حکایه یوسف
حکایه یوسف
طوال عمري كنت أظن أن أبي مجرد رجل ضعيف، غفير بسيط في مخزن خردة على أطراف الإسكندرية. رجل يخاف من ظله، يوافق على أي إهانة من صاحب المخزن، ويعيش فقط ليأكل ويشرب ويدفع لي مصاريف كلية الطب التي دخلتها بشق الأنفس.
لم أبكِ كثيراً يوم جنازته.
ربما لأنني كنت غاضباً منه أكثر مما كنت حزيناً عليه. كنت غاضباً لأنه عاش ومات نكرة، بلا أصدقاء، بلا عائلة، وبلا كرامة.
لكن كل شيء تغير بعد وفاته بثلاثة أيام.
كنت أجمع ملابسه الرثة من غرفته الرطبة، عندما وجدت تحت بلاطة مكسورة أسفل سريره **صندوقاً معدنياً قديماً** مغلقاً بقفل صدئ.
كسرت القفل، متوقعاً أن أجد قروشاً قليلة ادخرها أو أوراقاً لا قيمة لها.
لكن ما وجدته جعل أطرافي تبرد كالثلج.
بطاقة هوية قديمة جداً، عليها صورة أبي وهو شاب في قمة وسامته وقوته، لكن الاسم لم يكن “صابر عبد الحميد” كما عرفته طوال حياتي.
الاسم كان: **المقدم / عُمر الرشيدي**.
جهة العمل: **العمليات الخاصة – أمن الدولة**.
وبجوار البطاقة، قصاصة جريدة صفراء وممزقة من عام 2004 تحمل مانشيت عريض:
*”استشهاد المقدم عمر الرشيدي وزوجته في انفجار سيارته المفخخة، واختفاء طفلهما الرضيع في ظروف غامضة، بعد إيقاعه بأخطر شبكة لتجارة السلاح دولياً”.*
وتحت القصاصة.. رسالة بخط يده، كُتبت على عجل:
> *”يا يوسف.. إذا قرأت هذا، فاعلم أنني لم أكن جباناً كما ظننتني. لقد متّ مرة في عام 2004 لأحميك من الذين فجروا أمك.. واخترت أن أعيش كـ (صابر) الغفير الذليل، لأن الاختباء في الوحل كان الطريقة الوحيدة لإبقائك حياً. لا تبحث عنهم.. لكن إن ضاقت بك الدنيا يوماً، اذهب إلى (طارق الشيمي).. هو الوحيد الذي يعرف أنني لم أمت في ذلك الانفجار.”*
>
### **رحلة إلى المجهول**
أخذت الصندوق، وارتديت سترتي الجلدية البالية، وركبت قطار الدرجة الثالثة المتجه إلى القاهرة.
بحثّت عن اسم “طارق الشيمي” على الإنترنت طوال الطريق. لم يكن شخصاً عادياً.. كان الآن لواءً متقاعداً، ويمتلك أكبر إمبراطورية للحراسات الأمنية الخاصة في الشرق الأوسط.
عندما وصلت إلى مقر شركته في التجمع الخامس، شعرت وكأنني نملة وسط العمالقة.
مبنى زجاجي ضخم، سيارات مصفحة، وحراس أمن يبدون كجيش مصغر.
دخلت بهيئتي المنهكة، حاملاً حقيبة ظهري المهترئة.
توجهت لموظفة الاستقبال التي نظرت إليّ باستعلاء واضح وقالت:
— “يا فندم، الباشا مابيقابلش حد من غير ميعاد مسبق بشهور. تقدر تسيب الـ CV بتاعك لو بتدور على شغل في الأمن.”
قلت بصوت جاف وأنا أضع أمامه **البطاقة القديمة الملطخة بدماء جافة**:
— “قولي له إن ابن عمر الرشيدي بره.”
رمقتني بسخرية، لكنها أمام إصراري اتصلت بمكتب مدير الأمن.
دقائق قليلة، ووجدت ثلاثة حراس ضخام الجثة يقتربون مني بسرعة، أخذوني من ذراعي شبه مقبوض عليّ، وأدخلوني في مصعد خاص.
### **المواجهة**
في الطابق الأخير، أُدخلت إلى مكتب واسع فخم للغاية.
خلف المكتب، كان يجلس رجل في أواخر الستينيات، شعره أبيض بالكامل، ووجهه يحمل قسوة السنين. كان هو “طارق الشيمي”.
كان يمسك بطاقة أبي القديمة ويده ترتجف بشكل لا إرادي.
نظر إليّ، وتفحص ملامحي.. عيني، طولي، جبهتي.
— “إنت جبت الكارنيه ده منين؟” سألني بصوت أجش ومخنوق.
— “من صندوق تحت سرير أبويا.. صابر الغفير.. اللي مات من 3 أيام.”
صمت الرجل تماماً. سقطت دمعة واحدة من عينه القاسية، ومسح وجهه بيديه بقوة، كأنه يحاول استيعاب أن الماضي قد بُعث من جديد.
— “أبوك.. أبوك كان أعظم ظابط شافته البلد دي.” قالها وهو ينهض ببطء ويمشي تجاهي.
— “لما مراته اتقتلت وهما بيحاولوا يغتالوه.. اختفى بيك. قلبنا عليه الدنيا مالقينالهوش أثر. افتكرناه رمى نفسه في البحر من الحزن.. عاش 22 سنة بيتهان وبيتداس عليه عشان يعيشك إنت؟”
شعرت بغصة تمزق حلقي. الرجل الذي احتقرته طوال عمري لضعفه، كان في الحقيقة أسداً قصّ مخالبه بنفسه ليحميني.
وفجأة..
قاطع لحظتنا صوت رنين هاتف اللواء طارق.
كان هاتفاً أحمر قديماً موضوعاً في زاوية المكتب.
نظر طارق إلى الهاتف بخوف حقيقي، لون وجهه شحب تماماً.
رد على الهاتف، وفتح مكبر الصوت (الاسبيكر) بيده المرتجفة.
جاء صوت من الطرف الآخر، صوت بارد، هادئ، ومخيف:
**— “سمعت إن الأمانة اللي عمر الرشيدي هربها من 22 سنة.. وصلت عندك المكتب يا طارق. اقفل كل أبواب المبنى.. أنا جاي أستلمها بنفسي.”**
وقبل أن أسأل طارق عن هوية المتحدث…
انقطع التيار الكهربائي عن المبنى الزجاجي الضخم بالكامل، وانطلقت صفارات الإنذار تصم الآذان.
### **في الظلام التام**
صوت صفارات الإنذار كان يثقب أذني، بينما الظلام ابتلع المكتب الفخم بالكامل، باستثناء إضاءة الطوارئ الحمراء الخافتة التي جعلت وجه اللواء “طارق” يبدو كشبح مرعب.
تراجعت خطوتين للخلف وأنا ألهث. أنا مجرد طالب في كلية الطب، أقصى ما واجهته في حياتي كان دكتور تشريح غاضب أو فاتورة إيجار متأخرة. لكن ما يحدث الآن ينتمي لعالم لم أقرأ عنه سوى في الروايات.
لم يضيع “طارق” ثانية واحدة.
تحرك برشاقة لا تتناسب أبداً مع عمره، ضغط على زر خفي أسفل مكتبه، لتنزلق لوحة خشبية ضخمة من الحائط كاشفة عن خزنة أسلحة كاملة.
سحب مسدسين، لقمهما بسرعة مرعبة، ثم رمى أحدهما إليّ.
— “امسك ده.. واوعى إيدك تترعش.” قالها بحزم وهو يرتدي سترة واقية للرصاص فوق قميصه الكلاسيكي.
مسكت المسدس بيدي التي كانت ترتجف بالفعل، وسألته بصوت متقطع:
— “مين ده؟ مين اللي بيكلمك؟ وعايز مني إيه؟”
نظر إليّ اللواء طارق وهو يغلق أزرار سترته، وعيناه تلمعان في الضوء الأحمر:
— “ده (عزّام الجارحي).. أكبر تاجر سلاح في القارة. الراجل اللي أبوك دمر شحنته، وقتل دراعه اليمين، وهرب بيك من 22 سنة.”
ثم اقترب مني وأمسكني من ياقة سترتي البالية بقوة:
— “عزام مش جاي عشان ينتقم وبس يا يوسف! أبوك وهو بيهرب ما أخدكش إنت لوحدك.. أبوك سرق (فلاشة) عليها حسابات وأسماء شبكة عزام كلها بالدولار والقرش. دي الحاجة الوحيدة اللي كانت مانعة عزام إنه يقلب الدنيا عليك كل السنين دي.. كان خايف الفلاشة تقع في إيد الأمن لو هو قتل أبوك.”
اتسعت عيناي بذهول. فلاشة؟ أي فلاشة؟ أبي كان يعيش في غرفة بالكاد تقيه من المطر، لم يكن يمتلك حتى هاتفاً ذكياً!
— “أنا ماعرفش حاجة عن أي فلاشة! أبويا مات وسابلي شوية هدوم مقطعة و…”
توقفت فجأة.
تجمد الدم في عروقي.
تذكرت ليلة وفاته. عندما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة على سرير المستشفى المجاني. أمسك يدي بقوة غير عادية، وخلع **ساعته الكاسيو القديمة** الرخيصة التي لم تفارق معصمه قط، وألبسني إياها وهو يهمس بصوت بالكاد يُسمع: *”الساعة دي مفيهاش وقت يا يوسف.. فيها عمرك.. إياك تقلعها.”*
نظرت إلى معصمي. الساعة الكاسيو البلاستيكية السوداء.
خلعتها بسرعة ويدي ترتجف، وبدأت أكسر غطاءها الخلفي بطرف المسدس.
انشق الغطاء البلاستيكي.. وسقطت منه شريحة ذاكرة صغيرة جداً (Micro SD) مغلفة بعناية بشريط عازل.
نظر طارق إلى الشريحة، ثم ابتسم ابتسامة فخر ممزوجة بالحزن:
— “عمر الرشيدي.. فضل أذكى مننا كلنا لحد ما مات.”
### **طريق اللاعودة**
فجأة، اهتز باب المكتب الفخم بشدة إثر انفجار صغير دمر قفله الإلكتروني.
بدأ الرصاص يخترق الزجاج المضاد للرصاص ليحيله إلى شبكة من الشقوق البيضاء.
دفعني طارق نحو جدار المكتبة، وسحب كتاباً معيناً لتُفتح فجوة سرية ضيقة تكفي لمرور شخص واحد.
— “ده نفق طوارئ بينزل على جراج سري تحت الأرض، هتلاقي فيه موتوسيكل ومفاتيحه في الكونتاكت.”
— “وإنت؟” صرخت فيه والهلع يمزقني.
سحب طارق بندقية آلية من خزنته، ووقف في منتصف المكتب موجهاً سلاحه نحو الباب الذي يوشك على الانهيار.
— “أنا عشت 22 سنة حاسس بالعار لأني ماقدرتش أحمي أقرب صاحب ليا.. النهارده، أنا هردله الدين.”
— “مش هسيبك!”
التفت إليّ بنظرة عسكرية صارمة، نظرة جعلتني أتسمر في مكاني:
— “إنت دلوقتي مش ابن صابر الغفير.. إنت يوسف عمر الرشيدي. والشريحة اللي معاك دي فيها رقبة نص حيتان البلد. لو مت.. تضحية أبوك كلها هتروح في الأرض. اهرب يا يوسف.. وابقى افتكرنا!”
وقبل أن أنطق بحرف إضافي، دُفع باب المكتب بعنف، واقتحم المكان رجال مقنعون مدججون بالسلاح.
انطلق الرصاص كالمطر.
اندفعت داخل الممر السري، وبدأ الباب يُغلق خلفي ببطء.
كان آخر ما رأيته هو اللواء طارق يطلق النار بشراسة، يزأر كالأسد وهو يسقط واحداً تلو الآخر، قبل أن يختفي المشهد تماماً ويغمرني ظلام النفق.
### **البداية الجديدة**
بعد ربع ساعة، كنت أشق شوارع القاهرة الممطرة بدراجة نارية سوداء، لا أعرف إلى أين أذهب.
الرياح الباردة تصفع وجهي، والمطر يغسل دموعي التي انهمرت أخيراً.
توقفت تحت جسر مهجور.
نزعت خوذتي، ونظرت إلى يدي.
في اليد اليمنى.. كنت أقبض على الشريحة الصغيرة التي تحمل دماء أمي، وتضحية أبي، وروح اللواء طارق.
وفي اليد اليسرى.. مسدس اللواء طارق المعبأ بالرصاص.
لم أعد ذلك الشاب الخائف الذي جاء ليبحث عن ماضيه.
لقد مات “ابن صابر الغفير” في ذلك المبنى الزجاجي.
وضعت الشريحة في جيبي الداخلي، وسحبت أجزاء المسدس لأتأكد من جاهزيته، ونظرت إلى أضواء المدينة البعيدة.
الآن.. جاء دوري لألعب اللعبة.
وهذه المرة.. سأكون أنا الصيّاد.
### **رسالة من القبر**
لم أذهب إلى الشرطة العادية، ولم أحاول لعب دور البطل الخارق الذي يقتحم حصون الأعداء بمسدس واحد. أنا طالب طب في النهاية، عقلي هو سلاحي الوحيد.
تسللت إلى مقهى إنترنت قديم في حي شعبي مزدحم، حيث لا كاميرات ولا أسئلة.
وضعت الشريحة في جهاز كمبيوتر متهالك. كانت محمية بكلمة سر.
تذكرت يوم كنت في العاشرة، عندما سألت أبي عن تاريخ ميلاده، فأجابني بابتسامة حزينة: *”أنا اتولدت يوم ما شفتك يا يوسف”*.
أدخلت تاريخ ميلادي. **فُتحت الملفات.**
كانت الشريحة تحتوي على كنز من المعلومات؛ أرقام حسابات في بنوك سويسرية، صور لاجتماعات سرية، خطوط سير شحنات سلاح، وأسماء مسؤولين مرتشين. لكن ما جعل قلبي يتوقف حقاً، كان ملفاً صوتياً واحداً يحمل اسمي: **”إلى يوسف”**.
ضغطت عليه، وانساب صوت أبي.. ليس صوت “صابر” المنكسر، بل صوت المقدم “عمر الرشيدي” القوي والواثق:
> *”يا يوسف.. لو بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا مت، وإنت بقيت راجل وعرفت الحقيقة. أنا ماسبتكش من غير سلاح. في ملف اسمه (القيامة)، فيه أرقام تواصل مباشرة مع القيادة العليا للمخابرات. دول بس اللي تثق فيهم. عزام الجارحي مفكر إنه الأقوى، بس هو مجرد ترس في آلة، والآلة دي أنا سايبلك زرار تدميرها. عيش بكرامة يا ابني، وارفع راسك.. أبوك عمره ما كان جبان.”*
>
### **المصيدة**
بعد يومين، كنت أقف في المكان الذي بدأ منه كل شيء: **مخزن الخردة** على أطراف الإسكندرية.
الغرفة الرطبة، والصدأ الذي يغطي المكان.
كان هاتفي الذي اشتريته للتو يرن. رددت بهدوء:
— “ألو.. عزام باشا.”
جاء صوته البارد من الطرف الآخر:
— “برافو يا دكتور. عرفت توصلي. طارق الشيمي مات وهو بيدافع عن وهم.. إنت بقى هتموت ليه؟ سلم الفلاشة وخد وزنها دهب.”
أجبته وأنا أنظر إلى ساعة الكاسيو التي أعدتها إلى معصمي:
— “أنا في المكان اللي أبويا عاش فيه 22 سنة بسببك. مخزن الخردة في المكس. تعالى خدها بنفسك.”
لم تمضِ ساعة حتى تحول المخزن إلى ثكنة عسكرية لرجال عزام. سيارات دفع رباعي سوداء، وعشرات المسلحين طوقوا المكان.
نزل “عزام الجارحي” من سيارته، رجلاً يبدو في السبعين، يرتدي معطفاً باهظاً، ويمشي بثقة إمبراطور يمتلك العالم.
دخل إلى غرفتي، ونظر إلى الجدران المتهالكة باشمئزاز، ثم نظر إليّ.
كنت أجلس على سرير أبي، أضع المسدس جانباً، وأقلب الشريحة بين أصابعي.
— “شجاع.. زي أبوك.” قالها عزام وهو يبتسم بسخرية، وأشار لأحد رجاله ليأخذ الشريحة.
— “بس غبي زيه برضه. فاكر إن حتة حديدة زي دي هتحميك مني؟”
رميت له الشريحة على الأرض المعدنية.
التفتتُ إليه بابتسامة باردة، وقلت:
— “أبويا ماكانش غبي يا عزام. هو بس كان مستني الوقت اللي إنت تخرج فيه من جحرك وتتغر بقوتك.”
عقد عزام حاجبيه بشك:
— “قصدك إيه؟”
وقفت ببطء، وأشرت بيدي نحو النافذة الصغيرة المكسورة:
— “قصدي إن كتر الغرور بيعمي. إنت جيت هنا بكل رجالك، وماسألتش نفسك.. طالب طب بسيط إزاي قدر يوصل لرقمك الشخصي المشفر عشان يكلمك؟”
تغيرت ملامح عزام فجأة. نظر إلى هاتفه، ثم نظر إلى الشريحة الملقاة على الأرض.
— “الشريحة دي نسخة فاضية يا عزام. النسخة الأصلية اتبعتت من 12 ساعة للقيادة العليا. وأنا ماكلمتكش عشان أساومك…”
توقفت للحظة، بينما بدأ صوت أزيز قوي يشق سماء الإسكندرية، اهتزت له جدران المخزن الصفيح.
أكملت بصوت يطغى على صوت محركات الطائرات المروحية التي بدأت تحلق فوقنا:
**— “أنا كلمتك عشان أثبتك في مكانك لحد ما قوات العمليات الخاصة توصل.”**
### **كش ملك**
انقلب المشهد في ثوانٍ.
أصوات مكبرات الصوت شقت الليل: *”هنا قوات الأمن.. المكان محاصر بالكامل، ارمي سلاحك وسلم نفسك!”*
أدرك رجال عزام أنهم في فخ محكم، فبدأوا في إلقاء أسلحتهم واحداً تلو الآخر وسط أضواء الكشافات الحمراء والزرقاء التي اخترقت ظلام المخزن.
حاول عزام سحب سلاحه، لكنني كنت أسرع.
رفعت مسدس اللواء طارق ووجهته مباشرة بين عينيه. يدي لم ترتجف هذه المرة.
كان يلهث، ووجهه يقطر عرقاً، وقد سقطت هيبته الزائفة تحت حذائي.
— “نزل سلاحك يا يوسف..”
كان هذا صوت قائد القوات المقتحمة الذي دخل الغرفة. رجل بملامح صارمة يحمل رتبة عميد، نظر إليّ باحترام شديد وقال:
— “نزل سلاحك يا بطل.. إحنا هنستلمه من هنا. مهمتك خلصت.”
أنزلت المسدس ببطء، ونظرت إلى عزام وهو يُقيد وتُقرأ عليه حقوقه قبل جره إلى الخارج كالكلب الذليل.
### **الاسم الحقيقي**
بعد أسبوعين.
كنت أقف في مقابر الإسكندرية، تحت سماء صافية، أرتدي معطفاً أسود جديداً.
كان يقف بجواري العميد الذي قاد عملية القبض على شبكة عزام، ومعه عدد من ضباط العمليات الخاصة بالزي الرسمي.
تقدمت بخطوات ثابتة نحو قبر أبي.
أمسكت بلوحة رخامية جديدة، وثبتّها فوق شاهد القبر القديم.
مسحت الغبار عن اللوحة الجديدة بيدي، وقرأت الاسم المحفور عليها بماء الذهب:
**”البطل الشهيد: المقدم / عُمر الرشيدي”**
**”عاش بطلاً، وضحى بحياته مرتين من أجل وطنه وابنه.”**
أديت التحية العسكرية للقبر رغم أنني لست عسكرياً، فرد الضباط من خلفي التحية بانتظام مهيب.
التفت لأغادر المقابر، وأنا أعدل ياقة معطفي. لم أعد ألتفت للوراء.
لم أعد خائفاً، ولم أعد غاضباً.
أنا **يوسف عُمر الرشيدي**.. والآن، يمكنني أخيراً أن أبدأ حياتي.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق