جوزي كلمني وهو بيبكي
جوزي كلمني وهو بيبكي 1 حكايات صافي هاني
جوزي كلمني في نص الليل وهو هيموت من العياط، وقالي إن أبوه بيموت وجاتله جلطة، ولازم نحول لُه 300 ألف جنيه فوري! من خضتي مفكرتش حتى أروح المستشفى.
الفلوس دي كانت شقايا وتحويشتي، شهادة استثمار لسه عملاها الشهر اللي فات في البنك، وبكلمة سر محدش يعرفها غيري.. بس هو كان حافظها صم، وبصمها أكتر مني! قفلت السكة وريقي ناشف من الصدمة.
من جوايا محولتش مليم.. أخدت مفاتيح عربيتي وطلعت جري على المستشفى.
أول ما وصلت الدور الخامس، ومن أول الطرقة، سمعت حمايا -اللي المفروض إنه بين الحيا والموت ومحطوط على أجهزة التنفس في الرعاية- قاعد بيضحك من قلبه وبيمضغ والتفاح مالي بوقه!
إحنا متجوزين بقالنا خمس سنين.. خمس سنين كاملين!
طول السنين دي كنت بشوف “رامي” أحن وأطيب راجل على وجه الأرض.. يوم فرحنا، أبويا سلمهوني وعينيه ماليانة دموع وقاله: “الله يكرمك يا ابني حافظ عليها”، وهو رد بكل ثقة ووش ملايكة صدقته لحد آخر لحظة.. وأمي كل ما كنا نخرج ناكل سوا، تقولي: “جوزك بيحبك وخدوم أكتر من ابن بطني، إنتي يا بنتي ربنا كرمك ووقعتي واقفة”.
كنت مدياه الأمان على الآخر.. سبت شقتي القديمة عشان ننقل في بيت جديد سوا، وكتبت الشغل باسمي لما طلب مني كده.. ومن أول سنة جواز سلمته كل حساباتي، كنت بقول لنفسي: “هو في إيه بين الراجل ومراته؟ وإيه لازمة الجواز لو هنخبي قرشين عن بعض؟”.. ده اللي غبائي صورهولي!
الشخص الوحيد اللي كنت بحبه بجد في العيلة دي كانت حماتي، الست “مديحة”.. هي اللي علمتني أصول الطبخ، وكانت دايماً تدافع عني لما حمايا “الحاج جابر” يرمي عليّا كلام يضايقني على السفيرة، وكانت دايماً تقولي “يا بنتي” وتحسسني إنها طالعة من قلبها.. ولما كنت بتعب، كانت هي اللي بتاخدني في حضنها وتراعيني.
فاكرة مرة كنا واقفين سوا في المطبخ بنغسل المواعين، لفتت ناحيتي وبصوت واطي من غير ما حد يحس قالتلي: “يا بنتي، دايماً شيلي قرش على جنب لزمنك.. شيليلك حسنة، مفتاح، أي حاجة تملكيعا لوحدك.. حتى لو كنتِ بتحبي جوزك من كل روحك”.
ساعتها قولت دي نصائح ستات كبار وكلام حكم وخلاص، شكرتها وكملت غسيل مواعين عادي جداً..
وأنا واقفة في طرقة المستشفى، وإيديا تلجت من الصدمة، بدأت كل المكعبات تترتب في دماغي وأفهم كل حاجة.
هو عرف كود حساباتي عشان أنا اللي أمنته عليه من غير ما يطلب.. والشركة كانت باسمي عشان “اسمهم في القائمة السودة للضرائب ومشاكل البنوك” -زي ما حلفلي ووعدني- وأنا بكل غباء وطيبة قلب مضيت وفرحانة إني بقف جنب جوزي.. وفي الآخر طلعت أنا المالك القانوني اللي هيشيل الطين والديون لو المركب غرقت!
حتى البيت اللي اتولدت وكبرت فيه، واللي أبويا كتبهولي قبل ما يتوفى، كان لسه باسمي.. ده الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي في الدنيا دي وتخصني.
قربت من باب الأوضة، كان موارب يادوب كام سنتيمتر.. وجوه كانوا كلهم متجمعين.
الحاج جابر قاعد على السرير، وشه منور وصحته زي البمب بيقشر تفاحة تانية بالسكي..نة.. وحماتي مديحة قاعدة جنبه ساكتة.. ورامي واقف جنب الشباك وحاطط إيديه في جيبه.. وأخوه “كريم” قاعد على الكرسي بيلعب بولاعة في إيده، وعلى وشه نفس الابتسامة الصفرا السمجة بتاعته.
كريم قال بسخرية: “تفتكروا بلعت الطُعم؟”
الحاج جابر رد وهو بيمضغ: “طبعاً بلعته! رامي يقولها يمين تقول يمين، شمال تقول شمال.. دي بقالها خمس سنين نايمة على ودنها، أغبى من دبة!”.
حسيت بكتلة وقفت في زوري، ومبقتش قادرة أتنفس ولا أبلع ريقي.
الست مديحة اتنهدت وقالت: “جرى إيه يا جابر، بلاش تظلمها.. البنت طيبة وغلبانة”.
الحاج جابر قاطعها بحسم ومن غير ما يبصلها: “طيبة في إيه؟ البيت لسه مخلتش رامي ينقله باسمنا! رامي هيخليها تمضي على رهن العقار وبعدين يرميها في الشارع، إحنا هنقعدها معانا لسه؟!”
وبعدين بصلها وقال كلام كسر ضهري نصين: “وبعدين متعمليش فيها الشيخة خديجة والكيماوي بتاعك يوم الإثنين الجاي هيتدفع من فيزتها! لو اللعبة دي منجحتش، مش هتلاقي علاج.. فاخرسي خالص وسيبونا نشوف شغلنا!”.
رامي، اللي واقف عند الشباك، منطقش بربع كلمة.. وبكل برود الدنيا، كأنه بيتكلم عن الجو وهي بتمطر، قال: “وطوا صوتكم شوية.. أنا ظبطت موضوع البيت خلاص، هيجيب يجي تلاتة مليون جنيه.. هقولها الشركة محتاجة سيولة ضروري، هتمضي معايا الرهن ونخلص الحكاية كلها في شهر ولا اتنين بالكتير”.
كريم قفل الولاعة ولفها على صباعه وقال: “والله يا أخويا إنت ممثل قدير! أنا مش عارف إزاي قدرت تمثل الحب ده كله خمس سنين لدرجة تخليها تبيع اللي وراها واللي قدامها من يوم الفرح!”.
ساعتها بس فوقت.. وعرفت إني بقالي خمس سنين نايمة جنب غريب ومجرم!
وأنا واقفة في الطرقة، مسكت تليفوني وبسرعة طلبت رقم البنك.. إيديا كانت بترتعش لدرجة إن الشاشة كانت بتفلت مني.. وقولت لخدمة العملاء: “عاوزة أوقف وأجمد كل حساباتي فوراً.. في اللحظة دي! الحسابات الشخصية وحسابات الشركة.. وبلغوا إن كل الفيز مسروقة وضايعة”.. غلطت في أرقام الخدمة تلات مرات من الرعب لغاية ما صوتي طلع بالعاافية.
#حكايات_صافي_هاني
قفلت السكة، ومسحت دموعي بكم الجاكيت.. وأخدت نفس طويل قوي.
وبعت رسالة لرامي، بهدوء شديد ووزنت كل كلمة: “الفلوس تحولت يا حبيبي.. متقلقش وخد وقتك، بوسلي الحاج وقولي لو عوزتوا أي حاجة تانية”.. دوست إرسال ومشيت ناحية الجراج ورجليا مش شايلاني، ومفيش في دماغي غير فكرة واحدة: المرة دي اللعب هيبقى على مية بيضا، وهم لسه ميعرفوش هيدفعوا تمن كدبهم ده إزاي.
أول ما ركبت العربية، ودموعي متجمدة في عيني وقلبي قايد نار من الغل، جاتلي رسالة من حماتي الست مديحة.. مكنش فيها كلام، كانت صورة بس!
صورة لروشتة وتقارير طبية باسمها الثلاثي، وتشخيص بمرض لا أتمناه لألد أعدائي..
سرير الحاج جابر كان لسه فاضي ومفهوش مرض.. المرض كان عندها هي.. السرطان كان حقيقي وبياكل في جسمها.. وجلسة الكيماوي بتاعت يوم الإثنين كانت المفروض تتدفع من الحساب اللي أنا لسه مجمداه من عشر دقايق!
فضلت باصة للصورة دي كتير ومبرمشش.. وفجأة افتكرت صوتها في المطبخ وهي بتقولي: “دايماً شيلي قرش لزمنك يا بنتي”.. دي مكنتش نصيحة، دي كانت بتحذرني! كانت عارفة.. كانت عارفة كل حاجة بقالها سنين، وكاتمة في قلبها كل عشا، وكل كلمة سم من جوزها، وكل خطة بيخططوها.. دافعت عني الليلة دي بكلمتين تبريء ذمة، بس لما الفاس وقعت في الراس.. لأن القشة الوحيدة اللي كانت بتتعلق بيها عشان متغرقش في وسط العيلة دي.. كانت أنا!
#حكايات_صافي_هاني
دلوقتي كان قدامي رسالتين جاهزين على التليفون، ومستنيين لسة لمسة صباع واحدة:
الرسالة الأولى للبنك: تأكيد تجميد كل المبالغ لحد آخر مليم، عشان العيلة دي كلها تطلع من المولد بلا حمص وتتفضح وتتحسر، زي ما يستحقوا بعد خمس سنين التمثيل والخدعة دي.. بما فيهم الست مديحة اللي استغلتني زيهم بس بالحنّية والكلام المعسول وأكل العيش والملح.
والرسالة الثانية: أمر بفك تجميد مبلغ واحد بس.. تمن جلسة الكيماوي يوم الإثنين، للشخص الوحيد في البيت ده اللي حاول بطريقته الجبانة والخايفة يفتح عيني ويقولي الحقيقة قبل فوات الأوان.
الوقت كان بيجري.. ومفيش مجال غير إني أبعت رسالة واحدة بس منهم!
#حكايات_صافي_هاني
فضلت قاعدة في العربية، إيديا ساندة على الدريكسيون وجسمي كله بيتنفض من كتر الغل والقهر.. الشوارع حواليا كانت هادية ومضلمة، بس جوايا كان في بركان شغال. كنت باصة لشاشة التليفون اللي منورة في الضلمة، والرسالتين قدامي زي حكم الإعدام.. رسالة تخلي الحسابات متجمدة وتدمرهم كلهم، ورسالة تفك تجميد الفلوس عشان جلسة الكيماوي بتاعت الست مديحة.
ساعتها فكرت.. أنا لو بعت رسالة الكيماوي دلوقتي، هكون لسه الغبية اللي بيمشوا ورا طيبتها.. هكون لسه البنت اللي الحاج جابر قال عليها “أغبى من دبة”. بس في نفس الوقت، صورة الروشتة ووجع الست دي كان حقيقي.. الست دي عاشت وسط تعابين، وخوفها هو اللي خلاها تداري عليا طول السنين دي.
قررت أخد نفسي.. مش هبقى ضحية تاني، ومش هتحرك بالعاطفة.. ومبقتش البنت الطيبة بتاعت زمان.
دوست على الرسالة الأولى.. أكدت للبنك تجميد كل الحسابات، الشخصية والشركات، وكمان حسابات “الفيزا كارد” كلها.. قفلت الحنفية تماماً. ومسحت دموعي وبدأت أخطط ببرود مش عارفة جالي منين.. نزلت من العربية ورجعت تاني المستشفى، بس المرة دي مدخلتش الدور الخامس.. وقفت في الاستقبال تحت.. سألت عن حسابات المرضى وعرفت الروتين بيتم إزاي.
طلعت تليفوني وكتبت رسالة تانية خالص للبنك.. طلبت منهم عمل “شيك مقبول الدفع” أو تحويل مباشر لمرة واحدة فقط باسم المستشفى دي، ولحساب علاج الست مديحة تحديداً، بحيث إن الفلوس تروح للمستشفى وميدخلش في جيب جوزي أو حمايا مليم واحد، ولا يعرفوا يتصرفوا في جنيه برة العلاج.. والتحويل ده يتفعل يوم الأحد بالليل.. يعني هسيبهم يومين كاملين يغلوا في دمهم!
طلبت أوبر ورجعت على بيتي.. البيت اللي المفروض إنه بيتنا. أول ما دخلت، كنت حاسة إن الحيطان غريبة عليا.. خمس سنين وأنا بنضف وأفرش وأعمل لقمة بحب لشخص كان مستني اللحظة اللي يرميني فيها في الشارع. دخلت أوضة النوم، فتحت الدولاب وبدأت ألم حاجتي.. مش لبسي بس، أوراقي.. عقود البيت اللي ورثته عن أبويا، شهادات الاستثمار القديمة، وكل ورقة تثبت ملكيتي للشركة.. حطيت كل حاجة في شنطة كبيرة.
الساعة بقت 4 الصبح.. لقيت الباب بيفتح ورامي داخل.. وشه كان متبهدل وعامل نفسه منهار والتعب باين عليه. أول ما شاف الشنطة اتصدم، وقالي بنبرة فزع مصطنعة:
”في إيه يا حبيبتي؟ إيه الشنطة دي؟ وإنتي مكنتيش في المستشفى ليه؟ أنا فضلت مستنيكي فوق، وأبويا كان هيروح مننا!”
بصيت له بكل برود.. النظرة دي عمري ما نظرتها له قبل كده.. قولت له:
”أبوك؟ الحاج جابر اللي كان قاعد بيقشر تفاح وبياكل بفوق مليان ويضحك مع كريم؟ ولا أبوك اللي قال عليا أغبى من دبة؟”
وش رامي جاب ألوان.. الدم هرب من عروقه، وبدأ يتلعثم:
”إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟ إنتي أكيد فاهمة غلط.. أبويا كان تعبان بجد.. وإحنا..”
قاطعته وأنا بقفل سستة الشنطة وبشيلها على كتفي:
”أنا سمعت كل كلمة يا رامي.. سمعتك وأنت بتقول إنك هتخليني أمضي على رهن البيت عشان تاخد تلاتة مليون جنيه وتديهم لشركتك.. وسمعت أخوك وهو بيحييك على دور الممثل القدير اللي عشته عليا خمس سنين من يوم فرحنا.. خمس سنين وأنا نايمة جنب عقرب”.
حاول يقرب مني ويمسك إيدي وهو بيحلف:
”والله العظيم كلام وبيهزروا.. إحنا كنا بنهزر.. أنتي عارفة كريم دمه تقيل وبيهزر في أي وقت.. والفلوس.. الفلوس محولتيهاش ليه؟ البنك كلمني وقالي الحسابات واقفة!”
ضحكت بمرارة وقولت له:
”الحسابات مش واقفة وبس.. الحسابات اتجمدت، والفيز اتلغت.. والشركة اللي باسمي؟ أنا الصبح هقدم طلب تصفية ووقف نشاط.. يعني من الآخر كده، المولد انفض، ومفيش مليم واحد هتشوفوه.. والبيت اللي كنت عايز ترهنه؟ أنا هقعد فيه من النهاردة، وأعلى ما في خيلكم اركبوه”.
رامي وشه اتحول.. الطيبة والملايكة اللي كانت في وشه اتمسحت، وظهر الوش الحقيقي القبيح.. زعق وقالي:
”أنتي فاكرة نفسك هتعرفي تعملي حاجة؟ أنتي المالك القانوني للشركة، يعني لو في مليم مديونية أنتي اللي هتتحبسي!”
بصيت له وقولت:
”المحامي بتاعي زمانه بيراجع كل الدفاتر دلوقتي.. والورق اللي معايا يثبت إنك كنت بتدير وبتمضي بالنيابة عني في حاجات كتير بدون تفويض رسمي.. يعني التزوير لبسك أنت وأخوك.. أشوف وشك بخير يا.. يا جوزي العزيز”.
سبته واقف في وسط الصالة مشلول مش عارف يعمل إيه.. ونزلت.. ركبت عربيتي ومشيت وأنا حاسة بوجع في قلبي اه، بس حاسة بانتصار وفوقان.. خمس سنين راحوا، بس الحمد لله إنهم مكنوش العمر كله.. واللعب من هنا ورايح هيبقى بالقانون وبس.
يتبع
جوزي كلمني 2 حكايات صافي هاني
أول ما رجلي خطت برة باب العمارة، حسيت إن الهوا اللي داخل صدري بقاله خمس سنين كان مغشوش، والنهاردة بس بدأت أتنفس بجد. الساعة كانت دخلت على 5 الصبح، والنور بدأ يشقشق في شوارع القاهرة.. الشوارع اللي كانت شاهدة على غبائي وطيبتي، والنهاردة شاهدة على فووقاني.
طول الطريق وأنا سايقة، تليفوني مفرصلش رن.. رامي، كريم، وحتى تليفون الحاج جابر اللي المفروض إنه “في الرعاية المركزة”! مديتش لأي حد فيهم فرصة، وعملت خطوة “بلوك” جماعي لكل العيلة.. ما عدا رقم واحد بس.. الست مديحة.
وصلت بيت أبويا.. البيت القديم اللي ريحته كلها أمان. دخلت، رميت الشنطة على الأرض، وقعدت على الكنبة.. منمتش، ومجاليش نوم أصلاً.. عقلي كان شغال زي الآلة الحاسبة، برتب خطواتي ومستنية الساعة تيجي 9 الصبح عشان أتحرك.
أول ما الساعة دقت 9، كنت واقفة قدام مكتب الأستاذ فريد، محامي أبويا الله يرحمه.. الراجل اللي كان دايماً يقولي: “يا بنتي جوزك ده داخل على طمع، بلاش تكتبي الشغل باسمك وتديريه بالتوكيل ده”.. وأنا كنت بقوله: “عيب يا متر، ده رامي، ده حتة مني”.
دخلت عليه، وبدون مقدمات رميت كل العقود والورق على مكتبه وقولتله بنبرة هادية بس ناشفة:
”أنا فوقت يا متر.. وعايزاك تجيبلي حقي وحق أبويا من تحت ضرسهم”.
الأستاذ فريد نظارته نزلت على أرنبة مناخيره، وبص للورق وابتسم ابتسامة هادية وقالي:
”الحمد لله على السلامة يا بنتي.. قوليلي بقى، ناوية على إيه؟”
”عايزة أرفع قض..ية طلاق للضرر، وأعمل إثبات حالة تزوير في دفاتر الشركة.. رامي كان بيمضي مكاني على شيكات وسحوبات تانية بدون علمي مستغل التوكيل العام اللي لغيته من البنك الصبح.. وعايزة أضمن إن الشيك المقبول الدفع اللي عملته للمستشفى لعلاج حماتي يوصل لإدارة الحسابات هناك مباشرة، بدون ما يلمسوا مليم منه”.
المتر فريد فرك إيديه وقال:
”من ناحية المستشفى، هبعت مندوب من عندي يخلص الإجراءات ويثبت التحويل باسم الست مديحة لعلاجها الكيماوي يوم الإثنين.. ومن ناحية رامي وعيلته؟ فالورق ده فيه بلاوي توديهم ورا الشمس.. رامي سحب مبالغ من وراكي ووداها لحساب أخوه كريم عشان يهربوا الأرباح.. دي قض..ية خيانة أمانة وتزوير واضحة زي الشمس”.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الحمل بدأ يخف.. بس الحكاية مخلصتش هنا.
يوم السبت بالليل، لقيت رقم غريب بيتصل بيا.. فتحت الخط ومجرد ما سمعت النفَس عرفت إنه رامي.. صوته كان متدمر، مابقاش فيه نبرة الثقة والبرود بتاعت زمان.. صوته كان صوت واحد غرقان وبيطلع في الروح:
”أرجوكي يا ميجا.. اسمعيني بس.. إحنا هنتخرب بيتنا.. البنك حجز على أرصدة الشركة بسبب البلاغ اللي عملتيه، وفي شيكات للموردين هتترد بكرة والأمن هيقبض عليا وعلى كريم.. بلاش تخربي بيتنا عشان كلمتين اتقالوا في لحظة غضب!”
رديت عليه بمنتهى البرود:
”لحظة غضب؟ خمس سنين تمثيل ورهان على بيتي وشقايا كانت لحظة غضب؟ خمس سنين وأنت بتخطط إزاي ترميني في الشارع بعد ما تمص دمي أنت وأبوك وأخوك؟.. رامي، أنا مش هتنازل عن مليم.. والشيكات اللي هتترد دي؟ البسها أنت وأخوك.. عشان تعرفوا بس قيمة الغبية اللي كنتوا بتضحكوا عليها”.
”طب وأمي؟” صوته اتهز وبدأ يعيط بجد: “أمي هتموت يا ميجا.. الكيماوي بتاعها يوم الإثنين والمستشفى بلغتني إن الحساب متجمد ومش هتدخل الجلسة.. هتموتيها بذنبنا؟”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت جسمه يقشعر من ورا السلك:
”أمك؟ الست مديحة اللي كانت عارفة بكل ألاعيبكم وساكتة؟ اللي كانت بتاكل معايا في طبق واحد وهي عارفة إنكم هتفلسوني وتطردوني؟.. متقلقش عليها يا رامي.. أنا أصلح منكم.. تمن الجلسة اتحول للمستشفى باسمها من الصبح.. يعني علاجها هيشتغل، بس أنت وأبوك وأخوك اللي هتتحبسوا.. أنا وفيت بملح وعيش الست اللي حذرتني في المطبخ، أما أنتوا؟ فحسابكم معايا في المحاكم”.
قفلت السكة في وشه.. وبلوك تاني للرقم الجديد.
يوم الإثنين الصبح، كنت واقفة بعيد في ممر المستشفى.. شوفت المندوب بتاع المحامي وهو بيسلم إيصال الدفع لإدارة المستشفى.. وشوفت الست مديحة وهي داخلة أوضة الكيماوي على كرسي متحرك، ملامحها كانت دبلانة ومكسورة.. بصت حواليها في الممر كأنها بتدور عليا.. كانت عارفة إن الفلوس دي مش من جوزها ولا من ابنها اللي حساباتهم اتجمدت.. كانت عارفة إنها مني أنا.
لمحتني واقفة في آخر الطرقة.. عيني جت في عينها.. مروحتش سلمت عليها ولا عاتبتها.. يادوب هزيت راسي ليها هزة وداع.. الست دي رغم إنها حذرتني، بس سكوتهما كان جزء من الجري..مة.. وأنا عملت بأصلي ودفعتلها تمن العلاج عشان الضمير اللي جوايا يفضل مرتاح، وعشان أثبت لنفسي وليهم إن طيبتي مكنتش غباء.. كانت أصل، ولما قررت أقطع.. قطعت برقبتهم كلهم.
لفيت ضهري ومشيت برة المستشفى وأنا ببتسم.. بكرة أول جلسة في قض..ية الطلاق، والشرطة بدأت تتحرك لبلاغ التزوير ضد رامي وكريم.. اللعبة انتهت، والضحية القديمة هي اللي بتكتب السطر الأخير دلوقتي وبإيدها هي.
يوم الثلاثاء الصبح، تليفوني رن.. المرة دي كان الأستاذ فريد المحامي. أول ما فتحت الخط قالي بنبرة فيها زهوة انتصار:
”مبروك يا ميجا.. رامي وكريم اتقبض عليهم النهاردة الصبح من مقر الشركة.. الموردين رفعوا قضايا بالشيكات اللي اتمضت من وراكي، ومحضر التزوير اللي عملناه اتفحص وخلاهم في خانة اليك.. هما دلوقتي في النيابة بيتحقق معاهم بتهمة التزوير والنصب وخيانة الأمانة”.
النفس اللي طلع من صدري ساعتها كان فيه راحة مكنتش حساها من سنين.. حسيت إن كابوس خمس سنين انزاح عن كتافي في ثانية.
بعدها بكام ساعة، وأنا قاعدة في بيت أبويا برتب أوراقي وحياتي الجديدة، لقيت رسالة جاية لي على الواتساب من رقم الست مديحة.. فتحتها وأنا قلبي مقبوض سنة، بس مكنتش خايفة. الرسالة كانت تسجيل صوتي.
دوست تشغيل.. طلع صوتها، كان واطي وتعبان جداً من أثر جلسة الكيماوي، وكمان كان مخنوق بالعياط:
”أنا عارفة يا بنتي إنك شفتيني في المستشفى، وعارفة إن الفلوس اللي اتدفعت دي من شقاكي إنتي.. وعارفة إن مفيش كلام في الدنيا يغفر لي سكوتي.. أنا كنت بشوفهم بيخططوا وكنت بموت في جِلدي.. جابر ورامي مكنوش هيسموا عليا لو اتكلمت، كانوا هيرموني في الشارع وأنا بالمرض ده.. أنا خوفت يا ميجا، خوفت وجبُنت.. بس والله العظيم كنت بحبك زي بنتي.. أنا مش طالبة منك تسامحيني، أنا بس بدعيلك ربنا ينصرك ويعوضك عن كل ليلة كدب عشتيها وسطنا.. وإنتي طلعتي بمليون راجل وعملتي بأصلك اللي هما ميعرفوش عنه حاجة”.
قعدت باصة للتليفون والدموع نزلت من عيني.. المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع شفق لست عاشت عمرها كله جارية ومحكومة من ناس معندهاش ريحة الدم.. مسحت دموعي ومردتش على الرسالة.. قفلت المحادثة وعملت أرشيف.. الست دي أخذت حقها الإنساني مني، وعلاجها كمل، بس وجودها في حياتي انتهى تماماً مع نهاية عيلتها.
فاتت شهور.. والمحاكم دارت دورتها السريعة لأن الورق كان مقفول صح والمتر فريد مسبش ثغرة.
جبت حكم الطلاق للضرر، ورامي وكريم أخدوا حكم حبس سنتين مع الشغل والنفاذ في قض..ية التزوير والنصب، والشركة صفيناها تماماً وسددت كل المديونيات الحقيقية اللي عليها وفضل معايا قرشين بدأت بيهم مشروع صغير لوحدي ولنفسي.
حتى الحاج جابر.. الوش التاني اللي كان بيقشر تفاح ويضحك.. البيت اللي كانوا طمعانين فيه وبيمضوا رامي على عقود رهن عشانه؟ اضطر يبيعه ويبيع كل اللي وراه واللي قدامه عشان يسدد ديون ابنه وكريم ويدفع كفالات ومصاريف محامين، وطلعوا من المولد بلا حمص.. وفي الآخر قعدوا في شقة إيجار قانون جديد على قد حالهم.
النهاردة، وأنا واقفة في بلكونة بيت أبويا، وبشرب قهوتي وببص على الشارع.. افتكرت جملة الست مديحة: “دايماً شيلي قرش لزمنك يا بنتي”.. وابتسمت.
الزمن مكنش القرش والشهادة اللي في البنك بس.. الزمن كان الفوقان.. كان إن الست تآمن بنفسها ومترميش كل ورقها في حضن حد لمجرد كلمة حلوة أو تمثيلية حب. أنا خسرت خمس سنين من عمري، صح.. بس كسبت نفسي، وكسبت عمري كله اللي جاي.. وعرفت إن اللي يغلط في حقي ملوش عندي غير الوش التاني، والوش ده مبيسميش.
جوزي كلمني 3 حكايات صافي هاني
بعد ما كل حاجة هديت، والمحاكم قالت كلمتها، والورق اتقفل والكل أخد نصيبه، رجعت أركز في حياتي أنا وبس.
فتحت مشروعي الصغير، مكتب استشارات وتخليص أوراق قانونية وتجارية – سبحان الله، الخبرة والقرصة اللي أخدتها في شركتي القديمة خلتني حافظة كل ثغرة في السوق ومبقتش هفية ولا حد يعرف يضحك عليا بكلمة. المكتب بدأ يكبر، وبقيت أنا “الست ميجا” اللي السوق كله بيعملها ألف حساب.. الست اللي مفيش ورقة تعدي من تحت إيدها إلا وتفليها كلمة كلمة.
في يوم، وأنا قاعدة في مكتبي وبراجع ميزانية الشهر، دخل عليا المتر فريد وهو شايل ملف صغير في إيده وعلى وشه ابتسامة هادية:
”مساء الخير يا بشمهندسة.. جالي تليفون النهاردة من محامي جابر المنشاوي (حمايا القديم)”.
رفعت عيني من على اللابتوب وسندت ضهري لورا وقولتله برقة وبدون اهتمام:
”خير يا متر؟ هما لسه فيهم نفس يطلبوا حاجة؟ ده رامي وأخوه زمانهم بيقضوا آخر كام شهر ليهم في الحبس”.
المتر فريد قعد وحط الملف على المكتب وقال:
”الحاج جابر باع كل اللي يملكه عشان يسدد باقي الديون والتعويضات اللي حكمت بيها المحكمة ليكي وللموردين.. وجايين دلوقتي يعرضوا عليكي تصالح في القض..ية المدنية الباقية عشان رامي لما يخرج ميتسجنش تاني في قض..ية وصل الأمانة التاني.. وطالبين سماحك، والراجل بيقولك إحنا بقينا على الحديدة، وأمه مديحة حالتها الصحية بتدهور والكيماوي مبقاش جايب نتيحة كبيرة، ونفسها تشوف ابنها برة السجن قبل ما تقابل وجه كريم”.
سكتت شوية.. وبصيت من شباك مكتبي على حركة العربيات في الشارع. افتكرت الليلة دي.. ليلة نص الليل، والعياط الكداب، والتفاح اللي كان مالي بوق حمايا وهو بيضحك ويقول “أغبى من دبة”.. وافتكرت صوت الست مديحة وهي بتقولي “شيلي قرش لزمنك”.
لفيت كرسي وبصيت للمتر فريد وقولتله بنبرة حاسمة مفيهاش تراجع:
”التصالح مرفوض يا متر.. والوصول اللي معايا هاخد بيها أحكام تانية لو خرجوا.. اللي يغلط يدفع تمن غلطته لآخر قرش ولآخر يوم.. هما ميرموش نفسهم في النار ويرجعوا يصرخوا من نارها.. أما بالنسبة للست مديحة.. فربنا يتولاها برحمته، أنا عملت بأصلي معاها في أول الجلسات وسددت من مالي الخاص، لكن دلوقتي هما اللي حصدوا اللي زرعوه”.
الأستاذ فريد هز رأسه بتقدير وقفل الملف:
”كنت عارف إنك هتقولي كده.. وده الصح.. اللي يرحم العقرب بيلدغه تاني”.
خرج المحامي، وأنا قمت وقفت قدام المراية اللي في مكتبي.. بصيت لملامحي.. مابقتش البنت الغلبانة اللي عنيها مكسورة وبتصدق أي كلمتين حب.. بقيت ست قوية، ملامحها مرسومة بالثقة والأمان اللي صنعته بنفسي ولنفسي.
خمس سنين كدب علموني إني مأمنش لأي وش ملايكة، وعلموني إن الحب الحقيقي مش كلام ووعود، الحب أفعال وأمان.. والأمان ده أنا اللي ببنيه لنفسي الأول.
قفلت نور المكتب، وأخدت مفاتيح عربيتي وشنطتي، ونزلت والشمس بتغيب.. مشيت وأنا عارفة إن صفحتي معاهم اتقفلت بالضبة والمفتاح.. والنهاردة بس، بدأت قصة ميجا الجديدة.. الست اللي ملهاش لوي دراع، واللي مبتقعش تاني أبداً.
مرت سنتين كمان.. الشهور جريت والزمن مبيقفش عند زعل حد.
في يوم عادي جداً وأنا بتابع شغل جديد في المكتب، جالي إشعار على الفيسبوك.. صفحة وفيات المنطقة اللي كان فيها بيتهم القديم. الست مديحة توفت.
وقفت للحظة، وبصيت للصورة الكبيرة اللي متعلقة ورا مكتبي لأبويا الله يرحمه. محستش بشماتة، ولا حسيت بوجع.. حسيت بسلام غريب. ربنا يرحمها برحمته الواسعة، أفضت إلى ما قدمت.. وأنا تبرأت ذمتي قدام ربنا من ناحيتها في وقت شدتها، والباقي كان حسابها مع رب العباد.
بعد الوفاة بأسبوع، عرفت من المتر فريد إن رامي وكريم خرجوا من السجن.. خرجوا مكسورين، ملهمش هيبة ولا ليهم عين يحطوها في عين حد في المنطقة.. رامي حاول يبعتلي كذا رسالة مع معارف قدام، يطلب بس إنه يقابلني لدقايق، يقول كلمة اعتذار أو يطلب سماح.. بس أنا كنت أخدت قراري من زمان: “اللي يخرج من حياتي بالرخيض، ميرجعش ليها ولو بكنوز الدنيا”. مديتلوش الفرصة ولا ردّيت، ومسحت كل الأرقام والوسايط.
النهاردة، وأنا بقفل ميزانية السنة الجديدة لمكتبي، وبمضي على عقود توسيع الشغل وبداية فرع جديد.. بصيت على إيدي، مكنش فيها دبلة، بس كان فيها قلم بيمضي على نجاحي وأماني ومستقبلي.. الأمان اللي مفيش راجل في الدنيا يقدر يهدده أو يساومني عليه تاني.
قمت وقفت في البلكونة، شوفت الشمس وهي طالعة بتنور يوم جديد.. يوم ملكي أنا وبس.
خمس سنين عشتهم في غفلة، بس السنتين اللي بعدهم عوضوني عن عمري كله.. اتعلمت فيهم إن الطيبة من غير أنياب بتبقى غباء، وإن الست لما تآمن بنفسها وبتعبها وبقرشها، مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرها..
أنا “ميجا”.. البنت اللي كان الكل فاكرها صيد سهل وأغبى من دبة، والنهاردة أنا الست اللي كتبت سطر النهاية في حياة كل اللي خانوها، وبدأت كتابها الجديد.. وبخط إيدها هي.


تعليقات
إرسال تعليق