الحما وقفت في نص الصالة، عينيها بتلف بين بناتها التلاتة وأجوازهم وعيالهم، والشقة حواليها مكركبة عالآخر والسجاجيد مليانة تراب.. والبنات داخلين يجروا عليها يبوسوا إيدها ورأسها وهم بيقولوا ببهجة: “كل سنة وإنتي طيبة يا أمي! ده إحنا مصدقنا رانيا كلمتنا وقالتلنا إنها عامة لمتنا عندك وعازمانا على محشي وبط.. وفرت علينا وقفة المطبخ وتجهيزات العيد، وجينا نغير جو معاكي!”
الحما لسانها اتعقد، وبقت تبص لبناتها التلاتة بصدمة، ومش عارفة تودي وشها فين من الكركبة والبهدلة اللي شقتها فيها قدام أجواز بناتها! وفي نفس الوقت، برستيجها كأم وحما ميعيبهاش إنها تظهر بالمنظر ده، ولا ينفع قدام أجواز بناتها تطلع رانيا سِـيدَتها وتكشف إنها كانت جايباها تنضف وتغسل سجاجيد!
وفي وسط الزيطة دي كلها، خبط جرس الباب تاني..
البنت الكبيرة راحت فتحت، فدخلت رانيا بكامل أناقتها، شياكة وريحة حلوة، ولابسة عباية استقبال شيك جداً، وفي إيدها أحمد جوزها وهو شايل الشنط والحلل الكبيرة اللي فيها الأكل والبط والمحشي سخن بيوحوح..
رانيا دخلت بابتسامة عريضة ملت وشها، وقربت من حماتها بكل ذوق ودلال، واستغلت الوجود المكثف للبنات وأجوازهم وقالت بصوت عالي وودود: “ألف سلامة عليكي يا ماما.. أحمد قالي إنك تعبانة والشقة متبهدلة ومش قادرة تعملي حاجة، ودموعك نزلت في التليفون.. فقولت لأحمد أبداً! بيت ماما لازم يتملي بالخير واللمة، وعزمتلك بناتك التلاتة وأجوازهم وعيالهم عشان يفرحوا قلبك، وجبت الأكل كله جاهز ومستوي معايا من بيتي عشان متقفيش في المطبخ ولا تتعبي في لقمة.. كل سنة وإنتي طيبة يا ست الكل!”
أول ما رانيا قالت جملتها الأخيرة، لفت وشها لبنات الحما التلاتة وبصت لهم بكل حماس ونشاط وقالت بصوت عالي وودود: “بصوا بقى يا جماعة.. إحنا هناكل لقمة حلوة وسخنة مع بعض أنا عملاها وجيباها معايا عشان ترم عضمنا الأول.. وبعد الغدا علطول، أنا وبناتك يا ماما هنقوم إيد واحدة ونقشملك الشقة دي ونخليها زي القشطة! هننضفها حتة حتة ونغسل السجاجيد كمان ونفرشها على نظافة عشان العيد، ومفيش واحدة فينا هتمشي إلا والشقة بتبرق!”
الحما بلعت ريقها وبصت لرانيا وعينيها بتطق شرار، وفي نفس اللحظة نظرات بنات الحما التلاتة اتحولت تماماً!
ملامح الضحك والانبساط اختفت من على وشوشهم، وبقوا يبصوا لبعض بصدمة وضيق مكتوم.. الفرحة بالأكل الجاهز والتوفير طارت في ثواني، وأول ما رانيا قالت “أنا وبناتك هنقشملك الشقة ونغسل السجاجيد”، البنات فهموا اللعبة علطول! عرفوا إن رانيا لفت الحبل حوالين رقابهم ودبستهم تدبيسة العمر في يوم إجازتها، وحطتهم في فخ قدام أجوازهم وأمهم.. ومبقاش ينفع واحدة فيهم تعترض أو تقول “مش قادرة” وإلا هتبان إنها بنت عاقة ومستخسرة تنضف بيت أمها، في حين إن الغريبة جاية بأكلها وشقاها وعايزة تساعد!
الكبيرة نفخت بضيق وبصت في الأرض، والوسطانية بدأت تفرك في إيدها وهي بتبص لرانيا بغيظ مكتوم، والصغيرة لفت وشها لجوزها اللي ابتسم وقالها: “والله كتر خيرها رانيا.. شجعتكم تيجوا تعملوا واجب مع أمكم، يلا شدوا حيلكم معاها بـقى!”
البنات سكتوا تماماً وما قدروا ينطقوا ولا بكلمة، بلعوا الإهانة والتدبيسة وهم هيموتوا من غيظهم، وعرفوا إن رانيا مش سهلة، وأنها بذكائها شيلتهم شيلة أمهم كلها ووفرت صحتها ومجهودها ليهم!
أحمد طبعاً مكنش فاهم أي حاجة من حرب العيون دي، وكان واقـف طاير بمراته وبأصلها وفخور بيها قدام أجواز إخواته، وبص لأمه وقالها بفخر: “شايفة يا أمي؟ رانيا اهي لمت البنات وشجعتهم يقسموا الشقة معاها عشان تخلص في ثواني وصحتهم متتهدش.. قولي لها تسلم إيدك بقى وبلاش زعل.”
الحما هزت راسها بكسرة وعينيها على بناتها اللي واقفين زي الأيتام مش قادرين يتكلموا، وبصت لرانيا وقالت بنبرة كلها مرار: “تسلم إيدك يا رانيا.. كتر خيرك يا بنتي، لعبتيها صح!”
رانيا ابتسمت بكل برود وثقة، وبدأت تغرف الأكل وهي بتقول بصوت عالي: “يلا يا جماعة سموا الله.. كلو لقمة حلوة عشان ورانا معركة سجاجيد وتنضيف متتأجلش!”
يادوب الأكل اتحط، والكل قعد ياكل والقمة واقفة في زور البنات والحما من كتر الغيظ، ورانيا نازلة فيهم عزومة ومحايلة بكل برود وثقة.
أول ما خلصوا أكل، أجواز البنات قاموا وقفوا، وكبيرهم قال: “الحمد لله، تسلم إيدك يا رانيا يا بنت الأصول على الأكلة الجميلة دي.. يلا يا رجالة نسيب البيت للستات ياخدوا راحتهم في الترويق، وننزل إحنا نقعد على القهوة شوية عقبال ما يخلصوا.”
أحمد بص لمراته بفخر ونزل معاهم، وبمجرد ما الباب اتقفل والرجالة نزلوا، رانيا لفت وشها للبنات ولحماتها، والابتسامة اللطيفة اختفت وحل مكانها نظرة القائد اللي جاي يوزع المهام. شمرت كمامها وقالت بنبرة حاسمة ومفيهاش فصال: “بصوا بقى يا جماعة، عشان نخلص بسرعة والشغلانة متسحبش مننا.. إحنا هنقسم الشغل بالعدل وكل واحدة تمسك مكان من الإبرة للصاروخ بسجادتها.”
بصت للبنت الكبيرة وقالتلها: “إنتي يا حبيبتي هتمسكي أوضة الصالون، تروقيها وتنفضي الحيطان، وتاخدي سجادتها تغسليها في البلكونة.” وبصت للبنت الوسطانية: “وإنتي عليكي أوضة النوم الكبيرة بكل اللي فيها مع سجادتها طبعاً.” ولفت للصغيرة: “وأنتِ يا شاطرة عليكي أوضة المعيشة تروقيها وتغسلي سجادتها في الحمام.”
البنات كانوا بيبصوا لبعض وعيونهم بتطق شرار، بس مكنش في إيدهم أي حجة للهروب قدام أمهم.
أما الحما، فبصت لرانيا وقالتلها بنبرة لئيمة: “وإنتي بقى يا ست رانيا، هتقعدي تتفرجي علينا في بيتي؟”
رانيا ضحكت بثقة وقالت: “أنا؟ عيب عليكي يا ماما، ده أنا شايلة التقيلة كلها! أنا بقى هاخد المطبخ.. هغسل جبل المواعين ده، وأنضف البوتاجاز، وأروق الدواليب وأمسح الأرضية.”
طبعاً رانيا اختارت المطبخ بذكاء شديد؛ لأن المطبخ هو المكان الوحيد في الشقة اللي ميهوش سجاجيد ومفهوش هد حيل في الغسيل والمية! وفوق كل ده، مواعين العزومة دي والأكل اللي عملته، كدة كدة رانيا كانت هتقوم بيه وتعمله في بيتها أول يوم العيد وتغسل مواعينه هناك، فهي كل اللي عملته إنها بَدّرت المعاد والطبخ ليوم الإجازة ده عشان تدبسهم التدبيسة الصح وتطلع هي الكسبانة وصحتها سليمة.
وقفت رانيا في نص المطبخ، وبدأت تفتح الحنفية وتغسل أول طبق وهي بتبص لهم من المطبخ وبتقول بكل حماس: “يلا يا بنات.. الهمة، العيد بكرة ومفيش وقت!”
البنات كل واحدة فيهم دخلت الأوضة بتاعتها وهي بتجر رجليها وبتحسبن في سرها، والحما قعدت على الكنبة وهي حاطة إيدها على خدها، وعرفت إن رانيا علمت عليهم كلهم وغلبتهم في ملعبهم!
مرت كام ساعة والبنات شغالين في الأوض وكل واحدة فيهم بتعرق وتهد حيلها في غسيل السجاجيد والتنفيض، وكانوا بيشتغلوا بأقصى سرعة وبغل، كل همهم يخلصوا الكابوس ده ويمشوا من قدام رانيا ومن بيت أمهم عشان يلحقوا بيوتهم.
أول ما البنات خلصوا، رانيا كانت هي كمان شطبت المطبخ وخلته بيبرق، ولمت حللها ومواعينها وفوطها اللي جابتها معاها، وحطتهم في الشنط بكل هدوء ونظام. البنات يادوب غسلوا إيديهم، وبصوا لأمهم بلوم ونفخوا بضيق، وخدوا بعضهم ونزلوا من غير ما يكلموا رانيا كلمة واحدة.. والحما كانت قاعدة بتبص للشقة اللي بقت زي القشطة بنظرات كلها غيظ وكسرة نفس، لأن خطتها لكسر كرامة رانيا اتقلبت عليها وعلى بناتها.
أول ما رانيا وأحمد رجعوا شقتهم، رانيا ملوتش بوزها ولا اشتكت من التعب، بالعكس.. بدأت تتكلم بدلال وذكاء وتباها بذكائها وخدمتها، وقالتله وهي بتبتسم برقة: “شُفت يا حبيبي؟ أنا قولتلك مامتك دي في عينيا، ومستحيل كنت أرفض لها طلب أو أصغرك قدامها.. أنا نزلت وعملت الواجب وزيادة، ولميت البنات وشجعنا بعض وخلينا شقة الست الوالدة بتبرق قبل العيد، عشان تبقى قاعدة وسط ولادها وبناتها ورافعين راسنا قدام الكل.”
أحمد كان بيسمعها وكلامها بينزل على قلبه زي البلسم.. حس بفخر مش طبيعي بمراته، وشالها لها جميلة العمر.. فكرة إنها منعت المشاكل، وبيضت وشه قدام أمه وإخواته، ومخلتوش يصغر أو يبان “مش راجل” زي ما أمه اتهمته، خلت غلاوة رانيا في قلبه تزيد ميت ضعف.
مسك إيدها وباسها وقال بنبرة كلها امتنان وحب: “أنا مش عارف أقولك إيه يا رانيا.. بجد إنتي بنت أصول ورفعتي راسي، ومسحتِ بجميلك ده أي زعل كان بيننا.. ربنا يخليكي ليا يا رب.”
أحمد دخل الأوضة وهو بيفكر وعنده إصرار كبير إنه لازم يفاجئها بحاجة قوية جداً مكافأة ليها على موقفها وذكائها اللي أنقذ بيته وكرامته..
نزل أحمد بسرعة قبل ما المحلات تقفل، ودخل محل عطور راقي وجاب لها زجاجة برفان فخمة وغالية من اللي كان نفسها فيهم، ولفها في علبة شيك جداً وهو حاسس براحة وسعادة إن قدر يرد لها ولو جزء بسيط من كرامتها اللي حافظت عليها.
[المشهد الأخير – أول يوم العيد]
صحيوا الصبح على صوت تكبيرات العيد المبهجة، وكانت الشقة هادية وريحتها جميلة. رانيا خرجت من الأوضة وهي لابسة فستان العيد وبكامل أناقتها وابتسامتها المشرقة، لقت أحمد واقف مستنيها في الصالة وعينيه مليانة حب وفخر.
قرب منها ومد إيده بالعلبة الشيك وهو بيقول بنبرة كلها حنان: “كل سنة وإنتي طيبة يا أحلى رانيا في الدنيا.. دي حاجة بسيطة كدة متجيش جمب قيمتك، ولا جمب الأصول والواجب اللي عملتيه معايا ومع أمي.. ربنا يخليكي ليا يا بنت الأصول ولا يحرمني منك أبداً.”
رانيا فرحت جداً بالهدية، وفتحتها وعينيها لمعت بالانتصار والسعادة، وبصت له وقالت برقة: “وإنت طيب وبألف صحة وسلامة يا حبيبي.. أنا معملتش غير الواجب، وبيتك وكرامتك هما بيتي وكرامتي.”
رشّت رانيا من البرفان الجديد اللي ملأ المكان بريحة ساحرة، وقعدوا يشربوا شاي العيد سوا ببال رايق ونفسية مرتاحة.. رانيا كسبت كل حاجة بذكائها؛ حافظت على بيتها، ورفعت غلاوتها في قلب جوزها، ولقنت حماتها وبناتها درس في الأصول مش هينسوه العمر كله.. من غير ما تخسر صحتها أو تكسر كرامتها.
[تمت القصة]


تعليقات
إرسال تعليق