القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثامن والسبعون 78بقلم سيلا وليد حصريه

 رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثامن والسبعون 78بقلم سيلا وليد حصريه






رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثامن والسبعون 78بقلم سيلا وليد حصريه


الفصل الثامن والسبعون 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "


لم تكن جميع النهايات تُكتب كما خُطِّط لها، ولم يكن الحبُّ دائمًا كافيًا لينتصر.


في مكانٍ ما، انطفأ حلمٌ انتُظر طويلًا، وترك خلفه قلوبًا تتشبث ببقايا الأمل. وفي مكانٍ آخر، كان العشق حاضرًا، لكنّه يتوارى خلف معارك صغيرة لا تنتهي، كأنّ القدر يختبر صبر المحبين.


وأما أولئك الذين أحبوا حتى صار العشق لغتهم الوحيدة، فكانوا يسيرون مطمئنين بين الأيام، غير مدركين أن خبرًا واحدًا قد يكون كفيلًا بأن يغيّر معنى الغد كله.


وفي الزاوية الأكثر ظلمة من الحكاية، كان قرارٌ واحد كفيلًا بأن يقلب كل شيء رأسًا على عقب... قرارٌ لا تحركه الكراهية، بل وجعٌ لم يجد طريقًا للشفاء.


فحين تتصارع الأحلام المكسورة، والوعود المؤجلة، والقلوب التي أحبت أكثر مما ينبغي... يصبح السؤال الوحيد:


فهل يكون هذا الفصل بدايةً للنهايات، أم نهايةً للبدايات؟


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالمشفى عند يوسف..

دلف يوسف إلى الغرفة وهو يحتضن كفَّيها بين يديه، توقَّفت ضي أمام السرير الذي ستُجرى عليه عملية إرجاع الأجنَّة، ثم رفعت عينيها إليه، كان يحاول أن يبدو ثابتًا من أجلها، بينما قلبه يرتجف من الداخل.

همست بصوتٍ متهدِّج: 

_ عايزة أكلِّم ماما يا يوسف...قبل ما الدكتور ييجي.

رفع ذقنها برفق، يتأمَّل عينيها الممتلئتين بالدموع التي تحاول عبثًا إخفاءها:

_ضي...قولي يا رب.

أغمضت عينيها للحظة وأسندت رأسها إلى صدره:

_ عايزة أقول لماما تدعي لنا.

أخرج هاتفه بصمت، ومدَّه إليها.

رفعت الهاتف بأصابع مرتجفة، وما هي إلَّا لحظات حتى جاءها صوت غرام:

_ أيوة يا حبيبي...طمنِّي.

انكسرت نبرتها فور سماع صوت والدتها:

_ ماما...

انتفض قلب غرام:

_ ضي! مالك يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟

ابتلعت غصَّتها وهمست:

_ ادعي لنا يا ماما...ادعي لنا كتير، جوَّايا إحساس مش حلو...بس بحاول أبعده علشان ما أضعفش قدَّام يوسف.

أغمضت غرام عينيها، تكتم دموعها هي الأخرى:

_ يا حبيبتي...قولي يا رب، واللي ربِّنا كاتبه هيكون خير، حتى لو إحنا مش فاهمينه دلوقتي، امسحي دموعك وادخلي بقلب مطمئن...ربِّنا عمره ما بيخذل حد لجأ له.

ارتجفت شفتا ضي:

_ يا رب...

بعد قليل...

استلقت على السرير الطبِّي، ويداها متشابكتان فوق بطنها، كأنها تحاول احتضان حلمٍ لم يولد بعد.

كانت الغرفة هادئة بصورةٍ مؤلمة، بالنسبة لقلبها الضعيف. 

سنوات من الانتظار والخوف والدعاء مرَّت أمام عينيها تنتظر أن الله سيربت على قلبها.

جلس يوسف إلى جوارها ممسكًا بيدها.

كم تمنَّى لو استطاع أن يحمل عنها خوفها...أو أن يعدها بأن كل شيء سيكون بخير.

لكنَّه لم يكن يملك سوى الدعاء.

اقترب الطبيب بابتسامة هادئة:

_ جاهزة؟

أومأت برأسها، بينما انسابت دمعة ساخنة على خدِّها..أزالها يوسف وهو يضغط على كفَّيها بابتسامة. 

التفت الطبيب إلى الشاشة أمامه، ثم أشار إلى الأخصائية التي تحمل أنبوبًا صغيرًا للغاية.

أنبوبٌ بسيط في نظر الجميع...

لكنَّه بالنسبة لهما كان يحمل عمرًا كاملًا من الأمنيات.

قال الطبيب بهدوء:

_ هذا هو الجنين.

تعلَّقت عيناها بالشاشة.

حاولت أن ترى شيئًا...أي شيء.

أرادت فقط أن تصدِّق أنَّ حلمها بات أقرب من أي وقت مضى.

بدأ الطبيب بإدخال القسطرة الدقيقة بحذر.

ارتفعت أنفاسها..أغمضت عينيها بقوَّة.

بينما كان يوسف يراقب كل حركة وكأنَّ قلبه معلَّق بطرف تلك القسطرة.

مرَّت ثوانٍ بدت لهما دهرًا كاملًا..

ثم ابتسم الطبيب أخيرًا وقال:

_ تم الأمر.

فتحت عينيها بسرعة ونظرت إلى يوسف:

_ هوَّ بيقول إيه؟

كانت ملامحها كملامح طفلة تخشى أن يضيع منها حلمها في اللحظة الأخيرة..

ابتسم رغم ارتجافة قلبه:

_ خلَّص...خلاص.

اتَّسعت عيناها:

_ خلاص؟

ابتسم الطبيب وهو ينظر إليها:

_ نعم...الجنين في الرحم الآن.

تجمَّدت للحظة..

وكأنَّ عقلها احتاج وقتًا ليستوعب الكلمات.

ثم تحرَّكت يدها ببطء نحو بطنها.

وضعتها فوقها بحنانٍ غريزي...

وكأنَّها تحاول حماية ذلك الأمل الصغير من العالم كلِّه..

وانهمرت دموعها بصمت.

مال يوسف نحوها وقبَّل جبينها، فهمست وهي تبكي:

_ بقى جوَّايا حتة منك يا يوسف...

انقبض قلبه بقوَّة..

ضغط على يدها وأشاح وجهه للحظة حتى لا ترى الدموع التي لمعت في عينيه..

وردَّد في سرِّه:

"يا رب...لا تحرمني من دمعتها دي وهيَّ فرحانة...ولا تحرمها من الحضن اللي مستنياه من سنين."

ساعدها على الاعتدال، واتَّجهت مع الممرِّضة لتبديل ثيابها.

خطت بضع خطوات، ثم توقَّفت فجأة.

أغمضت عينيها..وضمت كفَّيها إلى صدرها..

وبشفتينِ مرتجفتين، خرج منها الدعاء الذي اختصر كل ما في قلبها:

_ يا رب...

سكتت لحظة، ثم انحدرت دمعة على وجنتها.

_يا رب...لا ترد قلبي خائبًا.


عند دارين.. 

ظلَّت تجول الغرفة ذهابًا وإيابًا، ويدها على الهاتف، للمرَّة التي لا تعلم عددها، أخيرًا جاءها الرد: 

_ألووو.

_أين أنتَ...ألم يكن موعد العملية الآن؟. 

نظر الطبيب بساعته:

_لا أعلم كيف غفوت، انتظري سأهاتف المشفى بالحال.

صرخت به:

_الآن...قبل أن يتدخَّل طبيبًا آخر، الآن أيُّها الغبي. 

لحظات أخرى وأجابها الطبيب:

_أعتذر نارين، لقد تمَّت العملية. 

أغلقت الهاتف وألقته بقوَّة تدور وتصرخ كالمجنونة: 

_اللعنة عليك أيُّها الغبي. 

هوت على المقعد، وأنفاسها بالارتفاع، تتجوَّل بعينيها بالغرفة بجنون؛ هنا رسمت أحلامًا عديدة مع هذه العملية التي أقسمت أنَّها ستبني بها حياة

ولكن كيف حدث هذا، كيف لطبيب هكذا أن يخطئ هذا الخطأ...ظلَّت بمكانها لبعض الوقت، ثم نهضت تحمل حقيبتها وتحرَّكت للخارج بخطواتٍ واسعة.

وصلت بعد قليل إلى مكتب موسى، دفعت الباب بقوَّة، رفع عيناه إليها:

_نارين، ماذا بك؟.

وصلت إليه تدفع من أمامه كل ما فوق مكتبه وبقوَّة صارخة:

_طبيبك الغبي، لقد أفشل مخطَّطنا..

هذا غبي وفاشل.

قطَّب جبينه متسائلًا:

_ماذا تقصدين؟. 

توقَّفت وأنفاسها تكاد تخنقها: 

_الغبي نائم في موعد العملية، وهناك طبيب آخر من قام بإجرائها.

_كيف حدث هذا؟.

مسحت على وجهها بقسوة: 

_لا أعلم...أكاد أُجن ممَّا حدث، كيف بعد ما فعلته؟. 


بمكتب إلياس.. 

كان جالسًا على مكتبه ينظر بساعته مع ارتباك وخوف، رفع الهاتف سريعًا مع أوَّل رنينه:

_أيوة يا إسحاق.

_كلُّه تمام متقلقش، العملية تمِّت الحمدلله. 

تنهيدة قوية، كأن أوكسجين تنفُّسه لم يكن يصل لرئتيه ثم تمتم:

_الحمدلله...صمت ثم قال:

_شكرًا يا إسحاق.

ردَّ على الطرف الآخر: 

_بتشكرني على إيه، ربِّنا يطمنك عليهم يا رب. 

قاطعهم دخول أرسلان، أغلق إلياس وانتظر حديثه:

_طلع معتز هوَّ اللي ورا دا كلُّه.

ضغط إلياس بقوة على شفتيه:

_كنت شاكك، عمل حاجة للبنت؟. 

فتح أرسلان هاتفه ليستمع الى حوار معتز مع كارما: 

_اسمعيني يا بت، كلمة واحدة بنت عمِّك الجميلة هتكون التمن، ودا فيديو يقولِّك إنِّي مبلعبش.

نظرت كارما للفيديو الذي فتحه، يوجد به كندا تغفو على فراش تحاوط نفسها بيدها وتبكي، شهقت تهمس اسمها:

_كندا...قالتها ببكاء وهي تضع كفَّها على جرحها ثم رفعت عيناها تنظر إليه بشراسة: 

_عايز إيه يا حيوان؟. 

_رولا...عايزك تجيبي رولا، ولو لعبتي بديلك هموِّتها وأموِّتك.

_حقير، زبالة. 

قهقه بصوتٍ مرتفع، شعرت بالاشمئزاز، اقترب منها وحاوط جسدها ينظر لعينيها بغضبٍ جحيمي:

_لو مش محتاجك كنت دفنتك مكانك، مش ناسي اللي عملتيه وقولتيه..

بس مش مشكلة، هاخد اللي عايزه. 

أغلق أرسلان الهاتف ونظر لإلياس الذي تسائل: 

_إنتَ عرفت إزاي إنُّه هوَّ اللي حاول يغتصب رولا ومن إمتى؟. 


_مش من بعيد...من وقت ما بدأت أراقبه.

اعتدل أرسلان في جلسته، وأسند ساعديه فوق ركبتيه، بينما كانت عيناه مثبتتين أمامه يتذكر :

_بعد تحرياتي وإصراره يشتغل معاهم، رجعت لصور الراجل اللي الكاميرات لقطته يوم الحادثة، كان ضهره ظاهر بس، مفيش ملامح واضحة..استعنت بخبير، وقعدنا شهور نحاول نطلَّع أي تفصيلة ممكن تفيد.. وقتها قال إن الوصف اللي قدر يوصلُّه متطابق مع معتز بنسبة تسعين في الميَّة...وطبعًا تسعين في المية ما تعملش قضية.

زفر بضيق وأكمل:

_خصوصًا إن الراجل اللي ظهر في الكاميرا اختفى بعدها كأنُّه فص ملح وداب...وكل الخيوط اتقطعت.

ظلَّ إلياس يستمع بصمت، حتى تابع أرسلان:

_لحدِّ قضية آسر.

طالعه إلياس باهتمام. 

_الكاميرا جابت نفس الشخص...بس المرّّة دي بوشُّه، النضَّارة والكاب كانوا مخفيين نصِّ ملامحه، لكن الخبير أكَّد إن نسبة التطابق وصلت لخمسة وتسعين في الميَّة.

صمت لحظة، ثم أردف ببطء:

_وبعدها ظهرت سارة...وكلامها عن أخوها من الأم، وتحرياتي في اليونان، والصور اللي وصلتني هناك...كلِّ حاجة كانت بتأكِّد إنِّ معتز هوَّ نفس الشخص.

أطرق إلياس برأسه مفكِّرًا، بينما أكمل أرسلان:

_والحركة اللي عملتها إنتَ..فدي كانت الضربة الأهم.

ارتفعت زاوية فم إلياس بابتسامة خافتة:

_رفضك تزور كارما خلَّاه يطَّمن.. وكمان زيارة رولا، كان لازم يرجع يضغط على البت، بما إنَّها وحيدة وملهاش سند، لأنُّه ذكي بيحسب لكلِّ خطوة..وبعد معرفتي إنُّه شغَّال شمال في كل حاجة، وحريص جدًّا، بدليل محدش عارف يمسك عليه حاجة، الواجهة الكل شايفه رجل أعمال بيستثمر، غير إنُّ جنَّد ناس تقيلة في البلد.

تراجع أرسلان للنافذة وتابع حديثه:

_مكنش ينفع توقَّعه إلَّا عن سبق وإصرار، وكلُّه متلبِّس، إنَّما ترمي تهم بشخصية زي دي تقيلة مكنش ينفع، واللي خلَّاني أشك أكتر، اختفاء البنت الصغيرة مع جواب مكتوب بحرفية، مش عيِّلة لسة في ثانوي،

فكَّرت ما دام أخد البنت يبقى هيرجع يهدِّد كارما تاني، ساعتها جنِّدت ممرِّضة من التيم...صوت وصورة وتحرُّكات، دلائل واضحة ما تسيبش مجال للشك.

هزَّ رأسه ساخرًا:

_وطلع معاه جنسيات أكتر من عدد الأسماء اللي استخدمها...وآخرهم الجنسية المصرية.

حكَّ إلياس ذقنه ببطء، وعيناه تلمعان بإعجابٍ واضح:

_أعترف إنَّها عجبتني يا بوص.

ثم مال للأمام وأكمل بنبرةٍ أكثر جديَّة:

_بس لسه ناقص خطوة...والخطوة دي أخطر واحدة، لازم يتمسك متلبِّس.

ضاقت عينا أرسلان:

_رولا...مش كده؟

هزَّ إلياس رأسه مؤكِّدًا:

_بالظبط، بس دي مخاطرة كبيرة..لو غلطنا فيها مرَّة واحدة هيفلت من بين إيدينا.

ساد الصمت لثوانٍ.

_بفكَّر يا إلياس...لكن الأهم دلوقتي البنت اللي محتجزها، لازم ننقذها الأوَّل.

تبدَّلت ملامح إلياس فورًا، وحلَّ مكان الهدوء غضبٌ مكتوم:

_الواد ده مريض...وأنا مش مرتاح. ممكن يئذيها في أي لحظة، لازم نخرَّجها من عنده قبل أي حاجة.

تنهَّد أرسلان وقال:

_أوراق سفر كارما كلَّها جاهزة...إيه رأيك؟

_تسافر، أوَّل ما تقوم على رجلها خلِّيها تسافر بعيد..طول ماهيَّ موجودة رولا هتغلط.

أومأ أرسلان، ثم قال:

_طيب وبنت عمَّها؟

تصلَّبت ملامح إلياس فجأة:

_عايزك توصل لابن عمَّها ده...وتعلِّمه الأدب.

رفع أرسلان حاجبه:


_للدرجة دي مضايقك؟.

_أوي..لأنُّه مش راجل، دا رامي لحمه الحيوان، من وقت قضية بلال والبنت، عرفت إنُّه أشباه رجال، عايز أكتر من إنُّه يشهد ضدَّها. 

تنهَّد أرسلان وقال بهدوء:

_هوَّ معذور برضه يا إلياس..أسامة طرده، فضحه، رماه في الشارع بالقضايا...وبعدها معتز خطف ابنه، الراجل اتكسر.

أطرق إلياس برأسه لحظة، وكأنَّه يمنح الكلمات حقَّها، ثم رفع عينيه وقال بصوتٍ أجش:

_ممكن يكون اتكسر...لكن لو كان وقف من الأوَّل قدَّام طليقها، ولو وقف قصادهم وعرَّفهم إنُّه راجل..مكنش معتز اتجرَّأ يعمل فيها اللي عمله.


بقصر الجارحي.. 

وضعت طفلها بهدوء بمهده، توقَّفت دينا تتابعه بعينيها، تتحدَّث مع المربيَّة في الأساسيات الضرورية، والتحذيرات التي تخصُّ الطفل:

_تميم باشا...دا أغلى حاجة في العيلة، أي غلط مش مسموح، أنا مش بقولِّك كدا علشان أهدِّدك، مش عايزة غضب إسحاق باشا عليكي. 

وصلت إليهم شمس: 

_تميم دلوقتي نام، بيصحى كلِّ فترة.

أوقفتها دينا وهي تنظر للمربية:

_تقعدي مع شمس هانم وكلامها يتنفِّذ أوامر.. 


بعد قليل بغرفة شمس..

كان يقف في الشرفة يتحدَّث عبر الهاتف مع أحد أصدقائه، وعيناه بين الحين والآخر تتَّجهان نحو باب الغرفة:

_خلاص...هشوف الموضوع وأرد عليك.

أنهى المكالمة، واتَّجه ينظر للنجوم بدخول شمس إلى الغرفة بإرهاق واضح، بدت شاحبة قليلًا بعد يومٍ طويل، لكنها ظلَّت جميلة بعينيه كما كانت دائمًا.

سحبت قميصًا ناعمًا بلون كريمي من الخزانة ووضعته فوق الفراش، ثم اتَّجهت إلى الحمَّام.

بعد دقائق، دخل حمزة الغرفة، وقعت عيناه على القميص الموضوع فوق الفراش، فابتسم تلقائيًا..مدَّ يده يرفعه، وكأنَّ قطعة القماش تحتوي على جمالها.

خرجت شمس من الحمَّام وهي تجفِّف خصلات شعرها بالمنشفة، فتوقَّفت عندما سمعت صوته:

_شموسة...

التفتت إليه، فبقي ينظر إليها للحظاتٍ طويلة وكأنَّه يراها لأوَّل مرَّة.

اقترب منها ببطء وقال بابتسامةٍ دافئة:

_هوَّ فيه حد يفضل حلو كده حتى وهوَّ تعبان؟

احمرَّ وجهها بخجل وهتفت:

_رجعت إمتى؟

_من ساعتين.

ثم أكمل وهو يقترب أكثر:

_سألت ماما عنك، قالتلي إنِّك مع تميم شوية، فقلت أستنَّى...أصل وقت شمسي في الجدول أهمِّ من أي حاجة تانية.

ضحكت وهي تضرب كتفه بخفَّة:

_بطَّل كلام.

أمسك يدها قبل أن تبتعد، وجذبها إليه بحنان.

اختفت ابتسامته تدريجيًا وهو يتأمَّل ملامحها:

_عاملة إيه دلوقتي، بقيتي أحسن؟

رفعت عينيها إليه، وفي نظرتها امتنان لا تخطئه العين:

_الحمد لله...لازم أبقى كويسة وإنتَ جنبي، عمرك ما قصَّرت معايا يا حمزة.

مرَّر يده على وجنتها برفق وكأنَّها أغلى ما يملك..بتعاملني كأنِّي ملكة.

_إنتٍ ملكة أصلًا يا شمس، لأنك تستاهلي أكتر من كده بكتير.

هزَّت رأسها نافية، لكنَّه أكمل بصوتٍ خافت خرج من أعماق قلبه:

_لا يا شمس...اسمعيني.

احتوى وجهها بين كفَّيه، وعيناه تمتلئان بمشاعر لم يستطع إخفاءها:

_إنتِ مش مجرَّد مراتي...إنتِ سكني وراحتي، إنتِ الضحكة اللي بتطلع منِّي من غير ما أحس، والراحة اللي بدوَّر عليها وسط الزحمة.

ارتجفت شفتيها تأثُّرًا.

أمَّا هو فتابع وعيناه تلمعان:

_أنا بخاف عليكِ أكتر ما بخاف على نفسي، كلِّ وجع بيمسك قلبك بحس إنُّه بيمسك قلبي قبله..وكلِّ مرَّة تضحكي فيها بحس إنِّ الدنيا كلَّها رجعت تنوَّر من تاني.

انهمرت دموعها بصمت.

فابتسم وهو يمسحها بإبهامه:

_شوفي...حتى دموعك دي أنا زعلان منها.

ضحكت وسط دموعها، فمال يقبِّل جبينها بحنان:

_إنتِ نعمة كبيرة يا شمس...وأجمل حاجة حصلت في عمري كلُّه.

أغمضت عينيها وهي تستند إلى صدره، بينما ضمَّها بقوة وكأنَّه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها، ظلَّ قلباهما يتحدَّثان بصمت...بصمتٍ لا يحتاج إلى كلمات.

تمسَّحت بصدره، فأغمض عينيه مستسلمًا لذلك الشعور الذي لا يعرف له اسمًا، وهمس لنفسه:

"أحبُّها لدرجة أنَّني أود أن أضعها بين ضلوعي، لا لأقيِّدها، بل لأحمي قلبها من كلِّ ألمٍ قد يجرؤ على الاقتراب منها...أحبُّها حتى بتُّ أخشى عليها من نفسي، من خوفي الزائد عليها، ومن ذلك العشق الذي يتضخَّم داخلي كلَّما نظرت إليها."

انحنى يطبع قبلة طويلة فوق جبينها، قبلة حملت من المعاني ما عجزت عنه الكلمات، تبسَّمت عيناها قبل شفتيها، وهمست بصوتٍ أذاب ما تبقَّى من صموده:

"بحبَّك أوي يا أبو تميم."

ارتجف قلبه بين ضلوعه بعنف، وكأنَّ تلك الكلمات لمست أعمق جزء فيه..أعادها خلفها بصوتٍ خافت:

"وأنا بعشقك..."

في تلك اللحظة، فقدت حروف الأبجدية معناها، وصارت اللغات كلَّها عاجزة عن وصف ما يشعر به، احتوى وجهها بين كفَّيه وكأنها أثمن ما يملك، ثم مال إليها يمنحها قبلة ترجمت كل ما عجز لسانه عن قوله.

قبلة أخبرتها أنَّها وطنه حين تضيق به الدنيا، وسكينته حين تعصف به الحروب، وقلبه الذي خرج من بين ضلوعه ليسكن بين يديها.

ابتعد عنها ببطء، وأسند جبينه إلى جبينها، وعيناه تغرقان في عينيها كأنه يراها لأوَّل مرَّة، ثم همس بصوتٍ اختنق من فرط الحب:

"لو كان للحبِّ صوت، لكان صوتك... ولو كان للعمر معنى، فمعناه إنتِ.. إنتِ شمسي وحياتي" 

ثم ضمَّها إلى صدره بقوَّة، وكأنه يخشى أن تنتزعها منه الحياة يومًا، بينما كان قلبه يصرخ بعشقٍ لم يعد يحتمل البقاء حبيسًا بين ضلوعه.


بعد فترة كانت تسكن بين أحضانه، يخلِّل أنامله بخصلاتها الناعمة، سحب علبة مزخرفة من فوق الكمودينو، ثم فتحها ينظر إليها بابتسامة:

_إنت ِنجمة فعلًا يا شمسي. 

تململت بنومها تهمس اسمه: 

_حبيبي لسة منمتش؟.

قالتها ما بين النوم واليقظة، انحنى يطبع قبلة فوق وجنتيها: 

_نامي حبيبتي، وأنا هشوف بابا وأرجع. 

هزَّت رأسها وما زالت مغلقة العينين. 


خرج حمزة متَّجهًا إلى غرفة طفله، طرق الباب بخفَّة حتى لا يزعج الصغير و المربية، ثم دلف إلى الداخل.

كانت المربية تضع تميم في مهده الصغير، وتدثِّره بعناية..

ابتسم لها حمزة قائلًا:

_ سيبيني مع تميم شوية.

_ حاضر يا فندم.

خرجت بهدوء، ليقترب هو من المهد..

جلس بجواره، وأخذ يتأمَّل ملامح طفله النائمة كأنها أعظم لوحة رآها في حياته.

مدَّ يده يلامس أصابعه الصغيرة، فتعلَّقت عيناه بها طويلًا.

استند بذقنه على حافَّة المهد وهمس بصوتٍ خافت:

_ حبيب بابي إنتَ...

مرَّر أنامله بين خصلاته الناعمة، فارتخت ملامحه تمامًا.

في كلِّ مرَّة ينظر إليه كان يشعر أنَّ قلبه أصبح خارج صدره، ينام أمامه بسلام.

انحنى يقبِّل جبينه قبلةً طويلة، ثم ظلَّ دقائق يراقب أنفاسه المنتظمة قبل أن ينهض أخيرًا ويغادر الغرفة.

في مكتب إسحاق...

كان يجلس خلف مكتبه، وبين أصابعه سيجارته المعتادة.

يتحدَّث عبر الهاتف بصوته الحازم:

_مش عايز أي إجراءات تعسفية... تدخل مصر بأمان الله، وبعد كده اعملوا اللي يتعمل.

_ تحت أمرك يا باشا.

أنهى المكالمة في اللحظة التي طرق فيها حمزة الباب:

_ ادخل.

دلف حمزة مبتسمًا:

_ مساء الخير يا جدُّو.

رفع إسحاق رأسه، واتَّسعت ابتسامته فور رؤيته:

_ مساء النور يا أبو حفيدي.

وضع حمزة يده على صدره متصنِّعًا الصدمة:

_ شوف إزاي...إسحاق شطبني من العيلة وبقيت مجرَّد أبو حفيده.

نفث إسحاق دخان سيجارته وقال ببرود:

_ بطَّل رغي وقولِّي إيه اللي حدفك عليَّا.

جلس حمزة أمامه ثم قال:

_ عايز من حضرتك طلب.

أشار له إسحاق أن يكمل.

اعتدل حمزة في جلسته وقال بهدوء:

_ مزرعة الخيول اللي حضرتك كنت كتبتها باسمي...

رفع إسحاق حاجبًا:

_ مالها؟

_ هكتبها باسم مراتي.

ساد الصمت للحظات.

ثم أكمل حمزة وعيناه تلمعان بفخرٍ واضح:

_ هدية ليها...بمناسبة تميم.

ظلَّ إسحاق يتطلَّع إليه دون أن يتحدَّث.

رفع حمزة حاجبه مستغربًا صمته:

_ مالك يا إسحاق؟

ثم أضاف بمشاكسه:

_ ومتفتكرش علشان بستأذن يعني هعمل اللي هتقوله...أنا بس جيت أقولَّك، علشان لمَّا تعرف بعدين ما تقولش مش متربِّي...والصراحة دينا صرفت على تربيتي كتير.

ضيَّق إسحاق عينيه وقال:

_ إنتَ حلوف يلا.

ثم أردف ساخرًا:

_ هيَّ دينا اللي صرفت عليك، كانت شغَّالة إيه يا روح دينا؟

ابتسم حمزة بخبث وقال فورًا:

_ كانت بتمتَّعك يا باشا.

تجمَّد إسحاق مكانه..

واتَّسعت عيناه بذهولٍ حقيقي:

_ آااه يا ابن الـ...

وقبل أن يكمل، انفجر حمزة ضاحكًا.

نهض من مكانه واتَّجه نحوه..

كان يضحك كطفلٍ مشاغب.. 

ثم انحنى وقبَّل رأس أبيه بحبٍّ صادق:

_ أحلى بوسة في الدنيا لجدُّو إسحاق.


كان يراقب ابنه بنظراتٍ ممتلئة بفخرٍ لا يوصف.

أنَّ ابنه أصبح زوجٌ حنون، يعرف معنى أن يعطي دون أن يُطلب منه.

يعرف معنى أن تصبح الزوجة وطنًا، والابن قطعة من القلب.

نظر إليه طويلًا وقال بصوتٍ خافت لم يصل إلى قلبه إلَّا هو:

_خلِّي مزرعتك زي ما هيَّ، أم حفيدي هديِّتها موجودة، كنت منتظر تميم يكبر شوية وبعد كدا أخدهم واللي يختاروه.

_قصدك إيه يا بابا؟.

نهض إسحاق من مكانه والتفَّ يجلس على المقعد الذي يقابله: 

_مزرعة الفواكه...كنت ناوي أكتبها لتميم. 

هزَّ حمزة رأسه بالرفض: 

_لا يا حبيبي..حفيدك وإنتَ حرّ فيه، أنا بتكلِّم عن شمس، شمس بتحبِّ الخيول، وكدا كدا أنا قرَّرت. 

نظر إليه إسحاق للحظات ثم أومأ له:

_اللي تشوفه اعمله، دا مالك وإنتَ حر.

_عارف يا بابا، بس إنتَ باباي ولازم تبقى عارف، مش عايز حضرتك تزعل، وتقول دي هديِّتي وفرَّطت فيها، تأكَّد يا بابا أنا هديتها لشمس علشان هديِّتك غالية جدًّا عندي، ومفيش حاجة في غلاوتها تكون هدية لشمس. 

ابتسم إسحاق بفخر ثم نهض وحاوط ذراعيه يربت عليهما: 

_ربنا يسعدك حبيبي، ويخلِّيكم لبعض. 

انا ماليش غيرك انت واخوك 

_اه صحيح عمران هيرجع من امريكا امتى، عجبه القعدة عند عمتو ولا ايه 

_بعد يومين علشان العام الدراسي 


بمنزل كريم..

توقَّفت آسيا فجأة على كلمات والدتها:

ـ حبيبتي...آسر خطب سدن.

رفعت رأسها اليه، كأنَّ أحدهم سحب الأرض من تحت قدميها.

ارتجف جسدها بالكامل، 

أمَّا هو، فبدا هادئًا على نحوٍ مستفز، رفع معصمه ينظر إلى ساعته ثم قال ببرود:

ـ هستنى سدن برَّة...عايز أقولَّها حاجة.

استدار وغادر..

بينما بقيت آسيا مكانها..تحاول أن تتنفَّس.

تحاول فقط...أن تتذكَّر كيف يدخل الهواء إلى الرئتين.

ـ آسيا...مالك يا حبيبتي؟

انتبهت لصوت والدتها بصعوبة.

هزَّت رأسها سريعًا:

ـ عندي موعد مهم يا ماما...بس هقول لآسر حاجة وأمشي.

ثم اندفعت خلفه، كان يقف أمام المسبح.

يضع يداه داخل جيبي بنطاله.

وعيناه معلَّقتان على المياه بشرودٍ قاتل..

كأنَّه ينتظر شيئًا...أو يدفن شيئًا.

توقَّفت خلفه لثوانٍ..ثم خرج صوتها مرتجفًا:

ـ جواز؟!..عايز تتجوز اختي، انت اتجننت 

أغمض عينيه للحظة.. رغم انه استمع لكلماتها 

لكنَّه لم يلتفت...اقتربت أكثر.. وأمسكت ذراعه:

ـ اسر مش بترد ليه 

التفت إليها أخيرًا.

نظرة واحدة فقط، باردة...ميِّتة...

خالية من أي شعور.. 

ثم أعاد بصره إلى المسبح:

ـ ما دام عرفتي يبقى أااه.

ابتلعت غصَّة مزَّقت حلقها:

ـ ليه..ليه سدن؟! 

صمت ولم يرد، اقتربت وتوقَّفت أمامه وغصَّة تخنق تنفُّسها، هل هي تحلم أم ماذا، لا..لم يكن حلمًا بل كابوسًا، تعلم أنَّ أختها تحبُّه، وأرادت الحديث معه حتى تجد حلًّا، لا تريد أن تجرح قلب أختها..نظرت إليه واختنق صوتها: 

ـ ليه تعمل كده يا آسر؟

ضحك...ضحكة قصيرة خالية من السعادة، بل ضحكة باردة ميِّتة 

ثم نظر إليها: 

ـ وإنتِ مالك؟

كلمتان فقط...

لكنَّهما سقطتا فوق قلبها كصفعة:

ـ آسر...إيه اللي بتقوله دا؟!.

انحنى ينظر لعينيها التي كانتا دومًا جنَّة عشقٍ يسبح بهما..الآن يراهما جحيمًا، يرى خداعهما ومكرهما، غرس عيناه بعينيها وقال: 

ـ لو جاية تكمِّلي تمثيليتك علشان تسافري براحتك...وفَّريها.

هزَّت رأسها بعنف..

لا تفهم شيئًا عن ماذا يتحدَّث، نظرت لعينيه التي لم تجد فيهما اللمعة التي كانت تراها سابقًا، بل وجدت عيونًا خالية باردة جارحة كأنَّ كلَّ شيء بداخله قد مات.

أمسك ذراعيها بقوة جعلتها تتألَّم:

ـ فاكراني مغفَّل؟

ـ آسر سيبني...

ـ فاكراني مش فاهم اللي حصل؟

اقترب أكثر..وعيناه تشتعلان بمرارة:

ـ تلعبي بيَّا أنا!!.

انتزعت نفسها من قبضته..تراجعت خطوة للخلف.


ـ روحي سافري.

أشار بيده نحو الخارج:

ـ محدش هيمسك فيكي.

ثم أضاف ببرود أقسى من الصراخ:

ـ ولو خايفة من أبوكي وعمِّتي... متشغليش بالك.

وأخيرًا اقترب منها حتى شعرت بحرارة أنفاسه فوق وجهها:

ـ أنا يوم ما أفكَّر أتجوز...

توقَّفت أنفاسها..كانت ما تزال تنتظر.

تنتظر أن يكذب ما تسمعه، او كأنه يمزح انتظرت ان يقول شيئًا يعيد لها الرجل الذي أحبَّته...لكن كلماته كانت أشبه بطعنةٍ حين بصق كلماته:

ـ مستحيل أتجوز واحدة كانت قاعدة مع شباب في شقَّة واحدة.

اتَّسعت عيناها بصدمة..وكأنها لم تسمع جيِّدًا...لكنَّه أكمل متعمِّدًا قاصدًا.

يريد أن يجرح..أن ينتقم.

أن يجعلها تتألَّم كما تألَّم.

انزلقت عيناه فوقها بنظرة احتقارٍ موجعة..

ثم قال:

ـ يا عالم...توقَّف ثانية..

قبل أن يطلق الرصاصة الأخيرة:

ـ قضت كام ليلة مع كام واحد.

في تلك اللحظة...لم ترَ أمامها سوى السواد.

ارتفع كفَّها دون تفكير..

صفعة مدوية ارتطمت بوجهه.

التفت رأسه بقوة..وساد الصمت..

ثانية واحدة فقط..

ثانية فصلت بين ما كان وما لن يعود أبدًا.

رفعت عينيها إليه..والدموع تحرقهما:

ـ إنتَ آخر واحد في الدنيا كنت أسمح له يهينني بالشكل ده.

ثم دفعته بكلِّ ما تملك من قوَّة..

دفعته بقوَّةِ امرأة تحطَّم قلبها للتو.

اختلَّ توازنه وسقط داخل المسبح..

تناثرت المياه بعنف..ثم استدارت تركض.

تبكي..تختنق..تتعثَّر بخطواتها..لم تتوقَّف..ولم تنظر خلفها.

أمَّا آسر...

فأخرج رأسه من الماء ببطء..

يتابع طيفها وهي تبتعد.. شعر بانتصارٍ للحظة...

ثم انطفأت تلك اللحظة سريعًا.

لأنَّ الوجع الذي رآه في عينيها قبل رحيلها...كان أكبر بكثير ممَّا أراد.

وأعمق بكثير ممَّا توقَّع.

بينما كانت آسيا تقسم بين دموعها:

"من النهاردة...

آسر مات جوَّايا.

والاسم اللي حفرته في قلبي 

هحرقه للأبد..فجأة توقَّفت بتصادم مع أختها. 

نظرت سدن إلى دموعها التي مسحتها بعنف: 

_آسيا مالك؟!. 

_مفيش..قالتها وتحرَّكت، ولكن أوقفتها سدن تمسك كفَّيها:

_لأ فيه، إنتي كنتي بتعيَّطي؟.

هزَّت رأسها: 

_لا حبيبتي.. 

اقتربت سدن أكثر وتبسَّمت: 

_عرفتي إنِّ آسر طلبني من بابا؟. 

أومأت لها وانسابت دموعها بعجز، ثم ضمَّتها بحنانٍ أخوي: 

_ألف مبروك حبيبتي.

ابتعدت قليلًا تنظر لعينيها: 

_بتمنى يكون بيحبِّك، سدن إنتِ أكيد عارفة بحبِّك أوي، بحبِّك أكتر من نفسي. 

مدَّت سدن أناملها وأزالت دموعها قائلة:

_طيب بتعيَّطي ليه دلوقتي، أنا كمان بحبِّك أوي. 

نظرت لأختها وازداد بكاؤها، تريد أن تصرخ وتطلب منها الابتعاد حتى لا ينكسر قلبها. 

_لازم أمشي دلوقتي. 

قالتها وطبعت قبلة فوق وجنتيها، بوصول آسر إليهما.

_إيه اللي عمل فيك كدا؟!. 

رفع نظره إلى آسيا، لكنَّها استدارت وغادرت المكان قبل أن ينطق، ظلَّ يراقب تحرُّكها حتى اختفت عن أنظاره. 

أمسكت سدن ذراعه: 

_ما بتردش ليه، وكنت عايزني في إيه؟. 

_سدن فيه موضوع مهم، لازم نتكلِّم فيه قبل ما ناخد خطوة جديَّة. 

أومأت له وقالت:

_أنا كمان عايزة أسألك عن حاجة، روح غيَّر وهستناك.


عند آسيا...

خرجت مسرعة، وكأنَّ الموت يطاردها من الخلف.

خطواتها متعثِّرة، وأنفاسها متكسِّرة، وقلبها ينزف بصمتٍ لا يسمعه أحد.

أمَّا دموعها...فلم تعد تعرف طريق العودة إلى عينيها، كانت تنهمر بلا توقُّف، كمجرى نهر انفلت من سدِّه.

وصلت إلى سيارتها..

توقَّفت أمام الباب، وأسندت كفَّها المرتجفة إلى السقف، تحاول أن تلتقط نفسًا واحدًا.

واحدًا فقط...

لكن الهواء كان يرفض الدخول إلى صدرها.

شعرت وكأنَّ أحدهم انتزع الأوكسجين من حولها، أو كأنَّها دُفنت حيَّة داخل قبرٍ ضيِّق، تصرخ بكلِّ ما فيها، ولا يصل صوتها إلى أحد..فتحت الباب بصعوبة..

وجلست خلف المقود..أغلقت الباب..

فانفصلت عن العالم..ظلَّت تحدِّق أمامها طويلًا، لا ترى الطريق...ولا السيارة...ولا حتى نفسها، ثم أدارت المحرِّك وانطلقت.

كانت السيارة تسير...أمَّا هي، فلم تكن تعلم إلى أين...الطرقات تتبدَّل.. والسيارات تعبر من حولها.

بدأ شريط الذكريات يمرُّ أمام عينيها سريعًا..عناده...غيرته...شجاراتهما..

ابتسامته التي كانت تنتزع غضبها رغمًا عنها...

طريقته وهو يناديها كلَّما أغضبته...بأفريقيا.

توقَّفت أنفاسها فجأة.

كأنَّ صوته يهمس في أذنها:

"حبيبة آسر..."

أغمضت عينيها بقوة..اهتزَّت شفتاها..

كلمتان فقط...لكن وزنهما كان أثقل من الدنيا بأكملها.

كم مرَّة ناداها بهما؟

وكم مرَّة خفق قلبها خلسة وهي تتظاهر بالضيق؟

متى أصبح صوته وطنًا؟

ومتى صار حضوره أمانها الوحيد؟

ومتى...أحبَّته بهذا الجنون؟

كيف صار هو الحياة كلَّها؟

وكيف أصبحت الحياة مستحيلة بدونه؟

شهقة موجوعة خرجت من صدرها وهي تضرب المقود بقبضتها:

ـ ليه؟...

همست بها كطفلةٍ ضائعة:

ـ ليه تعمل فيَّا كده يا آسر؟


تعرف أنَّه لم يكن يومًا رجلًا مخادعًا.

كانت ترى الحب في عينيه قبل أن تسمعه من شفتيه.

بل كانت تشعر بعشقه في كلِّ نظرة، وكلِّ غضبة، وكلِّ خوفٍ عليها.

فكيف...كيف تحوَّل ذلك العشق إلى كل هذا القسوة؟

وكيف أصبح الرجل الذي كان يخشى أن تدمع عيناها...

هو نفسه من أغرقهما بالدموع؟

لكن عقلها لم يمهلها طويلًا.

إذ انطلقت كلماته من جديد، واضحة، حادَّة، وكأنَّها تُقال الآن.

"أنا يوم ما أفكَّر أتجوز...مستحيل أتجوز واحدة كانت قاعدة مع شباب في شقَّة واحدة..."

ارتجف جسدها كلِّه..

وأطبقت كفَّيها على المقود حتى ابيضَّت مفاصل أصابعها.

ثم جاءت الطعنة الأخيرة...

"يا عالم...قضت كام ليلة مع كام واحد."

صرخة مكتومة خرجت من أعماقها..

ثم أوقفت السيارة فجأة على جانب الطريق، وانهارت..وضعت جبهتها فوق المقود، 

وأجهشت بالبكاء..ذلك البكاء الذي لا يخرج من العين...

بل من قلبٍ تحطَّم إلى قطعٍ لا يمكن جمعها من جديد.

لم تكن تبكي لأنَّه سيتزوج..ولا لأنَّه ابتعد.

كانت تبكي لأنَّ الرجل الذي أحبَّته أكثر من نفسها...

قتل صورتها في عينيه.

ولأنَّ كلماته لم تجرح كرامتها فقط...

بل مزَّقت الحب الذي عاشت به سنوات، وألقت به في قلبها كجسدٍ بلا روح.


بعد فترةٍ من الصمت، ظلَّ ينظر بشرود إلى نقطةٍ وهمية أمامه، كأنَّه يرتِّب الكلمات التي يخشى أن تجرحها.

قالت وهي تراقب ملامحه:

_هتفضل ساكت كده؟

التفت إليها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، ثم همست:

_كنت عايز تقول إيه؟

ظلَّ يحدِّق في عينيها لثوانٍ طويلة، ثم قال بصوتٍ هادئ:

_أنا عايز أسمعها منك تاني...لمَّا قولتي إنِّك بتحبِّيني...كنتِ متأكِّدة من كلامك؟

فركت كفَّيها بتوتُّر، وهربت بعينيها بعيدًا عنه، ولم تُجب.

ظلَّ يتأمَّل ارتباكها، ثم قال:

_سدن...إنتِ تعرفي عنِّي إيه؟ مجرَّد إنِّك اشتغلتي معايا فترة، أو إنِّي ابن خالك، الاتنين مش يبيِّنوا شخصيِّتي قدَّامك.

رفعت رأسها إليه وقالت بهدوء:

_إنتَ طلبتني من بابا يا آسر...مش كان المفروض تسألني الأوَّل؟

ابتسم ابتسامة باهتة وقال:

_وإنتِ عارفة أنا قلت لباباكي إيه؟

هزَّت رأسها بالنفي:

لا...كل اللي سمعته إنك كنت بتتكلِّم عن الشبكة.

اقترب أكثر، وأسند ذراعيه إلى الطاولة، ثم قال بجديَّة:

_أنا هتكلِّم معاكي بكلِّ صراحة...ومش هخبِّي عنك أي حاجة، وفي المقابل أتمنى تكوني صريحة معايا.

أومأت برأسها، بينما بدأ قلبها يخفق بقوة.

تنهَّد طويلًا، ثم قال:

_أنا...كنت بحبِّ واحدة تانية يا سدن.

شعرت وكأنَّ الكلمات سقطت فوق صدرها كالصخرة، تجمَّدت ملامحها، وارتعش جسدها بخفَّة، بينما انطفأت الابتسامة التي كانت تزيِّن وجهها.

لم تستطع أن تنطق..

أشاح بنظره بعيدًا عنها، ثم أكمل:

_اسمعيني للآخر...وبعدها احكمي براحتك، أنا مش بقولِّك كده علشان أوجعك، ولا علشان أطفَّشك. بالعكس...أنا بدِّيكي حقِّك تعرفي الحقيقة قبل ما ترتبطي بيَّا، لمَّا بقول كنت بحب...يبقى الماضي، لكن النسيان مش زرار بندوس عليه.

عاد ينظر إليها، فرأى الدموع تلمع داخل عينيها، فأكمل بصوتٍ أكثر هدوءًا:

_لمَّا قولتي إنِّك بتحبِّيني...قلت يمكن أدِّي لنفسي فرصة، إنتِ بنت جميلة، وبريئة...ويمكن وجودك يخلِّيني أبدأ من جديد.

صمت لحظة، ثم قال:

_بس لو هنكمِّل...لازم يكون بينا اتفاق واضح.

عقدت أصابعها فوق بعضها وهي تنتظر.

_إنتِ هتكوني مرات آسر الشافعي... هتشِيلي اسمي، وهتبقي شريكة حياتي، ولو ربِّنا رزقنا بأولاد...هتبقي أمُّهم، أنا مبحبش البنت الضعيفة ولا السلبية...عايز مراتي قوية، تعرف تاخد حقَّها، وتواجه، حتى لو الحق ده منِّي أنا، لكن...بكلِّ احترام، أنا متأكِّد إنك لسه متعرفيش شخصيِّتي، فترة الخطوبة هيَّ اللي هتعرَّفك أنا مين، وهتعرَّفني إنتِ كمان.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

_وفي حاجة...أتمنى متقوليهاليش كتير. "آسفة." دي أكتر كلمة بكرهها.

ثم أردف وهو يثبِّت نظره عليها:

_أنا دلوقتي بحترمك...ويمكن مع الأيام أحبِّك، الحب مش وعد أقدر أديهولك، لكنُّه ممكن يكبر لو لقينا راحة مع بعض.

ساد الصمت بينهما لثوانٍ، قبل أن يأخذ نفسًا عميقًا ويقول بلهجة أكثر حزمًا:

وفي نقطة لازم تبقى واضحة من البداية...أنا راجل شرقي، وعندي مبادئ مش هتنازل عنها، أنا مبحبش إنِّ مراتي تكون واخدة حريِّتها بشكل يتعارض مع اللي مؤمن بيه، والكلام اللي سمعته عن إنك فكَّرتي تتحرَّري من دينك...بالنسبة لي كان صعب جدًّا..

أي راجل عنده غيرة على بيته هيتوجع من الكلام ده.

ابتلعت سدن ريقها بصعوبة، بينما كان ينظر إليها بثبات:

_ولبسك...لازم يتغير بالكامل، أنا مش بفرض عليكي نقاب، ولا بطلب منك حاجة فوق طاقتك..كلِّ اللي بطلبه إنك تكوني بالهيئة اللي أشوف بيها أمِّي... وأختي...ومراتي، دي الصورة اللي بتمنَّاها لست هتبقى شريكة عمري.

ثم سكت..ترك لها المساحة لتتنفس... ولتفكر.

أمَّا هي، فكانت تنظر إليه بعينينِ امتلأتا بالدموع، لا تدري أيُّهما يؤلمها أكثر... اعترافه بأنَّ قلبه كان لغيرها...أم خوفها من أن تقضي عمرها كلَّه وهي تحاول أن تصبح المرأة التي يستطيع أن يحبُّها يومًا ما.. 

ام أن مطالبه التي يطالب بها ستكون فوق طاقتها.

_طيب أنا سمعتك، ممكن تسمعني؟. 

أومأ لها دون أن ينظر إليها.

_أوَّلًا اللي كنت بتحبَّها أنا أعرفها؟. 

التفت إليها وظلَّ يحدِّق فيها للحظات ثم قال:

_إنتي ليكي تسألي في الحاضر بتاعك يا سدن.

مطَّت شفتيها للأمام: 

_خلاص مش عايزة أكلِّم في حاجة تانية.

_براحتك..المهم اتفقنا على المبدأ.

_طيب يا آسر لو محبتنيش؟.

استدار إليها بكامل جسده واستند على الطاولة ينظر بعينيها:

_أتمنى إنتِ اللي متزهقيش وتكوني متأكِّدة من مشاعرك.

_يعني إيه يا آسر؟.

نهض من مكانه وقال وهو ينظر إليها:

_ولا حاجة..دلوقتي أنا عندي القضية تخلص على خير وبعدها نعمل خطوبة، بس مفيش جواز قبل سنة. 

توقَّفت بمقابلته تنظر إليه: 

_إنتَ رايح فين دلوقتي، أنا كنت مفكَّرة إنك هتخرَّجني.

_نعم!!..إيه اللي بتقوليه دا، أنا لسة بقولِّك هخطبك، لازم تعرفي حدود الخطوبة، اسألي مامتك عليها. 


بعد عدَّة أيام.. 

خرج من المشفى، استقلَّ سيارته، وانطلق بها، يجوب الشوارع كمن يهرب من شيءٍ يطارده، أو من حقيقةٍ يعجز عنها، وسؤال واحد ينهش صدره بلا رحمة، كيف سيخبرها؟

كيف سيواجه تلك العينين اللتين امتلأتا بالحلم، وإلى متى سيظلُّ القدر يختبر قلبها؟

أغمض عينيه للحظة، فداهمته الذكرى بقسوة..يوم العملية...

كانت تجلس أمامه بعينينِ تلمعان كطفلةٍ على وشك أن تحتضن أمنيتها الأولى، أمسكت كفَّيه بحماس، ووضعتهما فوق بطنها، وهمست بصوتٍ مرتجف من فرط السعادة:

ـ ابننا هيبقى هنا...هيبقى عندنا بيبي... سمعت كلام الدكتور؟

ضمَّ رأسها إلى صدره، وأخفى خوفه خلف ابتسامةٍ واهنة، بينما كان قلبه يتضرَّع لله سرًّا:

ـ إن شاء الله يا حبيبتي.

سحب كفَّيها برفق، وأجلسها إلى جواره، ثم احتوى وجهها بين يديه، يتأمَّل ملامحها كأنَّه يراها للمرَّة الأولى. أقسم حينها أنه لم يعرف للجمال معنى قبل عينيها.

همس بصوتٍ اختلط فيه الحب بالخوف:

ـ ضي...مش عايزك تزعلي لو محصلش نصيب، لازم تحطِّي كل الاحتمالات...أنا هموت لو شوفت الحزن في عيونك.

وضعت أناملها فوق شفتيه، تمنعه من إكمال كلماته، وقالت بثقةٍ لا يملكها:

ـ هيحصل يا يوسف...حاسَّة إن ربِّنا هيراضينا.

ثم احتوت وجهه بكفَّيها، وابتسمت ابتسامة تجعل قلبه ينبض بعنفٍ عشقًا لها:

ـ إن شاء الله يا حبيبي...إنتَ تستاهل تبقى أحسن أب.

انحنى يقبِّل كفَّيها بحنان، وقال وهو ينظر إليها كأنَّها كل ما يملك:

ـ أهمِّ حاجة تبقي سعيدة...ضي، سعادتك أغلى حاجة عندي.

دفنت رأسها في صدره، تلكزه بخفَّةٍ وهي تضحك:

ـ بطَّل كلامك الحنين ده...يلا ندخل دلوقتي، وشوف بقى تعليمات الدكتور...اللي هتحرمنا من بعض، دا كلِّ تفكيري.

قهقه، وحاوط خصرها بذراعه، ودلفا إلى الداخل، يحملان بين أضلعهما حلمًا صغيرًا بحجم الحياة.

انتفض من شروده على رنين هاتفه المتواصل، لا يعلم عدد مرَّات رنينه باسمها.

أوقف السيارة على جانب الطريق، وأسند رأسه إلى المقعد، بينما ضاق صدره حتى شعر أنَّ الهواء لم يعد يكفيه.

نظر إلى شاشة الهاتف، فرأى اسمها يضيء أمامه.

ارتجفت أنامله، وعجز عن الإجابة..

كيف يخبرها أن الحلم الذي كانت تحتضنه بقلبها قد انكسر قبل أن يُولد؟

كيف يخبرها أنَّ كل تلك الوعود، وكل تلك الدعوات، لم تكن كافية هذه المرَّة؟

أطبق جفنيه بقوة، فانفلتت دمعة حارَّة سقطت على وجنته، وهمس بصوتٍ متهدِّج، كمن يستنجد للمرَّة الأخيرة:

اللهمَّ إن كانت أمنيتنا خيرًا لنا، فارزقنا إيَّاها من حيث لا نحتسب وإن أخَّرتها لحكمةٍ تعلمها، فامنحنا صبرًا جميلًا، ورضًا يطفئ نار الحزن في صدرنا..اللهمَّ لا تجعل اليأس طريقًا إلى قلوبنا. 

وصل يوسف إلى منزل والده بصعوبة، 

ما إن ترجَّل من سيارته حتى وجد إلياس واقفًا ينتظره، وكأنَّه كان يترقب ملامح ابنه أكثر ممَّا يترقَّب وصوله.

رفع يوسف عينيه إليه...عينانِ أنهكهما الرجاء، وخذلتهما النتيجة.

لم يسأله إلياس شيئًا...

علم النتيجة من انكسار نظراته.

اقترب منه بصمت، ثم احتضنه بقوَّة، يربت على ظهره، يحاول أن يحمل عنه وجعًا يفوق الاحتمال..ثم همس بصوتٍ أبويٍّ دافئ: 

_متزعلش يا حبيبي...يمكن الخير كلُّه مستخبِّي في اللي ربِّنا اختاره.

أغمض يوسف عينيه، وعضَّ على شفتيه بقوة حتى لا تنهار دموعه، لكن صوته خرج مبحوحًا:

_ مش زعلان علشاني يا بابا...أنا زعلان على ضي...كان نفسي أشوف الفرحة في عينيها...هيَّ تستاهل الدنيا كلَّها... حلم الأمومة يا بابا ضاع.

ابتعد إلياس قليلًا، وأمسك وجه ابنه بين كفَّيه، يتأمَّله بحنان:

_ وإنتَ..شايف نفسك متستاهلش الفرحة والأبوَّة ؟

ابتسم يوسف ابتسامة باهتة، لا حياة فيها:

_ أنا مش مهم...المهم هيَّ، ضحِّت بحلم الأمومة عشاني...كل ما أفتكر إنِّي السبب في وجعها..ببقى عايز... صمت.. 

فهزَّ إلياس رأسه نافيًا، وقال بحزمٍ امتزج بالحنان:

_ لا يا يوسف، اسمعني كويس..

ضي ما ضحِّتش علشانك...ضي بتحبَّك

وفي فرق كبير بين اللي يضحِّي غصب عنُّه...واللي يختار بقلبه.

الستِّ لمَّا تلاقي الراجل اللي يستحق، ممكن تستغنى عن حياتها كمان...لأنَّها شايفة إنِّ وجوده هو الحياة.

زي ما إنتَ في يوم دفنت سعادتك علشان تشوفها أم...هيَّ كمان كانت مستعدَّة تدفن حلم الأمومة علشان تفضل مراتك.

وده مش اسمه تنازل...ده اسمه حب.

صمت لحظة، ثم أردف وهو يربت على ظهر ابنه:

_النهارده ربِّنا أخَّر رزقكم...لكنُّه ما حرمكموش منه يا بني، متيأسش، حتى ولو محصلش، ربِّنا دايمًا عنده الأحسن. 

تنفَّس يوسف بصعوبة، وكأنَّ الكلمات زادت قلبه ثقلًا.

تراجع خطوة للخلف وقال بصوتٍ متعب:

_ أنا همشي...اعتذر لماما إنِّي معدِّتش عليها...سامحني، مش قادر أشوف حد دلوقتي.

ربت إلياس على كتفه برفق:

_ روح لمراتك..احتويها، داووا جراح بعض..لكن أوعى...أوعى الشيطان يهمسلك إنَّك تبعد عنها أو تكسرها تاني بسبب اللي حصل.

هيَّ النهاردة محتاجاك قدِّ ما إنتَ محتاجها.

رفع يوسف رأسه، واغرورقت عيناه بالدموع:

_ ياريت أقدر يا أبو يوسف...

ياريت أقدر أبعد تاني، قالها بصوتٍ مخنوق، ثم استدار وغادر بخطواتٍ متثاقلة، كأنَّ الدنيا كلَّها أصبحت أضيق من أن تتَّسع لوجعه.

ظلَّ إلياس يتابعه حتى اختفى، وانحدرت دمعة صامتة على وجنته..

رفع بصره إلى السماء وهمس بقلبِ أبٍ موجوع:

"رَبِّ إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر."

ثم أردف بصوتٍ اختلط بالدعاء:

_ يارب...فرَّح قلب ابني، واجبر كسر قلبه وقلب مراته...وارزقهما الذريَّة الصالحة التي تقرُّ بها أعينهما.

_ إلياس...

استدار على صوت ميرال، فاقتربت وهي تلتفت نحو سيارة يوسف:

_ هوَّ يوسف جه، طيب ليه معدَّاش عليَّا؟

نظرت إلى إلياس بقلق:

_ مش بترد عليَّا ليه ..فيه حاجة؟

ابتسم ابتسامة خفيفة يخفي بها ما في قلبه:

_ مش كنتِ رايحة عند بلال؟ يلَّا روحي، ومتتأخريش.

قطَّبت حاجبيها:

_لا...الأوَّل أشوف يوسف، قلبي مش مطمِّن.

أمسك ذراعها برفق:

_يا ميرال...راجع من الشغل مرهق، كان هيعدِّي عليكي، لكن قلتله يروح يرتاح، ويجيلك الصبح وهوَّ أحسن.

تنهَّدت براحة بسيطة:

_ يعني كويس، مجرَّد إرهاق؟

ابتسم وهو يربت على يدها:

_ الحمد لله.

ثم غيَّّر الحديث بمكرٍ:

_ بقولِّك إيه...نفسي مرَّة تهتمِّي بجوزك زي اهتمامك بابنك.

ضحكت، ولكمته بخفَّة في صدره:

_ بتغير من ابنك يا إلياس؟

رفع حاجبًا وهو يبتسم:

_ أغير مش من حقِّي؟. 

وقفت على أطراف أصابعها، وقبَّلت وجنته:

_ أحسن راجل في الدنيا يا ابن السيوفي.

أغمض عينيه مستمتعًا بكلماتها.":

_ ياااه...وحشتني كلمة "ابن السيوفي".

احتضنته وهي تدفن رأسها في صدره:

_ بس أنا حبِّيت إلياس الشافعي أكتر.

ضمَّها إليه، ثم قال وهو يتأوَّه مداعبًا:

_ بقولِّك إيه...ضهري قفش، وعايز مسَّاج محترم.

ضحكت وهي تبتعد:

_ هروح أشوف المجانين وأرجع.

ناداها قبل أن تغادر:

_ شدِّي البت رولا...خلِّيها تبطَّل جنان، والله لو أنا مكان بلال، كنت ربطتها في شجرة لحدِّ ما يظهر لها صاحب.

ارتفعت ضحكاتها واتَّجهت الى منزل بلال.


بمنزل بلال..


أنهت إعداد الكعكة، ثم اتَّجهت إلى غرفة ملابسها بخطواتٍ بطيئة، وقعت عيناها عبر النافذة الزجاجيَّة على مربيِّة طفلها الجالسة أمام المسبح، كانت تتابع زوجها وهو يلاعب طفلهما.

رفع بلال الصغير عاليًا، فضجَّ المكان بضحكاته البريئة، بينما انعكست السعادة على ملامحه بطريقةٍ وخزت قلبها.

ضغطت رولا على شفتيها بقوة، وهمست بغيظٍ مكتوم تسبُّ نفسها قبل أي أحد.

ظلَّت تراقبه للحظات، تتأمَّل ضحكته الصادقة، والطريقة التي يضمُّ بها الصغير إلى صدره.

مطَّت شفتيها للأمام بعبوسٍ طفولي، ثم استدارت واتَّجهت إلى غرفتها.

وقفت أمام خزانتها، وأخرجت قميصًا ناعمًا باللون الذي يعشقه، صفَّفت خصلاتها بعناية، وتعطَّرت بعطره المفضَّل، وأضافت لمساتٍ خفيفة من الزينة أظهرت أنوثتها الطاغية.

سحبت روبها الحريري وارتدته فوق القميص، ثم خرجت.

في تلك اللحظة، كان بلال قد دلف إلى الداخل، وخلفه ميرال تحمل الطفل بين ذراعيها.. تهمس له

_بطل عصبية يابن ارسلان، عيب تبقى راجل مقموص، البت بتحبك وانت اللي مجننها، وترجع تقول اصلها واصلها، والله ابوها لو عرف لياخدها ووقتها يبقى اتكلم

_طنط ميرال معرفش حضرتك بتتكلمي عن ايه

_استهبل يادكتور.. خرجت رولا

ما إن رأتها حتى هتفت :

ـ عمِّتو!

استدارت ميرال إليها بابتسامةٍ واسعة:

ـ عاملة إيه يا حبيبتي؟ عمِّك قال إنك تعبانة، قولت زيارة المريض واجب.

أفلت بلال ضحكة خافتة، فرفعت رولا حاجبها بتذمُّر:

ـ لا والله، كتَّر خيره عمِّي...ويا ترى ما قالكش تعبانة من إيه؟

_هيقول ليه وهو عارف 

_والله انت اللي عاقل، على العموم خلاص انا فكرت وقولت احسن حل اننا نريح بعض 

جلست ميرال على الأريكة، وجلس بلال بجوارها، دون أن يرفع عينيه عن رولا.

_كأني مسمعتش حاجة... 

رمقته غاضبة.. ظنت انه سيثور على كلماتها ويقسم بعشقه

التقطت ميرال نظراتها المشتعلة، فابتسمت بخبثٍ محبَّب وقالت:

ـ ما تخفِّ على البنت يا ابن أرسلان، ما هيَّ كويسة وعاقلة أهو...حتى لابسة لك برجاندي... انما ياحبيبتي هو اللي بيطلق بيتزين، ليه عايزة تعملي ليلة وداع 

ضربت رولا الأرض بقدمها، وقد احمرَّ وجهها:

ـ بتتريقي عليَّ، حتى إنتِ يا عمِّتو؟

ضحكت ميرال وهي تشير إليها:

ـ اقعدي يا ستِّ كونان، ما أشوف آخرتها معاكي إيه.

عقدت رولا ذراعيها أمام صدرها، وقالت بعبوسٍ طفولي:

ـ لمَّا الشخص الغريب اللي جنبك ده يطلَّقني ويدِّيني ابني.

التفتت ميرال إلى بلال، الذي كان ينظر إلى زوجته بصمتٍ متهكِّم.

_انا طيب والله، وماتكلمتش، 

صمتت ميرال ثم قالت بمشاكسة:

ـ ما تطلقها وتدِّيها الولد، مش اتَّفقنا، وبعدين مش إحنا شوفنا عروسة حلوة إمبارح وعجبتك خلاص، إيه يا ابن أرسلان عايز تعمل الحج متولي يا واد؟

لم تكمل حديثها...


فجأة اقتربت رولا من ميرال، وانحنت تمسك بكفيها

ـ عمتو... عمو إلياس بيسأل عليكي.

قهقهت ميرال 

ـ طيب لما أنا مزهقاكي ?


القسم الثاني من الفصل 78


بمنزل بلال..


أنهت إعداد الكعكة، ثم اتَّجهت إلى غرفة ملابسها بخطواتٍ بطيئة، وقعت عيناها عبر النافذة الزجاجيَّة على مربيِّة طفلها الجالسة أمام المسبح، كانت تتابع زوجها وهو يلاعب طفلهما.

رفع بلال الصغير عاليًا، فضجَّ المكان بضحكاته البريئة، بينما انعكست السعادة على ملامحه بطريقةٍ وخزت قلبها.

ضغطت رولا على شفتيها بقوة، وهمست بغيظٍ مكتوم تسبُّ نفسها قبل أي أحد.

ظلَّت تراقبه للحظات، تتأمَّل ضحكته الصادقة، والطريقة التي يضمُّ بها الصغير إلى صدره.

مطَّت شفتيها للأمام بعبوسٍ طفولي، ثم استدارت واتَّجهت إلى غرفتها.

وقفت أمام خزانتها، وأخرجت قميصًا ناعمًا باللون الذي يعشقه، صفَّفت خصلاتها بعناية، وتعطَّرت بعطره المفضَّل، وأضافت لمساتٍ خفيفة من الزينة أظهرت أنوثتها الطاغية.

سحبت روبها الحريري وارتدته فوق القميص، ثم خرجت.

في تلك اللحظة، كان بلال قد دلف إلى الداخل، وخلفه ميرال تحمل الطفل بين ذراعيها.. تهمس له

_بطل عصبية يابن ارسلان، عيب تبقى راجل مقموص، البت بتحبك وانت اللي مجننها، وترجع تقول اصلها واصلها، والله ابوها لو عرف لياخدها ووقتها يبقى اتكلم

_طنط ميرال معرفش حضرتك بتتكلمي عن ايه

_استهبل يادكتور.. خرجت رولا

ما إن رأتها حتى هتفت :

ـ عمِّتو!

استدارت ميرال إليها بابتسامةٍ واسعة:

ـ عاملة إيه يا حبيبتي؟ عمِّك قال إنك تعبانة، قولت زيارة المريض واجب.

أفلت بلال ضحكة خافتة، فرفعت رولا حاجبها بتذمُّر:

ـ لا والله، كتَّر خيره عمِّي...ويا ترى ما قالكش تعبانة من إيه؟

_هيقول ليه وهو عارف 

_والله انت اللي عاقل، على العموم خلاص انا فكرت وقولت احسن حل اننا نريح بعض 

جلست ميرال على الأريكة، وجلس بلال بجوارها، دون أن يرفع عينيه عن رولا.

_كأني مسمعتش حاجة... 

رمقته غاضبة.. ظنت انه سيثور على كلماتها ويقسم بعشقه

التقطت ميرال نظراتها المشتعلة، فابتسمت بخبثٍ محبَّب وقالت:

ـ ما تخفِّ على البنت يا ابن أرسلان، ما هيَّ كويسة وعاقلة أهو...حتى لابسة لك برجاندي... انما ياحبيبتي هو اللي بيطلق بيتزين، ليه عايزة تعملي ليلة وداع 

ضربت رولا الأرض بقدمها، وقد احمرَّ وجهها:

ـ بتتريقي عليَّ، حتى إنتِ يا عمِّتو؟

ضحكت ميرال وهي تشير إليها:

ـ اقعدي يا ستِّ كونان، ما أشوف آخرتها معاكي إيه.

عقدت رولا ذراعيها أمام صدرها، وقالت بعبوسٍ طفولي:

ـ لمَّا الشخص الغريب اللي جنبك ده يطلَّقني ويدِّيني ابني.

التفتت ميرال إلى بلال، الذي كان ينظر إلى زوجته بصمتٍ متهكِّم.

_انا طيب والله، وماتكلمتش، 

صمتت ميرال ثم قالت بمشاكسة:

ـ ما تطلقها وتدِّيها الولد، مش اتَّفقنا، وبعدين مش إحنا شوفنا عروسة حلوة إمبارح وعجبتك خلاص، إيه يا ابن أرسلان عايز تعمل الحج متولي يا واد؟

لم تكمل حديثها...


فجأة اقتربت رولا من ميرال، وانحنت تمسك بكفيها

ـ عمتو... عمو إلياس بيسأل عليكي.

قهقهت ميرال 

ـ طيب لما أنا مزهقاكي بتشتكي ليه

التفتت إلى بلال بنظرة حزينة

ـ وهو مش قالك بيعاملني إزاي؟ أنا مش هصبر عليه كتير... مفكر نفسه إيه!

أشارت لها ميرال بمحبة أن تجلس بجوارها.

ـ تعالى يا حبيبتي... عايزة أتكلم معاكي شوية.

ثم نظرت إلى بلال.

ـ وإنت كمان اقعد... مبقتوش عيال صغيرة.

ابتسم بلال ابتسامة باهتة، وقال بهدوء:

ـ مفيش حاجة يا طنط... والله.

رفعت ميرال أحد حاجبيها وهي تتأمله.

ـ إزاي مفيش حاجة يا دكتور؟ ومراتك زعلانة؟

تنهد بلال محاولًا إنهاء الحديث.

ـ والله يا طنط ميرال، آسف لحضرتك... بس فعلًا مفيش حاجة تستاهل.

مالت ميرال قليلًا للأمام، وقالت بنبرة جادة

ـ طيب ليه رافض تنزل شغلها يا بلال؟

أطرق برأسه لحظة، ثم قال بهدوء:

ـ مش رفض... بس مش وقته. وكده كده يوسف محتاجها الفترة دي.

رفعت رولا عينيها إليه، وقد اختلط الضيق بالحزن في ملامحها.

ـ بس أنا عايزة أنزل شغلي يا بلال... وأنا عمري ما قصرت مع يوسف، ولا في بيتي.

التفت إليها سريعًا، وقد ضاق صدره من فتح الموضوع أمام ميرال.

ـ إنتِ... روحتي اشتكيتيني لعمتك؟

خفضت رولا بصرها، ولم تجب.

ابتسمت ميرال بخفة، ثم لكزته في ذراعه.

ـ إيه "اشتكتيني" دي يا دكتور؟

هزت رأسها وهي تتابع بلطف:

ـ البنت كانت مخنوقة، سألتها مالها قالتلي. مش أحسن تروح تقول لأبوها؟ إحنا ماصدقنا يزن هدي بعد اللي حصل في القضية.

فتح بلال فمه للحديث 

ـ طنط ميرال...

رفعت يدها توقفه بابتسامة هادئة.

ـ لا... اسمعني الأول.

نظرت إليه بعين أم قبل أن تكون عمة.

ـ الست يا بلال مش بتحتاج من جوزها إنه يوافقها على كل حاجة... قد ما بتحتاج تحس إنه سمعها وفهمها. اسمعها، وافهم هي نفسها في إيه، وبعدها خدوا القرار سوا.

ثم التفتت إلى رولا وربتت على كفها.

ـ وإنتِ كمان... بلاش الزعل من غير سبب مايستهالش، اتكلمي مع جوزك، وفهميه إنتِ حاسة بإيه، ومتخليش حد بينكم.

ابتسمت وهي تنظر إليهما معًا.

ـ اقعدوا مع بعض، واتصافوا... ما تزعلهاش يا بلال، ومتزعليش جوزك يا رولا. طول ما بينكم كلام، مفيش مشكلة ملهاش حل.

رغم اني متأكدة انكم لسة زعلانيين بسبب اللي حصل 


قاطعهم طرقات خفيفة على باب المنزل قطعت الحديث.

دلف يزن إلى الداخل، وألقى تحية المساء.

ـ مساء الخير.

ابتسمت ميرال.

ـ مساء النور يا حبيبي.

جلس بجوارها، وألقى نظرة سريعة على بلال ورولا.

ـ عاملين إيه؟

ـ الحمد لله يا عمو.

مد يديه يحمل الطفل بحنان.

ـ تعالى يا حبيب جدو.

ثم التفت إلى ميرال.

ـ في حاجة ولا إيه؟

ابتسمت وهي تشير إلى رولا.

ـ ليه؟ عشان قاعدة معاهم؟ لا، مفيش... رولا عزماني على قهوة.

قالت رولا :

ـ بابا عاملة كيك حلو، أجيبلك؟

ابتسم يزن وهز رأسه.

ـ لا يا حبيبتي... اقعدي، عشان في موضوع عايز آخد رأيك فيه... إنتي وجوزك. وكويس إن عمتك موجودة.

اختفت ابتسامة ميرال تدريجيًا.

ـ خير يا يزن... قلقتني.

أخذ نفسًا عميقًا وقال:

ـ أسر عايز يخطب.

اتسعت عيناها بفرحة مفاجئة.

ـ أسر؟! معقول؟! ومين سعيدة الحظ دي؟

تنقل يزن بنظره بين رولا وبلال، كأنه يبحث في وجهيهما عن إجابة.

ـ يعني... محدش فيكم يعرف؟

نظرت إليه رولا باستغراب.

ـ نعرف إيه يا بابا؟ أنا أول مرة أسمع.

قال وهو يقطب جبينه:

ـ يعني... مقالش قبل كده إن بنت عمتك عجباه؟

عقدت رولا حاجبيها.

ـ بنت عمتي؟... تقصد آسيا؟

زفر يزن بضيق.

ـ لا... سدن.

وضعت ميرال يدها على ذراعه.

ـ طيب ما البنت كويسة... مالك متضايق ليه؟

نظر إليها بهدوء.

ـ بالعكس... أنا اللي شجعته.

ازدادت حيرتها.

ـ أمال في إيه؟

خرجت الكلمة منه مثقلة.

ـ رحيل.

تدخلت رولا بسرعة.

ـ ماما؟ مالها؟... معقول مش موافقة على سدن؟

أوقفتها ميرال بإشارة من يدها.

ـ استني يا رولا...

ثم أعادت نظرها إلى يزن.

ـ ليه؟ عشان لبسها مثلًا؟

هز رأسه نافيًا، ثم رفع عينيه إلى بلال، الذي كان يتجنب النظر إليه.

ـ لا...

صمت لحظة قبل أن يقول:

ـ بلال هو اللي هيقول.

ارتبك بلال ونهض سريعًا.

ـمش عارف حضرتك تقصد ايه، أنا... هعملكم قهوة لحد ما تخلصوا كلام عن عروسة أسر.

ـ بلال!

قالها يزن بصوت حادًا، فأوقفه في مكانه.

اقترب منه خطوة.

ـ إنت عارف يعني إيه واحد يحب بنت... ويروح يخطب أختها؟

تجمد بلال في مكانه، وارتبكت ملامحه.

ـ حضرتك... بتقولي كده ليه يا عمو؟ أكيد هيخطب اللي بيحبها... أسر مش عيل صغير.

رد يزن بصوت منخفض، لكنه أكثر وقعًا:

ـ ما أنا... أنا اللي طلبت منه يفكر في سدن.

رفع بلال رأسه إليه بذهول.

ـ يعني إيه؟

ثبت يزن عينيه في عيني بلال

ـ يعني تقول الحقيقة.

ابتلع بلال ريقه، ثم هرب بعينيه.

ـ والله... أنا معرفش حاجة.

اقتربت رولا منهما ، وقالت بثقة:

ـ بابا... آسيا عمرها ما هتفكر في أسر، ولا أسر هيفكر في آسيا.

التفت إليها الجميع.

ـ ليه بتقولي كده يا حبيبتي؟

تنهدت رولا.

ـ لأنهم أصلًا مش بيطيقوا بعض... طول عمرهم خناق، وآسيا مستحيل تبص لأسر بالطريقة دي.

ظلت عينا يزن معلقتين ببلال، يراقب كل ارتعاشة في وجهه، بينما قالت ميرال بهدوء محاولة احتواء الموقف:

ـ خلاص يا يزن... اقعد، واسمع منهم الأول... بدل ما نحكم وإحنا لسه منعرفش الحقيقة.

_كلمته الواد مصر، ورحيل مصرة على الرفض، انا خايف فعلا يكون بيحب اسيا، واعتراف سدن هزه 


بغرفة أسر


دلفت رحيل بهدوء، وأغلقت الباب خلفها. وجدته واقفًا في الشرفة، يستند إلى السور، وبين أصابعه سيجارة يتصاعد دخانها في الهواء، بينما عيناه معلقتان بنقطة بعيدة.

تقدمت نحوه بخطوات مترددة.

ـ عايزة أتكلم معاك.

أدار رأسه إليها للحظة، ثم أعاد بصره إلى الخارج.

ـ لو على موضوع سدن... فهو انتهى.

اقتربت أكثر، وأمسكت بذراعه تجبره أن يلتفت إليها.

ـ إنت بتحب آسيا... إيه اللي خلاك تعمل في نفسك كده، وتخطب سدن يا حبيبي؟

التفت إليها ببطء، وحدق في عينيها.

ـ إنتِ اللي قولتي لبابا كدا؟

أومأت برأسها، ولم تحاول الإنكار.

ـ أيوه... لأني خايفة عليك. خايفة تاخد قرار تعيش تندم عليه العمر كله.


أخذ نفسًا طويلًا من سيجارته، ثم أخرجه ببطء، كأنه يطرد معه شيئًا ينهش صدره.

ـ حضرتك فاهمة غلط يا ماما... آسيا مش سكتي.

صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة حاول أن يجعلها هادئة.

ـ يمكن في الأول شدني تمردها... جرأتها... إنها كانت دايمًا بتقف قدمي ند بند

ابتسم بسخرية مريرة.

ـ لكن لما فكرت بعقلي... اكتشفت إنها آخر واحدة تنفع تبقى مراتي. إحنا الاتنين نار... وكل واحد فينا عايز يكسب. مفيش بينا حاجة ممكن تبني بيت.


رفعت رحيل كفيها تحتضن وجهه، وثبتت عينيها داخل عينيه، تبحث عن الحقيقة المختبئة خلف كلماته، فقالت بصوت مرتجف: 

ـ متأكد يا حبيبي؟

ارتعش جفناه للحظة... لحظة قصيرة كادت تفضحه، لكنه ابتسم ابتسامة باهتة، وأمسك يديها، ثم قبلهما بحنان.

ـ ماما... سبيني أرسم حياتي بنفسي... وفهمي بابا إن اللي وصله مجرد سوء تفاهم.


ظلت تحدق فيه، وقلبها يصرخ بأن ابنها يكذب، لكن لسانها عجز عن مواجهته.

ابتلعت غصتها وقالت بهدوء مكسور:

ـ طيب... بلاش سدن، لو زي مابتقول ماهي زي اسيا 

سكتت قليلًا ثم أكملت:

ـ إيه رأيك تشوف بنت من بره العيلة؟ أنا في بنت جميلة جدًا... إنت تعرفها، وشوفتها قبل كده.

أغمض عينيه بضيق، ثم فتحهما وهو يحاول إنهاء الحديث.

ـ ماما... لو سمحتِ... سبيني أختار شريكة حياتي بنفسي.

نظرت إليه رحيل طويلًا، تحاول أن ترى الطفل الذي كانت تعرفه، لا الرجل الذي يقف أمامها الآن يخفي ألمه خلف ابتسامة باردة.. أومأت برأسها في استسلام.

ـ ربنا يكتبلك الخير يا ابني.. بس هقولك نصيحة، لو انت بتحب اسيا ورحت خطبت اختها، قلبك هيموت في كل دقيقة، ازاي هتتعامل معاها على ان مفيش مشاعر، وتخيل لو هي ليها مشاعر، يبقى مش بتموت نفسك بس، سدن واسيا كمان 

_ماما اطمني، انا مستحيل افكر في أسيا، وبالنسبة لسدن اه مش الحب الافلاطوني، بس حبيت طبيتها، وكمان بريئة، وهعرف اتعامل معاها، لو قصدك على لبسها، انا هغير نظامها بالكامل 

_مش دا قصدي يااسر، انت فاهم اقصد ايه... قالتها واستدارت ببطء، وغادرت الغرفة.

ظل أسر واقفًا مكانه، ينتظر حتى أُغلق الباب خلفها.

عندها فقط... انطفأت ابتسامته، وألقى السيجارة بعيدًا بعصبية، وأسند كفيه إلى سور الشرفة، وأغمض عينيه بقوة، بينما خرج من صدره زفير مثقل، كأن الكذبة التي نطق بها للتو كانت أثقل عليه من الحقيقة نفسها.. 

_سدن طيبة يااسر، وهتسمع كلامك، 

انت محبتش اسيا، بدليل اعتراف سدن هزك، اومأ يردد كلماته كأنه يحاول ان يقنع نفسه بها


بمنزل يوسف قبل قليل...

دلف إلى المنزل، فاستقبله هدوء غريب.

لا صوت سوى موسيقى هادئة، ورائحة الشموع العطرة تملأ المكان.

ألقى نظرة نحو المطبخ، ينتظر أن تخرج الخادمة كعادتها، لكن المنزل كان خاليًا على غير المعتاد.

تنهد بصعوبة، ثم صعد الدرج بقدمين مثقلتين، يحاول طوال الطريق أن يجد الكلمات المناسبة... كيف سيخبرها أن العملية فشلت؟ كيف سيكسر قلبها للمرة التي لا يعلم عددها؟

توقف أمام باب غرفتهما، وأغمض عينيه للحظة، ثم سحب نفسًا عميقًا، ودفع الباب بهدوء.

تجولت عيناه في الغرفة.

شموع مضاءة...مائدة أُعدت بعناية...

وموسيقى رومانسية تنساب من أحد الأركان.

أغلق الباب خلفه، بينما أخذ قلبه يخفق بعنف... بداخل غرفة الملابس، استمعت الى غلق الباب، ارتجف جسدها، تحاول أن تسيطر على مشاعر الحزن داخلها، لابد ان تمسح اي حزن ووجع عن قلبه، اليوم يحتاجها أكثر من أي يوم، رغم حزنها لابد أن تكون سندًا له في وجعه، همست لنفسها

_هتقدري ياضي تتغلبي على وجعك، يوسف حساس، وممكن يحاول يبعد تاني.. سحبت نفسًا وطردته 

لحظات قليلة ثم خرجت هي من غرفة الملابس.

ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا يصل إلى ركبتيها، ينسدل برقة على جسدها، وخصلاتها منسدلة حول وجهها، حتى بدت له كعروس في ليلة زفافها.

تقدمت نحوه بخطوات هادئة، وعيناها تلمعان بالسعادة.

توقفت أمامه، وقالت بعتاب رقيق:

ـ اتأخرت ليه؟... ومبتردش على تليفوني ليه؟ قلقتني عليك.

لم يجب.. ظل يحدق فيها فقط...

يحفظ تفاصيل وجهها، وابتسامتها، وعينيها الغارقة بعشقه، كان يشعر أنه الرجل الأكثر عجزًا على وجه الأرض.

كيف يمنحها طفلًا... وهو عاجز؟

وكيف يواجه كل هذا الأمل المرسوم في عينيها؟

اقتربت منه، ورفعت يديها تنزع عنه سترته برفق، ورغم ارتجاف أصابعها، حافظت على ابتسامتها.

ـ زعلانة منك أوي... قلتلك مليون مرة، لما أكلمك رد عليّ، حتى لو دقيقة... عشان بقلق عليك.

رفعت رأسها إليه.

ـ بس خلاص... مش مهم دلوقتي. المهم إنك رجعت، واطمنت عليك.

ابتسمت بحماس طفولي.

ـ وعلى فكرة... إنت لسه حتى مسألتنيش إيه كل الاحتفال ده.

مازال على صمته، فتابعت وحدها:

ـ النهارده جالي عرض من واحد من أشهر دور الأزياء... عايزين مني تصميمات.

لمعت عيناها وهي تكمل بحماس:

ـ كنت فرحانة اوي... وكل اللي كان نفسي فيه إنك ترد على تليفونك عشان أول واحد يفرح معايا.

اقتربت منه، وطبعت قبلة سريعة على شفتيه.

ـ يلا بقى... انسى تعب الشغل والمرضى الليلة دي، واحتفل مع مراتك.

فتح شفتيه ليتكلم...لكن الكلمات خانته.

ابتسمت وهي تنظر إليه.. وقلبها يضرب بصدرها على حالته

ـ يوسف... مش هتقولي مبروك يا حبيبي؟

أغمض عينيه لحظة، ثم احتوى وجهها بين كفيه، وطبع قبلة طويلة فوق جبينها.

ـ مبروك... يا أحسن ديزاينر في الدنيا.

ابتسم ابتسامة باهتة.

ـ وربنا يحققلك كل أحلامك.

ضحكت وهي تهز رأسها.

ـ تؤ...

أشارت بإصبعها نحوه.

ـ ده مش احتفال خاص بالنجاح...

ادخل خد شاور... وفكر هتفرحني إزاي الليلة.

ثم دفعت كتفه بخفة.

ـ بسرعة... مش عايزة الليلة تضيع وإنت في الحمام.

أومأ برأسه بصمت، ودخل الحمام.

وما إن أغلق الباب...حتى انهارت ابتسامتها.. وضعت كفيها على فمها، تمنع شهقاتها من الخروج.

انسابت دموعها في صمت، وركضت إلى الشرفة.

جلست على المقعد، واحتضنت نفسها، تبكي بحرقة.. كانت تعلم...

علمت منذ أن وقعت عيناها على وجهه...

أن العملية فشلت.

لكنها أقسمت ألا تجعله يحمل وجعها فوق وجعه.

رفعت وجهها إلى السماء، وهمست بقلب منكسر:

"يا رب... قوِّ قلبه قبل قلبي... وخفف عنه، حتى لو كان على حساب وجعي."

مسحت دموعها سريعًا، واستعادت ابتسامتها بصعوبة، ثم عادت إلى الداخل.

بعد دقائق...

خرج يوسف من الحمام، يجفف خصلات شعره بالمنشفة.

بحث عنها بعينيه... فوجدها تقف أمام المائدة، ترتب الأطباق بعناية، بينما انعكس ضوء الشموع على وجهها، فبدت له أجمل أمرأة في الكون

ألقت نظرة إليه، وابتسمت.

ـ عملتلك الأكل اللي بتحبه...

وأشارت إلى الطبق بفخر طفولي.

ـ وعلى فكرة... وقفت النهارده في المطبخ مع طنط ميرال، وعلمتني أعمل تشيكن بارميزان.

لم يدعها تكمل.. ترك المنشفة من يده، وسار إليها بخطوات هادئة ثم جذبها إلى صدره بقوة، ودفن وجهه في عنقها، وأغمض عينيه.

خرج صوته مبحوحًا، يحمل كل ما عجز عن قوله:

ـ وحشتيني... أوي.

ابتسمت رغم الدموع التي قاومتها، ومررت أصابعها بين خصلات شعره برفق.

ـ مش باين يا ابن عمي...

رفع رأسه، وظل ينظر إليها طويلًا، ثم همس:

ـ كل اللي محتاجه الليلة... إنك تفضلي في حضني بس.

شدها إليه مرة أخرى، وكأن حضنها وحده كان المكان الوحيد الذي يستطيع فيه أن ينهار... دون أن يسقط.

باليوم التالي 

استقل إلياس سيارته واشار للحرس

_مش عايز حد معايا

قالها وتحرك بالسيارة، ثم فتح هاتفه 

_يزن.. انت فين؟! 

_رايح الشركة عندي اجتماع 

_طيب.. كلم طارق خليه ينزل مصر ضروري، بأي حجة

_هو هينزل فعلًا، علشان خطوبة اسر 

قطب إلياس جبينه 

_آسر خطب؟! 

_لسة كلام.. بنت كريم 

_ربنا يسعده، المهم مش عايزك تغلط قدام ميرال عن معتز، وماتقولش للولاد، انا رايح لسارة علشان اشوف مين مايكل دا 

_تمام.. هخلص اجتماع واكلمك 


بعد فترة ترجل إلياس من سيارته وصعد الى مكتبها، دلف للداخل وجدها منشغلة بجهازها.. نظرت اليه بتهكم 

_مرحبًا ياالياس باشا

اخرج صورة معتز ووضعها أمامها

_دا مايكل اخوكي 

نظرت للصورة، ثم الى إلياس 

_انت بتسأل عن مايكل ليه 

انحنى ينظر إليها بغضب حارق

_قولي هو ولا لا؟! 

صمتت تنظر للصورة مرة والى إلياس مرة ثم قالت....

تكملة الرواية من هناااااااا 


لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا





تعليقات

التنقل السريع
    close