اول يوم العيد
اول يوم العيد
جوزى بيدينى مصروف بيت قليل جداً واضطريت انزل اشتغل ومن ساعه ما اشتغلت وهو بطل يصرف عليه خالص رغم أنه مادياً مرتاح لكن دايما يسمع كلام امه لما تقوله الست الشاطره بتعرف تمشى نفسها بأى حاجه كان يدينى ١٥٠٠ فى الشهر ولما اشتغلت قالى اصرفى انتى على البيت وبطل يدفع جنيه جه قبل العيد ضغط عليه انى اقعد من الشغل بحجه انى قصرت فى شغل البيت وقالى انه هيدفع مصروف البيت وفعلاً قعدت من البيت وبقيت اخد نفس المبلغ تانى
حصلت مشكله وكلمت حماتى قولتلها حرام عليكى كلمى ابنك يزود المصروف
راحت حماتى اشتكت لابنها وعشان ابنها يعاقبنى ويراضيها راح بعتلها فلوس تشارك فى عجل
وفعلاً جابوا عجل ولمت سلايفى وبناتها واحفادها معادا انا واولادى بحجه انهم يعلمونى الأدب
أولادي قاعدين قدامي، مكسورين، بيسألوني: “يا ماما هما ليه ما نادوش علينا؟ وليه جدي وعمي ما قالولناش نروح معاهم؟”. قلبي كان بيتقطع، بس كنت بحاول أتماسك وأقولهم: “معلش يا حبايبي، إحنا عندنا لحمتنا، وماما هتعملكم أحلى أكل”.
فجأة، دخلوا عليا ولاد سلايفى من بره، جريوا على ولادي وهما شايلين حلويات وبيلعبوا، وبنبرة كلها كسر نفس، واحد من ولاد سلفتي قال لابني ببرود: “إنتوا ما جيتوش ليه؟ ده جدو صورنا كلنا جنب العجل، وعمي وزع علينا عديه كبيره تزى ، وقالولنا إنكم مش موجودين عشان إنتوا مش مؤدبين زينا”.
بنتي دموعها نزلت في صمت، وهي بتبصلي بتسألني بعنيها: “ليه يا ماما؟ إحنا عملنا إيه؟”.
في اللحظة دي، سمعت صوت ضحكته هو.. جوزي، طالع من بيت أمه وهو بيزعق بصوت عالي عشان يوصلني: “يا ولاد تعالوا، العيد عيدنا إحنا، واللي مش عاجبه الحال يروح يشوف له مكان تاني!”.
دخل البيت، رزع الباب وراه، ولا كأنه شايفنا، ولا كأنه أب لولاد مكسورين، دخل الأوضة وغير هدومه وطلع تانى عشان يخرج ويسهر مع اخوانه ، وخرج تاني عشان يكمل سهرته معاهم في بيت أمه،ويخرجوا
كنت قاعده باصه لولادى ولكسرتهم وقلبى واجعنى عليهم وقررت انى لازم ارد اعتبارهم واعتبارى.
مسحت دموعي بسرعة، وبصيت لولادي وابتسمت ابتسامة باهتة بس مليانة تصميم: “قوموا يا حبايبي البسوا أحلى لبس عندكم، النهاردة العيد بتاعنا إحنا، وهنروح نتغدى عند جدي وتيتة، وهنخرج ونتفسح فسحة ميتنسيش!”. لمعت عينيهم من الفرحة، وكأنهم نسوا الكسرة اللي شافوها من دقيقة، وبدأوا يجهزوا نفسهم بحماس.
دخلت المطبخ، وبأقل الإمكانيات اللي عندي طلعت أحلى ما في التلاجة، عملت أكل ريحته قلبت البيت، ولما خلصنا، خدت ولادي وخرجنا من غير ما ألتفت ورايا، كأني رميت كل الوجع ده ورا ضهري. قضينا اليوم عند أهلي، وسط جو دافي وحب حقيقي، ولادي لعبوا وضحكوا وأكلوا لحد ما شبعوا، ونسيوا تماماً قسوة والدهم وحماتي.
في الوقت ده، كان جوزي راجع البيت وهو في قمة الغيظ، كان متخيل إنه لما يرجع هيلاقيني قاعدة مكسورة زي ما سابني، وهيلاقي البيت كئيب، عشان يكمل “حفلة” إهانتنا ويغيظني أكتر. دخل البيت ونادى بصوت عالي: “أنا رجعت، فين الغدا؟ وفين العيال؟”.
لما ملقاش رد، وبص في الصالة لقى البيت فاضي وهادي، اتجنن. طلع تليفونه واتصل بيا مرة واتنين وتلاتة، كان عايز يسمع صوتي عشان يحس إنه لسه مسيطر، وإنه لسه قادر يوجعني، أو يمكن عشان يزعق ويفرض سيطرته كالعادة.
بصيت للموبايل وهو بيرن، شفت اسمه على الشاشة، قلبي كان بيدق بس المرة دي مش من الخوف، كان من القوة. ولادي كانوا بيضحكوا جنبي، فأخدت الموبايل في هدوء تام، وعملت “صامت”، وحطيته في الشنطة، وكملت كلامي مع أمي وأبويا، وكأني لا سمعت رنة، ولا كأنه موجود في حياتي أصلاً.
الليلة دي كانت أول ليلة أحس فيها إني حرة، وإني قدرت أحمي ولادي من نارهم، وأثبت لنفسي قبل أي حد، إن كرامتي وكرامة ولادي أهم بكتير من أي مصروف أو رضا ناقص.
دخلت البيت أنا والولاد، والهدوء بيملى المكان، بس بمجرد ما حطيت مفتاحي في الباب، لقيته قاعد في الصالة، وشه أحمر من الغضب وعيونه بتطلع شرار. لسه هيفتح بوقه ويطلع كل السم اللي جواه، ويقول كلمتين يكسر بيهم فرحتنا اللي لسه مرسومة على وشوش ولادي، فجأة…
اتقطع صمت البيت بصوت صويت عالي جداً، صرخة رعب وفزع جاية من شقة حماتي اللي في الدور اللي تحتنا مباشرة. الصوت كان مش طبيعي، صرخة توجع القلب وتخلي الواحد يتجمد في مكانه.
جوزي، اللي كان لسه من ثانية بيستعد عشان يهددني ويحاسبني، اتخطف لونه، واتنتر من مكانه زي الملبوس. ولا بص في وشي، ولا سألني كنت فين، أخد بعضه ونزل جرى على السلم بلهفة ورعب، وهو بينادي على أمه بصوت مخنوق.
أنا وقفت في مكاني للحظة، قلبي دق دقة سريعة، بس مسكت أعصابي. بصيت لولادي اللي كانوا خايفين من صوته، وأخدتهم في حضني وقلت لهم بصوت واطي ومطمن: “مفيش حاجة يا حبايبي، تعالوا ندخل أوضتنا”.
دخلت غيرت هدومي أنا والولاد، ولبسنا لبس البيت المريح، ولا كأن في أي حاجة حصلت بره. شغلت التليفزيون على قناة كرتون، وقعدت وسط ولادي، بنأكل فاكهة وبنضحك، وكأن جدران الشقة دي بقت حصن بيفصلنا عن كل الدراما والسم اللي بيحصل بره.
ساعة مرت، وساعتين، وأصوات الدوشة والهرج والمرج طالعة من تحت، وجوزي مبيطلش طالع نازل بصوت عالي، وأنا ولا في بالي. كنت مستمتعة بهدوء بيتي لأول مرة من سنين
فضولى أخدني، قمت من قدام التليفزيون وخرجت البلكونة عشان أشم شوية هوا، وبمجرد ما بصيت على تحت، لقيت الشارع “مقلوب” والناس متجمعة كأنهم في مسرح، والشقة تحت شقتي مباشرة بقت ساحة معركة.
سلايفي، اللي كانوا من كام ساعة بيضحكوا وبيصوروا وبياكلوا، دلوقتي شعرهم منكوش وصوت خناقهم واصل لآخر الشارع، وكله بيرمي التهم على بعضه، وواضح إن العجل اللي ذبحوه وبنوا عليه سعادتهم كان هو نفسه سبب “الخناقة الكبيرة”. جوزي كان واقف في النص بيحاول يهديهم، بس صوته كان بيضيع وسط زعيقهم.
وفجأة، وسط الدوشة دي كلها، عينه اتعلقت بيا، يمكن كان بيدور على أي حد يسنده أو يمكن كان متوقع يشوفني قاعدة ببكي من القهر زي كل مرة. بس المرة دي، شاف حاجة تانية خالص.
لقاني واقفة في البلكونة بكل هدوء، ربعت إيدي وبصيت عليهم كأني بتفرج على فيلم “دراما” بتابع أحداثه بتركيز، ومستنية أشوف العقدة هتتحل إزاي، ومين فيهم اللي هيغلب التاني. ملامحي كانت خالية من أي شفقة، خالية من أي استعطاف، ولا حتى حزن.
نظرة عيني ليه كانت نظرة “الغريب” اللي بيشوف عيوب الناس وبيتفرج ببرود، ومن غير ما أنطق بكلمة، النظرة دي كانت أقوى من ألف رد. جوزي سكت فجأة، ووشه اتغير؛ ملامح الغضب اللي كان شايلها ليا اتحولت لذهول وصدمة، وكأن الست اللي كان فاكرها ضعيفة ومكسورة، وفجأة اتغيرت وبقت قوية لدرجة إنها مش شايفة وجعهم، ولا حاسه بيهم.
حسيت بإنكساره في اللحظة دي، ولأول مرة، كنت أنا اللي ماسكة خيوط اللعبة، هما اللي غرقانين في مشاكلهم وأنا بتفرج عليهم من بعيد، وبكل هدوء دخلت جوه وقفلت باب البلكونة، ورجعت كملت سهرتي مع ولادي، وكأني لا شوفت ولا سمعت أي حاجة.
معداش وقت طويل، وسمعت صوت خبط عنيف على باب شقتنا. فتحت الباب، لقيت جوزي واقف وشكله مبهدل، وريحته عبارة عن خليط من زعل ونرفزة، وعرق، وريحة حاجة معفنة. بص لي وقال بصوت آمر، بس فيه نبرة ضعف مخفية: “انزلي بسرعة، الدنيا تحت بايظة خالص، حد من العيال ساب باب الديب فريزر مفتوح واللحمة كلها فسدت وريحتها بقت لا تطاق، الشقة مش قادرة تتنفس، انزلي نضفي معاهم.. الست الشاطرة بتبان في المواقف دي”.
بصيت له ببرود، ومن غير ما يتحرك لي رمش، ورجعت خطوة لورا وربعّت إيدي، وقلت له بهدوء وثبات: “أنا مش شغال عندهم، ولا أنا مسؤولة عن إهمالهم. البيت اللي مكنتش موجودة فيه وأنا بجهز اللحمة وأولادي محرومين منها، مش مسؤولة إني أشيل قذارته”.
اتصدم من ردي، ولسه هيفتح بوقه عشان يزعق، كملت كلامي بنفس النبرة الهادية: “أنا يومي خلص، وأولادي نايمين، ومش هنزل ألم وساخة حد ولا أصلح غلطة مش غلطتي. العيد كان للعيلة، والبيت بيتهم، خليهم هما اللي ينضفوه زي ما عرفوا يشاركوا في العجل لوحدهم”.
بص لي بذهول وكأني شخص تاني غير الست اللي كان بيأمرها وتنفذ، وبدون ما أسمح له بأي فرصة للجدال أو الإهانة، قفلت الباب في وشه بهدوء ورجعت كملت قعدتي مع ولادي.
من ورا الباب سمعته بيزعق بقلة حيلة، بس المرة دي زعيقه مأثرش فيا، لأني عرفت أخيراً إن قيمتي مش بتحددها نظرتهم ليا، ولا إنجازاتي في خدمتهم،
فجأة، ووسط ما أنا قاعدة في هدوء، سمعت صوت دبدبة رجلين طالعة على السلم بعنف، وخبط جنوني على باب شقتي. فتحت، لقيتها هي.. حماتي، وجهها محتقن بالدم، وشعرها منكوش، وهدومها متبهدلة من آثار اليوم الطويل.
من غير ما تستنى حتى أقول “اتفضلي”، زقتني ودخلت الصالة بعينين بتطلع نار وقالت بصوت عالي بيزلزل البيت: “أدي أخرة اللي بيتعمل فيه الخير! الشقة تحت بقت ريحتها جيفة، واللحمة كلها باظت، وكل ده بسببك إنتي! عينك اللي مابترحمشي، ونظراتك اللي بصلتنا من فوق في البلكونة هي اللي خربت يومنا ودعت علينا!”
وقفت قدامها، لا خايفة ولا مهزوزة، وهي كملت بصراخ: “انزلي حالا! انزلي نضفي لوحدك! إحنا اتهدينا طول اليوم في الدبيح واللف عشان نوزع اللحمة، وإنتي قاعدة هنا حاطة رجل على رجل بتتفرجي علينا وبتشفي غليلك فينا.. اتحملي مسؤولية حقدك وادخلي نضفي المهزلة اللي إنتي السبب فيها!”
بصيت لها، وبصيت لجوزي اللي كان واقف وراها
قعدت على الكرسي ببرود، وحطيت رجل على رجل، وقلت لها بصوت هادي ومسموع: “حقد إيه يا حماتي؟ أنا قاعدة في بيتي، لا مديت إيدي على لحمتكم ولا دخلت شقتكم. اللحمة باظت عشان الإهمال، وعشان ربنا بيظهر الحق، مش عشان أنا بصيت من البلكونة”.
سكتت لحظة عشان كلامي يوصل، وكملت: “أما عن إني أنزل أنضف.. فده شيء مش هيحصل. أنا مش مسؤولة عن تقصيركم، ولا خدامة عند حد. اللي عمل العمايل دي وساب الديب فريزر مفتوح، هو اللي ينزل ينضف. خدي ابنك وانزلوا نضفوا بيوتكم، ومحدش ليه عندي حاجة”.
جوزي حاول يتدخل ويقول: “يا شيرين بلاش الكلام ده، انزلي لمي الموقف عشان نخلص”، بصيت له بنظرة قوية وقلت له: “اللي عايز يلم الموقف هو اللي غلط، يروح يصلحه. أنا وبيتي وأولادي خط أحمر، ومحدش فيكم هيعديه تاني”.
حماتي اتجننت من ردي، وبدأت تزعق أكتر، بس أنا كنت أهدى من الهدوء نفسه.
حماتي وشها اصفر وبدأ يترعش من كتر الغيظ، قربت مني وبعينين مليانة غل وتهديد قالت: “بقى كده يا شيرين؟ طيب وحياة بنتي، لأخلي ابني يقطع عنك المصروف ده خالص، ويرميكي إنتي وعيالك في الشارع، ويطلقك عشان تروحي تدوري على حد غيره يصرف عليكي ويعلمك الأدب!”
في اللحظة دي، وقفت قدامها بكل ثبات، حسيت إن دي كانت اللحظة اللي كنت مستنياها عشان أرمي كل وجعي في وشهم. ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقربت منها خطوة، وقلت لها بنبرة واثقة: “ده يوم المنى يا حماتي! انتي فاكرة إنك بتهدديني؟ ده أنا اللي كنت بشتغل وبقبض في الشهر مبلغ يعادل عشر شهور من المصروف اللي ابنك بيذلني بيه!”
بصيت لجوزي اللي كان مذهول من كلامي، وكملت بصوت قوي ومسموع: “ولو انتي جدعة، وابنك ده راجل فعلاً، خليه يطلقني.. أنا مش خايفة، بالعكس، أنا مستنية اللحظة دي عشان أعيش بكرامتي بعيد عنكم، وأربي ولادي من غير ما يذلهم حد بمصروف ولا بكلمة”.
الصمت خيم على المكان، جوزي اتجمد في مكانه، مكنش مصدق إن الكلام ده طالع مني، وحماتي اتسمرت في مكانها، مكنش عندها رد غير نظرات الحقد والذهول. لأول مرة، هما اللي حسوا بالخوف، مش أنا، لإنهم اكتشفوا إن “شيرين” اللي كانت بتخاف من تهديداتهم، ماتت، وطلعت واحدة تانية خالص مش فارق معاها غير كرامتها.
الجو في الشقة بقى مشحون لدرجة إن الهوا نفسه بقا تقيل. جوزي، اللي كان مغلول من كلامي قدام أمه، عيونه برقت وخطى خطوة ناحيتي، ورفع إيده بقوة، واضح إنه ناوي ينهي “التمرد” ده بمد إيده عشان يكسرني زي ما كان متعود.
بس المرة دي أنا ما رجعتش لورا خطوة واحدة، بالعكس، وقفت في مكانه، نظرتي كانت حادة زي السكينة، وما خفتش. بصيت في عينيه مباشرة وبنبرة صوت ثابتة وباردة كأنها طالعة من حد قلبه حديد، قلتله: “اقسم بالله يا عماد لو فكرت ترفع إيدك بس، ليومك يخلص وإنت بايت في القسم، وهخلي سيرتك على كل لسان وتعرف إن اللي بيته من زجاج، ميحدفش الناس بالطوب”.
في اللحظة دي، أمه اتراجعت لورا بخوف، وجوزي اتجمدت إيده في الهوا، عينه كانت بتدور في وشي عن ذرة خوف واحدة، بس مالقاش.. لقى قدامه ست تانية خالص، ست مستعدة تدفع أي تمن مقابل إنها تحمي كرامتها.
جوزي حاول يستعيد هيبته المكسورة، بصلّي بنظرة كلها لوم وسم، وقال بصوت مشروخ: “أنتي تستاهلي كل اللي بيجرالك.. أنتي اللي بتبجحي في أمي وبتردي الكلمة بعشرة. لو كنتِ سكتِ واحترمتِ كلمتها، كان زمانك معانا تحت، زيك زي باقي سلايفك، وولادك لعبوا وفرحوا مع قرايبهم. بس لسانك الطويل ده هو اللي موديكي في داهية ومضيعك من وسطنا.”
وقفت قدامه، وضحكت ضحكة كلها تريقة وسخرية، ورديت عليه وأنا ببص في عينيه مباشرة من غير أدنى تردد: “أنا الوحشة يا راجل؟ طيب ما فكرتش للحظة تاخد ولادك وتفرحهم زي ما فرحت عيال أخواتك؟ ولا ده كمان كان بأوامر ماما؟ محدش من إخواتك يقدر يعمل في مراته ربع اللي بتعمله فيا عشان ترضيها، وبتقولي بتبجح؟”
أخدت خطوة ناحيته، وكملت بصوت قوي خلاه يرجع لورا: “أنت أديت ولادهم عديات وفرحتهم، واستخسرت في ولادك العدية وكلمة حلوة؟ ده أنت اللي سمحتلهم يغيظوا ولادي ويهينوهم قدام عينك، وقبلت تكون شاهد على كسر نفسهم عشان ترضي ستك الوالدة. إحنا مش ناقصنا عديتهم ولا أكلهم، إحنا ناقصنا أب يعرف يعني إيه مسؤولية، مش واحد ماشي ورا كلام أمه بيحارب بيته وعياله!”
سكتت للحظة، وحطيت إيدي في وسطي وكملت: “وبعدين بلاش كلمة ‘داهية’، لأن الداهية الحقيقية هي اللي إحنا عايشين فيها بسبب ضعفك. لو كان لساني بيوديني في داهية، فأنا راضية بيها، أهون عليا من إني أعيش مذلولة وراضية بإهانتكم.”
بصيت له بكل هدوء، الهدوء اللي بيسبق العاصفة، ولقيت إن مفيش طريق تاني غير المواجهة الأخيرة. الكلام اللي قاله عن “لساني” كان القشة اللي قسمت ظهر البعير، ولقيت نفسي بقوله بصوت واطي ومحدد:
“بما إنك شايف إني ‘بتبجح’ وإني مش عاجباك، وإني ‘مودية نفسي في داهية’، فإحنا خلاص مفيش بينا كلام يتقال. أنا بطلب الطلاق، ورقة توصلني في أقرب وقت.”
اتصدم، وفتح بوقه عشان يتكلم، بس أنا قاطعته بنبرة حازمة: “لو فاكر إنك ممكن تماطل أو تذلني بالطلاق، تبقى غلطان. لو ما طلقتش بالمعروف، أنا اللي هخلعك، وهرفع قضية خلع وأخد حقوقي كاملة. ووقتها مش بس هتخسرني، لا، ده أنت هتبقى ‘المخلوع’، الكل هيعرف إن مراتك هي اللي خلعتك، وهتبقى حديث المنطقة كلها، والفضايح اللي أنت خايف عليها هتتحول لحقيقة والناس كلها هتعرف إيه اللي بيحصل جوه جدران البيت ده.”
حاول يغير نبرته، ملامح الغضب بدأت تذبل مكانها صدمة وخوف من فكرة “الخلع” والفضايح اللي رمتها في وشه. قرب مني خطوة، وصوته بقى واطي ومترجي: “شيرين، اهدي.. إحنا عندنا عيال، والبيوت فيها مشاكل أكتر من كده بكتير. خلينا نفتح صفحة جديدة، وادينا فرصة تانية عشان خاطر الولاد.. أنا مكنتش أقصد اللي قولته، كانت ساعة شيطان”.
بصيت له بنظرة كلها برود، ورفعت إيدي بمنعه من إنه يقرب أكتر، وقلت له بنبرة قاطعة: “فرصة تانية؟ أنت فاكر إن اللي اتكسر جوايا ناحيتك ده ممكن يتصلح بكلمتين؟ اللي اتكسر مش بس احترام، ده أمان، وأماني فيك مات مع أول مرة سمحت فيها لأمك تكسرني وأولادك يتهانوا قدامك”.
لفيت ضهري وبدأت ألم شوية حاجات ليا وللأولاد في شنطة صغيرة، وأنا بكمل كلامي بصوت مسموع وواضح: “لا فرصة تانية ولا تالتة. طلقني، واديني حقوقي بالذوق، واكتب لي مؤخري وكل حاجة ليا بالمعروف.. أهون عليك وعليا من إني أخدها منك بالعافية في المحاكم، وأحطك في مواقف تخلي الناس كلها تشاور عليك”.
وقفت قدامه تاني، وشفت في عينيه لأول مرة انكسار حقيقي، مش بس من التهديد، لكن من الحقيقة اللي بدأت تظهر قدامه: إن شيرين اللي كانت بتضحي بكل حاجة، مابقتش موجودة.
سابني وخرج وهو بيخبط الباب وراه بكل قوته، كان فاكر إنه لما يسيبني لوحدي هضعف وهتراجع، ونازل تحت يشتكي لأمه ويستقوي بيها كالعادة. سمعت صوته من البلكونة وهو بيتكلم معاها بصوت عالي، بيحاولوا يخططوا إزاي يضغطوا عليا.
طلع تاني بعد ساعة، وشه متصلب، حاول يمثل القوة وقال بصوت مهدد: “بما إنك ماشية بدماغك، فاعتبري من اللحظة دي مفيش مصروف هيدخل البيت ده، خلي اللي انتِ متمسكة برأيك علشانه يصرف عليكي”.
بصيت له وضحكت بسخرية لاذعة، وقلت له بكل ثقة: “يا راجل؟ هتقطع المصروف؟ كأنك كنت بتصرف الملايين! عموماً، المحكمة هتديني منك نفقة الولاد، اللي أكيد هتكون أضعاف الملاليم اللي كنت بترميهالنا كل شهر وفاكرها فلوس بتغنينا. المحكمة مش بتعرف لغة ‘الست الشاطرة’ اللي بتعرف تمشي نفسها، المحكمة بتعرف لغة القانون اللي هيجبرك تدفع “.
وشه اتغير تماماً، الصدمة كانت واضحة على ملامحه، لأني ببساطة رميت في وشه سلاحه اللي كان بيحاربني بيه طول السنين اللي فاتت.
بدأت الأيام تمشي، والهدوء بقى هو عنوان حياتي الجديدة. طليقي، اللي كان فاكر إن “العزة” في السيطرة والإهانة، بدأ يكتشف حجم الخسارة اللي خسرها. بقى كل فترة يحاول يتقرب من ولادي، يجيب لهم هدايا، ويحاول يشتري خاطرهم بكلمتين حلوين، يمكن يلين قلبي، أو يمكن عشان مايخسرهمش زي ما خسرني.. زي ما خسر الست اللي كانت سنداه ومستحملة عشانه.
بيحاول يتقرب من خلالهم، ويفتح باب الحوار، ويحسسهم إنه “الأب الحنون” اللي فاق متأخر. ولادي بيتعاملوا معاه، وأنا سايباهم براحتهم، لأن ده حقهم، بس جوايا، الأمور اتحسمت خلاص.
أنا حبيت حياتي الجديدة؛ حبيت هدوء بيتي، حبيت إن قراري طالع مني، حبيت إن ولادي بيشوفوني قوية ومرفوعة الراس. بقيت أصحى الصبح وأنا مش شايلة هم “المصروف” اللي بيذلني، ولا خايفة من كلمة “الست الشاطرة” اللي كانت بتدمرني.
كل ما يحاول يقرب، أو يلمح إنه عايز يرجع الأمور لمجراها، ببتسم ابتسامة هادية وأقول لنفسي: “اللي اتكسر، حتى لو اتصلح، مابيرجعش زي الأول”. استحالة أرجع، واستحالة أقبل أعيش في دور الضحية تاني. أنا النهاردة “شيرين” اللي عرفت قيمتها، وعرفت إن الحياة بكرامة هي اللي بتستحق نعيشها، مش حياة المذلة والمهانة.


تعليقات
إرسال تعليق