القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حين ضربني ابني



حين ضربني ابني

 

وقفت وحدي في المطبخ أستند على الطاولة…


وأدركت حقيقة واحدة:


لم أعد آمنة… في بيتي.


عند الواحدة وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل أمسكت هاتفي.


لم يكن الاتصال به جديدًا كنا نتحدث أحيانًا عن أشياء عادية… سطحية…

كنت أطمئنه دائمًا أن ياسين بخير وأخفي كل ما عدا ذلك.


لكن هذه الليلة لم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه.


ضغطت زر الاتصال.


عبد القادر.


ردّ بصوتٍ مثقل بالنوم:

"نعم؟"


ترددت لحظة ثم قلت بصوتٍ بالكاد خرج:

"ياسين… ليس بخير كما كنت أقول."


ساد صمت قصير ثم سأل بهدوء:

"ماذا حدث؟"


أغمضت عينيّ وكأنني إن بدأت… لن أستطيع التوقف.


"كنت أكذب عليك… طوال الوقت."


سكتُّ لحظة… ثم اندفعت الكلمات:


"لم يكن يعمل كما أخبرتك كان يترك كل عمل بعد أيام ويعود يطلب المال وفي كل مرة… كنت أعطيه."


أنفاسي تسارعت… لكنني أكملت:


"صار يرفع صوته عليّ يتعامل معي وكأنني… لا شيء…

وأنا… كنت أبرر أقول إنها مرحلة وستمر."


صمتُ لحظة ثم خرج صوتي أضعف:


"يسهر خارج البيت يعود في أوقات متأخرة…

وأنا لا أسأل أخاف أن أغضبه…"


لم يقاطعني.


فأكملت وكأنني أُخرج ما تراكم داخلي لسنوات:


"استدان من الناس… دون أن يخبرني تورّط في أمور لا أفهمها وأنا كنت أغطي


عليه وأدفع حتى لا يقع في مشكلة."

توقفت لحظة ثم قلت ببطءٍ مؤلم:


"لم أكن أحميه كنت أساعده أن يضيع أكثر."


ساد صمت ثقيل.


ثم جاءت الجملة التي أنهت كل شيء:


"الليلة… طلب مالًا… ورفضت."


سكتُّ… ثم همست:


"فضربني."


هذه المرة… لم يكن الصمت عاديًا.


كان طويلاً… قاسيًا…


ثم جاء صوته… مختلفًا تمامًا:

"منذ متى يحدث هذا؟"


اخبرته كل شيء ومنذ سنوات إتفقنا على قرار واحد.


لم أنم.


في الرابعة صباحًا… بدأت أعدّ الفطور.


خبز ساخن… شاي… بيض، كل شيء مرتب بعناية.


وأخرجت مفرش الطاولة المطرّز.


لم يكن احتفالًا.


كان… قرارًا.


قبل السادسة بقليل وصل عبد القادر.


لم يكن وصوله مفاجئًا…

فقد اتفقنا على كل شيء منذ مكالمتي معه في الليلة الماضية.


شعره غزاه الشيب وملامحه أصبحت أكثر صرامة،

لكن عينيه كانتا ثابتتين… كأنهما تعرفان ما الذي يجب فعله.


دخل دون تردد.


نظر إلى وجهي… إلى يديّ…

ثم أومأ برأسه قليلًا، وكأنه يؤكد لنفسه أن القرار الذي اتخذه كان في مكانه.


نظر نحو الدرج، ثم قال بهدوء:


"حان الوقت… أليس كذلك؟"


أجبته بصوتٍ منخفض:


"سينزل الآن… موعد فطوره."


تبادلنا نظرة قصيرة لم نحتج فيها إلى كلام.


كل شيء… كان محسوبًا


منذ الأمس.

نزل ياسين على الدرج بخطواتٍ واثقة، ولا تزال ابتسامته الساخرة على وجهه، كأن شيئًا لم يحدث في الليلة الماضية. لكنه ما إن وصل إلى آخر درجة حتى توقّف فجأة، وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه.


كان عبد القادر يجلس على الطاولة.


لم يتحرك… لم يتكلم… فقط رفع عينيه إليه بنظرةٍ ثابتة، خالية من أي تردد.


اختفت ابتسامة ياسين تدريجيًا، وقال ببطء:

"والدي؟"


لم يجبه أحد.


كانت أمه تقف قرب الطاولة، تُرتّب الأكواب بهدوءٍ غريب، وكأنها لا ترى التوتر الذي ملأ المكان. ثم جلست، وأشارت له أن يقترب.


"تعال… إفطارك جاهز."


تقدّم بخطواتٍ مترددة هذه المرة، وجلس، لكنه لم يرفع عينيه عن والده.


"ما الذي تفعله هنا؟"


وضع عبد القادر يده على الطاولة، وقال بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:

"اجلس."


جلس بالفعل.


ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة، قبل أن تدفع الأم ظرفًا صغيرًا نحوه.


"افتح."


نظر إليها باستغراب، ثم التقط الظرف وفتحه بلا اهتمام في البداية… لكن ملامحه تغيّرت فجأة.


توقفت أنفاسه.


عيناه تتحركان بين الأوراق بسرعة، ثم ببطء… ثم توقفتا.


رفع رأسه بحدة:

"من أين… حصلتِ على هذه؟"


أجابته دون أن ترفع صوتها:

"من الأماكن التي كنت تذهب إليها… ومن الناس الذين


ظننتهم أصدقاء."

حاول أن يضحك، لكن صوته خرج مضطربًا:

"وهل هذا يُخيفني؟"


انحنى عبد القادر قليلًا للأمام، وقال:

"يجب أن يخيفك."


صمت.


ثم أضاف، وهو ينظر إليه مباشرة:

"هذه إيصالات أمانة… كافية لتدخلك السجن لسنوات."


تجمّد ياسين في مكانه.


نظر إلى أمه… ثم إلى أبيه… ثم عاد بعينيه إلى الأوراق، كأنه يحاول إنكار ما يراه.


قال بصوتٍ منخفض:

"وماذا تريدان؟"


أجاب عبد القادر دون تردد:

"أن تنقذ نفسك من الدمار."


سكت لحظة، ثم أضاف:

"ستأتي معي."


ارتفع صوت ياسين فجأة:

"إلى أين؟"


أجابه بهدوء:

"إلى المزرعة التي أعمل فيها… ستعمل معي هناك."


ضحك بسخرية:

"أنا؟ أعمل في تربية المواشي؟ مستحيل."


هنا تدخلت الأم أخيرًا، ونظرت إليه نظرةً لم يرها من قبل:

"نحن لا نطلب موافقتك."


وضعت فنجان الشاي أمامه بهدوء، ثم قالت:


"إما أن تذهب معه اليوم… وتعمل لتسدد ما عليك،

وإما أن تذهب هذه الأوراق إلى الشرطة."


ساد صمتٌ ثقيل.


لم يكن تهديدًا…

بل حقيقة جاهزة.


نظر إليهما… ثم إلى يده التي لا تزال تمسك بالأوراق.


ولأول مرة منذ سنوات…


لم يجد ما يقوله.


رفعت الأم عينيها إليه، وقالت بهدوءٍ قاطع:


"هذه آخر مرة أحاول حمايتك."


لم


يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.

لم يُجادل ياسين كثيرًا…

ولم يصرخ كما كان يفعل دائمًا.


فقط وقف، وكأن شيئًا داخله قد انطفأ فجأة، ثم قال بصوتٍ منخفض:

"متى نغادر؟"


نظر إليه عبد القادر لثوانٍ، ثم أجاب:

"الآن."


لم يلتفت ياسين إلى أمه وهو يصعد ليجمع بعض أغراضه، وكأنه يخشى أن يراها… أو أن يرى نفسه في عينيها.


أما هي، فبقيت جالسة مكانها.


لم تحاول منعه… ولم تنادِ عليه.


فقط أغمضت عينيها لحظة، ثم همست بصوتٍ لا يُسمع:

"ليحفظك الله ولو بعيدًا عني."


 


 

بعد ساعة…


كانت السيارة تشق الطريق خارج الدار البيضاء، تاركةً خلفها الزحام والضجيج، متجهةً نحو طرقٍ أطول… وأهدأ… وأكثر قسوة.


جلس ياسين في المقعد الخلفي، ينظر من النافذة دون تركيز.


المدينة تبتعد والصمت يزداد.


اختفت المباني ثم الأشجار…

ثم أي علامةٍ على الحياة التي اعتادها.


الأرض صارت أكثر جفافًا، والهواء أكثر حرارة، حتى وصلا إلى أطرافٍ بعيدة من ضواحي مراكش، حيث لا شيء يشبه ما تركه خلفه.


توقفت السيارة أخيرًا.


نزل عبد القادر أولًا، ثم أشار له دون كلام.


"انزل."


فتح ياسين الباب ببطء، وما إن وضع قدمه على الأرض حتى شعر بشيءٍ غريب.


الصمت هنا مختلف…

ثقيل… كأنه يراقبك.


نظر حوله أرض ممتدة سياج بسيط…

وبعيدًا، قطيع من الغنم يتحرّك ببطء.


اقترب رجلٌ مسنّ، حيّا عبد القادر، ثم نظر إلى ياسين نظرة سريعة قبل أن ينصرف.


قال ياسين بحدة:

"ما هذا المكان؟"


أجابه والده وهو يتقدّم:

"مكان ستتعلّم فيه."


توقف ياسين لحظة، ثم قال بنفاد صبر:

"وأتعلم ماذا تحديدًا؟"


لم يُجب عبد القادر فورًا.


أشار بيده إلى الجهة الأخرى، حيث كان بعض العمال يتحرّكون تحت الشمس الحارقة.


"انظر جيدًا."


تبع ياسين الإشارة.


رأى رجالًا يسيرون خلف القطيع لمسافات طويلة، يدفعونه بعصيّ طويلة، يركضون حين يتشتت، وينحنون حين يتعب أحده، ثم يعودون في صمت دون أن يتوقفوا.


آخرون كانوا يحملون الماء في أوعية ثقيلة، يتنقلون بها بين الحظائر، بينما كان أحدهم يحاول تثبيت خروفٍ متمرّد، وملابسه مغطاة بالغبار


والعرق.

لم يكن هناك حديث…

ولا راحة…

ولا ظلّ كافٍ.


فقط حركة مستمرة… وتعب لا ينتهي.


قال عبد القادر بهدوء:


"ستستيقظ قبل الفجر…

تخرج مع القطيع…

تمشي لساعات تحت الشمس…

تراقب كل رأسٍ فيه…

وإذا ضاع واحد… تتحمّل أنت ثمنه."


سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إليه مباشرة:


"ستحمل الماء بيدك وتنظف بيدك وتتعب بيدك…"


ثم اقترب خطوة واحدة، وقال بصوتٍ منخفض لكن حاسم:


"هنا… لا أحد يعمل عنك."


صمت لحظة، ثم قال الجملة التي أنهت كل شيء:

"وهنا ستتعلّم… أن كل شيء له ثمن… وأن هناك من دفع عنك هذا الثمن لسنوات دون أن تشعر."


مرّت الساعات الأولى ببطءٍ قاتل.


لم يُعطَ فرصة للراحة ولا حتى ليفهم ما يحدث حوله.


في الظهيرة، وجد نفسه يسير خلف القطيع، يحاول أن يسيطر عليه، بينما الشمس فوق رأسه كأنها تضغط عليه بلا رحمة.


كانت الأرض حارّة والخطوات ثقيلة…

والأنفاس تتسارع مع كل مترٍ يقطعه.


تعثّر أكثر من مرة صرخ غاضبًا…

تذمّر بصوتٍ مسموع ثم صمت، حين أدرك أن لا أحد سيجيبه.


وفي كل مرة يخطئ…


كان يرفع عينيه فيجد نظرة والده فقط.


صامتة… ثابتة…

كأنها تقول له إن هذا التعب ليس جديدًا… بل متأخرًا.


ومع كل ساعة تمرّ…


بدأ يشعر بشيءٍ لم يعتده من قبل.


ليس مجرد إرهاق…

بل ثقل… يشبه المسؤولية.


مع غروب الشمس…


جلس ياسين أخيرًا على الأرض، منهكًا، أنفاسه متقطعة، وملابسه مغطاة بالغبار والعرق، كأن اليوم سحب منه كل ما كان يظنه قوة.


مرّ عبد القادر بجانبه، دون أن ينظر إليه، وقال بهدوء:


"غدًا…


تبدأ قبل الفجر."

رفع ياسين رأسه بصعوبة، وقال بصوتٍ مبحوح:

"أنا… لا أستطيع الاستمرار هكذا."


توقف عبد القادر هذه المرة.


التفت إليه ببطء… ونظر إليه نظرة طويلة، ثم قال:


"وأمك لم تكن تستطيع."


صمت.


كأن الجملة سقطت فوقه بثقلٍ لم يتوقعه.


اقترب خطوة، وأضاف بصوتٍ أهدأ، لكنه أشد وقعًا:


"كانت تعود من عملها متعبة… مثلما أنت الآن،

تقف في المطبخ لساعات… وتوفّر لك ما تحتاج،

وتدفع عنك أخطاءك… وتغطي عليك حين تخطئ،

وتنام وهي تفكّر كيف تحميك من نفسك."


سكت لحظة، ثم قال:


"كانت تتحمّل… وحدها."


لم ينظر إليه ياسين…


لكنه لم يعترض.


في تلك الليلة…


استلقى على فراشه بصعوبة، وجسده يئنّ من التعب، لكن النوم لم يأتِ.


لم يكن الإرهاق وحده ما يمنعه بل صورة واحدة أمه.


لم يرها كما كان يراها دائمًا…


بل كما لم يحاول أن يراها من قبل.


امرأة… تتعب وتصمت وتتحمّل دون أن تشتكي.


شعر بشيءٍ يضغط على صدره.


ولأول مرة منذ سنوات…


لم يكن غضبًا.


وفي تلك اللحظة أدرك حقيقة واحدة فقط…


أنه لأول مرة في حياته لا يملك طريقًا للهروب.


مرّت الأيام ببطء، لكنّها لم تمرّ دون أثر.


تعلّم ياسين كيف يسير خلف القطيع، كيف يراقب حركته، وكيف يفهم صمته، لكنّه لم يتعلّم بعد كيف يكون حاضرًا بكل انتباهه.


وفي أحد الأيام، حين اشتدّ الحرّ، جلس قليلًا ليستريح، ظنّ أنّ الأمور تحت السيطرة وأنّ القطيع لن يبتعد.


لم يحتج الأمر أكثر من لحظة واحدة من الغفلة. ابتعد خروف قليلًا، ثم تبعته أخرى، ومع انشغاله لثوانٍ


ظنّها عادية، كان القطيع قد اقترب من أرض وعرة لم ينتبه لها. 

حين التفت أخيرًا، اندفع نحوهم مسرعًا، يصرخ ويحاول أن يلحق بهم، لكن الوقت كان قد تأخر، فقد انزلقت إحداها وسقطت أمام عينيه.


توقف في مكانه، ينظر دون أن يتحرك، وقلبه يخفق بعنف، وكأن ما حدث أكبر من أن يستوعبه في تلك اللحظة. لم تكن مجرد خسارة عابرة، بل نتيجة مباشرة لإهماله، لحظة واحدة كشفت كل شيء.


بعد دقائق، وصل عبد القادر. نظر إلى الخروف الساقط، ثم إلى ياسين، ولم يغضب ولم يرفع صوته، بل قال بهدوءٍ كان أشد وقعًا من أي صراخ:


"هنا… الخطأ له ثمن، وأنت اعتدت أن يدفع غيرك هذا الثمن."


"ما حدث اليوم ليس خطأً عابرًا… بل هو طبع فيك."


تجمّد في مكانه، وكأن الكلمات أصابته دفعة واحدة.


سكت عبد القادر لحظة، ثم أضاف بنبرة أعمق:


"كما امتدت يدك على أمك… امتدّ إهمالك اليوم ليؤذي ما لا يستطيع الدفاع عن نفسه."


ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن اتهامًا بقدر ما كان مرآة وُضعت أمامه فجأة، ليرى نفسه كما هي، دون تبرير أو هروب. وفي تلك اللحظة، أدرك ما كان يتجنّب رؤيته طوال الوقت.


وفي مكانٍ آخر، لم تكن أمه تنتظر. في الدار البيضاء بدأت حياة جديدة بهدوء، حياة لا تقوم على الخوف أو التبرير. 


أعادت ترتيب بيتها كما تريد، وتخلّت عن أشياء كثيرة كانت تحتفظ بها من أجله، حتى غرفته لم تعد كما تركها. لم تمحه من قلبها، لكنها توقفت عن الدوران حوله.


وصارت تخرج دون قلق، وتعود دون خوف، وتنام دون أن تنتظر صوت الباب كما كانت تفعل كل ليلة.


ولأول مرة منذ سنوات،


شعرت بالأمان.

مرّت الشهور، وتغيّر شيء في ياسين. لم يعد يصرخ كما كان، ولم يعد يحتج على كل شيء، بل صار يستيقظ قبل الفجر دون أن يُطلب منه، ويسير خلف القطيع بصمت مختلف. لم يكن ذلك الصمت راحة، بل فهمًا جاء متأخرًا، لكنه كان حقيقيًا.


في ذلك المكان القاسي، لم يتعلّم ياسين العمل فقط… بل تعلّم أن يكون رجلًا، وأدرك أن إبعاده عن المدينة ورفاق السوء لم يكن عقابًا، بل كان أفضل قرار اتخذه والداه… ليُنقذاه من نفسه.


 

تعليقات

التنقل السريع
    close