رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل السادس والسبعون 76بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل السادس والسبعون 76بقلم سيلا وليد حصريه
الفصل السادس والسبعــــــــــــون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
ليس كل ما ينهزم في الإنسان يُرى، فثمة معارك تُخاض في الداخل بصمتٍ كامل، لا يسمع ضجيجها أحد. وهناك لحظات يقف فيها المرء أمام ما يؤلمه عاجزًا؛ لا يملك تغييرًا ولا انتقامًا ولا حتى تفسيرًا لما حدث. يكتفي بأن يحمل ثقله في قلبه ويمضي.
وأشد ما يرهق الروح أن تدرك الحقيقة متأخرًا؛ حين يصبح إدراكها بلا جدوى، ويغدو إصلاح ما انكسر أبعد من كل محاولة. عندها لا يكون الوجع في الخسارة وحدها، بل في الشعور بأن اليد التي امتدت يومًا للنجاة عادت فارغة، وأن الأمن الذي ظننته مأوى كان أول ما تهاوى عند العاصفة.
بعض الآلام لا تترك ندبةً ظاهرة، لكنها تغيّر هيئة القلب إلى الأبد، وتعلّم صاحبها أن الصمود أحيانًا ليس انتصارًا، بل مجرد قدرةٍ شاقة على الاستمرار.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اولا قبل القراءة، انا احتمال كبير اوقف الرواية الايام الجاية، عندي ظروف وتعبانة نفسيا، حقيقي كتبت الفصل تحت ضغط ومعرفش هيعجبكم ولا لا
غير طبعا الحماس صفر منكم
فرجاء شوية تقدير، مش طالبة غير انكم تدوسوا على النجمة، واتمنى ترشحوا الرواية في جروبات الفيس لانها تستاهل
رواية مرهقة وتقيلة جدا، واللي يقرأ بتمعن هيفهم المغذى من الرواية
للاسف الرواية لسة فيها احداث هتخلص امتى معرفش، لكن داخلين على قصة البطل الرابع، وكدا باقي قصة البطل الخامس... دعواتكم تخلص على خير
وتشجوني ارجع اكتب زي الاول
لاني في مرحلة فتوور فظيع وعدم شغف
نبدأ بسم الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقَّف بلال عند كلمات الرجل، وكأنَّ الزمن تجمَّد حوله:
مين اللي متَّهم بقضية قتل؟
وقبل أن يتلقَّى الإجابة، لمح يزن يقترب منه بسرعة:
_بلال!..إنتَ هنا من زمان؟
التفت إليه بلال بعينينِ تائهتين، تدوران في المكان بجنون:
_رولا فين يا عمُّو؟
قبض يزن على ذراعه وسحبه بعيدًا عن الرجل:
اسمعني كويس قبل ما تدخل لها..لو جاي تقطَّم فيها، يبقى ترجع عند أبوك أحسن.
رمقه بلال بعدم استيعاب:
_أقطَّم فيها!..ليه بتقول كده، هيَّ فين؟
صمت يزن للحظات، ثم نظر إليه طويلًا:
_ بابا...ليه عمل إيه، هوَّ إيه اللي بيحصل بالظبط؟
ضاقت عينا يزن بشك:
_إنتَ متعرفش اللي حصل؟
أعرف إيه، مش آسر خبط حد بالعربية ورولا راحت له؟
زفر يزن بقوة، ومسح وجهه بكفٍّ مرتجفة قبل أن يقول:
_اسمعني كويس...
وبدأ يقصُّ عليه ما حدث..
كلمة تلوَ الأخرى كانت تهوي فوق رأس بلال كالصواعق.
شعر بأنَّ الأرض تنسحب من تحت قدميه، وأنَّ أنفاسه أصبحت أثقل من أن يحملها صدره.
حتى همس أخيرًا بصوتٍ مختنق:
_رسالة!..رولا راحت هناك بسبب رسالة؟!.
رفع يزن حاجبه بمرارة:
_كنت مستنِّي إيه؟ ما هو إنتَ اللي وصَّلت الشك ده لجوَّاها.
اتَّسعت عينا بلال، وكأنَّ خنجرًا انغرس في صدره:
أنا!..ابتلع ريقه بصعوبة:
_أنا اللي وصَّلتها لكدا!!
ارتجف صوته أكثر.
صاح يزن:
_أيوة..ومش هعمل حساب للقرابة، إنتَ اللي وصَّلت ولادي لكدا.
سقطت كلماته ميتة بينهما.
ثم رفع رأسه فجأة وعيناه امتلأتا بالدموع:
_ولادك!!.
زمجر يزن بغضب:
_الستِّ لمَّا تتهم جوزها بالخيانة يبقى مش شايفة أمانها معاه.
_أمانها، وتشك!!.طب ليه، عملت إيه لدا كلُّه؟.م احضرتك عارف كلِّ حاجة، وخلاص الموضوع انتهى.
ابتلع ريقه وابتعد يهزُّ رأسه:
_طب لو هيَّ شاطرة كده وعرفت إنِّي بخونها...أو حتى شكِّت...للدرجة دي هروح أخونها في الوقت اللي بنت عمِّي فيه بين الحياة والموت؟
للدرجة دي بقيت رخيص في عينها؟
لم يجد يزن ما يقوله.
لأوَّل مرة يرى ذلك الانكسار في عيني بلال..لم يكن غضبًا..كان وجعًا خالصًا.
وجعُ رجلٍ أدرك متأخِّرًا أن المرأة التي يحبُّها كانت تحترق بالشك وعدم الأمان.
تحرَّك بلال بعدها بخطواتٍ ثقيلة، كأنَّ سنوات مرَّت فوق كتفيه في دقائق.
تتزاحم في رأسه عشرات الصور...
ضحكتها..دموعها التي تكسر قسوته.
نظراتها وكأنَّه عالمها كلَّه..شعر بغصَّة تكاد تخنقه..ورغم شعوره بالغضب منها إلَّا أن قلبه كان يدمى داخله وهو يتساءل:
_ماذا لو كانت تبكي الآن؟
ماذا لو كانت خائفة؟
ماذا لو ظنَّت للحظة أنه تخلَّى عنها؟
توقَّف أمام باب المكتب الذي توجد بداخله، ليجده مغلقًا وعسكريًا يقف أمامه:
_على فين؟
رفع بلال عينيه إليه..
كان يبدو كرجلٍ ضائع فقد طريقه.
خرج صوته مبحوحًا، بالكاد يُسمع:
_مراتي...
ثم أشار إلى الباب خلفه:
_مراتي جوَّا...عايز أطَّمن عليها بس.
قال العسكري بجمود:
_استنى هنا لحدِّ ما اللي جوَّا يطلع.
نظر بلال إلى الباب.
فقط باب واحد يفصله عنها...
لكنه شعر وكأنَّ بينه وبينها عمرًا كاملًا.
أسند رأسه للحائط خلفه، بينما صدره يحترق بالعجز..لأوَّل مرَّة في حياته...
لا يريد أن يشرح..حتى أنَّه لا يريد أن يدافع عن نفسه..كلُّ ما كان يريده هو أن يراها...
وأن يسمع صوتها يخبره أنها بخير.
لحظات قليلة، وخرج يوسف من الداخل..توقَّف أمام بلال، تبادلا نظرة صامتة، لكن خلف ذلك الصمت كانت أرواح كاملة تصرخ، لم ينطق أيٌّ منهما بحرف، وكأنَّ الكلمات أصبحت عاجزة عن حمل ما يشعران به.
تحرَّك بلال نحو الغرفة، يجرُّ قدميه جرَّاً، ورغم أن المسافة قصيرة إليها ولكنه يشعر بأنَّها امتدَّت أمتارًا من الخوف والوجع، دفع الباب بهدوء وأغلقه خلفه، فتوقَّفت أنفاسه للحظة.
كانت تجلس على المقعد، منكمشة على نفسها، تحتضن رأسها بين يديها، و تنساب دموعها بصمتٍ موجع، صمتٌ أشدُّ قسوة من أي صراخ.
ظلَّ واقفًا مكانه للحظات، عاجزًا عن الحركة..لم يكن يرى أمامه رولا حبيبته، بل كان يرى قلبه كلَّه ينهار أمام عينيه، رؤيتها بهذا الشكل كانت كفيلة بأن تهدم كلَّ ما يريد به عتابها، تسلَّلت رائحته إلى رئتيها..
رفعت رأسها ببطءٍ قاتل، بطءٍ مزَّق ما تبقَّى من صبره، فقد تسرَّب حضوره إلى قلبها قبل أن يصل إلى عينيها..وما إن التقت نظراتهما حتى انهار كلُّ شيء..
لم تعد قادرة على التماسك.
ارتفع نشيجها فجأة، وانتفض جسدها بالبكاء، كأنَّها كانت تنتظر تلك اللحظة فقط لتسقط.
أمَّا هو، فشعر أن كلَّ خطوة يخطوها نحوها تستنزف عمرًا كاملًا من روحه.
اقترب...ثم اقترب أكثر..حتى جلس بجوارها..هادئًا من الخارج، لكن في داخله كان بركانًا يلتهم نفسه..لم يسألها شيئًا.
لم يطلب تفسيرًا..فقط فتح ذراعيه وسحبها إلى صدره بقوَّة رجلٍ وجد روحه بعد أن كاد يفقدها.
وفور أن استقرَّت بين ذراعيه، انفجر بكاؤها أكثر.
دفنت وجهها في صدره وكأنها تهرب من العالم كلِّه إليه، وكأنها تبحث بين ضلوعه عن الأمان الذي سُرق منها.
أغمض عينيه وهو يضمُّها بقوة، حتى كاد يخفيها داخله:
_اهدي..خلاص..أنا هنا.
لكن صوته المرتجف خانه.
فهو نفسه لم يكن بخير...وهي لم تتوقَّف.
بل ازداد بكاءها حتى شعرت روحه أنها تتمزَّق مع كلِّ شهقة تخرج منها.
أبعدها قليلًا، واحتوى وجهها المرتعش بين كفَّيه، يمسح دموعها التي لم تتوقَّف.
كانت عيناها حمراوين، ممتلئتينِ بالخوف والوجع والانكسار.
فهمس وهو يكاد يختنق:
_حبيبتي...اهدي...قوليلي إيه اللي حصل...أنا جنبك ومش هسيبك.
هزَّت رأسها بعجز، وكأنَّ الكلمات أصبحت أثقل من أن تُقال.
ثم خرج اسمه من بين شهقاتها المكسورة:
_بلا...ل...
مرَّة...واثنتين...وثلاثًا...
كأنها لا تملك من الدنيا كلَّها سوى اسمه.
عندها انكسر آخر خيط من تماسكه.
مال نحوها وطبع قبلة مرتجفة على جبينها، ثم أخرى على عينيها الغارقتين بالدموع.
لم يكن يحاول إسكات بكاءها بقدر ما كان يحاول طمأنة قلبه هو...أن هذه التي بين ذراعيه ما زالت بين ذراعيه..
لكن الألم كان أكبر من الكلمات..
وأكبر من كلِّ محاولات التهدئة.
وحين استسلم أخيرًا، احتضنها بقوة وألصق رأسها بصدره، يمرِّر يده على ظهرها بحنانٍ موجوع.
وفي تلك اللحظة فقط...
شعر بسخونة دمعة تنفلت من عينه.
دمعة لم يحاول إخفاءها.
لأنه لأوَّل مرَّة منذ زمنٍ طويل، لم يكن يبكي ضعفًا...
بل خوفًا من فكرة أنه كان على وشك أن يفقدها.
ظلَّ يربت عليها بصمت، ويقبِّل رأسها بين الحين والآخر، حتى خفَّت شهقاتها تدريجيًا، وبدأ جسدها المنهك يستسلم للنوم..وغفت أخيرًا بين ذراعيه.
أمَّا هو...فبقي يحاوطها بحنانه، يضمُّها إليه وكأنه يحرس أنفاسها.
وعيناه معلَّقتانِ بوجهها الشاحب.
يراقبها في صمتٍ موجع، يدعو الله في سرِّه ألَّا يرى ذلك الانكسار في عينيها مرَّةً أخرى ما دام حيًّا.
_رولا...
لم تجبه.
خفض بلال عينيه إليها، فوجد أنفاسها قد انتظمت أخيرًا، وملامحها المرهقة استسلمت للنوم بين ذراعيه..أغمض عينيه للحظة، وكأنَّ قلبه يلتقط أوَّل أنفاسه منذ ساعات.
شدَّد ذراعيه حولها بحذر، يخشى أن يبتعد عنها ولو قليلًا فتفزع من جديد.
ظلَّ على حاله لا يتحرَّك، يراقب وجهها الشاحب، ثم أخرج هاتفه بهدوء واتَّصل بيوسف.
في الخارج...
كان يوسف يجلس إلى جوار يزن، يقصُّ ما توصَّلوا إليه في التحقيقات.
رفع يوسف رأسه فجأة وقال بقلق:
_يعني رولا هتمشي؟
أومأ يزن برأسه مجيبًا بصوتٍ مرهق:
_للصبح بس...وكيل النيابة لسه هيكمِّل التحقيق معاها، وكمان لازم نستنى كارما تفوق.
مرَّر يوسف يده على وجهه بقوة، يحاول إزاحة كابوسًا جاثمًا فوق صدره:
_ليه يا خالو، إيه اللي يخلِّيها تعمل كده بعد كل اللي حصل؟
تنهَّد يزن بوجع وهو يحدِّق في الفراغ:
_معذورة يا ابني...أيِّ حد مكانها كان هيعمل كده.
انتفض يوسف واقفًا فجأة:
_لا...مش أي حد!
التفتت إليه الأنظار.
وأشار بيده بعصبية:
_أي حد مجنون ومش بيفكَّر! دي لو فكَّرت بعقل طفل صغير كانت هتعرف إن فيه حاجة غلط...كانت هتشك!
أغمض يزن عينيه بقوة.
كان بالكاد متماسكًا..ابنه متَّهم...وابنته منهارة...وأخرى بين الحياة والموت...
وكل ما حوله ينهار.
فتح عينيه ببطء وقال بصوتٍ مخنوق:
_يوسف..أنا فيَّا اللي مكفيني، متجيش عليَّا إنتَ كمان.
تجمَّد يوسف مكانه للحظة، ثم جلس بجواره سريعًا:
_حقَّك عليَّا...والله ما قصدي.
ابتلع غصَّة حارقة وأكمل:
_بس دماغي هتنفجر...مين ممكن يعمل كده في آسر..هوَّ عمل إيه لكلِّ ده؟!
وقبل أن يجيبه أحد...
انفتح باب القسم بعنف.
دخل أرسلان يتقدَّمه مالك.
دفع المقعد بقدمه حتى أصدر صريرًا حادًّا، ثم جلس فوقه والغضب يتطاير من عينيه.
التفت إليه يوسف:
_في جديد يا عمُّو؟
هزَّ أرسلان رأسه بالنفي، ثم قال بوجه متجهِّم:
_الجديد إنِّ رولا ظهرت بعد اللي حصل لكارما بدقايق...وده كفاية يخلِّي المصيبة تكبر فوق دماغ آسر.
صمتٌ ثقيل كالرصاص.
ثم قال أرسلان وهو ينظر إلى يزن مباشرة:
_لازم تعرف ابنك كان شغَّال على إيه... القضايا اللي ماسكها...الناس اللي كان بيواجهها...كان بيتهدِّد ولَّا لأ.
رفع يزن رأسه ببطء، نظر إليه طويلًا..
ثم نهض واقفًا:
_أرسلان..قوم امشي.
ساد الذهول بين الموجودين
لكن أرسلان لم يتحرَّك...فكان قد فقد آخر ذرّة هدوء داخله.
_مش وقت زعل ولا كرامة يا ابن راجح!
ارتفع صوته كالرعد:
_فوق يا يزن!
دفعه قليلًا وهو يكمل:
_المصيبة أكبر منِّنا كلِّنا! مستقبل ابنك بيتدمَّر قدَّام عينينا! ده لو ما كانش وقع أصلًا!
اشتعلت عينا يزن بالغضب.
لكن أرسلان لم يمنحه فرصة للكلام.
أشار بإصبعه نحوه بعنف:
_حتى لو طلع بريء، الشوشرة دي كلَّها هتفضل لازقة فيه!
ثم اقترب أكثر وقال بصوتٍ أكثر قسوة:
_ولو إنتَ زعلان ومحروق بالشكلِ ده... روح اسأل بنتك.
اتَّسعت عينا يزن.
وأكمل أرسلان بمرارة قاتلة:
_اسألها ليه هربت من الحراسة.
ليه خرجت لوحدها.
لمَّا هيَّ ذكية أوي كده، مفكَّرتش إن فيه حد عايز يوقَّع الدنيا بينها وبين جوزها!
انفجرت الكلمات كصفعة في وجه الجميع.
وقف يزن يحدِّق فيه...
وعيناه تمتلئان بنيران لو خرجت في تلك اللحظة لأحرقت كلُّ شيء حوله.
_أرسلان...
خرج الاسم من فم يزن كزئيرٍ غاضب.
اندفع نحوه ودفعه بعنف حتى تراجع خطوة للخلف، ثم أشار إلى الباب وعيناه تشتعلان:
_اطلع برَّة..مش عايز أشوفك قدَّامي.
ساد الصمت للحظة بينهما، لكن أرسلان لم يتحرَّك.. وقف في مواجهته مباشرة، رافعًا رأسه بعناد لا يقلُّ عن عناده..ثم سحبه من جاكتيه:
_ومين قال إنِّي قاعد هنا علشانك أصلًا؟
أشار بيده إلى الباب المغلق على رولا وبلال:
_أنا هنا علشان العيلة اللي كلِّ ما نحاول نلمِّ اسمها من الأرض تتبهدل تاني.
التفت حوله بغضبٍ مكتوم:
_بص حواليك يا باشمهندس...بص كويس.
ثم اقترب خطوة:
_مستقبل ولادنا كلُّهم في خطر.
اشتدَّت ملامح يزن بينما أكمل أرسلان بصوتٍ أكثر حدَّة:
_ابنك من كام شهر كان ماسك قضية لمجرم كبير، راجل عنده جيش محامين ومكاتب تقدر تقلب الدنيا..
أشار إليه بإصبعه:
_وراح لابنك...وابنك زيك بالظبط، دماغ ناشفة ومبيخافش من حد.
ثم أطلق ضحكة ساخرة بلا مرح:
_ولولا إنِّي وقفت في وشُّه وقتها، كان زمانه متورَّط في مصيبة أكبر من دي.
_عمُّو...مش وقته الكلام ده.
قالها يوسف محاولًا تهدئة الأجواء.
لكن أرسلان التفت إليه بعينينِ مشتعلة:
_اخرس إنتَ.
ثم عاد ينظر إلى يزن:
_مليون مرَّة قولنا ممنوع حد يخرج من غير حراسة...مليون مرَّة..
بس مين بيسمع؟
اقترب أكثر:
_إشمعنى ولادك همَّا اللي رافضين؟
ليه دايمًا شايفين إنِّ الكلام ده عليهم همَّا بس؟
وأشار إلى يوسف:
_ده دكتور كبير، ومع ذلك معاه حراسة.
عمري ما سمعته بيقول لأ.
إنما آسر باشا؟
كبر علينا كلِّنا..
محدش له دعوة بيا!
ثم مال على أذن يزن وهمس بصوتٍ جعل الدم يتجمَّد في العروق:
_المصيبة إنِّ المقصود مش إنتَ لوحدك...
اللي بيعمل كده بدأ بولادك لأنُّهم نقطة ضعف العيلة كلَّها.
فهمت دلوقتي يا باشمهندس؟
ظل يزن يحدِّق فيه للحظاتٍ طويلة.
هدوء مخيف سبق العاصفة..
ثم قال ببطء:
_ومش يمكن يكون ابنك هوَّ السبب؟
تجمَّد أرسلان..
فأكمل يزن ببرود أشدُّ قسوة من الصراخ:
_مش يمكن طليق البنت اللي ابنك عمل نفسه شهم معاها؟
مش يمكن تكون بلاوي ابنك هيَّ اللي جابتنا لهنا؟
اقترب منه وهو يتابع:
_فكَّر يا باشا...
ليه البنت دي بالذات اللي حاولوا يقتلوها
ليه الشقَّة دي؟
ليه بنتي؟
مش فكَّرت مرَّة إن السبب ممكن يكون ابنك
اتَّسعت عينا أرسلان بصدمة حقيقية.
وكأنَّها فكرة لم تخطر بباله...تراجع خطوة دون أن يشعر.. يفكِّر...يربط الأحداث..ويبحث عن ثغرة.
لكن يزن لمح ذلك التردُّد.
فابتسم بسخرية مريرة..
ثم جلس مكانه قائلًا:
_قول لعمَّك شكرًا على خدماته يا يوسف.
رفع عينيه إليه:
_محدش وصَّلنا للمستنقع ده غير تهوُّر ابنه.
اشتعل وجه أرسلان.. واقترب منه مرَّةً أخرى:
_والله ابني مضحكش عليك ولفِّ ودار..
إنتَ كنت عارف كلِّ حاجة من الأول.
ثم هزَّ رأسه بمرارة:
_بس ماشي...أنا الغلطان.
أنا آسف يا حضرة المهندس.
_عمُّو، كفاية...
قالها يوسف بيأس:
_ده مش وقت إنِّ كل واحد يمسك في التاني.
مسح أرسلان وجهه بعنف.
وكأنَّه يحاول السيطرة على غضبه.
بينما تدخَّل مالك أخيرًا:
_أرسلان...اهدى.
ثم نظر إلى يزن:
_وإنتَ كمان يا يزن.
الوضع أكبر من أي خلاف بينكم.
أنا اتكلِّمت معاك كتير في موضوع الحراسة...كتير.
وإنتَ كنت مصمِّم إن مفيش خطر على الولاد.
رفع يزن رأسه إليه.
كان التعب ظاهرًا في عينيه أكثر من الغضب:
_وخلاص يا مالك...اللي حصل حصل.
لو ده مكتوب هيحصل مهما عملنا.
تنهَّد بوجع:
_أنا مش ناقص لوم من حد.
وقبل أن يرد أحد...
ارتفع رنين هاتف أرسلان.
ابتعد عدَّة خطوات وأجاب سريعًا:
_أيوة يا إسحاق.
جاءه الصوت من الطرف الآخر:
_المهندس اختفى يا أرسلان، بس هبعتلك كشف كامل بكلِّ الناس اللي اتعامل معاهم الفترة الأخيرة.
_ابعت كل حاجة..كلِّ حاجة.
وعايز ملف كامل عنه من يوم ما اتولد.
_تمام...بس بصراحة مش شايفه هوَّ المدبِّر، الراجل شخصيِّته هادية وبسيطة.
_سيب الاستنتاجات دلوقتي.
عايز أعرف أسامة فين..
طليق البنت اللي كان متجوِّزها بلال.
_في السجن.
_تمام..
عايز كشف بكلِّ اللي زاره.
كلِّ مكالمة...كلِّ زيارة..كلِّ نفس دخله وخرج منه..مش عايز ثغرة واحدة.
صمت قليلًا يمسح على وجهه..
ثم أضاف أرسلان بصوتٍ خرج منه الخوف لأوَّل مرة:
_آسر لازم يطلع من أوِّل جلسة يا إسحاق..
لازم.
_أرسلان دي قضية قتل..مش سهلة.
أهمِّ حاجة دلوقتي البنت تفوق..
هيَّ الشاهد الوحيد تقريبًا.
أغمض أرسلان عينيه للحظة.
ثم سأل بصوتٍ منخفض:
_لسه مفيش تحسُّن؟
_أنا جاي من عندها حالًا.
والدكاترة...مش متفائلين.
أغلق الخط وبقي أرسلان واقفًا مكانه..
شاحبَ الوجه.. يفكر ماذا يفعل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد عدَّة ساعاتٍ من التحقيقات، خرجت رولا من القسم بخطواتٍ متعثِّرة، وكأنها لا تشعر بالأرض تحت قدميها..كان وجهها شاحبًا وعيناها زائغتين، تحملان صدمةً أكبر من أن تستوعبها.
فتح بلال باب السيارة وساعدها على الصعود برفق، ثم التفَّ إليها وجلس أمامها، للحظات ظلَّت صامتة تحدِّق في الفراغ.
مدَّ يديه يحتضن وجهها المرتجف بين راحتيه وهمس بحنانٍ موجوع:
_رولا...بصِّيلي يا حبيبتي.
ارتفعت عيناها إليه أخيرًا، وما إن التقتا بعينيه حتى انهارت، انهمرت دموعها بغزارة، وخرج صوتها متقطِّعًا بين شهقاتها المؤلمة:
_كارما ماتت..صح؟ أنا شوفتها يا بلال..شوفتها غرقانة في دمَّها... ماتت..كارما ماتت.
اهتزَّ قلبه لكلماتها، فمسح دموعها بإبهامه وهو يحاول أن يبدو ثابتًا رغم الألم الذي يعصف به:
_لا يا رولا..اسمعيني كويس، كارما عايشة، كلِّمت بابا وقالِّي إنها عايشة.
هزَّت رأسها بعنف ترفض ما يقوله وقالت بخفوت:
_أنا شوفتها...شوفتها بعيني..كانت ميِّتة..كانت ميِّتة يا بلال.
ثم أجهشت بالبكاء، تردِّد الكلمات نفسها كمن يعيش الكابوس مرَّةً بعد أخرى.
لم يجد ما يقوله، جذبها إليه وضمَّ رأسها إلى صدره بقوة، يربت على ظهرها محاولًا احتواء انهيارها:
_خلاص..خلاص حبيبتي..أنا معاكي... اهدي.
لكن شهقاتها كانت تزداد، وجسدها كلُّه يرتجف بين ذراعيه.
في تلك اللحظة، وصلت ضي وآسيا إلى القسم بعدما علمتا بما حدث، ما إن وقعت عيناهما على سيارة بلال حتى أسرعت ضي نحوها بلهفةٍ وقلق:
_رولا!
لكن قبل أن تصل، أمسك يوسف بذراعها برفق.
استدارت إليه بعينينِ دامعتين:
_سيبني يا يوسف..عايزة أشوفها.
نظرت نحو السيارة ثم أكملت بصوتٍ مرتعش:
_بابا كلَّمني وقال إن رولا أُغمى عليها في التحقيقات..أكيد تعبانة.
تنهَّد يوسف وهو يرمق السيارة بنظرةٍ طويلة، ثم أعاد نظره إليها:
_وعشان كده بالذات سيبيها دلوقتي.
_بس...
قاطعها وهو يفتح باب سيَّارته:
_تعالي حبيبتي، هنسبقهم على البيت..ثم استدار إلى آسيا:
_اركبي عربيتك، والحقينا.
ثم أشار إلى أفراد الحراسة الواقفين بالقرب منهم:
_خلِّيكم ورا عربية بلال.
أومأ الرجال بطاعة.
أمَّا ضي، فظلَّت تنظر إلى السيارة التي تجلس فيها رولا للحظات، وقلبها يعتصره الخوف عليها، قبل أن تستسلم لكلمات يوسف وتصعد معه.. بينما توقَّفت آسيا تنظر إلى قسم الشرطة، ثم اقتربت من يوسف:
_روحوا إنتوا، أنا هطلع لخالو...عايزة أطَّمن على آسر.
قالتها آسيا بصوتٍ متعب، وعيناها لا تزالان معلَّقتين بباب القسم.
أومأ يوسف بتفهُّم، ثم قال بجديَّة:
_خلِّي معاكي حارس، إحنا مش ضامنين الظروف.
هزَّت رأسها موافقة:
_حاضر.
استدارت وصعدت الدرجات بخطواتٍ سريعة، و قلبها يسبقها إليه.
في الطابق العلوي؛ كان آسر يجلس داخل مكتب الضابط برفقة يزن وأحد المحامين الذين أوفدهم راكان من مكتبه.
كان الإرهاق بادياً على وجهه، وعيناه حمراوتينِ من السهر والصدمة.
أغلق المحامي الملف الذي بين يديه مع كلمات آسر:
_لازم نعمل تحليل دم في أسرع وقت، قبل ما يعدِّي أربع وعشرين ساعة.
رفع المحامي رأسه إليه:
_تمام...بس ليه التحليل؟
مرَّر كفَّه على وجهه بإرهاق، ثم أسند رأسه إلى المقعد محاولًا استعادة ما حدث، لكن كلما اقترب من الذكرى، وجدها تتلاشى.
صورٌ مشوَّشة..أصوات متداخلة...
قال بصوتٍ مختنق:
_حاسس إنِّ المهندس حطلي حاجة... كلِّ ما أحاول أفتكر اللي حصل، بحس إن الأصوات بعيدة...وصوت كارما بس اللي في وداني..كانت بتقول حاجة، بس مش فاكر إيه.
ربت يزن على كتفه بحنانٍ ممزوج بالعجز:
_اهدى يا حبيبي..المحامي هيعمل كلِّ اللازم، وإحنا مش هنسيب حقَّك.
قبض آسر على خصلات شعره بعنف، وقد بدأ الذعر يتسلَّل إلى صوته:
_هتجنِّن يا بابا...مش فاهم إيه اللي حصل، آخر حاجة فاكرها إني كنت بتكلِّم مع المهندس..وشربنا قهوة سوا، بعد كده سواد..مفيش حاجة.
قطع رنين هاتف يزن الحديث.
أخرج هاتفه، وما إن رأى الاسم حتى تبدَّلت ملامحه:
_أرسلان.
أجاب سريعًا، ثم أغلق الهاتف بعد ثوانٍ.
التفت إلى آسر وقال:
_لازم أمشي دلوقتي، أرسلان عنده معلومة مهمَّة عن المهندس، بس مصرّ إني أروح له بنفسي في مكتبه.
رفع آسر نظره إليه:
_يعني عمُّو أرسلان مش عايز يبان في الصورة؟
زفر يزن ببطء:
_بالظبط...وده قالقني أكتر، مش عارف هوَّ بيخطَّط لإيه.
اقترب منه، وانحنى:
_اسمعني كويس...هتفضل هنا في مكتب حضرة الظابط، ومهما حصل متوافقش تنزل الحجز، راكان البنداري موصِّي عليك، وعمَّك إلياس كلِّم لواء هنا بنفسه، بس إحنا لسه منعرفش اللي ورَّطك مخطَّط لإيه.
ثم أردف بنبرةٍ خافتة:
_خد بالك من نفسك.
أمسك آسر بذراع والده قبل أن يبتعد، وسأله بصوتٍ مرتجف:
_ماما عاملة إيه؟
تجمَّد يزن للحظة، وشعر بغصَّةٍ حادَّة تخنقه، لكنَّه أخفى ألمه واحتضن ابنه بقوة:
_متفكَّرش غير في نفسك دلوقتي... ماما هتبقى كويسة.
خرج المحامي أوَّلًا، وتبعه يزن.
وفي الممر، توقَّفت خطواته عندما لمح آسيا تقف بقلقٍ واضح:
_آسيا! جيتي هنا إزاي؟
أشارت إلى الأسفل دون أن ترفع عينيها عنه:
_جيت مع ضي...هيَّ تحت مع يوسف.
ثم رفعت عينيها الممتلئتينِ بالخوف:
_آسر عامل إيه؟
أشار إلى الباب المغلق:
_جوه..هوَّ كويس يا حبيبتي.
تقدَّمت نحوه بخطواتٍ مرتجفة:
_ماما قلقانة أوي...وطنط رحيل منهارة، ممكن أشوفه ولَّا ممنوع؟
نظر يزن إلى العسكري الواقف أمام الباب:
_دي أخته، جاية تطمِّن عليه، خلِّيها تدخل.
وقف العسكري في مكانه وقال بجدية:
_كلِّم حضرة الظابط يا فندم، معنديش أوامر غير على حضرتك والمحامي.
اقترب المحامي خطوة، وقال بنبرةٍ حاسمة:
_بيقولَّك أخته..خمس دقايق بس.
نظر العسكري إلى آسيا، فرأى الدموع المحتبسة في عينيها، ثم أعاد نظره إلى يزن.
تنهَّد أخيرًا:
_تمام...بس محدش هيدخل بعد كده، ومفيش كلام كتير.
تنفَّست آسيا الصعداء، بينما ربت يزن على كتفها برفق:
_ادخلي.
وقبل أن تفتح الباب، اقترب يزن من العسكري، ووضع بعض النقود في يده دون أن يلفت الانتباه.
ثم قال بصوتٍ منخفض يحمل خوف أبٍ عاجز:
_خلِّي بالك منه...وممنوع أي أكل أو شرب يدخلُّه.
أومأ العسكري بصمت.
أمَّا يزن، فظلَّ واقفًا للحظات ينظر إلى الباب المغلق، وكأنَّ قلبه بقيَ في الداخل مع ابنه، قبل أن يستدير ويرحل مثقلًا بالخوف والألم على ابنه.
بالداخل..كان آسر يجلس على الأريكة ورأسه مستند إلى الخلف، وعيناه مغمضتانِ بإرهاقٍ شديد، وصورٌ متقطِّعة تهاجم عقله كأحلامٍ مشوَّشة؛ صوتٌ بعيد، فنجان قهوة، صرخة مكتومة، ووجه كارما الغارق في الدماء.
ضغط على رأسه بكفَّيه بعنف، وكأنه يحاول انتزاع المشاهد من أعماقه.
في تلك اللحظة، فُتح الباب بهدوء.
رفع رأسه تلقائيًا، والتفت نحو الداخل.
تجمَّدت عيناه عندما رآها.
كانت آسيا تقف عند الباب، تحدِّق فيه بعينينِ غارقتينِ بالخوف والانكسار.
قطب جبينه بدهشة وهمس بصوتٍ خافت:
_آسيا؟
ما إن سمعت صوته حتى انهارت دموعها التي كانت تحبسها منذ ساعات.
منذ علمت بما حدث، وقلبها ينهار بصمت..كانت تتمنى لو امتلكت جناحينِ لتصل إليه أسرع، لتراه بعينيها وتطمئنَّ أنه بخير.
لم تفهم كيف وصل بها الحب إلى هذا الحد، وكيف صار خوفها عليه أقوى من قدرتها على الاحتمال.
نهض آسر سريعًا من مكانه.
ولأوَّل مرَّة، سقطت الأقنعة بينهما.
لم يعد هناك برودٌ مصطنع، ولا كلماتٍ ساخرة تخفي ما يشعران به.
خفضت آسيا بصرها إلى الأرض، تحاول بكلِّ ما تملك ألَّا تلقي بنفسها بين ذراعيه.
لكنها فشلت.
رفع آسر ذقنها برفق، وأجبرها على النظر إلى عينيه:
_ششش...بطَّلي عياط، وقوليلي جيتي هنا إزاي؟
رفعت عينيها إليه، وما إن رأت القلق الصادق في ملامحه حتى أنهارت مقاومتها وارتمت بين ذراعيه باكيةً بشهقاتٍ مرتفعة.
أغمض عينيه بقوة.
نسي كلَّ شيء...القضية...الخوف... الاتِّهامات.
لم يعد يسمع سوى صوت بكائها بين ذراعيه.
هل تبكي خوفًا عليه؟
هل وصل بها الأمر إلى هذا الحد؟
مرَّر يده على شعرها وهمس مرتبكًا:
_آسيا..اهدي.
لكنَّها لم تستطع.
تشبَّثت به أكثر، تستنشق رائحته وكأنها تحاول أن تطمئن قلبها بأنه ما زال بخير.
أمَّا هو، فقاوم رغبته في احتضانها للحظات، قبل أن تستسلم دقَّات قلبه.
أحاط خصرها بذراعيه، وضَمَّها إليه بحنانٍ مرتجف.
وكأنه لا يصدِّق أنَّ متمردته العنيدة تقف الآن بين ذراعيه بهذا الاحتياج.
مرَّت دقائق صامتة، لكنها كانت كافية لتقول كل ما عجزت الكلمات عن قوله.
حتى همس قرب أذنها بنبرةٍ خفيفة، حاول بها كسر ثقل اللحظة:
_ياريتني اتسجنت من زمان.
ابتعدت عنه فورًا، تنظر إليه بفزع:
_بعد الشرِّ عليك! إنتَ كويس؟
ابتسم وهو يمسح دموعها بإبهامه:
_دلوقتي؟ كويس أوي...أوي يا بنت عمِّتي الغلباوية.
ابتسمت رغم دموعها، وابتعدت خطوة صغيرة:
_مع إنِّي مش فاهمة كلامك، بس مش مهم يا متر..مقبول منك أي حاجة.
ابتسم لها بحنانٍ موجع، ثم أمسك كفَّيها وجلس على الأريكة، وأجلسها بجواره:
_تعالي بقى، احكيلي...جيتي إزاي وإنتي متعرفيش حاجة هنا؟
لكنها لم تُجب...كانت تنظر إليه فقط.
تتأمَّل ملامحه وكأنها تراه بعد غياب سنوات، لا بعد ساعات.
شعر بنظراتها، فالتفت إليها.
التقت عيناهما..وفي تلك اللحظة، دار بينهما حديثٌ طويل لم تنطقه الشفاه.
حديثٌ فهمته القلوب قبل العقول.
همس آسر بصوتٍ خافت كاد يذيب ما تبقَّى من صمودها:
_وحشتيني.
ارتجفت شفتاها، وانفلتت دمعة جديدة من عينيها.
احتوى وجهها بين كفَّيه وسألها برفق:
_ممكن أعرف بتعيَّطي ليه؟
خرج صوتها مكسورًا:
_خايفة...خايفة يسجنوك، مين اللي عمل فيك كده يا آسر، وليه يورَّطك إنتَ؟
تأمَّل عينيها طويلًا، ثم سألها وكأنه يحتاج سماعها منها:
_خايفة عليَّا؟
لم تُجب.
اقتربت منه أكثر، ودفنت رأسها في صدره:
_هموت من الخوف عليك..من ساعة ما عرفت وأنا هتجنِّن عشان أطَّمن عليك.
تنهَّد آسر بعمق، ثم أبعدها قليلًا لينظر إلى عينيها:
_يا حبيبتي...مينفعش كده، مفيش بينا رابط رسمي، وأنا دلوقتي متَّهم ومش ضامن نفسي.
لكمته بخفَّة في كتفه، ومسحت دموعها بعناد:
_إيه الكلام المتخلِّف ده؟! بطَّمن عليك عشان إنتَ ابن خالي، مفهوم؟
رفع حاجبه بمكرٍ خافت:
_آه يا شيخة، طب احلفي بكتاب الله عشان أصدَّق.
ضحكت رغمًا عنها، ضحكة ناعمة مرتعشة، لكنها كانت كافية لتضيء قلبه للحظة.
ظل يتأمَّلها بحنانٍ عميق.
ثم عادت ملامح القلق إلى وجهها:
_عايزين يئذوك ليه يا آسر؟
تنهَّد، وأسند رأسه إلى ظهر الأريكة:
_هعرف يا حبيبة آسر...ولمَّا أعرف، هبقى أشكره.
نظرت إليه بحدَّة:
_آسر، بتكلِّم بجد.
ابتسم ابتسامة باهتة، ثم قال بصوتٍ مثقل بالحيرة:
_والله ما عارف يا آسيا...مش عارف مين اللي بيعمل كده، ولا ليه.
تردَّدت لثوانٍ قبل أن تسأله السؤال الذي يخيفها:
_طيب..إيه دخل كارما؟
اعتدل في جلسته، واختفت ابتسامته تمامًا:
_معرفش.
صمت لحظة، ثم أكمل بصدقٍ موجع:
_أنا عمري ما اتكلِّمت مع كارما أصلًا.
اسمعيني كويس، أنا مشفتش كارما، بس في نفس الوقت بتخيَّل إنَّها كانت واقفة قدَّامي وبتتكلِّم معايا، مش عارف ولا متأكِّد.
_يعني إيه؟!.
تنهَّد يمسح على وجهه:
_متاخديش في بالك..المهم ماما عاملة إيه طمِّنيني عليها.
القسم الثاني٧٦
عند رولا، كانت رولا ما تزال بين ذراعي بلال، تبكي بصمتٍ موجع، احتضنها أكثر علَّه يخفِّف عنها ما تشعر به.
لكن صورة كارما الغارقة في دمائها كانت قد استقرَّت داخل روحها.
وصل بعد قليل إلى الكمبوند كان الجميع بانتظارهما، سوى ميرال التي ذهبت مع ابنتها.
ترجَّل بلال من السيارة مع ركض رحيل التي تورَّمت عيناها من كثرة بكائها:
_حبيبتي عاملة إليه.
ماما..نطقتها ثم هوت بين ذراعيها، هرول بلال إليها، وحملها من بين ذراع رحيل التي صرخت باسمها.
وصلت غرام إليهم، مع وصول سيارة يوسف.
بقصر الجارحي..
ساعدها حمزة في التمدُّد بهدوء، ثم طبع قبلةً مطوَّلة على جبينها:
_حمد الله على سلامتك حبيبتي، حاسَّة بإيه؟.
_كويسة، الحمدلله، عايزة ابني، ما قولتش سميته إيه؟.
جلس على طرف الفراش واحتوى كفَّيها بين راحتيه:
_ما سمتوش، مامته هيَّ اللي هتسمِّيه، قولي بقى يا مامي يا جميلة ناوية تسمِّي ابننا إيه؟.
ابتسمت بحنان رغم تعبها:
_حبيبي اللي إنتَ عايزه، مفكَّرتش، بس أنا كنت حابة أسمِّي يوسف على اسم يوسف، بس بلال سبقني، فكلِّ الأسماء بالنسبالي واحد.
دلف اسحاق وهو يحمل حفيده:
_شوفوا أنا جبت لكم مين.
نهض حمزة يتلقَّى طفله من بين ذراع والده، بينما اقترب إسحاق من شمس، وانحنى يطبع قبلة فوق رأسها:
_حمد الله على سلامتك يا أمِّ حفيدي الحلوة.
_الله يسلِّمك يا عمُّو.
أخرج علبةً مخمليةً سوداء، فتحها ببطء ليظهر بداخلها عقدٌ ألماسيٌّ فخم من إحدى أشهر دور المجوهرات العالمية. انسابت حبات الألماس النقيّ في تصميمٍ راقٍ يلتفُّ حول العنق كخيطٍ من الضوء، تتوسَّطه قطعةٌ كمثرية الشكل أكبر حجمًا، تتدلَّى برقيٍّ ساحر،اقترب منها بابتسامةٍ يغمرها الفخر، وأغلق العقد حول عنقها برفقٍ قائلًا:
_هدية حفيدي الأوَّل.
رفعت أناملها تتحسَّس الألماس برهبةٍ ممزوجةٍ بالسعادة، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ دافئة:
_حلو أوي يا عمُّو، شكرًا لحضرتك.
ظلَّ يتأمَّلها للحظات، وقد زادها بريق العقد جمالًا، ثمَّ حوَّل أنظاره إلى حفيده وسأل بحماسٍ لا يخلو من الحنان:
_هتسمُّوه إيه؟.
رفعت عيناها إليه وقالت:
_سمِّيه إنتَ يا عمُّو، ماهو حفيدك برضو.
لمعت عيناه بالسعادة، فاتَّجه إلى حمزة الذي أومأ مبتسمًا:
_بس إيَّاك تسمِّيه إسحاق، عايز ابني فرفوش.
لكزه بخفَّة:
_إنتَ تطول يكون كاريزما زي أبوك يلا.
_كاريزما إيه يا إسحاق، هننصب على بعض، مين بس اللي ضحك عليك، دينا، فيه حد بيصدَّق دينا، دي عايزة كشف نظر.
_بقى كدا يا حمزة، بقى ماما كدا... قالتها دينا وهي تدخل بجوار ميرال تحمل طعامًا لشمس.
_أنا بسكِّت إسحاق بس يا ماما، إنتي ستِّ الكل وحبيبتي.
حمل إسحاق الطفل مرَّةً أخرى ونظر إليه:
_ايه رأيكم في تميم، نسمِّيه تميم.
نظر حمزة إلى شمس:
_إيه رأيك حبيبتي، حلو تميم؟.
_أوي.
حمله وأذن في اذنه، مع تكرار اسمه
بعد قليل، خلت الغرفة من الجميع، ولم يبقَ فيها سوى ميرال وشمس.
اقتربت ميرال من ابنتها، وجلست إلى جوارها، تمرِّر أناملها برفق بين خصلات شعرها:
_ شموس...إنتِ كبرتي دلوقتي، وفيه موضوع كنت مخبياه عنك يا حبيبتي، بس جه الوقت إنِّك تعرفيه.
نظرت إليها شمس بقلق، وقالت:
_ خير يا ماما؟
تردَّدت ميرال للحظات، وكأنَّ الكلمات تثقل لسانها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_ يوسف أخوكي...
انتفض جسد شمس، واتَّسعت عيناها خوفًا:
_ ماله!! حصل له حاجة؟
ربتت ميرال على شعرها بحنان، محاولةً تهدئتها:
_ لا يا حبيبتي هوَّ بخير..بس يوسف عنده مشكلة في الإنجاب.
شهقت شمس، ورفعت كفَّيها إلى فمها غير مصدِّقة، بينما انسابت دموعها بصمت:
_ يعني..مش هيخلِّف؟
تنهَّدت ميرال بحزن، ثم قالت:
_ ادعيله يا حبيبتي، عايزاكي تدعيله في كلِّ وقت..والأهم، محدش يعرف بالكلام ده، حتى جوزك.
أومأت شمس وهي تمسح دموعها:
_ يا حبيبي..كل ده شايله لوحده، يعني كان طلَّق ضي علشان كده؟
هزَّت ميرال رأسها بالإيجاب:
_ أيوه...بس ضي لمَّا عرفت، أصرِّت ترجع له، هوَّ مكنش راضي يرجَّعها، ومكنش يعرف أصلًا إنَّها عرفت الحقيقة.
ابتسمت شمس وسط دموعها:
_ والله ضي طلعت أصيلة أوي يا ماما.
تنهَّدت ميرال، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة:
_ ربِّنا يسعدهم يا حبيبتي..يوسف بيحبَّها أوي، وضحَّى عشان ميحرمهاش من إحساس الأمومة... وهيَّ من حقَّها تعمل أي حاجة بعد الطلاق، كانت موجوعة ومتخيِّلة إنه مبعدهاش غير لأنُّه مبقاش بيحبَّها.
صمتت قليلًا، ثم أضافت:
_ أخوكي زي أبوكي...بيشيل وجعه جوَّاه ومبيحكيش.
رفعت عينيها إلى شمس قائلةً بجديَّة:
_ المهم، عايزاكي تاخدي بالك من النقطة دي كويس..يوسف كلِّمني، وهوَّ جاي يطمِّن عليكي وياخدني...فاهمة قصدي؟
أومأت شمس سريعًا:
_ خلاص يا ماما، متقلقيش.
ابتسمت ميرال، ثم طبعت قبلة حانية على جبين ابنتها:
_ ربِّنا يخلِّيكوا سند لبعض حبيبتي.
مساءً، بمنزل بلال..
بعدما ساعدها على الاستحمام، وجفَّف خصلاتها بعناية، دسَّها أسفل الغطاء..انكمشت رولا داخل أحضانه، تحتضن كفَّيه تتشبَّث به خوفًا..
همست بصوتٍ مرتجف:
_ما تسبنيش..خلِّيك معايا، أنا عارفة إنك زعلان منِّي، صح؟
مرَّر كفِّه بين خصلاتها بحنان، رغم الغضب المختلط بالخوف الذي يعتصره:
_ حبيبتي، مش زعلان منك..يلَّا نامي... انسي أي حاجة، وافتكري بس إنِّك في حضني.
لفَّت ذراعيها حوله بقوة، فتمدَّد بجوارها، وسحبها إلى صدره، و أنامله تتحرَّك برفق داخل شعرها.
طرقات خفيفة على الباب، أعقبها دخول رحيل وهي تحمل صينية الطعام.
أشار إليها بلال أن تنتظر، ثم أبعد رولا عنه بحذر، ووضع رأسها برفق فوق الوسادة..وطبع قبلة فوق رأسها، ثم اعتدل:
_ نامت يا طنط..إدِّتها مهدِّئ، والنوم أحسن لها دلوقتي.
نظرت رحيل إلى الطعام بحيرة:
_ طب ما كانت تاكل الأوَّل.
أخذ منها الصينية ووضعها على الطاولة الجانبية:
_ لا...مش كانت هتعرف تاكل، أنا هنزل المستشفى ساعة بالكتير، فيه دكتور نفسي هكلِّمه ييجي يطَّمن عليها، وكمان هشوف كارما فاقت ولَّا لسه، وهأكِّد على الأمن إن محدش يدخل لها غير الدكاترة والممرِّضين الموثوق فيهم.
أمسكت رحيل بذراعه، وطالعته بعينينِ أثقلهما الخوف:
_ آسر هيطلع، صح يا بلال؟ طمِّن قلبي...وقولِّي إنِّ ابني هيخرج من القضية.
ربت على كفِّها بحنان:
_ إن شاء الله..يارب كارما تفوق، المحامي بيقول إنَّها شاهد مهم.
هزَّت رأسها بقلق:
_ ومين قال إنَّها هتشهد مع آسر؟
تنهَّد بلال قائلًا:
_لو شافت الحقيقة، هتقولها، أنا متأكِّد إنَّها مش هتخبِّي.
_ طب ما دام متأكِّد كده، روح وفوَّقها...خلِّيها تطلَّعه من الحبس.
ضمَّ رأسها إليه، وطبع قبلة فوق جبينها:
_ إن شاء الله، ادعيله بس..والأهم، ما تبعديش عينك عن رولا، المهدِّئ مفعوله هيستمر شوية، وأنا هرجع قبل ما تصحى..ويوسف مع ماما.
_ متتأخرش.
اتَّجه نحو الباب، والتفت إليها مبتسمًا ابتسامة باهتة:
_ إن شاء الله.
بالمستشفى...
دلف يوسف إلى غرفة العناية المركَّزة، وتوقَّف أمام الممرضة:
_ المريضة أخبارها إيه؟
ارتبكت قليلًا، وعدَّلت القناع فوق وجهها:
_ لسه زي ما هيَّ يا دكتور، العلامات الحيوية مستقرَّة من الصبح.
أومأ برأسه، واتَّجه نحو الفراش. انتقلت عيناه بين شاشة المراقبة وملفَّها الطبِّي، توقَّفت عيناه عليها، بعدما لمح
انخفاض لضغط الدم تدريجيًّا.. والنبض يتباطأ بصورة مقلقة.
اقترب أكثر، ووضع أصابعه على عنقها يتحسَّس النبض بنفسه..
عقد حاجبيه:
_ لا..فيه حاجة غلط.
رفع بصره نحو الممرضة، فوجدها تتراجع للخلف بتوتُّر.
وقبل أن ينطق، دوى صوت الإنذار الحاد داخل الغرفة.
ضغط زر الاستدعاء الطارئ فورًا.
دخلت ممرِّضة أخرى مسرعة:
_ فيه إيه يا دكتور؟
ثبَّت يوسف عينيه على الشاشة:
_ ضغطها نزل بسرعة، والنبض غير منتظم..جهِّزي جهاز الإنعاش حالًا.
هرولت الممرِّضة إلى الخارج، بينما أخذ يوسف يراقب تخطيط القلب.
بدأت الموجات تتعرَّج بعشوائية..
همس بقلق:
_ كده مش طبيعي.
وصل فريق العناية خلال ثواني:
_ الضغط كام؟
أجابت إحدى الممرِّضات:
_ سبعين على أربعين.
_ هاتوا أمبول أتروبين، وافتحوا المحلول.
وضع السماعة فوق صدرها، ثم رفع رأسه بسرعة...النبض ضعيف جدًّا.
فجأة، ارتفع صوت الجهاز بإيقاعٍ متواصل، وتحوَّل التخطيط إلى اضطراب حاد.
تجمَّدت الممرضة في مكانها:
_ دكتور...
أشار يوسف بحزم:
_ جهاز الصدمات..بسرعة!
دفع أحد الأطباء الجهاز نحوه، بينما استعدَّ يوسف للتعامل مع الحالة.
في الأسفل، ترجَّل بلال من سيَّارته وهو يتحدَّث عبر الهاتف:
_ أنا طالع أشوف كارما يا بابا..وأشوف دكتور نفسي لرولا.
جاءه صوت والده:
_ يوسف هناك.
أغلق باب السيارة وتحرَّك نحو المدخل:
_ عارف يوسف هناك، بس آسر قالِّي حاجة، ومش قادر أبطَّل أفكَّر فيها. لازم كارما تفوق..هيَّ الدليل الوحيد.
_ إن شاء الله، بس متتأخَّرش..ابنك مش ساكت لا مع المربيَّة ولا مع أمَّك، وضي لسه مرجعتش من الشغل.
زفر بلال باختناق:
_خلِّي ماما تودِّيه لرولا.
_ إنتَ مجنون!! هتودِّي طفل في الحالة اللي هيَّ فيها دي؟
مرَّر يده فوق وجهه بإرهاق:
_ بالعكس...يوسف الوحيد اللي هيقدر يخرَّجها من اللي هيَّ فيه..وأنا مش هتأخَّر.
تنهَّد والده بقلق:
_ بلال، ما تتهوَّرش، ومتمشيش ورا كلام آسر..هوَّ نفسه مش متأكِّد.
صمت بلال للحظات، وعيناه معلَّقتان بمدخل المستشفى:
_ هنعرف يا بابا، ادعي بس كارما تفوق... براءة آسر عندها.
ردَّ والده بصوتٍ خافت:
_ متكنش متأكِّد أوي..مش بعيد تكون هيَّ اللي بعتت لرولا أصلًا.
أغمض بلال عينيه للحظة، ثم قال بجمود:
_ سلام يا بابا...نتكلِّم لمَّا أرجع.
وصل بلال مع حركة الأطباء السريعة إلى غرفة كارما، فيما وقف أفراد الأمن أمام الباب يمنعون اقتراب أي شخص.
اقترب من مالك، الذي كان يقف خلف النافذة الزجاجية الفاصلة، وعيناه معلَّقتان بها في خوفٍ لا يهدأ:
_فيه إيه يا عمُّو؟
التفت إليه مالك، وقد بدت ملامح القلق واضحة على وجهه:
_وصلت على الحركة، بس يوسف جوَّا..وده مطمِّني شوية.
أومأ برأسه سريعًا، ثم اندفع إلى الداخل مع فتح الباب فكانت الغرفة تعجُّ بالأطباء والممرِّضين، بينما وقف يوسف إلى جوار الفراش، يراقب شاشة جهاز المراقبة الطبيَّة بعينينِ متحفزتين..بعد محاولته الفاشلة..
لمح يوسف شيئًا غريبًا، قطَّب حاجبيه وهو يحدِّق في أنبوب المحلول المتَّصل بوريدها.
كان السائل داخل الخط الوريدي معكَّرًا بلونٍ مختلف عن المعتاد.
رفع رأسه فجأة نحو الممرِّضة المناوبة:
_مين غيَّر المحلول ده؟
ارتبكت الممرضة، وتراجعت خطوة للخلف:
_أنا..أنا لقيته كده.
اقترب يوسف بسرعة، يفحص منفذ الحقن الجانبي، ليتوقَّف للحظة وقد اشتدَّت نظراته..كان غطاء المنفذ مثقوبًا حديثًا.
انتزع المحلول فورًا وأغلق الخط الوريدي:
_افصلوا المحلول حالًا!
نظر إلى طبيب الطوارئ بحدَّة:
_دي مش مضاعفات طبيعية..حد حقنها بحاجة.
صرخ بالممرِّضات:
_هاتوا عيِّنة من المحلول، وعينِّة دم فورًا! محدش يخرج من الأوضة!
تراجعت الممرِّضة خطوة أخرى، وارتجف جسدها:
_والله يا دكتور معرفش، مخرجتش غير لمَّا الدكتور طلبني.
التفت نحو الأمن الواقفين عند الباب:
_اقفلوا الدور كلُّه..ومحدش يسيب المستشفى.
في تلك اللحظة، عاد الجهاز يلتقط نبضًا ضعيفًا.
تنفَّس الجميع الصعداء، لكن يوسف لم يرفع عينيه عن شاشة المراقبة.
أعاد فحص حدقتيها، ثم قال بصوتٍ حاسم:
_النبض رجع..بس لو اتأخَّرنا دقيقة واحدة كنا خسرناها.
رفع نظره نحو الممرِّضة التي شحب وجهها تمامًا:
_هاتوا كاميرات الممر دلوقتي، حد حاول يقتلها..
رمق بلال المتوقِّف بصمت الممرِّضة، ثم رفع عيناه الى يوسف:
_إيه اللي حصل؟.
_هنعرف من التحليل، قالها يوسف وخرج.
بمنزل سارة..
كانت تقف أمام حمَّام السباحة تنظر إليه بشرود، قطع شرودها رنين هاتفها:
_أيوة.
_جبت لك كلِّ الأخبار يا أستاذة.
_يارب تكون أخبار حلوة يا علي.
_لا..متخافيش، كلِّمت ظابط رتبة، وجاب لي كلِّ حاجة، بس خلِّي بالك، أنا قولت له من طرف رئيس التحرير للقناة اللي حضرتك شغَّالة فيها.
_مش مهم، قولِّي إيه الأخبار.
_بصِّي يا ستِّي، دول عيلة كبيرة أوي، وليهم اسم في الدولة، وعرفت شوية كلام معرفش هينفعك ولَّا لأ.
جلست تستمع إليه بانتباه:
_قول كلِّ حاجة وأنا هعرف إيه اللي ينفعني وإيه لأ.
_أكبر واحد فيهم اسمه إلياس جمال الشافعي، ودا صاحب شركة إلياس للأمن العام، والتاني اسمه أرسلان جمال ودا له نادي رياضي متفرِّع في مناطق كتيرة، وشركة استيراد وتصدير..
قاطعته متسائلة:
_متأكِّد جمال الشافعي مش راجح؟.
_لا...ما أنا مكمِّلتش لحضرتك، فيه بقى لراجح الشافعي، ودا عرفت عنه إنُّه اتعد. م لأنُّه تبع جماعة إرهابية..
أطبقت على جفنيها، وشعرت بنيران تحرق صدرها:
_الكبير اسمه يزن راجح الشافعي، وواحد اسمه طارق، ودا عليه علامات استفهام كبيرة، وفيه بنت متجوِّزة ابن عمُّهم الكبير اسمها ميرال الشافعي، ودي كانت صحفية كبيرة، وبعدين اختفت فجأة وقالوا عملت حادثة وفقدت الذاكرة.
ظلَّ يقصُّ لها وهي تستمع إليه باهتمام، إلى أن أنهى حديثه:
_طيب ابعت لي عنوان يزن راجح.
_كلُّهم مع بعض في كمبوند آل الشافعي.
_ابعته.
توقفت تنظر للعنوان
_مش دا عنوان البنت اللي كان خاطبها نور
فتشت في هاتفها عن اسم ضي
رددت الاسم، لتشهق بعينًا متسعة
_معقول، نور كان خاطب بنت عمه ومنعرفش..
حاولت تذكر احدا قابلته يوم الخطوبة، ولكن خانتها الذاكرة
وصلت والدتها وهي تتحدَّث بهاتفها، ولكنها لم تشعر بها، جلست تنتظرها إلى أن انتهت، ظلت تراقب وقوفها، الى أن نادتها
_سارة... التفتت لوالدتها ورسمت ابتسامة:
_لسة صاحية يا ماما؟.
_اقعدي سارة، أريد الحديث معك.
جلست بمقابلتها تنظر إليها بقلق:
_أنا أزور معتز بكرة، إنتَ قولت أروح.
_معتز خارج مصر، سألت ورحت له قالولي برَّة مصر، هيجي بعد شهر.
_إنتَ اكذب على ماما سارة، خايفة من زيارة ماما لمعتز.
نهضت وجلست بجوارها:
_صدَّقيني حبيبتي، وكمان أبو عادل يرجع من السفر.
ـــــــــــــــــــــ
مساءً...بمنزل يوسف
دلف إلى منزله، كان السكون يخيّم على المكان. خطا يبحث عنها بعينيه، حتى قابلته الخادمة.
ـ حمد الله على السلامة يا دكتور.
أومأ لها، تناولت حقيبته، وعيناه تجولان في أرجاء المنزل.
ـ المدام فين؟
أشارت إلى الأعلى قائلة:
ـ طلعت فوق من شوية.
توقف لحظة قبل أن يسأل:
ـ هي اتعشت؟!
هزّت رأسها نفيًا.
ـ قالت هتستنى حضرتك.
ارتخت ملامحه قليلًا.
ـ تمام، جهزي الأكل وطلّعيه فوق.
ـ تحت أمرك يا دكتور.
صعد الدرج بخطوات مثقلة، يمسح وجهه بكفّه يشعر بالأرهاق. دلف إلى غرفته، فوجدها جالسة في الشرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بذقنها عليهما، تحدّق في الظلام.
اقترب منها بعدما ألقى مفاتيحه جانبًا. ما إن شعرت بوجوده حتى رفعت رأسها إليه، فجلس بجوارها وسحبها إلى أحضانه.
لفّت ذراعيها حوله، تستنشق رائحته
_وحشتني أوي
ـ وانت كمان حبيبتي، قاعدة كده ليه؟..
رفعت وجهها إليه بعتاب طفولي:
ـطب اتأخرت ليه؟ مش قولت هترجع بدري؟
أبعدها قليلًا، وأحاط وجهها بكفيه، يتأمل عينيها الحزينتين
ـ آسف يا حبيبتي... الدنيا اتلخبطت في المستشفى، ومكنش ينفع أمشي غير لما أطمن على كل حاجة
أومأت بصمت، لكن حزنها كان أوضح من أي كلمات.
داعب وجنتها بإبهامه.
ـ مالك؟ عيونك حزينة ليه؟
تنهدت وهي تخفض بصرها.
ـ صعبانة عليا رولا أوي... من وقت ما رجعت وهي بتعيط، مقدرتش أقعد هناك.
ضمّها إلى صدره، وعانق أصابعها بين يديه.
ـ الموضوع مش سهل... دي شافت جريمة قتل بعينيها. ورولا أصلًا قلبها رهيف، دي بتخاف من الحقنة، تخيلي بقى تشوف حد بيموت قدامها.
ابتعدت قليلًا تنظر إليه.
ـ معرفش ليه عملت كده يا يوسف... أنا كنت معاها، لو قالتلي، عمري ما كنت هسيبها لوحدها.
أومأ، ثم نهض ينزع جاكيت بدلته.
ـ شديت معاها بسبب كده. متهورة وغبية... كانت ممكن تودي نفسها في داهية.
استدار نحوها، ونبرته ازدادت حدة.
ـ لو راحت وقت اللي كارما اتضربت فيه، كان زمانها محبوسة زي أسر.
اقتربت منه تساعده في فك أزرار قميصه.
ـ فيه أخبار عن كارما؟
مرر يده على وجهه بإرهاق.
ـ النهارده حد حاول يقتلها تاني... واضح إن في حد عايز يورّط أسر. مادام وصلوا إنهم يحاولوا يخلصوا عليها مرة تانية، يبقى الموضوع أكبر مما متخيلين.
شهقت ضي، واضعة كفيها على فمها.
ـ وعاملة إيه دلوقتي؟
ـ الحمد لله، لحقناها.
زفر بإنهاك، وأسند رأسه لرأسها للحظة.
ـ أنا هلكان من التعب... بقالي يومين منمتش. يوم في المستشفى مع شمس، ويوم مع رولا وأسر، والنهارده ختمتها هناك. حتى العملية أجلتها، مقدرتش أدخل أوضة العمليات بالحالة دي.
مدت يدها على وجهه، وارتفع بصرها إليه بحنان.
ـ اتعشى ونام... ووعد، مش هزعجك.
ضم رأسها إلى صدره، وطبع قبلة فوق شعرها.
ـ عاقلة طول عمرك يا روحي... بس كملي الجملة، عايزة إيه؟
ابتسمت بخجل، ولكمته بخفة في صدره.
ـ قفشتني يعني؟
رفع حاجبه مبتسمًا رغم إرهاقه.
ـ قولي يا ضي.
ترددت، وهربت بعينيها بعيدًا عنه.
ـ خايفة أتكلم وتفهمني غلط.
تنهد بصمت، واتجه نحو الحمام دون أن يجيب.
تبعته بخطوات مترددة، وتوقفت عند الباب تراقبه.
ـ ما هو إنت السبب... بقيت أخاف أتناقش معاك.
دلف إلى كابينة الاستحمام، ولا يزال صامتًا.
ضربت الأرض بقدمها بغيظ.
ـ شوف، أنا بقول إيه وإنت عملت إيه!
رمقها بنظرة طويلة، صامتة، قبل أن يفتح الماء.
اقتربت أكثر، وقد بدأ الضيق يظهر في عينيها.
ـ طب ما تردش... وأنا كمان مش هقول، مادام مش مهتم.
انقطعت كلماتها فجأة، واتسعت عيناها بصدمة خافتة حين امتدت يده فجأة، وجذبها إليه.
تعثرت بين ذراعيه، لتنهمر قطرات الماء فوقهما معًا.
ثبت نظراته عليها، وقد اختلط الإرهاق بالشوق في عينيه.
ـ أنا ساكت عشان لو اتكلمت، هقولك قد إيه تعبان... وقد إيه محتاجك جنبي.
تلينت ملامحها فورًا، ورفعت يدها تلامس وجنته المرهقة.
ـ وأنا هنا... ومش هروح في حتة.
أغمض عينيه لثوانٍ، مستندًا بجبهته إلى جبهتها، المياه تنهمر فوقهما، وكأن قربها وحده قادر على انتشاله من كل ما مرّ به.
مضت عدَّة أيام إلى أن انتهت أربعة أيَّام وبدأ التحقيق مرَّةً أخرى.
جلس آسر بثقة أمام وكيل النيابة للمرَّة الأخيرة، بدا أكثر هدوءًا من جلسات التحقيق السابقة، لانه بعدما فكر كثيرا في محاولة أن يصل لدليل برائته،ورغم ذلك الإرهاق كان محفورًا بوضوح على ملامحه.
أغلق وكيل النيابة الملف، ثم رفع عينيه إليه:
_ آسر يزن الشافعي، بعد ورود تقارير الطب الشرعي النهائية، عندي شوية أسئلة أخيرة.
أومأ آسر بصمت.
_ تقرير المعمل الكيماوي أثبت وجود مادة مهدِّئة عالية التأثير في دمَّك، بنسبة كافية لفقدان الوعي وتعطيل القدرة على الإدراك والحركة الإرادية وقت وقوع الحادث.
ظلَّ آسر صامتًا، بينما أكمل وكيل النيابة:
_ تقرير الطب الشرعي حدَّد توقيت إطلاق النار بين الساعة الحادية عشرة والحادية عشرة والنصف مساءً، وهو نفس التوقيت اللي أثبت تقرير السموم إنَّك كنت فيه تحت تأثير المادَّة المخدِّرة.
تنفَّس آسر ببطء، وعيناه معلَّقتان بوجه وكيل النيابة..لأنه يعلم أنَّ هذا سيكون دليل برائته..تابع وكيل النيابة:
_ وبعد فحص آثار البارود أثبت عدم وجود أي بقايا لإطلاق النار على إيديك أو ملابسك، رغم إن السلاح المستخدم مرخَّص باسمك.
قبض آسر على كفَّيه بقوَّة وأردف:
_ الأدلِّة الفنيَّة أثبتت استحالة تنفيذي للجريمة في التوقيت المحدَّد.
قاطعه وكيل النيابة:
_ لكن ده لا ينفي إنِّ السلاح المستخدم سلاحك، وإنَّك كنت موجود في مسرح الجريمة.
_عارف حضرتك، بس فيه بنت.
_ المجني عليها ما زالت في غيبوبة، وبالتالي مفيش أقوال منها لحدِّ دلوقتي.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتابع وكيل النيابة:
_ وبناءً على ما انتهت إليه تقارير الطب الشرعي والمعمل الكيماوي، وعدم كفاية الأدلَّة على ارتكابك الواقعة، تقرَّر إخلاء سبيلك ما لم تكن مطلوبًا على ذمَّة قضايا أخرى.
تنفَّس آسر الصعداء،
فقال وكيل النيابة:
_ هتخرج، لكن التحقيقات مستمرَّة للوصول لمرتكب الواقعة الحقيقي.
_حضرتك متنساش إنِّي محامي وعارف..
أنا عايز أوصل له أكتر منكم.
نظر إليه وكيل النيابة مليًا، ثم قال بنبرةٍ حازمة:
_ يبقى خلِّيك متاح للتحقيقات، ومتخدش حقَّك بإيدك يا آسر بيه.
أومأ آسر بصمت، قبل أن يلتفت نحو الباب.
وقبل خروجه، استوقفه وكيل النيابة:
_ في حاجة أخيرة.
التفت إليه آسر..
_ لو المجني عليها فاقت، أقوالها ممكن تغيَّر مسار القضية بالكامل.
ثبَّت آسر عينيه عليه، وقال بثقة امتزجت بالألم:
_ متأكِّد من كدا وأنا مستني اليوم ده أكتر من أي حد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل إلياس..
طرقت على الباب ثم دلفت
_ايه ياجدو، مش جوعت
اشار إليها بالدخول، خطت اليه، نهض من مكانه واحتوى كفيها متجهًا الى الأريكة الجلدية
_أخيرًا فضيتي لجوزك ياهانم
تبسمت وعيناها تلتهم ملامحه
_وانت مفكر فيه حاجة تشغلني عنك برضو، محبتش اسيب شمس غير لما تتحرك كويس، رغم اهتمام دينا بيها، بس مهما كان، اهتمام الأم غير ياالياس
_ربنا يخليكي ليهم ياميرا
_ياااه ياإلياس، لسة فاكر، ميرا
رفع كفيها ولثمه
_وأحسن اميرة مش ميرا بس
ضحكت بخجل تدفن رأسها بصدره
_هموت ولا إيه يابن السيوفي، بخاف من الحنية السهلة دي
رفع ذقنها يتطلع لملامحها بشغف
_عاملة اكل ايه النهاردة
قطبت حاجبيه تنظر إليه بذهول
_وحياة ربنا انت مش طبيعي النهاردة، مالك فيه ايه
ضحك وعاد بجسده للخلف
_عايز افصل عن المشاكل لو ليوم ياميرال
_لسة موضوع اسر ياالياس، مش قولت هيطلع بسهولة
_هيطلع النهاردة إن شاء الله، الواد ذكي وخرج بكام حاجة هيساعده يخرج، بس طبعا مش براءة نهائية
_خلاص.. مادام هيطلع، حاول تفصل عن دا كله، وارسلان مش سهل، متأكدة هيعرف يتصرف، وتعالى نطلع عمرة رمضان
ربت على كفيها
_مش دلوقتي حبيبتي، فيه كام حاجة اخلصهم ويبقى نسافر
_ارسلان موجود ياالياس، متخافش هيعرف يتصرف، انت مش شايف نفسك
_متأكد من ارسلان، ولولا ارسلان مكنش اسر عرف يطلع النهاردة، بس برضو هو عنده مشاغله، كفاية عليه مش كل حاجة ارميها عليه
_طيب يزن وطارق، هتفضل لحد امتى باعدهم عن مشاكل العيلة
_يزن مش بعيد ياميرال، بس مش كل حاجة ينفع ندخله فيها، انما طارق مينفعش، وانت عارفة ليه
تنهدت بثقل وشردت بعيونا حزينة، ادار وجهها
_عايز اكل جمبري ياام يوسف، من زمان مااكلتوش
شهقت تضرب على صدرها
_يالهوي
توسعت عيناه من حركتها، وفتح فمه للحديث ولكن قاطعه طرق على الباب ثم دخول ارسلان
رفع الياس عيناه اليه، ثم اتجه الى ميرال
_جهزي السفرة، لما اشوف ارسلان
نهضت مقتربة منه
_فيه حاجة ولا إيه مش عوايدك
جلس وهو يقول
_ارهاق ياميرال، بقالي كام يوم منمتش
_طيب هجهز الغدا، تتغدى معانا، عاملة سي فود هيعجبك
التفت الى الياس
_مش كبرت ياباشا على السي فود
اشار الياس اليها بالخروج
_مش لاقية غير ارسلان وتعزميه
خرحت وهي تضحك، صمت دام لثوان الى أن تحدث ارسلان
_إلياس تفتكر مين عايز يوقَّع يزن؟.
_مالك شغَّال بالتيم كامل، وعايزك تحرَّك الناس اللي تبعنا، لازم أعرف كل حاجة عن ابن راجح دا.
_مش متتظر تقولِّي، واتكلِّمت مع السفير في أثينا.
_معلش يا أرسلان، لازم تسافر تاني، وتاخد معاك مالك، مالك هيفيدك، متنساش إنُّه كان ظابط وله طرقه.
_حاضر، خلِّيه بعد سبوع شمس، لسة مشفتش حفيدي يا أخي.
ابتسم إلياس..
_حلو أوي، شبه حمزة...دار بينهما حوار لبعض الوقت الى أن توقَّف أرسلان وهو يضحك:
_اهم حاجة ابن شموسة شبه حمزة علشان تحبُّه..قالها واستدار للمغادرة، أوقفه إلياس:
_ما تزعلش من يزن، هوَّ معذور.
_عارف..أنا كمان زوَّدتها، هعدِّي على شمس وبعد كدا هشوف الأمن عمل إيه.
_تمام.
دقائق معدودة الى أن ارتفع رنين الهاتف:
_إلياس باشا، فيه واحدة اسمها سارة أندرياس.
_مين دي؟.
_معرفش يا باشا عايزة تقابل الباشمهندس يزن وهوَّ مش موجود.
صمت إلياس لدقائق، ثم قال:
_ابعتها عندي، ولمَّا يزن يجي عرَّفه إنِّي عايزه.
_تحت أمرك يا باشا.
دقائق إلى أن توقَّفت سارة أمامه تتطلَّع إليه باهتمام:
_بس إنتَ مش يزن راجح.
نهض إلياس بطوله المهيب، وشخصيَّته القوية يتعمَّق بالنظر إليها:
_يعني جاية تقابلي واحد متعرفيش شكله؟.
_عايزة أقابل يزن.
قطب إلياس حاجبيه:
_نعم..إنتي مين وعايزة إيه من يزن؟.
طالعته لبرهة، تنظر للشيب برأسه:
لحظات وإلياس يتابعها بصمت، حتى ارتفع ضجيج قلبها بعنف مع اقتراب إلياس منها، فتراجعت تلقائيًّ للخلف بخوف.
_إنتي مين؟.متخلنيش أفقد اعصابي
_إيه يعني هتموِّتني مثلًا، عادي، ما هو إنتَ ابن راجح هتطلع إيه يعني شيخ، قا تل زيُّه.
اشتعلت عيني إلياس بالغضب:
_إنتي تعرفي راجح منين؟.
صمتت تنظر للأرض، ثم قالت:
_مش هتكلِّم لمَّا أعرف إنتَ مين.
_أنا إلياس، ابن عم يزن، ارتحتي كدا.
رفعت رأسها إليه تنظر لعينيه:
_معقول..إنتَ إلياس!!.تذكرت صورته، فتأكدت منه
_اللهمَّ طوِّلك يا روح، قاطعهم دخول يوسف ملقيًا السلام:
_بابا...التفتت سارة إليه تدقِّق النظر فيه، طالعته بتدقيق فهو يشبه إلياس كثيرًا.
أشار إلياس إليه بالدخول، رغم غضبه من دخوله بتلك الطريقة.
_خالو يزن رجع هوَّ وآسر.
_تمام...روح اطمِّن على ابن خالك، وقول لخالك يجي لي ضروري.
أومأ يوسف وعيناه على سارة التي تنظر إليه...
التفت إليها إلياس:
_يزن جاي، اقعدي استنيه لمَّا يجي.
خطت بعض الخطوات:
_أنا هروح لعنده.
_استني..صاح بها غاضبًا، ونهض من فوق مقعده واقترب منها:
_مش هتخرجي من هنا إلَّا لمَّا تقولي إنتي مين.
ارتجفت شفتيها ورغم خوفها من نظرات إلياس إلَّا أنها قالت:
_اسمي سارة.
_عارف...غيره، عايزة إيه؟.
ابتلعت ريقها وقالت:
يمكن متقابلناش في خطوبة ضي ونور، بس..
ضيق عيناه
_نور مين... انتي مين بالظبط
_سارة راجح الشافعي.
تجمَّد إلياس بوقوفه للحظات، حتى شعر بشلل كامل بخلايا جسده:
_إنتي..إنتي بنت راجح؟!.
أومأت بهدوء رغم ضجيجها، فارتفع صوته حتى انتفض جسدها من الخوف:
_كذابة، راجح عنده ولد مش بنت.
_لا...لو قصدك مهند فهوَّ مات من عشر سنين في حادث هو ومراته، وأنا أخته التوأم.. ولما انت عارف ان راجح له اولاد مسألتش ليه
لحظات مميتة حتى فقد إلياس توازنه، وكلماتها تصفعه بقوة؛ تراجع بثقل جسده، يسحب خطواته بصعوبة إلى أن هوى بجسده فوق المقعد..وكل ما يفكِّر به ماذا سيكون رد ميرال حين تعلم.
مرَّت دقائق والغرفة يعمُّها الصمت.
حاول الثبات، وعادت شخصيته، وقام بالحوار معها لفترة، ظلَّت تقصُّ له بعض الأمور، وهو يستمع بصمت..
_الأوَّل مكنتش حابة أعرفكم، بس لمَّا سألت وعرفت إنُّكم غير راجح، قولت لازم نتقابل.
أفلت إلياس ضحكة بدون معنى:
_قولتي تقابلينا، ويا ترى الأستاذة عايزة مننا إيه؟.
نظرت إليه بغضب:
_عايزة أتعرَّف على ولاد راجح اللي ظلمنا بسببهم.
قهقه إلياس وعاد بجسده للخلف وعيناه تخترقها:
_لا يا شيخة، والله هتخلِّيني أعيَّط متأثِّر أنا.
_لو سمحت، أنا مجتش غير لمَّا بحثت عنكم، بلاش أسلوب التهكُّم دا.
_وبعدين سمعت عنك كل خير
أومأ لها باستخفاف..ثم انحنى يتعمق بعيناها
_انما انتي مصرية، ولا يونانية، وازاي مش مسلمة لو بنت راجح
طالعته بصمت لدقائق
_لما تقولي الأول، ليه سرقتوا راجح انت واخوك ويزن، رغم انه قالكم علينا
توسعت أعين إلياس
_انتي بتقولي ايه
_ايه.. مابلاش شكل الشخصية المريبة اللي قدام الناس، مش انتوا اتفقتوا على قتـ ل راجح علشان تاخد فلوسه
ارتفعت ضحكات إلياس بهستريا، الى أن دمعت عيناه... كانت تنظر اليه بغضب
_معرفش بتضحك على إيه، بس اللي متعرفوش ماما اشتغلت خدامة علشان تصرف علينا، وحضراتكم سرقتوا حقنا، مش انت مسلم وتعرف الحقوق
_اششش... اخرصي، لو سمعت صوتك هعلقك في النجفة، استني اخوكي
صمت وعاد يضحك
_اخوكي... تعالى يايزون تعالى، المفاجأت بتهل علينا
بمنزل يزن
كان الجميع بإنتظار آسر، بعد اتصال مالك بخروجه، انتظره بلال امام القسم حتى انتهت التحقيقات، وصل بعد قليل، ترجل من سيارته، بخروج يزن
_بابا..نطقها بصوتٍ مختنق.
ضمَّه يزن بحنانٍ أبوي:
_حمد الله على سلامتك حبيبي.
نظر لوالدته التي تورَّمت عيناها من البكاء، اقترب يزيل دموعها:
_حبيبتي بطَّلي عياط، أنا كويس.
ضمَّته تبكي بشهقاتٍ مرتفعة.
حمحم كريم مقتربًا منه:
_رحيل سبيه دلوقتي، أكيد تعبان وعايز يرتاح.
ضمَّت وجهه تلتهمه بعينيها الباكية:
_إنتَ كويس حبيبي؟.
أومأ وقبَّل كفَّيها الذي ضمَّته به:
_كويس حبيبتي..
عايز أنام بس.
سحبه يزن:
_خلاص يا رحيل سبيه دلوقتي.
صعد بعض درجات السلَّم، ولكنه توقَّف على صياح سدن باسمه، التفت إليها..
ركضت إليه وهي تبكي، ولم تشعر إلَّا وهي تلقي نفسها بأحضانه أمام الجميع.
ابتعد محمحمًا:
_عاملة إيه؟.
طالعته باشتياق:
_كويسة، إنتَ كويس؟.
رفع عيناه إلى آسيا التي توقَّفت لدى باب المنزل الرئيسي وقال:
_كويس أوي..أمسكته سدن من كفِّه وتحرَّكت معه:
_طيب تعال غيَّر وارتاح، أنا اتعلِّمت شوية أكل..طنط رحيل قالت إنَّك بتحبُّهم.
كان ينظر لآسيا التي توقَّفت بصمت ثم قال:
_إزيك يا آسيا؟.
_الحمدلله..وقعت عيناها على يد أختها المتشبِّثة بذراعه، وعيناها التي لمعت بالسعادة، ثم نظرت إليه:
_حمد الله على سلامتك يابنِ خالي..
بعد إذنكم عندي شغل..قالتها وتحرَّكت سريعًا، تشعر بانقباض أنفاسها، وكأنَّ الجدران تجثو فوق صدرها..
قابلها يوسف وضي:
_آسيا...توقَّفت تزيح دموعها ورسمت ابتسامة:
_رايحة الشغل فيه حاجة؟.
بعد فترة قليلة بمنزل إلياس
استمعا إلى طرقاتٍ فوق الباب:
_ادخل...تمتم بها إلياس بصوتٍ مرتفع.
دلف يزن وقال بضجرٍ•:
_مالك زن...زن..لازم أشوف راكان وصل لإيه..إيه اللي مينفعش يتأجِّل.. ارسلان كلمني وقال لازم اروح له
بتر كلماته فجأة، وتجمَّدت عيناه على تلك الجالسة أمامه.
فتبدَّلت ملامحه كليًّا:
_آسف...أهلًا..صمت محاولًا تذكرها
_مش انتي.. مدام سارة.
أومأت له سارة بابتسامة هادئة، و عيناها كانتا تلتهمان ملامحه بذهولٍ مكتوم...
ياالله..نفس العينين، نفس الوقفة.
شعرت بقلبها يرتجف بعنف، فهمست:
_إزيك يا باشمهندس؟
_الحمدلله.
جاء ردَّه مقتضبًا، وهو ينظر بينهما بعدم فهم، ليشير إليه إلياس بيده:
_اقعد يا يزن...عايز أتكلِّم معاك في موضوع إنَّما إيه، لا تقول قضية آسر، ولا رولا... دي حاجة عجب العجاب
_أنا معرفش حضرتك بتستهزأ ليه
قطب يزن جبينه، وجلس ببطء، بينما عقله بدأ يدور بأسوأ الاحتمالات.
وجود سارة هنا لا يبشِّر بالخير أبدًا...
هل جاءت تأخذ ضي؟
هل أرسل اليه إلياس حتى يقنع يوسف بتطليق ضي؟.
سبَّ نفسه داخليًا:
_اتجنِّنت؟! إيه اللي بتفكَّر فيه ده؟
_يزن!
رفع عينيه نحو إلياس، أشار بعينيه نحو سارة:
_إنتَ تعرف أستاذة سارة؟
أومأ يزن:
_أيوة...
ثم استدار إليها متابعًا بنبرةٍ رسمية:
_اتقابلنا في خطوبة ضي ونور...بس.
صمت فجأة على وقوف إلياس ينهض من مكانه ببطء.
راقبه يزن باستغراب، اقترب إلياس حتى توقَّف خلف مقعده مباشرة، ثم انحنى قليلًا، واضعًا يديه على طرفي المقعد، ثم همس بالقرب من أذنه بنبرةٍ غامضة:
_أعصابك حديد؟.
رمقه يزن باستخفاف:
_مالك، الستِّ قاعدة، إنتَ سخن؟
زفر إلياس بقوة، ثم اعتدل واقفًا، واضعًا يديه بجيب بنطاله، قبل أن يهزَّ رأسه ببطء..
أمَّا سارة...
فكانت تنظر إلى يزن بعينينِ امتلأتا بالدموع دون إرادة، تشعر أنَّ قلبها ينتفض داخل صدرها كلَّما تحرَّك أو تحدَّث يزن.. لا تعلم أنه ليس كما قال راجح، رغم استهزاء إلياس بها، ولكن داخلها يقسم أنهما غير ذلك، نظرت ليزن بتعمق
رغم أن بعض ملامح راجح تسكن وجهه، إلَّا أنَّه ذكَّرها بأخيها.
ابتلع إلياس غصَّته أخيرًا، ثم قال وهو يثبِّت عينيه على يزن مباشرة:
_أقدِّم لك...الأستاذة سارة الشافعي.
رفع يزن حاجبه ساخرًا، محاولًا إخفاء انزعاجه:
_أهلًا وسهلًا، بس معرفش ليه الشو ده؟..ادخل في الموضوع على طول.. ابني لسة خارج
ساد صمتٌ للحظات، ثم نظر إلياس إلى سارة:
_دا يزن، وفيه طارق وميرال، بس عارفة لو قولتي حاجة لميرال، لحد ماالباشمهندس يطمنا طبعًا، فالأحسن ميرال متعرفش حاجة دلوقتي.
نهض يزن وداخله يرتجف، وخاصَّةً عند ذكر إلياس بأسماء أخوته:
_هوَّ فيه إيه بالظبط؟.
التفت إليه إلياس، ثم نطق ببطء:
_سارة..راجح الشافعي يا يزون..
ادعي لأبوك، ربِّنا يكتَّر من ذريِّته يا حبيبي.
صدمة..ذهول وهو يطالعها بصمت:
_ايه التهريج والهبل دا، بقولك دي ام نور اللي كان خاطب ضي
_إنتَ بتقول إيه؟!.تمتم بها يزن بغضب ثم
نظر إليها بصمت للحظات فقال:
_إيه الجنان دا، راجح مالوش ولاد، إنتي أكيد مجنونة!.
_مش مجنونة، ولو عايز تتأكِّد براحتك.
اعمل تحليل
ربت إلياس بقوة على كتف يزن
_اقعد يالي سارق فلوس راجح، وخليت امهم تشتغل خدامة وتصرف على ولادها
هب يزن من مكانه
_انت عبيط يابني، راجح مين اللي سر قت فلوسه، الست دي كدابة، ازاي اصلا راجح
دا دفناه، ايه طلع من القبر
دفعه إلياس بقوة على المقعد
_اقعد يلا، علشان تعرف تصلب نفسك
استاذة ام نور مسيحية، لازم نستعد المرة الجاية هيكون يهودية
نهضت سارة تطلع اليهم بغضب
_أنا غلطانة اصلًا اني جيت لكم، صور مزيفة على السوشيال، نفسي الناس تعرف حقيقتكم
جلس إلياس على المقعد أخيرا
_اتفضلي استاذة دقلديانوس، افضحينا، منتظرين
رمقته غاضبة وتحركت للخارج بخطوات سريعة بدخول ميرال، حتى اصطدمت بها
توقف للحظة ثم قالت سريعًا
_سوري... قالتها وغادرت سريعًا
راقبت ميرال تحركها، تنظر لتنورتها القصيرة، وشعرها الأصفر، لم تلمح عيناها بسبب سرعتها، ثم دلفت للداخل
🔥🔥🔥
بعد شهر..
كانت تجلس أمام فراش كارما:
_أنا جاية أشكرك، لولا شهادتك مكنش آسر طلع براءة.
همست كارما بتعب:
_مقولتش غير اللي حصل.
انحنت رولا تنظر بعينيها:
_إنتي متأكِّدة ما شفتيش الناس اللي ضربتك دي؟.
_لا...زي ما قولت، شوفت ناس داخلين عند الأستاذ آسر، وصوت عالي..دخلت أشوف إيه، سمعتهم إنُّهم عايزين يورَّطوه وإنتي معاه، لمَّا حاولت أنقذه ضربوني.
قاطعهم رنين هاتف رولا:
_أيوة.
_أستاذة رولا، معتز باشا عايز يقابل حضرتك، أمشِّيه ولَّا..قاطعتها سريعًا:
_لا..أنا جاية.
نظرت إلى كارما وقالت:
_لازم أمشي، والممرِّضة معاكي، دي موثوقة، وكمان الأمن محاوط المستشفى متقلقيش.
قالتها وخرجت، أوقفتها كارما:
_ممكن أطلب منك طلب؟.
استدارت رولا إليها..
_عايزة إلياس باشا.
عمُّو إلياس!.قالتها باستغراب، فتراجعت إليها:
_إنتي مش مخبيَّة حاجة عليَّا صح؟.
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_عايزاه يدوَّر على بنت عمِّي.
_خلاص هقول لعمُّو مالك متقلقيش.
_لا...عايزة إلياس باشا، لأنُّه هيهتم أكتر.
_وإنتِ كمان بتختاري، عمُّو إلياس مش فاضي، وبعدين ما بيروحش لحد، هكلِّم عمُّو مالك يتصرَّف.
قالتها وخرجت دون كلمة أخرى.
وصلت بعد قليل، توقَّفت للحظات تسحب نفسًا، ثم زفرته تضع كفَّيها على صدرها:
_اهدي متخافيش، لازم الكلب دا يتحاسب وتعرفي وراه إيه..
خطت بخطوات جعلتها واثقة إلى حدٍّ ما، وجدته جالسًا:
_أهلًا معتز باشا.
_أهلًا يا باشمهندسة، عاملة إيه؟.
جلست وعلى وجهها ابتسامة:
_كويسة الحمدلله، اتفضل...قالتها وهي تنظر إليه:
_تشرب إيه؟.
نظر لارتعاش يدها:
_إنتي تعبانة؟.
أخفت كفَّيها وحاولت التصنُّع بلا مبالاة:
_أعصابي بقالها فترة مش أحسن حاجة.
حدجها لفترة ثم قال:
_ألف سلامة، ممكن أسأل ليه، ولَّا هتقولي قليل الذوق وبدخل في حياتك الخاصَّة.
توقَّفت واقتربت من المقعد الذي يقابله:
_لا أبدًا، طبعًا حضرتك سمعت عن القضية اللي كانت شغَّالة من فترة، من وقتها أنا وبلال حياتنا مش مستقرَّة.
_أممم...أحسن برضو.
أومأت مبتسمة، قاطعهم دخول السكرتيرة:
_باشمهندسة عندك ميتينج بعد ساعة، أخبَّر يزن باشا؟.
أومأت لها وقالت:
_أه...وعرَّفي المهندسين الباقيين.
_تحت أمرك يا باشهندسة.
كان يدقِّق النظر بهيأتها، التفتت إليه فجأة فابتعد ببصره عنها، وضعت ساقًا فوق الأخرى ونظرت إليه:
_حضرتك متجوِّز؟.
ظلَّ ينظر إليها للحظات، ثم قال:
_لا...
رفعت فنجان كوبها تدوِّره بين كفَّيها:
_ليه؟.رغم إنَّك شخص كويس.
أمال إليها يغرس عيناه ببنيِّتها:
_لسة ما لقتش صاحبة النصيب.
هبَّت من مكانها مبتعدة:
_معقولة! حضرتك مش صغير يعني.
_خمسة وأربعين سنة، يعني أكبر منك بسبعتاشر سنة بس.
_حلو السنِّ دا، سنِّ الرجولة.
قهقه بصوتٍ مرتفع:
_الكل بيقول كدا..صمت وعيناه تلتهم تفاصيلها:
_وبالنسبة لطليقك...مش هوَّ طليقك برضو؟..
سنُّه وحش ولَّا إيه؟.
_بلال...
جزَّ على أسنانه:
_أيوة بلال...أعرف كان بينكم قصِّة حب.
_أه طبعًا، أنا حب حياته.
انحنى على المكتب ينظر لعينيها:
_وإنتي؟..أغمضت عيناها تحاول أن تسيطر على نفسها:
_وهوَّ حب حياتي، ما أظنِّش هلاقي اللي يعجبني بعده.
بالأسفل..
وصل بلال أسفل البناية وهو يتحدَّث بهاتفه:
_يوسف..معلش هتعبك معايا، يبقى خد يوسف من عند ماما، هنبات برَّة الليلة.
_برَّة فين يعني يا بلال؟.
_يا أخي إنتَ مالك خلِّيك في نفسك ومراتك.
أغلق يوسف الهاتف يستدير للَّتي تضع ذقنها على كتفه:
_بيقولَّك إيه؟.
_بيقول خلِّي يوسف معاكم، هوَّ عند مامته..هنزل أجيبه.
أمسكت ذراعه:
_يعني مش هنخرج، طيب سيبه لمَّا نرجع يا يوسف.
بمكتب أرسلان:
_أرسلان باشا فيه حاجة مهمَّة.
_قول يا بني.
_الشخص اللي قولت نراقبه موجود عند مدام رولا بقاله أكتر من نصِّ ساعة.
أغمض أرسلان عيناه، وسحب نفسًا طويلًا قائلًا:
_طلَّع لها البنت بأي طريقة، وخلِّيك مصحصح.
_تحت أمرك يا باشا.
ألقى الهاتف بغضبٍ يمسح وجهه:
_رولا...رولا...رولاااااااااا
صرخ بها وهو يدفع كل ما فوق مكتبه.
بمنزل يزن..
كان جالسًا ينظر للنجوم وعلى وجهه ابتسامة مشرقة، يتذكَّر مقابلتها له،
مع اقتراب سدن تحمل قهوته:
_عملت لك قهوة.
نظر إلى القهوة ثم إليها:
_تسلم إيدك.
جلست بجواره تراقب كلَّ إنشٍ به:
_وحشني الشغل معاك أوي يا آسر.
رفع عينه إليها:
_هنرجع يا سدن، بس أرتاح وأشوف مين اللي عمل كدا.
أمسكت كفَّيه تستطعفه:
_آسر...لو سمحت بلاش تدوَّر ورا الناس دي، أنا خايفة عليك.
أبعد يده عن كفَّيها ونظر إليها:
_إيه اللي بتقوليه دا يا سدن؟!.
استمع إلى رنين هاتفه:
_عملت إيه؟.
_آسر...جبت لك معلومة بس وحياة أبوك ما تقول لعمَّك إلياس.
_قول يا بني، مش عايز رغي.
_الباشمهندس، عمَّك أرسلان وصلُّه، وحجزه في مزرعة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.
_ابعت العنوان بسرعة.
_آسر، والله لو عمَّك عرف ليد بحني.
_ابعت العنوان.
نهض من مكانه، فهبَّت تقف أمامه.. نزلت دموعها تهزُّ رأسها:
_أنا سمعته قالُّه إيه، مش هتروح للناس دي.
_سدن متبقيش مجنونة، لازم أعرف مين اللي كان عايز ينتقم مني.
هزَّت رأسها وقالت:
_مش هسيبك تضيَّع نفسك.
صاح بها غاضبًا بعدما فقد سيطرته:
_سدن...اتجنِّنتي وسَّعي كدا!.
_مش هتمشي يا آسر، أنا خايفة عليك، مش هسيبك تضيَّع نفسك.
_اتجنِّنتي وإنتي مالك أصلًا.
قالها وتحرَّك بعض الخطوات مع كلماتها التي بصقتها:
_علشان بحبَّك.
تجمَّد بوقوفه بوصول يزن وآسيا على وقع كلماتها المدوية.
الفصل طويل اهووووو، اتمنى الاقي تفاعل عليه
تكملة الرواية من هناااااااا
جاري كتابة الفصل الجديد للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق