بعد وفاة جارتي العجوز اكتشفت السر الذي أخفته أمي عني طوال عمري
بعد وفاة جارتي العجوز اكتشفت السر الذي أخفته أمي عني طوال عمري
الصورة كانت لأمي.
لم تكن وحدها.
كانت تجلس على مقعد داخل حديقة الزوراء، وشعرها الأسود منسدل فوق كتفيها، وعلى وجهها تلك الابتسامة المتعبة التي يحاول الناس من خلالها إخفاء خوفهم أمام الكاميرا. وبين ذراعيها كانت تحمل طفلة صغيرة ملفوفة ببطانية وردية.
أنا.
وخلفها كانت أم فاضل، أصغر بكثير، لكن بنفس النظرة الحزينة ونفس الملامح الصامتة. كانت يدها فوق كتف أمي، وكأنها تمنعها من الانهيار.
اختفى الهواء من صدري.
قلبت الصورة بأصابع مرتجفة.
وعلى الجهة الخلفية، بحبر أزرق باهت، كانت هناك جملة تقول
هيلانة شكرًا لأنكِ أخفيتِني عندما لم يرغب أحد برؤيتي. وإذا عادت نادين إليكِ يومًا، أخبريها أنني أحببتها أكثر من حياتي نفسها. مريم.
أمي كان اسمها مريم.
ومنذ أربعة عشر عامًا لم أرَ اسمها مكتوبًا بخط شخص آخر.
جلست على طرف السرير لأن ساقيّ لم تعودا تحملاني. اقترب مدير العمارة بقلق، لكنني رفعت يدي حتى لا يتكلم. لو قال أحد أي كلمة في تلك اللحظة، كنت سأنهار.
أخذت أول ظرف.
كان خط أم فاضل يرتجف، لكن كل كلمة بدت وكأنها مكتوبة من قلب موجوع.
نادين ابنتي إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد أستطيع حراسة الباب. سامحيني لأنني لم أسمح لكِ بالدخول. لم يكن لأنني لا أريدكِ هنا بل لأنني كنت خائفة أن يعرفوا أنكِ تلك الطفلة.
قرأت الجملة
الأخيرة ثلاث مرات.
تلك الطفلة؟
أي طفلة؟
فتحت الظرف الثاني بسرعة.
وصلت أمكِ إليّ في ليلة ممطرة من آب، وهي تمشي من جهة الباب الشرقي حتى الكرادة، تحملكِ بين ذراعيها لأنها لم تكن تملك أجرة سيارة. كانت شفتها مجروحة وتحمل حقيبة صغيرة فقط. طلبت مني شيئًا واحدًا إذا حدث لها مكروه، لا تسمحي لهم أن يصلوا إلى الطفلة.
بدأ طنين ثقيل يملأ أذني.
أمي لم تخبرني بهذا أبدًا.
عندما كنت صغيرة، كانت تقول إن أبي تركنا قبل أن أتعلم المشي. وبعد مرضها، أصبحت قليلة الكلام. ماتت في مستشفى الكندي وعلى وجهها راحة غريبة، كأنها أخيرًا توقفت عن الهرب.
كنت أظن أن حياتها كانت مجرد حزن.
لم أكن أعرف أنها كانت أيضًا خوفًا ومطاردة.
فتحت العلبة الخشبية بالمفتاح الذهبي.
في الداخل كانت هناك إسورة أطفال تحمل اسمي، وقلادة صغيرة، وخصلة شعر مربوطة بخيط أحمر، وعدة أوراق مطوية. إحداها شهادة ميلادي. والأخرى رسالة من أمي بتاريخ يعود إلى عندما كان عمري سنتين.
هيلانة كلارا عرفت مكان عملي. وروبرت أرسل يقول إن الطفلة له لأنها تحمل دمه. لا تسمحي له أن يأخذها مني. لا يهمني المال. لا يهمني شيء. فقط نادين.
كلارا.
روبرت.
أصبحت الغرفة أبرد فجأة.
كلارا هو نفس اسم المرأة الأنيقة التي دخلت شقة أم فاضل قبل أيام وخرجت تحمل ظرفًا أبيض. وهو الاسم نفسه الذي سمعته في العزاء
عندما قالت إحدى قريباتها خالة كلارا، أخذتِ المفاتيح؟
وقفت فجأة.
وسألت مدير العمارة
من هي كلارا؟
توتر الرجل فورًا.
زوجة ابنها أو هكذا تقول. كانت تزورها أحيانًا. أم فاضل لم تكن تحب وجودها، لكنها كانت تفتح لها الباب.
وروبرت؟
خفض نظره.
ابنها الأكبر. من زمان ما عاد يسكن هنا. حضر العزاء اليوم.
في تلك اللحظة، ارتب العالم داخل رأسي بطريقة مخيفة.
روبرت لم يكن غريبًا.
كان ابن أم فاضل.
وإذا كانت الرسائل تقول الحقيقة فهو أيضًا أبي.
فجأة فُتح باب الشقة دون طرق.
دخلت كلارا أولًا.
كانت تضع نظارة فوق رأسها، وتحمل حقيبة غالية، وتنظر إلى المكان وكأن كل شيء فيه له سعر.
وخلفها دخل رجل يقترب من الستين، طويل، يرتدي قميصًا أبيض وبطنه بارزة قليلًا تحت الحزام.
عرفته فورًا من العزاء.
لم يكن يبكي هناك.
كان فقط يراقب الأدراج بعينيه.
قالت كلارا بحدة
ماذا تفعلين بهذه الأشياء؟
لم تبدُ متفاجئة.
بدت غاضبة.
ضممت الصندوق إلى صدري.
أقرأ ما تركته لي أم فاضل.
روبرت نظر إليّ لأول مرة فعلًا.
تغير وجهه للحظة قصيرة جدًا.
لكني رأيتها.
كان يعرفني.
قال بصوت جاف
أعطيني هذه الأوراق.
لم يطلب.
أمرني.
وكأن أربعة وثلاثين عامًا من الغياب تعطيه الحق ليتكلم معي بهذه الطريقة.
سألته
أنت روبرت؟
ضحكت كلارا بسخرية باردة.
يبدو أن الجارة الفضولية عرفت أكثر من اللازم.
قلت بثبات
أنا نادين الراوي.
تجمد الرجل مكانه.
أما مدير العمارة فتراجع نحو الباب وكأنه يريد الاختفاء.
لم يكن أحد يتنفس بشكل طبيعي داخل الغرفة.
قال روبرت أخيرًا
لا أعرف من تكونين.
لكن صوته انكسر في آخر كلمة.
رفعت الصورة أمامه.
أمي اسمها مريم.
نزعت كلارا النظارة عن رأسها بهدوء مصطنع.
وقالت
أمكِ هي التي خربت هذه العائلة.
كانت تلك اعترافًا كاملًا.
حتى إنها لم تحاول إخفاءه.
بدأ الخوف يتحول إلى غضب داخل صدري.
قلت
أمي كانت تهرب منكم.
رد روبرت بعصبية
أمكِ كانت تريد المال والبيت والحماية وعندما لم تحصل على ما تريد، ادعت أنني كنت أضربها.
تذكرت الرسالة.
الشفة المجروحة.
الحقيبة الصغيرة.
المطر.
قلت وأنا أرفع شهادة ميلادي
لكنها لم تخترع هذه.
نظر روبرت إلى كلارا.
ثم اقتربت مني وقالت ببرود
اسمعي يا بنت أم فاضل كانت كبيرة في السن ومشوشة. تعلقت بكِ لأنكِ كنتِ تجلبين لها الحساء والكليجة. هذا لا يجعلكِ من العائلة.
قلت دون أن أنزل عيني عن عينيها
ربما لكن الدم يفعل.
شدّ روبرت قبضتيه بقوة.
وقال
أنتِ لستِ ابنتي.
الغريب أن الجملة تؤلم حتى لو خرجت من رجل لم تنتظره يومًا.
أنا لم أحلم يومًا بأب.
لكن عندما رأيته يقف أمامي وينكرني وكأن وجودي خطأ يجب إخفاؤه، فهمت لماذا هربت أمي طوال حياتها.
فجأة اندفعت كلارا نحو الصندوق.
لم أفكر.
ابتعدت بسرعة فاصطدمت بالسرير، وتناثرت الظروف فوق الغطاء الأزرق. رأيت اسمي مكتوبًا عشرات المرات، وكأن أم فاضل ملأت الغرفة
بأيدٍ صغيرة تحاول حمايتي.
صرخت كلارا
أمسكوها!
أغلق روبرت الباب.
وتقدم مدير العمارة بسرعة وقال
اهدوا شوي هذا مو شارع.
دفعه روبرت بعنف.
لا تتدخل.
ركضت نحو الطاولة لألتقط هاتفي، لكن كلارا أمسكت بشعري بقوة. اشتعل الألم في رأسي.
أعطيني الأوراق يا شحاذة.
سقطت الصورة من يدي.
ورأيت وجه أمي فوق الأرض.
في تلك اللحظة، اختفى خوفي.
ضربت كلارا بالصندوق على ذراعها، ليس بقوة، لكن بما يكفي لتتركني. فتحت الباب وخرجت إلى الممر أصرخ
أبو سعد! ساعدني!
العمارة التي تجاهلت أم فاضل لسنوات فتحت أبوابها أخيرًا.
خرجت جارة من الطابق الثاني تحمل مقلاة بيدها.
ورجل من الطابق الأرضي أطل بملابس البيت.
وصعد أبو سعد الدرج بصعوبة وهو يلهث.
ظهر روبرت خلفي وقال
هذه تسرق أغراض أمي.
صرخت
يكذب! عندي رسائل وأدلة! أم فاضل كانت تعرفني منذ كنت طفلة!
خرجت كلارا وهي تمسك ذراعها.
هذه استغلت امرأة عجوز.
كلمة عجوز في فمها جعلتني أشعر بالقرف.
أم فاضل لم تكن عجوزًا بالنسبة لهم.
كانت مجرد خزنة مال.
قلت لها
كنتِ تأتين لتأخذي منها المال. رأيتكِ تخرجين بالأظرف.
شحبت ملامحها.
خفض أبو سعد رأسه وقال بصوت خافت
وأنا أيضًا رأيتها.
نظرت إليه بغضب وكأنه خانها.
اسكت أيها العجوز.
لكنه قال بهدوء
سكتنا كثير. كافي.
امتلأ الممر بالهمسات.
الرجل من الطابق الأرضي قال إنه كان يسمع صراخًا أحيانًا.
وجارة الطابق الثاني تذكرت أن أم فاضل
طلبت منها مرة ألا تسمح للسيدة صاحبة الحقيبة السوداء بالصعود بعد الثامنة مساءً.
وإحدى البنات من الطابق الرابع كانت تصور كل شيء بهاتفها.
عندما رأت كلارا الهواتف، تغير وجهها فورًا.
لم يعد غضبًا.
بل حسابات وخوفًا.
قالت بسرعة
روبرت نمشي.
الأوراق ما زالت هناك.
قلت نمشي.
لكنني كنت قد اتخذت قراري.
دخلت الشقة قبل أن يمنعني أحد، وجمعت كل الظروف والصندوق والصورة والوصية التي وجدتها تحت الوسادة.
نعم.
وصية كاملة.
وكان اسمي موجودًا فيها أيضًا.
أم فاضل تركت لي شقة 302، ورسائلها، وكل الوثائق المتعلقة بمريم وابنتها نادين.
كانت الوصية مختومة وموقعة رسميًا.
رفعتها أمام روبرت.
وقلت
أمك لم تكن مشوشة.
قرأ الورقة وعيناه تشتعلان غضبًا.
هذه لا تساوي شيئًا.
قلت
هذا يقرره القاضي.
تراجعت كلارا خطوة إلى الخلف.
وفي تلك اللحظة فهمت أن ما يخيفها ليس البيت.
بل الرسائل.
كانت تخاف من صوت أمي وهي تتكلم من الورق بعد كل هذه السنوات.
نزلت الدرج بسرعة وأبو سعد خلفي.
في الخارج، كانت الكرادة مستمرة كأن شيئًا لم يحدث.
أصوات السيارات، ورائحة السمك المشوي من المطاعم القريبة، وبائع شاي يصرخ عند الزاوية تحت المطر الخفيف.
أما أنا فكنت أشعر أن حياتي كلها انقسمت إلى نصفين.
مشينا حتى السوق القريب.
لم أستطع التفكير بمكان آخر أذهب إليه.
هناك، بين محلات الخضار والعطور والأواني القديمة، شعرت أنني أقل وحدة.
أم علي،
المرأة التي كنت أشتري منها الطماطم دائمًا، رأت وجهي فأدخلتني خلف بسطتها دون أن تسأل.
قالت بقلق
شبيچ بنتي؟ منو خوفچ هالشكل؟
أجبتها دون تفكير
أهلي.
وبدت الكلمة غريبة حتى على لساني.
لأنهم كانوا أهلي بالدم فقط.
أما هذه المرأة التي ناولتني كرسيًا وكأس شاي حار خلال دقيقة واحدة فكانت أقرب للعائلة منهم.
اتصلت بالشرطة.
ثم اتصلت بزميلتي من المكتبة، ملاك، التي كانت تدرس القانون مساءً.
وصلت بعد نصف ساعة، مبللة بالمطر وتحمل ملفًا تحت ذراعها ووجهًا جاهزًا للشجار.
قالت فورًا
لا توقّعين على شيء. ولا تعطين أي ورقة لأحد. والرسائل لا تتركينها حتى لو دخلتِ الحمام.
في تلك الليلة، أعطيت إفادتي.
وأبو سعد أعطى إفادته.
وجارة الطابق الثاني جاءت ومعها المقلاة التي خرجت بها من بيتها، وكأنها دليل رسمي.
والبنت من الطابق الرابع سلمت الفيديو الذي صورته، حيث ظهرت كلارا وهي تصرخ عليّ، وروبرت وهو يطالب بالأوراق.
لم يكن الأمر فيلمًا.
ولم تكن العدالة سريعة.
لكن للمرة الأولى كان هناك من يسمع النساء في هذه القصة.
أمي.
أم فاضل.
وأنا.
عدت إلى شقة 302 بعد يومين، برفقة ملاك وشرطي ومدير العمارة.
بدت الشقة أصغر بدون الخوف الذي كان يسكنها.
فتحت الستائر.
دخل ضوء العصر فوق الأكواب المرتبة، والكرسي قرب النافذة، والعلب التي احتفظت بها أم فاضل بعناية.
لمست واحدة منها.
مرق الدجاج وقت السعال.
وبكيت.
ليس بكاءً
عاليًا.
بل ذلك النوع الصامت الذي يخرج عندما يفهم الإنسان متأخرًا كم كان محبوبًا.
وجدنا أوراقًا أخرى خلف الصور المقلوبة.
إيصالات تحويل أموال إلى كلارا.
ورسائل من أمي لم تصلني يومًا.
ودفترًا صغيرًا كانت أم فاضل تكتب فيه ملاحظات عن زياراتي.
الثلاثاء نادين أحضرت شوربة. تبدو متعبة.
الخميس ابتسمت قليلًا اليوم. أتمنى أن يكون هناك من ينتظرها.
السبت اشتريت لها خبزًا، لكنني لم أخبرها حتى لا تخاف.
آخر رز بالحليب اقترب الوقت.
انحنيت فوق الطاولة ويدي ترتجف.
الجملة الأخيرة حطمتني.
أم فاضل كانت تعرف أنها سترحل.
ولهذا قالت
مو هسه.
لم تكن تمنعني من الدخول.
كانت تهيئ اللحظة فقط.
جلست على كرسيها قرب النافذة وفتحت آخر رسالة، بينما صوت القطار البعيد يمر تحت بغداد كنبض ثقيل.
ابنتي نادين لم أستطع أن أكون جدتكِ أمام الناس. روبرت كان ابني وكان خطيئتي أيضًا. عندما آذى أمكِ، كان يجب أن أفضحه. لكنني خفت. أقنعت نفسي أنني أستطيع إصلاحه. وأن الدعاء سيغيّره. الأمهات أحيانًا يسمين خوفهن حبًا.
تنفست بصعوبة.
وعندما ماتت أمكِ، حاولت أن أبحث عنكِ. لكنهم أخبروني أنكِ تعيشين بعيدًا مع قريبة اختارتها مريم لحمايتكِ. وقيل لي إن ظهوري سيجعل روبرت يصل إليكِ. لذلك تعلمت أن أحبكِ من بعيد.
امتلأت الرسالة بدموعي.
وعندما انتقلتِ إلى هذه العمارة، ظننت أن الله يعاقبني. ثم طرقتِ بابي بصحن شوربة شعيرية وكانت رائحتها تشبه شوربة أمكِ تمامًا.
أغلقت عيني.
كل صحن كنتِ تحضرينه أعطاني شجاعة لأكتب رسالة جديدة. لم آكل طعامكِ فقط يا نادين بل أكلت
الغفران. وأكلت الذكريات. وأكلت الأمل بأنكِ يومًا ستدخلين هذه الغرفة، ولن تبقي وحدكِ.
ضممت الرسالة إلى صدري.
لم أكن أعرف كيف أسامح امرأة ميتة.
ولم أكن أعرف إن كنت أريد ذلك أصلًا.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا
أم فاضل لم تترك لي شقة فقط.
تركت لي حقيقة كاملة.
الأشهر التالية كانت صعبة.
روبرت أنكر كل شيء.
وكلارا قالت إنني زورت الرسائل لأحصل على الشقة.
وأبناء أم فاضل تقاتلوا على الإرث كأنهم لم يتركوها وحيدة لسنوات.
لكن الوصية كانت صحيحة.
والإيصالات كانت حقيقية.
والفيديوهات تكلمت.
وأبو سعد تكلم أكثر مما تكلم طوال عشرين سنة.
أما رسائل أمي ففعلت أخيرًا ما لم تستطع فعله وهي حية.
دافعت
عني.
وفي النهاية، اعترف القاضي بالوصية.
وبقيت التحقيقات مع روبرت وكلارا تسير ببطء طويل مليء بالأوراق والأختام والممرات الباردة.
وتعلمت أن العدالة لا تأتي دائمًا بسرعة.
أحيانًا تصل متعبة لكنها تصل.
وفي اليوم الذي سلّموني فيه مفتاح شقة 302، صعدت وحدي.
لم أبع الشقة.
لم أستطع.
اشتريت نبتة جديدة بدل اليابسة التي كانت قرب الباب.
وغسلت الغطاء الأزرق.
ورتبت الأكواب فوق الرف.
وحفظت الرسائل داخل صندوق معدني.
ثم ذهبت إلى السوق.
اشتريت طماطم وشعيرية ومرق دجاج وكزبرة.
وصنعت شوربة شعيرية.
وعند الساعة السابعة مساءً، وضعت صحنين فوق الطاولة.
واحد لي.
وواحد لها.
بجانب صورة أمي وصورة أم فاضل.
في
الخارج، كانت بغداد تفوح برائحة الخبز الحار والمطر فوق الإسفلت.
وجلست على الكرسي قرب النافذة.
ومن هناك، استطعت رؤية شقتي القديمة.
وفهمت أخيرًا ماذا كانت أم فاضل ترى كل ليلة.
كانت تراني أعود متعبة، أحمل الطعام، وأظن أنني أنقذ امرأة عجوز من الوحدة.
لكن الحقيقة
أنها كانت تنقذني أنا أيضًا.
كانت تنتظرني.
وتمنحني سببًا لأطرق بابًا كل مساء.
وتعلمني، دون أن تقول ذلك، أن العائلة ليست دائمًا اسمًا نحمله.
أحيانًا تكون صحن شوربة.
أو قطعة خبز ملفوفة بمنديل.
أو امرأة عجوز تقول بخجل
ما أريد أتعبك يمّه.
وعندما جاء تشرين الثاني، صنعت زاوية صغيرة لذكراهن.
شموع.
وزهور.
وصحن رز بالحليب داخل العلبة
البلاستيكية التي كتبت عليها أم فاضل
الأخير.
وضعت صورة أمي بجانب صورتها.
ولم أدعُ كثيرًا.
قلت فقط
ارتاحوا أنا عرفت الحقيقة.
حرّكت الريح الستارة قليلًا.
ربما كانت مجرد ريح.
وربما لا.
وفي تلك الليلة، تركت باب شقة 302 مفتوحًا نصف فتحة.
ليس خوفًا.
بل وفاءً.
لأن أم فاضل أحبتني طوال سنتين من خلف فتحة باب صغيرة.
وأنا، التي ظننت أنني كنت أطعم امرأة منسية
كنت في الحقيقة أحافظ على آخر شيء بقي بين أمي وبيني.
ومنذ ذلك اليوم، كلما صنعت شوربة شعيرية أطبخ كمية أكبر قليلًا.
لنادين الصغيرة التي نجت دون أن تعرف لماذا.
ولمريم التي ركضت تحت المطر لتحمي ابنتها.
ولأم فاضل المرأة التي أخطأت، نعم، لكنها قضت ما تبقى من عمرها تحرس الحقيقة حتى تستطيع الوقوف وحدها أخيرًا.


تعليقات
إرسال تعليق