القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي) الفصل الرابع وعشرون 24 بقلم الكاتبة شهد الشورى

 

رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي)  الفصل الرابع وعشرون 24 بقلم الكاتبة شهد الشورى





رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي)  الفصل الرابع وعشرون 24 بقلم الكاتبة شهد الشورى



رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي)  الفصل الرابع وعشرون 24 بقلم الكاتبة شهد الشورى


#الفصل_الرابع_والعشرون

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

ظلوا ساعات طويلة واقفين أمام باب غرفة العمليات والوقت يمر عليهم كأنه دهر كامل كانت حياة منهارة تمامًا داخل حضن بدر تبكي بحرقة وهو يضمها إليه بقوة يتمسك بها كأنها الشيء الوحيد الذي يمنعه من السقوط رؤية ابنه وهو يهوي أمام عينيه غارقًا في دمائه كانت كفيلة بأن تزلزله من الداخل


أما ليلى فكانت واقفة على بُعد خطوات ساكنة بشكل مخيف عيناها معلقتان في الفراغ لكن دموعها تنزل بصمت بلا توقف

وجهها شاحب وأنفاسها متقطعة ونظراتها لا تفارق يديها الملطختين بدم يوسف وكذلك ثيابها لا تصدق أنه أُصيب بسببها بل ضحّى بحياته لأجلها !!


الجميع هنا غارقون في الصدمة والحزن يخيم على المكان كظل ثقيل حتى انفتح باب العمليات أخيرًا وخرج ريان برفقة الطبيب الآخر الإرهاق واضح على ملامحهما بعد ساعات طويلة من الجهد فاندفع الجميع إليهما بلهفة ليرد عليهم الطبيب بهدوء محاولًا طمأنتهم :

الحمد لله عدت على خير العملية مكانتش سهلة أبدًا لكننا عملنا اللي علينا وإن شاء الله هيبقى كويس هننقله دلوقتي للعناية وهيفضل تحت الملاحظة الساعات الجاية دعواتكم ليه


انفجرت حياة بالبكاء أكثر وهي تتشبث ببدر :

ابني.....ابني هيبقى كويس مش كده يا بدر


ربت بدر على ظهرها بصمت بينما أغمض عينيه للحظة وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره لكنه ما زال يشعر أن قلبه يرتجف من القلق الذي لن يفارقه حتى يرى أمامه طفله على قدميه مرة أخرى 


أما ليلى لم تتحرك كل ما كانت تسمعه يتردد بعيدًا داخل رأسها حتى خرج يوسف أخيرًا على السرير الطبي جسده ساكن وجهه شاحب في اللحظة التي وقع بصرها عليه شعرت بشيء داخلها ينكسر اندفعت خلف السرير فورًا :

استنوا......استنوا لو سمحتوا


حاولت إحدى الممرضات إيقافها :

يا فندم مينفعش لازم يدخل العناية حالًا


هزت رأسها بعنف ودموعها تسيل بغزارة :

ثانية واحدة بس أشوفه ثانية بالله عليكم


اقترب ريان منها صوته منخفض لكنه حازم :

ليلى هو لسه خارج من عملية كبيرة جدًا الضغط عليه خطر


رفعت عينيها إليه نظراتها مليئة بالذنب والخوف :

انا مش هعمل حاجة بس عايزة أشوفه واطمن عليه


صمت ريان للحظات ثم زفر بهدوء بعد أن نظر للطبيب الآخر :

خمس دقايق بس من غير ما تتعبيه يا ليلى


أومأت سريعًا بلهفة وبعد وقت قصير دخلت إلى غرفة العناية بخطوات مرتجفة بينما غادر ريان بهدوء وأغلق الباب خلفه تاركًا إياها وحدها معه تقدمت نحو فراشه ببطء

رائحة المعقمات تملأ المكان وصوت الأجهزة الطبية وحده يكسر الصمت كان يوسف ممددًا بلا حركة أنبوب الأكسجين يغطي جزءًا من وجهه والضمادات تحيط بجسده

بكت بقوة ما أن رأت حالته ووقفت بجواره عاجزة عن الكلام ثم خرج صوتها أخيرًا مكسورًا :

كنت سيبها تموتني يا يوسف

والله كنت بتمنى الرصاصة دي تدخل فيا أنا كانت هتبقى رحمة ليا رحمة تخلصني من كل التعب والوجع اللي جوايا منك كنت سيبها تموتني أهون عليا من أني اشوفك كده


نزلت دموعها بغزارة وهي تردد بألم :

أنا تعبت منك ومن حبك يا يوسف


اقتربت أكثر وعيناها لا تفارقانه :

أنا جرحتك وكلامي كان قاسي عليك بس تعرف ليه

عشان أنت وجعتني أوي وجعتني لدرجة إن كل كلمة طلعت مني كانت مجرد صدى لوجعي منك

أنا حبيتك بطريقة عمري ما حبيت بيها حد وعلى قد ما حبيتك على قد ما اتوجعت واتجرحت منك


اختنق صوتها وهي تكمل :

عارف أن أكتر حاجة وجعتني مش إنك بعدت ولا إنك اخترت غيري اللي وجعني بجد إنك بعد كل الحب اللي حبيتهولك شوفتني مذنبة شوفتني واحدة تستاهل العقاب وتستاهل انتقامك مع أن كل ذنبي أني حبيتك


انهمرت دموعها أكثر :

لو كنت بصيت لنفسك بعيني أنا....

لو شوفت نفسك بقلبي كنت عرفت أنا كنت بحبك قد ايه


أغمضت عينيها تستعيد كل مرة رأته فيها مع غيرها وكل مرة كانت تبتلع غيرتها بصمت :

حبي ليك خلاني أستحمل أشوفك مع غيري أستحمل فكرة إنك ممكن تكون لحد تاني طول ما أنت مبسوط


تنهدت، وصوتها صار واهنًا :

تخيل أنا كنت برضى بعذابي بس أشوفك بخير


انحنت قليلًا قربه دون أن تلمسه وكأنها تخشى أن تُحرم حتى من هذا القرب همست أخيرًا بانهيار :

ومهما حاولت أكرهك عمري ما قدرت أنساك ولا يوم واحد


أغلقت عينيها والدموع تنهمر منها دون توقف :

فوق يا يوسف ماتسبنيش بالوجع ده لوحدي أنا مقدرش اعيش من غيرك ولا أقدر اتخيل اني أكون موجودة في الدنيا دي ونفسك مش فيها أنا كنت مستحملة بعدك سنين لأن كان كفاية عليا اني عارفة انك عايش وبخير بس مش هقدر أكمل في الدنيا من غير وجودك أنا كدابة وعمري ما كرهتك زي ما قولتلك أنا بحبك يا يوسف !!


كم هو قاسي أن يكون الشخص ذاته هو ملاذك وخرابك معًا

يوسف لم يكن رجلًا عابرًا في حياتها كان فصلًا كاملًا من روحها جزءًا منها تشكل به وكبر معه وانكسر فيه والمؤلم في الحب أننا لا ننجو ممن أحببناهم بصدق

يبقون داخلنا حتى بعد الرحيل كجرحٍ مفتوح لا يلتئم كذكرى تنبض رغم الموت 


كانت تتمنى أن يبتعد....نعم

أن يرحل بعيدًا حتى تهدأ حتى تتوقف عن النزيف منه حتى تستعيد نفسها التي أضاعتها في حبه لكنها لم تكن تعني هذا

لم تكن تعني أن يسقط بين يديها باردًا شاحبًا بين

الحياة والموت هي فقط أرادت الغياب الذي يمنح فرصة للنجاة لا الغياب الذي يسرق الأنفاس إلى الأبد


لأن الحقيقة التي كانت تهرب منها دائمًا أن يوسف رغم كل ما فعله كان الشيء الوحيد الذي أحبته حد الفناء وما أقسى أن ترى من أحببته بهذا الشكل معلقًا بين الحياة والموت بينما تقفين عاجزة لا تستطيعين أن تنقذيه ولا حتى أن تخبريه كم أوجعك.......


ربما كان الحب أحيانًا عقوبة

عقوبة أن تمنح قلبك كاملًا ثم تعيش بقيته ناقصًا


أغمضت عينيها بقهر وشعرت أن قلبها يختنق من فكرة واحدة فقط أن أقسى أنواع الحب…

هو أن تكتشف متأخرًا أن وجود من أوجعك كان أهون ألف مرة من فكرة فقدانه 💔

................

اشتعلت ملامح حياة فجأة بالحياة من جديد وما إن سمعت أن ابنها قد أفاق حتى اندفعت تركض نحو الزجاج الفاصل تحدق به بلهفة تكاد تمزق صدرها كان الأطباء يحيطون به يطمئنون على حالته بينما هي تلتهمه بعينيها من بعيد كأنها تسترد أنفاسها الضائعة مع كل حركة منه


مر بعض الوقت والتف الجميع حوله يطمئنون عليه إلا واحدة فقط أنها.....ليلى !!

بقيت خارج الغرفة ثابتة في مكانها وكأن قدميها قد غُرستا في الأرض لم تملك الشجاعة لتخطو خطوة واحدة نحوه اكتفت فقط بكلمة من الطبيب أنه أصبح بخير

وحدها تلك الكلمة كانت كافية لتعيد إليها بعض اتزانها المفقود أو هكذا أقنعت نفسها


اقترب منها عمها أمير بخطوات هادئة وتأمل وجهها الشاحب وعينيها الغارقتين في أثر البكاء ثم سألها بصوتٍ يحمل من الحزن بقدر ما يحمل من الفهم :

مادخلتيش ليه يا ليلى تطمني عليه ؟؟


رفعت ليلى عينيها إليه تحاول أن تبدو ثابتة لكن اختناق صوتها فضحها وهي ترد بهدوء واهن :

اطمنت عليه من الدكتور وخلاص يا عمي


تنهد أمير طويلًا وكأنه رأى نفسه فيها،د رأى ذلك الخوف القديم الذي عاشه يومًا ثم قال بحنان :

بس انتي محتاجة تشوفيه بعينك عشان قلبك يرتاح وكفاية لحد كده يا ليلى كفاية شد وجذب بينكم العمر بيجري ومع كل لحظة بتفوت منه من غير ما تعيشيها بتندمي


صمت لثوانٍ وعيناه شاردتان في ماضي بعيد قبل أن يكمل :

أنا زمان كنت زيك كنت خايف أقرب من فرح وأوجعها فضلت سنين مخبي حبي ليها في قلبي وهي كانت قربت تيأس مني بس لما لقيت نفسي بين الحياة والموت لقيت نفسي بكلمها هي وبس وبعترف ليها بحبي 


تنهد ثم تابع بحزن وهو يتذكر الماضي :

إحنا عشنا ماضي صعب أثر علينا كلنا أنا وإخواتي لدرجة إن خوفنا من الارتباط خلى كل واحد فينا يهرب من اللي بيحبه ضيعنا من عمرنا سنين سنين كان ممكن نعيشها مع الناس اللي حبيناهم بس كنا ساجنين نفسنا جوا خوفنا 


ابتسم ابتسامة باهتة وهو يستطرد :

محدش قدر يطلعنا من السجن ده غير عمتك حياة رغم أن حالها كان اسوء مننا بس هي كانت ونعم الأم لينا قبل ما تكون الأخت تعرفي أنك طالعة لعمتك حياة يا ليلى أنتي نسخة منها نفس الشخصية ونفس الطباع أنا لما بشوفك مع يوسف بحس اني شايفها زمان انتي اخدتي اسم جدتك الله يرحمها وشوية منها وشوية من والدتك بس اخدتي طباع حياة بالظبط 


ثم نظر إليها مباشرة وكأنه يلامس جرحها بكلماته :

أنا فاهمك فاهم إنك خايفة تقربي من يوسف خايفة يرجع يوجعك تاني ويكسر قلبك خايفة تعيشي نفس الدوامة من جديد بس يا ليلى محدش في الدنيا ضامن بكره لا حب ولا وجع ولا حتى عمر بس اللي متأكد منه إن الهروب ده تأجيل للمواجهة مش أكتر


ارتجف شيءٌ ما داخلها

لأن أصعب ما في الأمر أنه كان محقًا

كانت تخشاه لا لأنه عدوها بل لأنه الوحيد القادر على تحطيمها مرة أخرى والقلوب التي انكسرت مرة لا تعود إلى أصحابها كما كانت أبدًا


سقطت دمعة ساخنة من عينها وهي تهمس :

بس أنا تعبت يا عمي تعبت من الحرب اللي جوايا بين قلبي اللي لسه بيحبه وعقلي اللي مش قادر ينسى الكل شايفني قوية وقادرة زي ما شريف بيقول بس أنا مش كده يا عمي أنا كل اللي بعمله مع يوسف أني بحاول احمي نفسي وانجيها

أنا غلطت زمان لما سيبت مشاعري تتحكم فيا وخليته بدل ما يقدر حبي ليها استغلها كنقطة ضعف عشان ينتقم مني على حاجة أنا ماليش ذنب فيها أنا مش عاوزة اضعف تاني ومش عاوزة اعيد غلطتي ومش عاوزة حبه اللي مخليني دايما في حرب جوايا أنا استاهل الأحسن منه يا عمي


تنهد أمير ثم سألها بحزن :

طب وحبك ليه


ابتسمت ليلى بسخرية موجوعة ودموعها تلمع فوق وجنتيها :

حبه ماعمليش أي حاجة يا عمي غير أنه وجعني وكسرني لدرجة أني مش عارفة حتى أداوي نفسي أو ارجع زي الأول اللي عمله يوسف فيا مخلي جوايا نار مش بس وجع لأ يا عمي نار بتحرقني كل ما قلبي يفكر يميل ليه


نظرت صوب عمها وتابعت بألم :

أنا عارفة أنه بيحاول يصلح الأمور بينا وندمان بس ندمه ده كان بعد ايه يا عمي بعد ما خسرني نفسي وكسرني يوسف طول عمره بيجي متأخر طول عمره بيرفعني لسابع سما بعدها ينزلني على جدور رقبتي لسابع أرض أنت يمكن شايفني بكبر الموضوع يا عمي بس هو فعلاً كبير ومحدش هيحس باللي بقوله غيري لأني أنا اللي عيشته وبس حتى يوسف محسش باللي حسيت بيه الموضوع مش مجرد جرح واحد لأ ده كذا جرح يوسف مسابش حتة في قلبي مكسرهاش حتة حتة وأنا لحد دلوقتي مش حاسة أن حقي رجعلي بندمه يا عمي أنا مش مرتاحة ولا مبسوطة أنا حرفيًا ضايعة !!!


جذبها إلى صدره برفق يضمها كما يُضم القلب المرهق حين يعجز عن الاحتمال أكثر تركها تبكي كما تشاء وترك دموعها تنساب فوق كتفه بينما كفه يتحرك على ظهرها في مواساة هادئة كأنه يحاول أن يخفف عنها بعضًا من ذلك الثقل الذي أنهك روحها وبين ذراعيه بدا ضعفها جليًا للمرة الأولى لا كامرأة تحارب بل كروح أنهكتها المعارك وتعبت من حمل وجعها وحدها


رفع يده يمسد على رأسها بحنان أبوي يمرر أصابعه على خصلاتها في محاولة صامتة لتهدئة العاصفة التي تشتعل داخلها كانت لمسته وحدها كفيلة بأن تهز ما تبقى من صلابتها ارتجفت شفتاها واهتزت أنفاسها قبل أن تنهمر دموعها أخيرًا دون مقاومة دموع ثقيلة خرجت محملة بكل ما كتمته طويلًا


كان أوس قد خرج بعدما اطمأن على يوسف واستمع لكل ما قالته ابنته المنهارة بين ذراعي أمير تبكي بذلك الانكسار الذي طالما أخفته عن الجميع


تجمد مكانه للحظة وشعر بوخزة حادة تعبر صدره كان ألمها يصل إليه كأنه يمزق قلبه هو فرؤية ابنته بهذا الضعف كانت من أقسى ما قد يواجهه أب


رفع أمير عينيه إليه لكن أوس أشار له بصمت أن يبقى كما هو إشارة صغيرة لكنها كانت تحمل فهمًا كاملًا لاحتياجها في تلك اللحظة فثبت أمير مكانه وواصل احتواءها كما هي بينما ظل أوس واقفًا يراقبها من بعيد بعينين أثقلهما الحزن والعجز مدركًا أن بعض الكسور لا يملك الأب نفسه القدرة على مداواتها وكل ما يستطيع فعله هو أن يتركها تبكي حتى تهدأ لعل الدموع تحمل عنها شيئًا من هذا الوجع الثقيل !!

................

رددت قمر وهي تقترب من يونس ما إن فتح عينيه وقد بدا كأن الحياة انسحبت من ملامحه وكأن روحًا أخرى تسكن جسده روحًا مثقلة بالذنب والانكسار :

يونس هو إيه اللي حصل؟!


لكنه تحاشى النظر إليها تمامًا كأنه المذنب وكأن الجريمة التي ارتكبت بحقها كانت من يديه هو لا من غيره

كان في عينيه انكسار مهول انكسار لم تره قمر إلا مرة واحدة يوم استفاقت من كابوسها القديم بعد أن نال منها نوح وسلبها أمانها واليوم ترى ذات الانكسار فيه


نهض من الفراش بصمت ثقيل واتجه نحو الحمام دون أن ينطق بحرف تاركًا خلفه ألف سؤال ينهش قلبها


وقف أسفل الماء البارد طويلًا لعله يطفئ النيران المستعرة داخله لكن عبثًا ما سمعه الليلة الماضية كان كالإعصار

إعصارًا مزق قلبه وعقله وتركه حطامًا


ليته لم ينتظر ليته لم يستمع ليته أطاع أباه وعمه وخرج

قبل أن يعرف فالجهل أحيانًا أرحم من الحقيقة


خرج أخيرًا يلف خصره بمنشفة كبيرة والماء يتساقط من شعره وجسده لكنه بدا غائبًا تمامًا

كأن وعيه تائه في مكان آخر !!


اقتربت منه قمر بخجل ممزوج بالقلق ثم أجلسته على الفراش وجلبت منشفة أخرى وراحت تجفف خصلات شعره برفق ثم مررتها على صدره العاري وكتفيه

بينما هو ساكن مستسلم كأنه لا يشعر بشيء وفجأة قبض على خصرها وأسند رأسه إلى صدرها


تجمدت مكانها كان الموقف محرجًا شديد الحميمية لكنها شعرت بوضوح أنه لا يبحث عن شيء سوى الأمان

رفعت يدها بتردد ثم مررتها على شعره بحنان :

مالك يا يونس والله قلبي واجعني عليك احكيلي حصل ايه


تشبث بها أكثر وكأنه يخشى أن تنسحب منه أو تبتعد حين تعرف الحقيقة فهمست بعتاب :

انت شريكي في كل أسراري والوحيد اللي يعرف عني حاجات محدش يعرفها بثق فيك اكتر من نفسي ليه اتدنت مش عاوز تشاركني أسرارك هو أنا مش محل ثقة ليك


خرج صوته منخفضًا متعبًا مهزومًا :

أنا مستاهلش كل كلامك ده بس.....

بس اوعي تسبيني خليكي جنبي وبس


ظل متمسكًا بها طويلًا قبل أن يبتعد في صمت أخيرًا ويتجه ليبدل ملابسه أما هي فبقيت مكانها حائرة


ما ان خرجت من الغرفة حتى اصطدمت بسيدرا التي كانت تبكي بانهيار فلحقت بها قمر إلى غرفتها وسألتها بقلق :

مالك يا سيدرا ايه اللي بيحصل أنتي ويونس حالتكوا غريبة فهميني في ايه بالظبط


انهارت سيدرا وأخبرتها بكل شيء وحين انتهت، قالت بين دموعها :

يونس بيحبك يا قمر بيحبك من زمان من أول ما عرف يعني إيه حب عمره ما شاف غيرك ولا حب غيرك وهو دلوقتي مكسور أنا عارفة أخويا هيبعد عنك عشان شايل ذنب مش ذنبه وهو مش السبب بس أرجوكي يا قمر متحمليهوش ذنب اللي عملته الست دي حاسبيها هي مش يونس عشان يونس مالهوش ذنب في الحكاية دي كلها غير انه حبك بجنون 


اتسعت عينا قمر من الصدمة والآن فقط فهمت

فهمت سبب كل تضحية كل موقف كل وجع تحمله عنها

لا يفعل كل ذلك إلا رجل عاشق حد الجنون

لهذا ترجاها ألا تتركه لهذا كان يتمسك بها كالغريق !!


اندفعت بسرعة إلى غرفتهما فلم تجده وعندما علمت أنه ذهب إلى الشركة توجهت إليه مباشرة اقتحمت مكتبه دون استئذان كان يجلس مع والده الذي كان يحاول مواساته

صرخت فيه بغضب :

ات إزاي تفكر كده وإزاي عقلك صورلك إني ممكن......


توقفت حين رأت والده خفضت رأسها بخجل قائلة :

آسفة يا عمي ماكنتش أعرف ان حضرتك معاه


ابتسم إلياس بحنان وربت على كتفها :

ادخلي يا بنتي انا كنت خارج أصلًا


خرج وأغلق الباب خلفه فتقدمت نحو يونس والغضب يشتعل داخلها :

انت إزاي فكرت إني ممكن أشوفك مذنب أو أسيبك بذنب انت ماعملتوش


تراجع أمام غضبها حتى سقط على الأريكة فسقطت فوق قدميه لكنه التقطها بذراعيه سريعًا بقلق ورفع حاجبه باستغراب وسألها :

تفكير ايه....؟!


ضربت صدره بعنف وصرخت عليه بحدة :

انك كنت ناوي تسيبني عشان حاسس بالذنب

عشان اللي عملته مامتك فيا 


صمت للحظات ثم رد عليها بانكسار :

ومش هي دي الحقيقة


صرخت عليه بانفعال :

لأ مش دي الحقيقة أنا مش شيفاك مذنب ولا عمري هاخدك بذنب مش ذنب عشان لو عملت كده ابقى ببرر لنوح كمان اللي عمله فيا لما خدني بذنب مش ذنبي ويبقى ساعتها مش عليه لوم أنا مش قليلة الأصل ولا قاسية يا يونس انا مش شيفاك غير ايد اتمدت ليا في وقت انا ضيعت فيه وفكرت اني حياتي اتدمرت خلاص انت عملت معايا اللي محدش عمله وقفت جنبي وساعدتني من غير ما تطلب مقابل سترتني مع أن غيرك عمره ما يقبل بكده ابدًا انا لو شوفتك مذنب يا يونس ابقى بظلمك وانا مش ظالمة !!


تسللت كلماتها إلى قلبه أزاحت عن صدره جبالًا من الألم

كالبلسم على جرحٍ نازف ثم تابعت بغيظ شديد :

مع إني مش طايقاك عشان فكرت فيا بالطريقة دي


ابتسم بمكر وسألها :

يعني مش عاوزاني أسيبك؟


ارتبكت وردت عليه ببرود وثبات واهي :

سيبني لو عاوز من بكره س مش عشان السبب التافه ده


ابتسم يونس بحب صريح رأته لأول مرة بوضوح ليردد لسانها بتلقائية :

يا بختي بيك يا يونس


تجمد بمكانه بصدمة لكن كل ذلك تبدد حين أسرعت قمر تقول :

قصدي محظوظة إن عندي أخ وصاحب زيك


جز على أسنانه وقال بغيظ :

تصدقي بالله يا قمر انتي تسدي النفس


ضحكت رغمًا عنها فضحك معها ثم جذبها إلى حضنه لكنها ابتعدت بسرعة قائلة بغيظ :

اوعى انت ما صدقت


رد عليها ببراءة مصطنعة ومرح :

ابدًا أنا بس حاسس اني مش كويس ومحتاج حضن يعوضني ع الحنان اللي مش حسه بقالي زمان


كاد أن يقترب مجددًا فضربته على كتفه بغيظ :

اتلم بقى


ضحك ورد عليها بمرح ومكر :

بقالك ساعة قاعدة في حضني وعلى رجلي ودلوقتي بتقوليلي اتلم


شهقت ونهضت تركض خارج المكتب بينما ضحكاته كانت تتبعها لكنه كان أخيرًا أخف ألمًا

كلماتها كانت كالبلسم تداوي ما تحطم داخله

............

ولجت غرفتهما ما إن عادت إلى القصر كان قلبها خفيفًا على غير عادته يرفرف بسعادة غريبة لأنها استطاعت ولو لبرهة أن تنتزع من صدره شيئًا من وجعه وتُسكِنه بكلماتها


تردّد في رأسها حديث سيدرا عن حب يونس لها ذاك الحب الذي أخفته عنه عمدًا وكأنها تخشى أن يفتضح أمر قلبه أمامها أو أن ترى في عينيه انتظارًا لا تملك له جوابًا


كانت تخاف لا لأنها ترفضه بل لأنها لم تكن تعلم إن كانت قادرة على رد هذا الشعور دون أن تظلمه أو تجرحه وبينما كانت تتجول تبدل ثيابها داخل غرفة الملابس استوقفها باب صغير جانبي أشبه بمخزن منسي لم تنتبه له من قبل

مدت يدها نحوه بدافع الفضول وما إن فتحته انحبست أنفاسها غرفة صغيرة لكنها مكتظة بها هي.....بها وحدها


لوحات لا تُحصى دفاتر ممتلئة برسوماتها ملامحها ابتسامتها حزنها وحتى نظراتها التي ظنت يومًا أن أحدًا لم ينتبه لها بعضها لها وحدها وبعضها جمعها به وكأنه كان ينسج لهما حياة كاملة على الورق حياة لم يجرؤ على عيشها في الواقع


لكنّ لوحة بعينها كانت كفيلة بأن تزلزلها وخطه الأنيق عليها :

خلق القمرُ لتستدل بهِ البشر وخُلق جمالُك ليَستدِل بهِ قلبي إلى الحُب


ارتعش قلبها وهي تقرأ اللوحة الأخرى :

يتبجحُ القمرُ بجمالهِ في السماء وهو لا يعلمُ أنهُ ليس سوى نُسخة باهتة من وجهِكِ الذي استوطنَ قلبي


وأخرى جعلتها تبكي من التأثر :

رأيتُ في جمالِ وجهكِ ما لا يراهُ النَّاسُ في القمر فسبحان من صاغَ فِتنتَكِ واستوطن حُبكِ في وريدي


وقفت بين تلك الكلمات كمن يقف وسط اعترافات لم تقال بصوت لكنها كانت أصدق من ألف اعتراف


شعرت وكأنها ترى قلبه عاريًا أمامها قلبًا أحبها في صمت ورسمها ألف مرة خوفًا من أن يعجز عن الاحتفاظ بها في الواقع وفي تلك اللحظة قارنته بنوح !!


فاشتعل بداخلها ذلك الكره لنوح أكثر وأكثر

كره وُلد يوم كسرها وما زال يكبر مع كل ذكرى كجرحٍ لا يندمل تتساءل كيف لرجلٍ أن يهدمها هكذا.....؟!

ورجلٍ آخر يحاول إعادة بناءها بكل هذا الحنان.....؟!


لأول مرة لم تشعر بالخوف من فكرة الحب مرة أخرى بعد ما فعله بها نوح بل تشعر بالرغبة فيه

رغبة حقيقية أن تمنح يونس فرصة أن تقترب منه

أن تجرب كيف يكون الأمان في قلب رجلٍ أحبها بهذا القدر


ربما كان يونس هو النجاة التي أرسلها الله إليها بعد كل ما عايشته من ألم وربما إن امتلكت الشجاعة لتمنحه فرصة ستكون هي المحظوظة حقًا لا لأنه أحبها فحسب بل لأنه أحبها بالطريقة التي كانت تستحقّ أن تُحب بها منذ البداية !!

..............

عاد يوسف إلى منزله لكن جسده فقط هو من عاد أما عقله وقلبه فبقيا هناك عند تلك اللحظة عند صوتها

المرتجف وهمسها الخافت له بكلمة....أحبك


الكلمة لم تغادره منذ أفاق كانت تتردد في رأسه بلا توقف يعيدها مرارًا يتذوقها وكأنه يخشى أن تكون مجرد وهم صنعه اقترابه من الموت لكنه كان متأكدًا

متأكدًا أنه سمعها ومتأكد أكثر أن ذلك الصوت كان صوتها هي

منذ أن خرج من المشفى لم يكف عن السؤال عنها

أين هي كيف حالها ولماذا لم تأتي لرؤيته.....؟!


كان يسأل الجميع عنها بإلحاح لكن كل ما يناله مجرد إجابات مطمئنة لا تطفئ قلقه كلمات عامة لا تحمل ما يريده حقًا لأنه لم يكن يريد أن يطمئن عليها من أفواههم بل من عينيها

كان يريد أن يراها أن يتأكد بنفسه أنها بخير

أن يعرف إن كانت تلك الكلمة حقيقة أم لحظة ضعف عابرة

جلس على حافة فراشه يمرر يده فوق وجهه بإرهاق جسده ما زال مثقلًا بالتعب وجرحه بالكاد يسمح له بالحركة لكن شوقه وقلقه كانا أقوى من كل ألم


حاول الجميع منعه حين رأوه ينهض يحذرونه من حالته من حاجته للراحة لكنه لم يكن يسمع شيئًا

في داخله كانت هناك رغبة واحدة فقط أن يصل إليها


التقط سترته ببطء وتحامل على نفسه ملامحه شاحبة خطواته غير ثابتة لكن عينيه كانتا ممتلئتين بإصرار غريب

أن يركض إليها ولو على حساب ألمه كله

..............

كانت ليلى منهمكة في مراجعة بعض الملفات أمامها تحاول أن تغرق نفسها في العمل هربًا من ذلك الصراع الذي لا يكف عن ملاحقتها لكن ما إن رفعت رأسها ورأته واقفًا أمامها حتى انعقد حاجباها بدهشة ممزوجة بالضيق.....


قالت ببرود بينما تسلل القلق إلى عينيها رغم محاولاتها المستميتة لإخفائه :

جاي ليه؟ المفروض إنك تعبان وترتاح


التقط يوسف ذلك القلق المختبئ في عينيها فابتسم ابتسامة باهتة وقال بصوت غلب عليه الشوق :

وحشتيني وكان نفسي أشوفك أوي


أجابته بجمود وهي تعود ببصرها إلى أوراقها :

روح بيتك وارتاح يا يوسف


تنهد بعمق ثم قال بصدق موجع :

راحتي جنبك يا ليلى نفسي تفهمي ده وتصدقيه


ألقت الملف من يدها بعصبية ثم رفعت عينيها إليه وقالت بحدة :

وأنا نفسي تفهم إني مش عاوزاك ولا عاوزة أشوف وشك


هز رأسه نافيًا وقال بثقة مشوبة بالألم :

كدابة والدليل حالتك لما كنا في المستشفى مش قولتي إنك بتحبيني واعترفتي ليا


ثبتت نظراتها عليه وقالت ببرود قاتل :

بحبك كأخ يا ابن عمتي إنت اللي معيش نفسك في أوهام فاكر إن عشان وقفت قصادي وخدت الرصاصة مكاني إني هسامحك وإنك كده كفرت عن أغلاطك في حقي لكن لا

أنا لا هلين ولا هضعف حتى لو بحبك زي ما إنت فاكر

أصلاً الموضوع ده كله إنت السبب فيه لأنك إنت اللي دخلت عقارب زي دول حياتنا وإنت اللي لازم تتحمل نتيجة غلطك مش أنا والرصاصة اللي خدتها مكاني إنت كنت تستاهل ألف غيرها وبرده مش كفاية


أطرق يوسف رأسه لحظة ثم رفع عينيه إليها بحزن عميق : كل ما بفكر إن الطريق بينا قرب ولو شوية بحسك بترجعينا لنقطة الصفر يا ليلى


وقفت أمامه بشموخ وعيناها تحملان من القسوة بقدر ما تحملان من الانكسار :

مفيش طريق من الأساس يا ابن عمتي ويلا بقى بالسلامة عشان عندي شغل ومش فاضية ليك


تنهد بأسى وكأن الكلمات خرجت من قلبٍ مثقل :

الكل حياته بتتصلح يا ليلى وأنا وإنتِ واقفين عند نفس النقطة لا إنتي قابلة محاولاتي ولا قابلة تقولي إيه اللي يرضيكي وأنا أنفذه لحد إمتى هنفضل كده مرة أنا أبعد وإنتي تقربي ودلوقتي العكس دوامة مش عاوزة تنتهي وحلها في إيدي وإيدك حتى لو بينا مصانع الحداد زي ما بيقولوا وحتى لو حصل بينا مصايب ما نقعد ونتكلم ونتفاهم خدي حقك مني بس من غير ما توجعي نفسك بالبعد أنا وإنتي عارفين إننا مش هنقدر نكون غير لبعض هنلف نلف ونرجع لبعض تاني فليه نضيع من عمرنا وقت إحنا أولى بيه....ليه يا ليلى


ارتجف شيء في أعماقها لكنها تماسكت وقالت بصوت مغمور بالمرارة :

أنا نا بس اللي مقدرتش أكون مع غيرك......لكن إنت قدرت


أغمض عينيه للحظة وكأن اعترافها طعنه ثم قال بصوت متهدج :

كنت غبي وماكنتش حاسس بحبك كنت معمي ومخدوع بس فوقت يا ليلى فوقت ونفسي أصلح كل حاجة ونفسي تكوني جنبي ومعايا


ضحكت بمرارة وقد بدأ قناع الصلابة يتشقق فوق ملامحها :

ليه دايمًا لازم يحصل اللي إنت نفسك فيه

أنا مش تحت أمرك يا يوسف ولا رهن إشارة منك


اقترب منها خطوة وقال بحزن صادق :

ماقولتش تحت أمري أنا بقولك اقعدي نتكلم ونتفاهم خدي حقك مني بالطريقة اللي تحفظ كرامتك وأنا والله ما هعترض ولا هفتح بوقي بكلمة ارجعيلي حتى لو بشروط على الأقل نكون أخدنا خطوة بدل ما إحنا واقفين مكاننا والكل حوالينا بيتقدم وحاله بيتصلح وإحنا لسه في نفس الدوامة


اشتعلت عيناها بالألم وقالت بصوت خرج مثقلًا بالقهر :

الكلام سهل بس الفعل صعب أوي وإنت مش في مكاني عشان تحس بيا ولا عيشت وجعي يمكن شايف إن النسيان سهل بس هو أصعب مما تتخيل إنت قعدت سنين مانستش انتقامك من الكل وفضلت تحارب فينا لمجرد إنك حسيت نفسك مظلوم وإنت أصلًا ظالم ما بالك أنا واللي عيشته وأنا كنت على حق


تقدمت نحو الباب وفتحته ثم قالت بثبات يخفي خلفه انكسارًا مريرًا :

اتفضل امشي ورايا شغل


ظل واقفًا للحظة يتأملها وكأن روحه تُنتزع منه ثم استدار ليرحل لكنه قبل أن يعبر الباب توقف والتفت إليها بعينين ملؤهما الإصرار والندم وقال بصوت حاسم :

وأنا مش هسيبك يا ليلى وزي ما قولتلك قبل كده كل ما هتقفلي باب في وشي هرجع وأفتح غيره !!!

...............

عاد حمزة إلى القصر بعد غياب لم يدم طويلًا في حساب الوقت لكنه بدا له كأنه سنوات من الضياع والتيه وما

إن وطأت قدماه الداخل حتى التقت عيناه بعيني مالك الذي كان أول من نهض واستقبله


تقدّم نحوه بلا تردد واحتضنه بقوة رغم أن الجروح بينهما لم تلتئم تمامًا بعد ومازالت بعض الشروخ قائمة لكن كليهما كان يحاول التمسك بما تبقى بأنهما أخوان قبل كل شيء


ابتعد مالك عنه ليجد أوس يتقدم نحوه لأول مرة والده الذي طالما وقف بينهما حاجز من الصمت والجفاء

اقترب أوس وضمه إليه دون كلمة لكن ذلك العناق وحده كان كافيًا ليهز شيئًا عميقًا داخل حمزة ويمنحه دفئًا افتقده طويلًا


تشبث به حمزة وهمس بصوت مختنق بالندم :

أنا آسف !!


لكن أوس قاطعه بصوت منخفض لم يسمعه سواهما :

المهم إنك رجعت يا بني وده كفاية أوي بالنسبالي

نورت بيتك من تاني


تسللت تلك الكلمات إلى قلب حمزة كبلسمٍ دافئ، وفهم جيدًا أن والده لم يقصد فقط عودته إلى القصر بل عودته إلى نفسه إلى عقله إلى الطريق الصحيح


شعر بفخرٍ عارم وهو يرى الجميع من حوله يحتوونه رغم كل ما حدث وكان يعلم أن الفضل الأول في ذلك يعود إلى ليان الفتاة التي شعر في تلك اللحظة برغبة جارفة في الركض إليها واحتضانها وشكرها على كل شيؤ


والفضل الثاني كان لمالك الذي عاد هو الآخر إلى هذا البيت لأول مرة منذ كل ما جرى


الجميع كانوا هناك متجاهلين وجود مهرة تمامًا حتى ليلى لم تستطع النظر إليها أو نسيان ما فعلته

اقتربت ليلى من أخويها واحتضنتهما بمحبة وكأن دفء العائلة عاد أخيرًا ليجمع شتاتهم لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا حيث اقتربت مهرة من حمزة ما أن رأته يقف وحده عيناها تمتلئان بالغضب والخذلان ثم قالت بمرارة :

انت السبب يا حمزة انت سبب اللي حصل ده كله

انت سبب بعدهم عني ونظراتهم ليا بالشكل ده أبوك طلقني لأول مرة في حياته وإخواتك بعدوا عني ارتحت كده

لما طلعت نفسك الملاك وأنا الغلطانة ارتحت لما شوهت صورة أمك في عيون الكل أنا حبيتك أكتر منهم كلهم وفضلتك عليهم وفي الآخر تغدر بيا أنا 


رفع حمزة رأسه إليها والألم يمزق صدره لكنه أجابها بقوة : لمرة واحدة واجهي نفسك بحقيقتك شوفي إن اللي انتي فيه ده نتيجة عمايلك إنتي وغلك وعلى فكرة هما مش شايفني ملاك هما شايفيني واحد غلط وتاب وبيحاول يصلح غلطه مكانوش هيصدقوني غير لما شافوا الصدق مني


ثم أشار إلى من حوله وقال بمرارة :

دي عيلتي اللي طول عمرك بتحاولي تكرهيني فيهم وتبعديني عنهم عشان أخدم خططك لو كانوا شافوا منك ندم حقيقي كانوا ادوكي فرصة زي ما ادوني لكن إنتي ندمانة عشان اتكشفتي مش عشان غلطتي


ازدادت دموعها لكنه لم يتوقف :

عمتي سارة كرهتيها لما اتغيرت وبقت أحسن منك وخدت مكانة في قلوبهم وعمتي حياة كنتي بتغيري منها عشان فيها كل حاجة مش فيكي وده اللي كان بيحرقك من جوه 


اقترب منها أكثر وصوته ازداد قسوة :

مفيش حد غلطان غيرك أبويا عمره ما بعدك عنه إنتي اللي كنتِ بتبعديه غلك من الكل خلاكي تخسريهم

زرعتي جوايا الكره والحقد ودلوقتي زعلانة إني رديتهولك نسيتي ان اللي بيزرع هو أول واحد بيحصد يا مهرة هانم


ثم نظر إليها نظرة أخيرة قاسية كالحقيقة :

انتي مش بس أسوأ أم إنتي أسوأ زوجة وأبويا معاه كل الحق لما راح اتجوز غيرك عشان إنتي بجد مريضة


في لحظة خاطفة هوت بكفها على وجهه بصفعة مدوية بينما انفجرت دموعها من القهر في تلك اللحظة اقترب أوس منها عيناه تشتعلان غضبًا وقال من بين أسنانه :

غلطاتك كترت أوي يا مهرة اطلعي أوضتك ومتخرجيش منها


لكنها لم تتحرك كأن قدميها تجمدتا في مكانهما

فصرخ فيها أوس بغضب أعنف جعل الجميع ينتبهون :

قولتلك غوري على فوق


أسرعت فرح ابنة خالتها وسحبتها معها إلى الأعلى بينما كانت الدموع والحزن يكسوان وجهها.


أما حمزة فخرج إلى الحديقة والغضب يغلي في صدره وهناك لمح مالك واقفًا وحده شاردًا في الفراغ اقترب منه، ولم يمهله حتى يلتفت وقال فجأة وبصوت حاسم :

أنا بحب ليان بنت عمتي سارة وعاوز أتجوزها !!!


تجمد مالك في مكانه واتسعت عيناه بصدمة واضحة

التفت إليه ببطء يحدق فيه غير مستوعب ما سمعه للتو بقي صامتًا والذهول وحده يملأ ملامحه

.............

بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير

قالها المأذون وهو يرفع المنديل من فوق يد نوح التي كانت موضوعة فوق يد أدهم معلنًا انتهاء عقد القران


كان نوح يكتب كتابه على شدوى بالإجبار وبينه وبين أدهم اشتعلت نظرات نارية نظرات لو أُطلقت في العراء لأحرقت الأخضر واليابس بل ربما أحرقتهم هم أنفسهم وهم جالسون


نوح الذي يكره أدهم حد الموت لأنه أجبره على الزواج من شدوى مهددًا إياه بأخته التي اختفت حتى اللحظة وكأن الأرض قد ابتلعتها وأدهم ذلك الأب الذي لم يستطع نسيان أن هذا الحقير هو من دنس ابنته، أرعبها، وسلب منها

طمأنينتها وشرفها


ما إن غادر المأذون وخلا المكان إلا من أنفاسهم الثقيلة حتى نفد ما تبقى من صبر أدهم اندفع نحوه بعنف ولكمه بقوة جعلت رأسه ينحرف جانبًا ورغم تقدمه في السن إلا أن جسده ما زال يحتفظ بصلابته أما غضبه على ما فعله بابنته فقد منحه قوة مضاعفة


أمسك به رجال أدهم بصعوبة وأبعدوه عنه بينما كان نوح مستسلمًا وقد أدرك أن الحقيقة قد انكشفت أخيرًا وقد علم أدهم ما فعله بابنته !!


وقف أدهم أمامه صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب وقال بوعيد تقشعر له الأبدان :

مفيش حاجة حيشاني عنك حاليًا غير الطفل اللي في بطنها ده ووعدي ليها إني هجوزك منها رسمي عشان الطفل اللي مالهوش ذنب في قرفكم لكن قسمًا بالله يا نوح نهايتك ما هتكون غير على إيدي وزي ما عملت في بنتي هيحصل في أختك بالظبط


صرخ نوح بجنون وقد تلبسه الرعب على أخته :

مالكش دعوة بأختي أنا قدامك اهو خد حقك مني راجل لراجل أختي مالهاش ذنب


قهقه أدهم بمرارة ممزوجة بالقرف ثم قال بحدة :

ولما انت شايف نفسك راجل خدت حقك من الحريم ليه ودخلتهم في النص عشان تاخد حقك وانت أصلًا مالكش

حق عندي من الأول دخلت ليه.بنتي في انتقامك وهي مالهاش ذنب.....

الراجل مايعملش كده في واحدة إلا لو كان ناقص وضعيف اللي ياخد حقه من ست بالطريقة الرخيصة دي يبقى رخيص وزبالة انت مش راجل عشان تتكلم عن أمور الرجالة وأخدهم للحق بيكون عامل إزاي انت كنت أضعف وأجبن من إنك تاخد حقك مني وش لوش وزي ما انت سبقت ودخلت الحريم في تارك أنا مش هقولك لا والبادي أظلم زي ما بيقولوا


ارتجف نوح لأول مرة شعر بالخوف الحقيقي

ليس على نفسه بل على أخته

شعر أن قلبه انقبض بقسوة وأن مجرد تخيل أن يمسها سوء كان كفيلًا بخنقه راقب أدهم وهو يغادر وعيناه معلقتان بظهره في ذعر حقيقي !!


أما شدوى فرغم كل ما سمعته شعرت براحةٍ غريبة كأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدرها انتهت أكبر أزماتها واستترت أخيرًا

ابنها سيأتي إلى الدنيا وله أب يعترف به

احتضنتها فيروز وقد بدا عليها بعض الارتياح وقالت برفق :

أول ما تقومي بالسلامة هكلم أهلنا ونروح البلد ملناش قعاد هنا تاني حياتك في خطر لازم نكون وسط أهلنا هما اللي هيحمونا يا شدوى ونقولهم إنك اتجوزتي وجوزك مسافر مثلًا لدولة من دول الخليج وناخد معانا قسيمة الجواز كله هيبقى تمام ماتقلقيش


أومأت شدوى بصمت لكن عيناها كانتا معلقتين بنوح

كان يبدو كأنه غارق في عالمٍ آخر ثم قالت بصوتٍ يحمل

ألمًا ومرارة وشماتة موجعة :

خاف يا نوح عشان انت افتريت كتير أوي سواء معايا أو مع غيري ظلمت كتير وانت طول عمرك حاسس إنك مظلوم مارحمتش حد ودوست ع الكل وع اللي حبيتك من قلبها سواء أنا ولا قمر أنت فضحت الكل وماسترتش حد

مستني ربنا يستر أختك ويحافظ عليها ليه كنت اتقيت الله في بنات الناس عشان ربنا يحافظلك على أختك

كله سلف ودين وكله هيتردلك وابنك اللي في بطني أنا هربيه من غيرك وهكبره وأخليه راجل الناس كلها تفتخر بيه

همحي وجودك من حياته زي ما انت كنت عاوز تمحيه من قبل ما ييجي الدنيا


رفع نوح رأسه إليها وعيناه مشتعلة بالغضب ثم صرخ فيها :

مبقاش إلا الرخيصة اللي زيك تقولي أنا كده وتعملي فيها دور الشريفة انتي وس....ومكانك الزبالة وبس سيبي نصايح دي كلها وكلامك عن ربنا عشان مش لايق عليكي الدور ده


ارتجف قلبها رغم كل شيء رغم كل ما فعله بها مازالت

تحبه وذلك كان جنونها الأكبر


نظرت إليه بعينين مغرورقتين بالخذلان وقالت بقهرٍ موجع :

الوس....دي انت كنت أول واحد تطول منها شعرة

اتجوزتني شريفة وانت اللي بإيدك رمتني لغيرك يلمسني ويقرب مني انت اللي رخصتني وأنا رخصت نفسي كمان لما حبيتك انت كشفت عرضي وسرقت مني الحاجة الوحيدة اللي كنت محافظة عليها منك لله يا نوح حسبي الله ونعم الوكيل فيك


في تلك اللحظة شعر نوح بشيءٍ غريب يخنقه

لأول مرة لم تغضبه كلماتها بل آلمته الحقيقة التي تحملها

الحقيقة التي حاول طويلًا دفنها لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنها لم تكذب في حرفٍ واحد !!!!

............

انت رايح فين....؟!

قالتها قمر بذهول ليرفع حاجبه مجيبًا ببراءة مصطنعة رغم ذلك المكر الواضح في عينيه :

هنام


ضيقت عينيها نحوه وقالت بسخرية :

تصدق كنت مفكراك هتعوم


ثم تابعت بحدة وهي تشير إلى الفراش :

ما أنا عارفة إنك هتنام لكن تنام جنبي ليه


التقطت الوسادة وألقتها نحوه ببرود متعمد :

خد المخدة اهي ونام على الكنبة


التقطها يونس بعدما ارتطمت بوجهه وحدق بها بغيظ :

والله إنك مفترية عاوزة تحرميني من سريري حبيبي وتخليني أنام في عز البرد على الكنبة


عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بسخرية :

احنا في الصيف


تمتم وهو يقترب قليلًا بعينين تعبثان بها :

وأنا بردان وعاوز أتدفى ما تيجي في حضني تدفيني


اشتعل وجهها خجلًا وسارعت تزجره وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه :

روح نام بلاش قلة أدب


رمقها بنظرة طويلة فيها من المشاكسة أكثر مما فيها من الاستسلام قبل أن يتجه أخيرًا نحو الأريكة ويلقي بجسده عليها بتذمر واضح


تمدد هناك وهو يتمتم بغيظ خافت لكنه كان مسموعًا بما يكفي :

قلة أدب عشان حضن أومال لو دخلت جوه دماغي وشافت كل التخيلات اللي فيها كانت هتعمل إيه أكيد هتقول عليا من كفار قريش


تسللت ضحكة خافتة من بين شفتي قمر رغمًا عنها فشدت الغطاء فوق وجهها تخفي خجلها بينما قلبها يخفق على نحوٍ لم تعهده وفي الجهة الأخرى ابتسم يونس في الظلام حين سمع ضحكتها مدركًا أن تلك المعركة الصغيرة بينهما كانت أجمل ما حدث له في يومه كله !!


يتبع.......

#تكملة_الفصل_الرابع_والعشرون

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

كانت سمر تغرق في عذاب لم تتخيل يومًا أن جسدًا بشريًا قادر على احتماله أربعة نسوة تناوبن عليها بلا رحمة كأن قلوبهن قد نُزعت من صدورهن ينهلن عليها ضربًا ليلًا ونهارًا لا يتركن موضعًا في جسدها إلا ووشموه بالألم


قبل أن يبدأ ذلك الجحيم دخل عليها أدهم وعيناه تشتعلان غضبًا ووقف أمامها كمن يحمل العالم كله فوق صدره ثم انهالت عليها بصفعاته القاسية بينما هي تضحك بشماتة مستفزة إياه.....!!


انحنى نحوها وقال بصوت يقطر منه الحقد :

الموت ليكي رحمة وأنا مش ناوي أرحمك كل دقيقة باقية في عمرك هحولها لجحيم كان نفسي أعمل فيكي نفس اللي بنتي اتعرضتله بسببك إنتي والواطي التاني بس واحدة رخيصة زيك لو اتعرضت للي بنتي عاشته مايفرقش معاها عشان انتي رخيصة


ثم تركها وغادر لتبدأ مرحلة أشد قسوة دخلت النساء الأربع بعدها وكأنهن أُطلقن لتنفيذ حكم لا نهاية له كلما فقدت وعيها من شدة الضرب أفقنها ليبدأن من جديد حتى صار الإغماء بالنسبة لها استراحة قصيرة من الجحيم ولم يكن ذلك الكلب الذي لم يكف عن النباح عليها أقل وحشية منهن بل انغرزت أنيابه في ذراعها ممزقًا لحمها تاركًا جرحًا ينزف بغزارة


أدركت حينها أن أدهم لم يكن يهدد عبثًا لقد قال ونفذ وما خلفه لها كان عذابًا جعل الموت أمنية تتوسلها في صمت


أما وائل فلم يكن حاله أفضل منها بين يدي نوح صار العذاب شيئًا آخر أكثر ظلمة بل أكثر وحشية


نوح لم يعرف الرحمة قط ولم يحمل في قلبه ذرة شفقة كتلك التي ربما كبح بها أدهم نفسه


أفرغ فيه كل ما تراكم داخله من غل وكل ضربة كانت تحمل سنوات من الكراهية حتى تركه محطمًا رجلًا فقد حتى رجولته بعدما جعله عاجزًا ان الاقتراب من امرأة أو أن يعيش حياة طبيعية


في تلك اللحظة بينما كان ينهال عليه ضربًا بلا هوادة أمسك هاتفه واتصل بقمر من رقم غريب ليضمن أن تجيب عليه وما إن أجابت حتى قال بصوتٍ متحشرج من الغضب :

أنا باخدلك حقك وحقي من اللي ظلمونا


لكن صوتها جاء باردًا قاسيًا كأنه سكين شق صدره :

خدتلي حقي منهم ونسيت نفسك

انا ماكنتش مستنية منك ولا من غيرك ياخدلي حقي عشان أنا سيباه لربنا وهفضل طول عمري أدعي إنك تدوق نفس اللي عملته فيا وتعيشه أضعاف حسبي الله ونعم الوكيل

فيك وفيهم يا نوح !!


ثم أغلقت الخط وساد الصمت

صمتٌ كان أشد عليه من أي صراخ

تمنى لو أنها شتمته أو صرخت فيه أو حتى بكت.....

أي شيء إلا تلك الكلمات لكنها لم تفعل وذلك كان أقسى عقاب

قبض على الهاتف حتى ابيضّت مفاصله وصدره يشتعل بنار لم يعرف كيف يطفئها مجرد تخيلها في حضن رجل آخر كان كفيلًا بتمزيقه من الداخل للمرة الأولى أدرك أنه خسرها حقًا

بل وخسر معها كل شيء


لكن وسط ذلك الخراب ظل عقله معلقًا بأخته

يتساءل اين هي.....؟!

كأن الأرض ابتلعتها لا أثر لها ولا وجود وكأن أدهم تعمد أن يترك هذا الفراغ في قلبه ليذيقه عذابًا لا يقل قسوة عن كل ما فعله بابنته ليجعله يشعر بالعجز عن انقاذ شقيقته كما فعل هو بابنته يومًا !!!

.................

على الناحية الأخرى وفي ذلك الملحق المنعزل التابع لفيلا

بدر وحياة كانت بسمة تقيم هناك خفية عن الجميع


ما إن علما من إلياس بالأمس أن الفتاة محتجزة وحدها في شقة تحت الحراسة حتى أصرا على إحضارها إليهما ولأجل خصوصيتها ولإبعادها عن العيون خصصا لها ملحق الفيلا بأكمله لتبقى فيه بعيدة عن الأعين


كانت تجلس في بهوه الواسع ما أن جاءت منذ عدة ساعات ساكنة هي والصمت وجهان لعملة واحدة تحدق في الفراغ أمامها بعينين ممتلئتين بالتيه من بيتٍ غريب إلى مكانٍ أغرب


صحيح أنهم عاملوها بلطف ولم تمتد إليها يد سوء لكن قلبها ظل يرتجف من الداخل كانت خائفة.....خائفة من كل شيء

من الغموض من الأسئلة التي لا تجد لها جوابًا ومن عجزها الذي كان يطحن روحها كلما احتاجت للكلام ولم تستطع أو أرادت الفهم ولم تقدر وكان ذلك أكثر ما يؤلمها

تشعر دائمًا بأنها عبء بل ثقيلة ومكسورة وأن نظرات الشفقة التي تلقى عليها وإن كانت صامتة تخنقها أكثر من أي كلمة


صعدت إلى غرفتها في الطابق العلوي تحمل حقيبة صغيرة لم تضم سوى بعض الملابس التي حصلت عليها منهم

بدلت ثيابها إلى جلباب نوم زهري ناعم طويل تنسدل أكمامه لنصف ذراعيها ثم ارتمت فوق الفراش


كانت تحدق في سقف الغرفة تحاول أن تفهم ما يجري حولها لكن الأفكار كانت أكثر تعقيدًا من أن تفهم وللحظة

قبل أن يغلبها النعاس انسابت دمعة وحيدة من عينيها

دمعة حملت أمنية ثقيلة وهي الموت لعلها ترتاح وتريح الجميع من حملها تنهدت ثم غفت بعدها بينما قلبها لا يزال مثقلًا بالحزن


أما بالأسفل كان عاصم يتسلل كالسارق حذرًا من أن يراه أحد خصوصًا والده بعد الكارثة التي ارتكبها قبل ساعات قليلة

حيث سرق سيارة أبيه الفارهة التي كانت أفخم وأغلى من سيارته وسيارات إخوته وبغبائه المعتاد حطمها في حادث

ترك السيارة كما هي بالجراج وفر ولم يجد مكانًا أفضل للاختباء من ذلك الملحق المهجور


أغلق الأبواب خلفه وصعد بخفة إلى الطابق العلوي حتى فتح باب إحدى الغرف الغارقة في الظلام يتمتم براحة ومرح  :

أما اناملي شوية وارتاح لحد ما العاصفة تهدى بره


اقترب من الفراش دون أن يرى شيئًا خلع قميصه وألقاه بإهمال ثم ارتمى بجسده فوق الفراش الواسع وسرعان ما غرق في النوم لكن بعد دقائق.......


بدأ يتقلب مد يده بلا وعي فوقعت على شيءٍ دافئ

لين كأنه جسد عبس في نومه وبدأ يتحسس أكثر حتى انتفضت بسمة فجأة من مكانها واستيقظت مذعورة وأخذت تضرب بيديها في الظلام بعشوائية حتى انغرست أصابعها في عين عاصم الذي شهق متألمًا وصاح :

عيني ايه الغباوة دي !!!


لكنها لم تتوقف كانت تضربه بهلع أعمى لا تسمعه ولا تستطيع أن تشرح شيئًا جز على أسنانه بضيق وأمسك معصميها يثبتها فوق الفراش ثم مد يده سريعًا وأضاء المصباح بجواره وفي اللحظة التي أضاء فيها النور تجمد بل انحبس نفسه

كأن الزمن توقف عيناه اتسعتا وهو يحدق فيها.....جميلة !!!!


لا تلك الكلمة ظلمًا لما يراه

كانت أقرب لحورية هبطت من سماء بعيدة

ملامحها صغيرة رقيقة بريئة كأنها طفلة نضج جمالها قبل أوانه خصلات شعرها الطويلة الناعمة منسدلة حولها كخيوط حرير ووجنتاها الموشحتان بحمرة طبيعية بدتا كأنهما خُلقتا لتُفتنا من يراهما أما شفتيها فكانتا ممتلئتين ساكنتين لكنهما تحملان إغراءً لا يُفسر


ظل يحدق فيها مأخوذًا كأن عقله فقد القدرة على التفكير

حتى خرجت الكلمات من بين شفتيه تلقائيًا وهو يهمس بذهول :

يخربيتك جمال أمك هو أنا دخلت أستخبى من أبويا ولا دخلت الجنة بالغلط !!


لم تفهم كلمة مما قال ولم تسمع صوته أصلًا لكنها فهمت شيئًا واحدًا فقط أنه غريب اقتحم غرفتها ليلًا وكان هذا وحده كافيًا ليشعل الرعب داخلها


بعينين مذعورتين راحت تدفعه عنها بعنفٍ وشراسة بينما هو يحدق فيها مأخوذًا وقد امتدت يده دون وعي تعبث بخصلات شعرها الناعمة يمررها بين أصابعه بانبهار :

شعر ده ولا حرير !!


دفعت يده بقوة ثم أفلتت منه وركضت

اتسعت عيناه بدهشة قبل أن يندفع خلفها وهو يلهث :

اتهدي اللي يخربيتك كل ده عشان عبرت عن إعجابي بجمالك أومال لو قولتلك إنتي صاروخ عابر للقارات هتعملي فيا إيه


لكنها لم تكن تسمع لم تكن تفهم كانت فقط تهرب

تلتقط أي شيء تقع عليه يداها وتقذفه نحوه في ذعر بينما هو كان يتفادى ما ترميه بصعوبة حتى كاد يفقد أعصابه من فرط الركض ثم استطاع أخيرًا أن يمسك بها ويثبتها بين ذراعيه ملاصقة للحائط وهو يلهث بقوة :

اهدي بقى يخربيتك قطعتي نفسي انا أصلًا جيت هنا مستخبي من مصيبة سودا عملتها


توقفت عيناه عند وجهها مجددًا وتاه كأن جمالها يزداد كل لحظة ابتلع ريقه وهو يتمتم ناظرًا إليها بتأمل وهيام صريح :

أقوم ألاقي البلوة الحلوة دي طب والله أنا مرزق من يومي


كانت ترتجف خائفة وعيناها تزدادان اتساعًا وفجأة انحنت نحوه وباغتته بأسنانها تغرسها في عنقه بقوة :

آآآه يا مجنونة !!!!


دفعته بعيدًا عنها وانطلقت تركض من جديد وضع يده على عنقه وهو يسب تحت أنفاسه ثم لحقها غاضبًا كانت تهبط الدرج مسرعة لكن خوفها أعماها تعثرت في طرف ثوبها الطويل وفي اللحظة التي أوشكت فيها على السقوط كان قد لحق بها التقطها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالأرض

لكن ما أوقفه لم يكن سقوطها بل دموعها !!


تبكي بصمت دموع غزيرة تنساب على وجنتيها وجسدها كله يرتجف كعصفور مبتل حينها فقط لاحظ شيئًا غريبًا

هي لم تنطق حرفًا حتى أنها لم تصرخ لم تستغث لم تتكلم

فقط تتحرك لتهرب وتبكي هبطت عيناه نحو قدمها فلاحظ التواءها الواضح واحمرارها الذي بدأ يزداد زفر ببطء وشيء من الذنب وخزه أدرك أنه تمادى وأن مزاحه الثقيل كان رعبًا حقيقيًا بالنسبة لها


بهدوء هذه المرة انحنى وحملها بين ذراعيه برفق رغم مقاومتها وضعفها وهو ينزل بها درجات السلم عاقدًا

حاجبيه وهو يتفقد إصابتها لكن ما إن وصل إلى آخر الدرج

حتى تجمد مكانه فقد انفتح باب الملحق بعنف ودخل بدر مع حياة أولًا يتبعهما يوسف ومروان وعشق وخلفهم عدد من الخدم ورجال الحراسة الجميع اقتحم المكان لكن ما رأوه كان صدمة !!!


تجمد الجميع في أماكنهم كأن الزمن قد توقف للحظة

اتسعت عينا حياة بذهول ووضعت كفها فوق فمها من فرط الصدمة بينما انعقد حاجبا بدر غير مصدق ما يراه امامه الآن

عاصم عاري الصدر يحمل بين ذراعيه تلك الفتاة وثوب نومها الزهري الطويل ينسدل حولها بينما ذراعاها ملتفتان حول عنقه بتلقائية كأنها تتشبث به رغم خوفها 


رفع عاصم رأسه إليهم ببطء، ثم نظر إلى الفتاة بين ذراعيه ثم عاد إليهم مجددًا وقال بابتسامة بلهاء :

قبل ما حد يفهم غلط البت دي عضتني في رقبتي ولازم تخلوها تصلح غلطتها وتتجوزني !!!!!!

................

للمرة التي لم يعد يعلم عددها منذ آخر مرة رقصت له وحاولت أن تغويه ورأت بوضوح ذلك التأثر العابر في عينيه لم تتوقف غزل عن محاولاتها كانت تسعى بلا يأس أن تستميله إليها أن تنتزعه من دوامة مهرة التي لم تخرج من رأسه يومًا لكنه رغم كل شيء ظل لا يراها


بل إن الأمر كان أشد قسوة من ذلك.....

كان يدخل غرفتها كل ليلة يمدد جسده فوق الأريكة البعيدة عنها رافضًا كل محاولاتها ويترك الفراش لها وحدها كأن بينهما بحرًا لا سريرًا واحدًا


فتظل مستيقظة تحدق في ملامحه تحت ضوء الليل الخافت تلتهمه بعينيها وتتساءل كيف لرجلٍ تملكه ألا يكون لها....!!


أما الليلة فقد قررت من جديد ألا تستسلم رغم رفضها الداخلي لما تفعل وعدم قناعتها به فهي من يستميلها الرجال لينالوا نظرة وليس العكس كما تفعل الآن لكنها اقنعت نفسها انه زوجها ولا حرج عليها في ذلك !!!


ارتدت قميصًا أسود انسدل على جسدها بانسيابية جريئة أظهر نعومة بشرتها البيضاء وتركت شعرها حرًّا ينساب على كتفيها لكنها هذه المرة وعلى غير عادتها تخلت عن زينتها الصاخبة واكتفت بلمساتٍ رقيقة أقرب لما كانت تعرف أن مهرة تفعله تحاول أن تكون المرأة التي سكنت قلبه


ما إن دخل الغرفة حتى أسرعت إليه ارتمت بين ذراعيه لكنه لم يبادلها بل أبعدها بهدوء بارد ثم خلع سترته وألقى بجسده فوق الأريكة قائلًا بجمود :

اطفي النور عاوز أنام


اقتربت منه وعيناها تلمعان برجاءٍ خافت وراحت أصابعها تنساب فوق صدره العريض تفك أزرار قميصه بجرأة لكن أوس قبض على معصمها فجأة وقال بحدة :

روحي نامي يا غزل وبلاش دلع أنا مش فايقلك


جلست فوق ساقيه واقتربت من وجهه حتى كادت أنفاسها تلامس شفتيه وقالت بصوتٍ ممتلئ بالشوق :

بس أنا فايقالك وعندي استعداد أنسيك تعبك كله بس خليك معايا يا أوس


ثم باغتته بقبلةٍ ملتهبة.....قبلة كسرت آخر حواجزه ولأول مرة منذ زواجهما استجاب لها بادلها القبلة بشغفٍ عنيف كأن شيئًا بداخله تحرر أخيرًا وكادت غزل تلامس حلمها الذي انتظرته طويلًا وسعت بكل ما فيها أن تجذبه إليها أكثر

لكن فجأة أفاق وانتفض مبتعدًا عنها كأن نارًا اشتعلت في جسده ودفعها بقوة جعلتها تسقط أرضًا


سقطت غزل أرضًا بطريقة مهينة وقد وجدت نفسها في هيئة لم تتخيل يومًا أن يراها أحد بها لا هو ولا غيره

شعرت للحظة أن كرامتها سقطت معها على الأرض

ثيابها المضطربة وشعرها المبعثر حول وجهها

أنفاسها اللاهثة وارتجافة جسدها التي لم تكن من الشوق هذه المرة بل من الخزي هي غزل الصياد التي لم تسمح يومًا لرجل أن يراها ضعيفة ولا منكسرة ولا متوسلة الآن هي أمامه في أقسى صورة يمكن أن تهين امرأة.....


امرأة ألقت بنفسها بكل ما فيها لرجل أرادته ليقابلها هو كأنها شيء ابتذله رفعت عينيها إليه بصعوبة فرأته يدور حول نفسه بصدمة يمرر يده في شعره بعنف وكأن ما حدث لتوه كارثة كاد يقع فيها لقد اندمج معها وانساق خلفها للحظات

بل وكاد أن يتمم زواجه منها ويمنحها أخيرًا ما ظلت تتوسله منه بصمتٍ طويل


لكنه أفاق......

أفاق في اللحظة التي جعلتها تشعر أن اقترابه منها كان سقطة وأنها هي السقطة نفسها وهذا وحده كان كافيًا ليسحقها صرخ فيها بغضب كأنها هي من أذنب :

انتي عاوزة توصلي لإيه باللي بتعمليه ده فاكرة إن شوية إغراء ولبس رخيص وحركات أرخص هيخلوني أحبك أو حتى أعبرك


كل كلمة خرجت منه كانت تهبط فوقها كصفعة جديدة

لكن أكثر ما قتلها لم يكن صراخه بل تلك النظرة

نظرة رجلٍ شعر بالندم لأنه لمسها وكأنها لم تكن زوجته بل خطأ كاد يرتكبه


قبض على ذراعها بعنف وأجبرها على الوقوف أمام المرآة ثم أشار إلى انعكاسها بازدراء :

لو حصل وقربت منك زي ما انتي عاوزة وفاكرة إنك كده كسبتيني تبقي غلطانة عشان لو لمستك وكملت هبقى عملت كده بصفتي راجل عجبه جسم واحدة ونام معاها


نظرت إلى انعكاسها في المرآة وكأنها ترى نفسها لأول مرة رأت امرأة مكسورة رأت نفسها بعينيه هو.....لا بعينيها هي !!

كلماته كسياط تمزق ما تبقى من كرامتها لكن أوس لم يتوقف

بل قال بمرارة وغضب كأنه يعاقب نفسه قبل أن يعاقبها :

كل مرة بصدك فيها بقول يمكن تعقلي يمكن تفتكري إنك واحدة كبيرة داخلة على الأربعين مش مراهقة بتجري ورا وهم لكن كل مرة بتبقي أسوأ بحركات رخيصة ما بيعملهاش غير بتوع الكباريهات


ترتجف قلبها بعنف ثم أكمل وهو يوجه لها الضربة الأقسى :

أنا اتجوزتك لسبب واحد عشان أحرق قلبها وأنتقم منها

بس ده ما معناه أبدًا إني ممكن أحبك أو أنساها أنا لا بحبك ولا هحبك ومش مستعد أكرر غلطة زمان وأتجوز واحدة أقل مني في أي حاجة 


قاطعته قائلة بصوت ثابت رغم أن روحها كانت تنزف :

طلقني !!


التفت إليها مصدومًا لكن صدمته تضاعفت حين وجدها تقف بثباتٍ مهيب تتجه نحو ركن الغرفة تلتقط الروب الأسود الطويل وتغطي به جسدها كله وكأنها تنتزع نفسها من تحت عينيه ثم التفتت إليه بعينين دامعتين وكبرياء يشتعل :

أنا غزل الصياد وشكلك نسيت أنا مين يا أوس أنا اللي عمر ما حد داس ليها على طرف ولا حد اتجرأ يرفع عينه فيها ولا سمحت لحد يطول مني نظرة


ابتلعت غصتها وأكملت بصوت مرتجف لكنه قوي.:

ولما فكرت أعمل كل ده عملته معاك إنت جوزي وحلالي عشان أجذبك ليا اتنازلت عن حاجات عمري ما تخيلت أعملها بس عشان تبقى ليا لكن واضح إني كنت غلطانة لأن اللي أنا شوفته حب إنت شوفته رخص وشغل كباريهات


رفعت رأسها بكبرياء مجروح وقالت آخر كلماتها :

وانهارده أنا فهمت كويس أوي إن اللي بيتذلل لحد عشان يحبه بيخسر نفسه وأنا عمري ما كنت خسارة أنا مكسب كبير أوي ليك ولغيرك يعني انت يكفيك فخر بس اني

اتنازلت واتجوزتك !!!!!

...............

توقفت غزل في بهو الفيلا في صباح اليوم التالي وما إن همت بالنزول حتى اعترضت طريقها مهرة وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة شماتة وعيناها تقدحان حقدًا دفينًا

اقتربت منها وهي تقول بخبث :

أنا سمعته امبارح.....

سمعته وهو يا عيني عمال يهزق فيكي وقرفان من رخصك وفرض نفسك عليه والله وماليكي عليا حلفان فرحت فيكي أوي وشمت كمان


نظرت إليها غزل نظرة متعالية ثابتة نظرة أشعلت الغيرة في قلب مهرة أكثر لا سيما وهي ترى فيها ذلك الجمال الذي طالما أثار حقدها جمالٌ يجمع بين البراءة والجرأة وبين الهيبة والفتنة حتى إنها كلما رأتها بجوار أوس شعرت وكأنهما خُلقا لبعضهما


ازدردت مهرة غيظها ثم قالت بغل واضح :

أوس اتجوزك بس عشان يغيظني ويضايقني بعد اللي حصل مني بس ده كله مجرد وقت هييجي يوم ويسامحني ويرجعلي عشان أوس حبني أنا ومحبش غيري وانتي وجودك في حياته كان مؤقت واهو انتهى وهيطلقك ويرجعلي


ساد صمت قصير قبل أن ترفع غزل عينيها إليها وتجيبها بصوت هادئ أربكها :

من يوم ما دخلت حياة أوس وشوفتك مرة من بعيد وأنا ما ارتحتلكيش مش عشان بكرهك لا بالعكس، انتي بتصعبي عليا


تغيرت ملامح مهرة بينما أكملت غزل بثبات :

انتي واحدة من جواها فاضية مالهاش قيمة حقيقية

حتى شهادتك ما قدرتيش تكمليها كل واحد في العيلة دي عمل لنفسه مكانة إلا انتي وبدل ما تصلحي من نفسك اخترتي أسهل طريق وهو الحقد والغل بأنك تكرهي أي حد أحسن منك وتكرهي أي حد غيرك يكون مبسوط 


اقتربت خطوة منها ونظراتها تزداد حدة :

انا بقالي شهر هنا وماشوفتش حد داسلك على طرف رغم إن اللي عملتيه كفاية يخلي الكل يكره اليوم اللي عرفك فيه لكن حتى ده ماخلاكيش تتعلمي لسه مكملة في غلك.....

اللي زيك يتزعل عليهم مش منهم


اشتعل وجه مهرة غضبًا وشعرت بإهانة لم تحتملها فصرخت عليها بحدة قاصدة جرحها :

وانتي كمان يتزعل عليكي واحدة بتحب واحد ورخصت نفسها عشانه وهو لا عبرها ولا حبها بالعكس أهانها وذلها يتزعل عليكي أكتر مني بكتير يا حلوة


ابتسمت غزل بسخرية باردة ثم قالت :

بس الزعل اللي هيزعلوه عليا يشرف !!

أنا عرضت حبي على واحد لكن ما أذيتش ناس مالهاش ذنب ماسجنتش ابني بأيد ابني التاني وماكرهتش ولادي في بعض وماحرضتش ابني إنه يكره أهله ولا ياخد شرف بنت بريئة مالهاش ذنب


ثم أردفت بنبرة أكثر قسوة :

أنا قدرت أكسب احترام الكل وعندي حاجات أفتخر بيها انتي بقى عندك إيه.....عيشتي مؤذية وهتموتي مؤذية


صرخت مهرة بجنون وقد بلغ بها الغضب منتهاه ثم رفعت يدها لتصفعها لكن غزل كانت أسرع قبضت على معصمها

بقوة وعيناها تقدحان نارًا وهي تقول بتحذير غاضب :

أنا مش هستحملك زي الكل والقلم ده لو كان نزل على وشي أقسملك بالله كنت وريتك النجوم في عز الضهر وسجنتك


تجمدت مهرة.....سجنتك

ترددت الكلمة داخل عقلها كالصدى وفي لحظة خاطفة ودون سابق إنذار سحبت يدها بعنف ثم ألقت بنفسها من أعلى الدرج ليتدحرج جسدها فوق الدرج وهي تصرخ صرخة مزقت أرجاء المكان ثم سكنت تمامًا !!!


اتسعت عينا غزل بصدمة وتجمد الدم في عروقها وهي تحدق بها غير مصدقة ما فعلته وفي تلك اللحظة تحديدًا

انفتح باب الفيلا ودخل أوس يتقدمه رجال العائلة

فتوقفت خطواتهم جميعًا وقد تجمدت ملامحهم أمام ذلك المشهد مهرة غارقة في دمائها أسفل الدرج وغزل تقف بالأعلى عيناها متسعتان ويدها لا تزال ممدودة في الهواء كأنها الجانية !!!!!!!

............

استفاقت قمر هذا الصباح وقلبها يحمل عزمًا جديدًا عزمًا يشبه الضوء بعد عتمةٍ طويلة لأول مرة منذ زمن لم تستيقظ مثقلة بالماضي بل محملة برغبة حقيقية في المحاولة

محاولة أن تمنح هذه العلاقة فرصة ولو بخطوة صغيرة


كانت تفكر في يونس.....

في ذلك الحب الذي لمسته في عينيه وقرأته في كلماته ورأته حيًا في الصور والمواقف

حبه لها نقي هو لم يطلب منها شيئًا سوى أن تكون بخير

للمرة الأولى أحبت نفسها قليلًا حين أدركت أنها كانت تستحق هذا الحب منذ البداية


رغم كل القسوة التي مرت بها رغم الندوب التي تركها نوح في روحها قررت أن تبدأ أن تنسى أو على الأقل تحاول النسيان حتى كرهها لنوح أرادت أن تتركه خلفها لأنه لم يعد يستحق أن يسكن قلبها


اختارت ثيابها بعناية اليوم وارتدت فستانًا أبيض بأكمام قصيرة منفوخة يضيق عند خصرها ثم ينسدل برقة حتى ما بعد ركبتيها وتركت شعرها منسدلًا بحرية فوق كتفيها


خرجت من غرفة الملابس لتقع عليها عينا يونس

كان يقف أمام المرآة يرتب خصلات شعره ويهندم هيئته لكن ما إن رآها حتى توقفت يده في الهواء وتجمد مكانه

ابتلع ريقه بصعوبة وعيناه تلتهمان تفاصيلها بولهٍ واضح

تساءل داخله بصدقٍ أربكه كيف كان العالم يعرف معنى الجمال قبل أن تأتي هي إليه بل كيف لم يكن اسمها هو التعريف ذاته.....؟!


ارتبكت قمر تحت نظراته وانخفض بصرها بخجل ثم جلست على حافة الفراش لترتدب حذائها الأبيض الصيفي لكن قبل أن تفعل انحنى يونس فجأة والتقط الحذاء من بين يديها

انتفضت وهي تراقبه يلبسه لها بنفسه بحنان أربك قلبها أكثر مما أربكها الموقف ذاته وحين انتهى جلس بجوارها قريبًا قريبًا بما يكفي لتسمع اضطراب أنفاسه قائلاً بعفوية وصوته يفيض انبهارًا :

ايه الجمال ده.....!!!!


ازداد احمرار وجنتيها وارتبكت أكثر ليتابع وهو غارق في تفاصيلها :

والله أنا قلبي مايستحملش الجمال ده كله


ضحكت بخفوت ضحكة صغيرة مرتبكة لكنها اختفت تمامًا حين انحنى فجأة وطبع قبلة دافئة على وجنتها


اتسعت عيناها وهمت أن تبتعد لكنه أحاطها بذراعه وسرعان ما لامست شفتيه شفتيها في قبلة ناعمة قصيرة لكنها كانت كافية لتربك روحها كلها


لكن فجأة انتفض الاثنان على صوت طفولي ولم يكون سوى صوت مليكة ابنة تمارا ابنة عمه التي تقف عند الباب بعينين متسعتين كأنها اكتشفت سرًا خطيرًا :

انتوا بتعملوا ايه ؟؟


دفعت قمر يونس بعيدًا بسرعة بينما انتفض هو الآخر من مكانه لكن الصغيرة كانت قد ركضت للخارج بالفعل

التفتت قمر إليه بوجه مشتعل خجلًا وقالت بحدة :

انت ايه اللي عملته ده


اقترب منها يونس بخطوات بطيئة وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة :

كنت بدوق الشهد


شهقت بغيظ ودفعته بقوة بعيدًا عنها :

يا قليل الأدب يا سافل


ثم ركضت للخارج وهو خلفها يضحك بصوتٍ عالٍ مستمتعًا بكل لحظة تجمعه بها بكل ارتباكها وكل غضبها وكل شيءٍ صغير يصنع بينهما حياة وبعد قليل.....


اجتمع الجميع حول مائدة الإفطار

ساد الهدوء للحظات قبل أن تقطعه مليكة بصوتها الطفولي البريء وهي تشير نحو شفتيها :

ماما عمو يونس كان بيبوس طنط قمر من هنا أنا شوفتهم


في اللحظة نفسها غص يونس بالطعام وبدأ يسعل بعنف

أما قمر فتحول وجهها إلى الأحمر القاني وكأن الدم صعد كله دفعة واحدة إلى وجنتيها


اختنق الجميع بطعامهم أو سعالهم، إلا إلياس الذي اكتفى بابتسامة ماكرة وهو يرمق يونس بنظرة فهمت كل شيء وقف يونس فجأة وقال بسرعة وهو يسحب قمر معه :

طب يا جماعة بالهنا والشفا


ما إن أصبحا بمفردهما حتى انهالت عليه بلكمات صغيرة في صدره وهي تقول بغيظ :

شوف عملت فينا ايه.....فضحتنا !!


ضحك يونس بقوة ممسكًا بيديها ليوقف ضرباتها وعيناه تلمعان بحياة لم يعرفها منذ زمن في تلك اللحظة شعر أن قلبه ينبض حقًا ينبض لأنها أخيرًا بدأت تقترب ولو بخطوة واحدة فقط ليعزم هو كل العزم أن يقترب منها أميالاً وليس

خطوة واحدة !!

.............

استعادت شدوى شيئًا من عافيتها بعدما بدأت جراحها النفسية تلتئم وبعدما اطمأن قلبها إلى أنها ستُنجب طفلًا يحمل اسم أبيه طفلًا شرعيًا لا يطارده عار ولا يلاحقه سؤال 


سافرت برفقة شقيقتها فيروز إلى موطنهما لكن العودة لم تكن دافئة كما تخيلت استقبلها الجميع بجفاء ثقيل بسبب أسلوبها المتعجرف معهم في السابق


لكن الأيام القليلة كانت كفيلة بأن تكشف لهم تبدلها رأوا هدوءها لينها ورأوا كيف أصبحت علاقتها بفيروز أكثر صفاء بعد سنوات من الشقاق فبدأ الجليد يذوب شيئًا فشيئًا


لكن خبر زواجها الذي تم دون علمهم أشعل غضبهم من جديد ولم تهدأ ثورتهم إلا بعدما أخبرتهم فيروز أن العريس كان مستعجلًا وأن كل شيء تم بحضورها وأنه ما أن سافر للعمل بدول الخليج قرروا العودة لبلدتهم


اسباب بدت واهية في نظرهم لم يقتنعوا بها تمامًا لكن رؤية قسيمة الزواج كانت كافية لإسكات اعتراضاتهم ففي النهاية هو زواج شرعي ولم ترتكب شدوى ما يُعاب


في حديقة البيت الكبير الذي يحتضن العائلة كلها جلست شدوى وحدها تحت ظلال القمر تقلب بين أناملها سوارًا أسود من الخرز تمرر عليه أصابعها بشوف غريب ثم تقربه من أنفها تستنشق رائحته كأنها تبحث فيه عن بقايا رجلٍ غاب وبقي أثره عالقًا بها !!


قتربت فيروز وجلست جوارها تتأمل شرودها قبل أن تسألها بهدوء وحيرة :

ليه بتحبيه الحب ده كله يا شدوى رغم إنه ماقدملكيش حاجة تخليكي تحبيه بالشكل ده


تنهدت شدوى وارتسم على شفتيها ابتسامة وجع ثم قالت بصوت مثقل بالحزن :

عشان غبية يا فيروز......

أنا برده بفضل أسأل نفسي نفس السؤال ده كل يوم بس عمري مالقيتش غير إجابة واحدة إن الحب ده مش بإيدينا

لما بتحبي حد بتحبيه بعيوبه قبل مميزاته حتى لو كان سبب في وجع قلبك الحب عامل زي الفخ أوله بيكون حلو ودافي ومغري لدرجة إنك تدخليه برجلك بس لما يقفل عليك وجعه بيبقى صعب أوي والخروج منه أصعب


ردت عليها فيروز بحزن على حالها :

بس كده عمرك هيضيع على حب واحد ميستاهلش انسيه يا شدوى وابتدي من جديد طلعيه من قلبك ده واحد ميستاهلش حبك


ردت عليها شدوى بسخرية مريرة :

أهو ده اللي الكل بيقوله انسي، عيشي، ابدئي من جديد

كأن القلب آلة بنقفلها ونفتحها وقت ما نحب


صمتت لحظة ثم رفعت عينيها للسماء وعيناها تلمعان بدموع القهر والألم :

أنا عارفة إنه ظلمني ووجعني وعمره ما حبني زي ما حبيته بس برده ماقدرتش اكرهه ورغم كل اللي شوفته منه قسوته وظلمه وجبروته جوايا إحساس غريب بيقولي إن فيه خير مستخبي جواه خير هو نفسه يمكن مايعرفوش


سألتها فيروز بحذر :

ولو جالك وطلب السماح هتسامحيه ؟؟


ارتجفت أنامل شدوى حول السوار وكأن السؤال أصاب موضعًا هشًا بداخلها وأجابت بعد صمتٍ ثقيل :

معرفش يا فيروز بس اللي اعرفه ومتأكدة منه أن كلامك ده عمره ما هيحصل لا نوح هيجي ولا هيطلب السماح 


صمتت قليلًا ثم خرج صوتها أكثر انكسارًا :

لأنه عمره ما حبني ولا هيحبني


وضعت شدوى وضعت كفها على بطنها المنتفخة قليلًا تتحسس الحياة التي تنمو بداخلها وقالت بصوتٍ مكسور :

أنا كل اللي شاغلني هو الطفل اللي في بطني خايفة يجي الدنيا من غير ما ابوه يكون حواليه خايفة يكبر ويسألني ليه ابوه بعيد عنه ومش قابله ولا بيحبه


ساد الصمت بينهما ثقيلًا وموجعًا لا يقطعه سوى صوت الهواء يحرك أوراق الأشجار وكأن الليل نفسه كان ينصت لاعترافات قلب أنهكه الحب !!!!

................

منذ اللقاء الأخير الذي جمعهما أغلقت على نفسها الأبواب

امتنعت عن الخروج ورفضت حتى أن تخطو خطوة واحدة خارج أسوار القصر لأن رؤيته لم تكن سوى وقودٍ يزيد جرحها اشتعالًا ويُذكي النار المشتعلة في صدرها


بينما هو كان يحاول الوصول إليها بكل الطرق يطرق بابها بصبرٍ موجع يبعث رسائله وقلقه لكنها كانت تُغلق عليه كل المنافذ رافضة أي محاولة للاقتراب منه !!


كانت صافي تقف خلف زجاج شرفتها بينما أياد يقف خارج أسوار الفيلا يتشبث بوجوده بجانبها عينيه ثابتتين نحو الشرفة.....نحوها !!


ارتجفت من شدة الألم رفعت ذراعيها تحيط جسدها خاصة بطنها البارز قليلًا موطن الحياة التي تنبض بداخلها ومصدر خوفها حدثت جنينها بصوتٍ مرتجف كأنها تعتذر لنفسها وله :

انت زعلان عشان بابا مش موجود ؟؟


انفلتت من عينيها دمعة حارة تبعتها أخرى :

أنا كمان زعلانة اوي بس بعمل كده عشانك عشان ماتتوجعش زيي متبقاش في يوم واقف قدام الدنيا كلها وبتتسند على حد وفجأة يسيبك أنا خايفة عليك تعيش الوجع اللي جوايا دلوقتي


شدت قبضتها على بطنها كأنها تتشبث بالأمل الوحيد الذي بقي لها :

أنا بحميك من كل حاجة كسرتني من كل لحظة حسيت فيها إني لوحدي


خارج الشرفة كان أياد ثابتًا لا يتحرك عينيه تبحثان عن مغفرة عن فرصة عن حياة ثم همست قائلة بألم :

باباك وجعني اوي وكسرني قدام الكل كنت واقفة قدامهم كلي ثقة فيه وقولت بصوت عالي إنه مستحيل يتخلى عني بس....


انكسرت الكلمة على شفتيها قبل أن تُكمل بصعوبة :

بس في اللحظة دي اكتشفت إنه هرب سابني لوحدي أواجه نظراتهم….كلامهم…..سابني وأنا بموت بالبطيء


أسندت جبهتها على الزجاج بضعف :

ومع كل ده.....


ابتسمت بخفوت وتابعت بانكسار :

بابا بيحبك.....بيحبك يا روحي بابا رجع عشانك انت مش عشاني رجع لما عرف بوجودك ومارجعش لما عرف إني بين الحياة والموت


انهارت في نوبة بكاء مُر مخنوق حتى تحول إلى نحيب

أما خلف الباب كان آدم واقفًا مع زينة كانا على وشك الدخول لكن كلماتهـا اخترقت قلبهما كسهامٍ لا تخطئ


تجمد آدم للحظة ثم تراجع خطوة للخلف قلبه ينزف على ابنته الوحيدة التي تعرضت لكل ذلك الخذلان


بينما زينة وضعت يدها على فمها تكتم شهقة ألم بينما هو غادر بصمتٍ مُطبق وكأن كل خطوة يخطوها تُثقلها دموع لم يسمح لها بالسقوط يومًا


في الخارج ظل أياد واقفًا تحت ضوء القمر الوحيد الشاهد

على ذنبه الذي يعلم أنه لا يغسله أي اعتذار !!!

............

وقفت تالا أمام مروان تنظر إليه بضيقٍ واضح بعدما نفد صبرها من تأجيله المستمر للخطبة ثم قالت بحدة مكتومة :

في إيه يا مروان هو كل ما أقولك حدد ميعاد الخطوبة مع بابا تقولي مشغول انت عاوزني ولا لا


زفر مروان بضيق وأجابها :

ليه بتقولي كده قولتلك إني مشغول ومش فاضي


هزت رأسها بسخرية وقالت :

والله اللي أنا شايفاه لا واحد مشغول ولا واحد مش فاضي أنا شايفة واحد بيتهرب وكأنه ندمان على الخطوة دي وعلى العموم احنا لسه فيها وأنا مابفرضش نفسي على حد

لو حاسس إنك اتسرعت قولها وصدقني هحترمك أكتر من اللف والدوران ده وافتكر دايمًا إنك خاطب تالا الهاشمي يعني مش أي حد وتصرفاتك دي مش مقبولة عندي نهائي


أخذ مروان نفسًا عميقًا ونظر إليها بحيرة في داخله كان يعلم الحقيقة هو لا يريدها هي

فقلبه لم يكن يرى سوى......غنوة !!


كان يحاول أن يقنع نفسه أن هذه الخطوة هي النجاة وأن تالا قد تكون وسيلته لنسيانها


لكنه كان يدرك في أعماقه أن بعض الذكريات لا تُمحى وبعض الوجوه لا يُغلق بابها مهما حاول الإنسان


غنوة كانت واحدة من تلك الأشياء التي لا تُنسى

جميلة حد أن عقله يبخل عليه بنسيانها


لكنه اختار وعليه أن يتحمل نتيجة اختياره وللمفارقة في تلك اللحظة همس له قلبه أوَليس عليه أن يتحمل أيضًا نتيجة ما فعله بها


هز رأسه كأنه يطرد أفكاره ثم نظر إلى تالا وقال بحسم :

الخطوبة في نفس يوم خطوبة عشق اختي

جهزي نفسك وأنا هكلم والدك اتفق معاه !!!


على الجانب الآخر......

كانت غنوة في بيت جدها الكبير تجلس مع فاطمة التي ربطتها بها الأيام الأخيرة صداقة جميلة خاصة بعد أن كانت شاهدة على انكسارها يوم كسرها مروان أمام الجميع


قالت فاطمة بصدق :

والله أحسن حاجة إنك تنسي واحد زي ده خطوبته اتحددت آخر الأسبوع والكل بيتكلم عنها الله يكون في عون اللي هيتجوزها والحمد لله إن ربنا نجدك منه عشان إنتي تستاهلي الأحسن منه


ابتسمت غنوة بحسرة وقالت رغم ألم قلبها :

متخافيش يا فاطمة أنا ومروان مينفعش أصلًا نتجمع في جملة واحدة وحتى لو هو اللي جالي جري أنا مستحيل أقبل بيه بعد اللي حصلي منه


بعد دقائق أنهت المكالمة وما إن أغلقت الهاتف حتى فوجئت بوالدها يقف خلفها اقترب منها وسألها بهدوء وحنان :

مين مروان ده.....؟!


توترت، ولم تجب فاقترب أكثر وقال بحزن :

أنا بسألك بصفتي أب هيسمعك وينصحك يا بنتي أنا بحاول أتغير عشانك إنتي وبس ربنا خسرني كل حاجة عشان يقولي إن بنتك هي المكسب الوحيد ليك في الدنيا وأنا فوقت واتعظت بس إديني فرصة واحدة وسامحيني


صمتت فتابع بصوت أكثر هدوءًا :

لما كنا في مصر قولتيلي إن واحد كسر قلبك وقولتي كلام كتير مافهمتوش احكيلي يا بنتي وصدقيني مهما كان اللي هتقوليه غلط أو صح هفهمك بالراحة بس ثقي فيا


انهمرت دموعها وعجزت عن المقاومة أمام ذلك الحنان الذي افتقدته طويلًا أدركت أن الله كسر قلبها بمروان.....

لكنه عوضها بأبيها ربما جاء متأخرًا لكنه جاء


ارتمت في حضنه وأخبرته بكل شيء ومع كل كلمة كانت نار الغضب تشتعل في قلبه لكنه كان يحمد الله في داخله أن ابنته خرجت من تلك التجربة سالمة


بعد أن انتهت قال لها بحزم ممزوج بالحنان :

 الغلط عليا أنا قبل ما يكون عليكي والغلط الأكبر على اللي يعمل كده في بنات الناس واحد زي ده مايستاهلكيش ولا حتى يستاهل قلبك


ثم أكمل بصرامة :

اقفلي الموضوع ده خالص وافتكري دايمًا إن اللي عاوزك بجد عمره ما هيتردد وهو اتردد عارفة لو كانوا خيروه بينك وبين حاجة تانية وما اختاركيش كان أهون من انه يكون حر ويقرر بنفسه يتخلى عنك محدش جبره يا بنتي هو اختار غيرك بارادته 


تنهد ثم تابع بضيق :

اللي تتجوزيه لازم تكوني مالية إيدك منه مش تعيشي معاه خايفة من غدره أو إنه يسيبك لأي سبب تافه من وجهة نظره

أنا زمان حرفيًا حفيت عشان أخد من أمك  الله يرحمها  نظرة تعبت لحد ما قبلت بيا كنت لوحدي في محافظة جديدة معرفش فيها حد وهي وقفت جنبي وساعدتني كتير وحبيتها من قلبي.......


ابتلع غصته وأردف بندم :

ولما ماتت زعلت أوي بس بعدها افتريت

افتريت على نفسي وعليكي الدنيا لهتني وخدتني دخلتني في دوامة خلتني بالقسوة دي زي ما تقولي مخي لسع معرفش ايه اللي جرالي ولا إزاي بقيت كده


ثم أمسك وجهها بين يديه وقال :

أنا بقولك كده عشان الراجل ما يحبش الحاجة السهلة وإنتي كنتي تحت أمره مسلمة ليه قلبك فاتجبر وباع واشترى فيكي


همست غنوة وسط دموعها :

عملت كده عشان حبيته من قلبي ولسه بحبه بس هو قلل مني أوي وحسسني إني قليلة وإني ولا حاجة جنبه وجت عليا لحظة وقولت ياريتني كنت زيه عشان.....


فهم ما أرادت قوله فقاطعها قائلاً بهدوء :

تبقي غنيه زيه عشان يقبل بيكي !!!

ع العموم جدك سواني بأعمامك في المال ودلوقتي معانا أكتر من الأول وأقدر أعيشك في أي مكان أحسن من اللي هو بيعايرك بيه لكن السؤال لو بقيتي زيه هتقبلي واحد اختارك عشان فلوسك هتقبلي واحد ما اختاركيش لنفسك 


هزت رأسها بالنفي والدموع تملأ عينيها فأكمل بحسم :

لو هو حبك بجد كان حبك على وضعك زي ما شافك أول مرة مش من حقه يفصص فيكي ويقولك لو كنتي كذا كنت حبيتك يا بنتي اختاري اللي يشتريك لنفسك مش اللي يبيعك

الحب المشروط ميبقاش حب وهو حبه ليكي مشروط

بجاهك ومالك 


تنهد ثم قال بحنان وحسم :

من انهارده مفيش شغل هتكملي تعليمك وتشتغلي بشهادتك كل اللي نفسك فيه هيحصل هعوضك عن كل سنين القسوة اللي عيشيتها بسببي وحياتك عندي وغلاوتك لأسلمك بأيدي لواحد يستاهلك انما الشاب ده لا وألف لأ تكوني ليه حتى لو جالك زاحف أنا اللي هقوله لأ


ارتمت غنوة في حضنه من جديد بامتنان تستمد منه الأمان الذي افتقدته طويلًا وعلى بُعد خطوات كان جدها مهران وجدتها راقية يراقبان المشهد بصمت وقلوبهما تمتلئ بالرضا فأخيرًا عاد شيء من الدفء إلى هذه العائلة الممزقة

................

كان مالك يقف أمام بدر بثبات لا يعبأ بالغضب المشتعل في عينيه بينما كانت الأجواء مشحونة يكفي شرارة واحدة لتشعل المكان بأكمله بعد كلمات مالك المستفزة :

بص بقى يا جوز عمتي قدامك حل من الاتنين يا تجوزني بنتك يا هخطفها ونتجوز ومفيش حاجة هتمنعني زي كل مرة تولع العيلة باللي فيها أنا هتجوز يعني هتجوز حتى لو الرصاص كان بيطير حواليا كده زي الحمام 


ثم أشار إلى نفسه بإبهامه وأضاف بوقاحةٍ زادت من اشتعال بدر :

فكر وقرر ونصيحة جوزها ليا بالرض أنا مجنون ابن مجانين وأعملها وساعتها هجبلكم التار والعار وهتجوزوهالي في الاخر برده شوفوا بقى وانتوا حرين


ساد الصمت لثوان وقد اتسعت عينا عشق من جرأته وتهوره الفاضح لم تتوقع أن يلقي بكل ذلك دفعة واحدة أمام والدها حتى أنه التفت إليها يسألها ببرود :

مش انتي موافقة تهربي معايا يا عشق


حبست عشق ضحكتها بينما كانت الصدمة لا تزال مرسومة على ملامحها لكنها في الأخير حركت رأسها بالإيجاب تسايره في جنونه المحبب لقلبها المتيم به


اتسعت عينا بدر بذهول ممزوجٍ بالغضب بينما ضحك يوسف من الخلف عليهما أما مالك فابتسم بانتصار وكأنه حسم الموقف بالفعل لكن بدر لم يمهله أكثر حيث صرخ بحدة وهو يشير نحو الباب :

اطلعوا بره يا ولاد الك......


لم يكمل جملته إذ كانت فردة حذائه قد سبقت الكلمات مندفعة بسرعة هائلة نحو مالك


تفاداها مالك في اللحظة الأخيرة وهو يصرخ :

طب والله لاخطفها لو ما جوزتهالي بعد شهر من دلوقتي


ثم انطلق راكضًا خارج الغرفة وعشق خلفه تضحك بكل قوتها حتى كادت تتعثر من شدة الضحك وقف بدر يلهث من الغضب بينما يوسف انفجر ضاحكًا رغم ألم جرحه


وبالفعل بعد أن تعافى يوسف تمامًا أقيمت حفلة خطبة كبيرة لمروان وتالا وعشق مالك الذي أصر فيها على أن يكتب الكتاب في الليلة ذاتها على أن يكون الزفاف بعد شهر من يومها ورغم اعتراض بدر في البداية فإن ضغط حياة وإلحاحها المتواصل جعلاه يرضخ في النهاية وأخيرًا قد جاء اليوم الذي انتظره مالك وكأنه ينتظر انتصارًا في معركةٍ طويلة 

..............

البارت خلص مستنية رأيكم يا قمراااتي ❤️

توقعاتكم ايه للقادم.....؟!

مين اكتر حد عجبكم بالبارت أنا عن نفسي عجبني عاصم العسل ابن العسل بدر يخربيت طعامته 😂❤️

مستنية منكم تفاعل جامد اوي على المجهود وإلا والله هزعل منكم جامد جامد 🥺

دمتم سالمين يا قمراااتي 😚

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملة الجزء الاول1 من هناااااااااا

الرواية كاملة الجزء الثاني2 من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا

تعليقات

التنقل السريع
    close