مرتب مراتي كامله وحصريه
مرتب مراتي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
أنا اسمي سلمى… موظفة في شركة حكومية، وعندي تلات أولاد زي الورد، وكل واحد فيهم قطعة غالية من قلبي وروحي، هما دنيتي وكل اللي طلعت بيه من الدنيا. ومن أول يوم دبلتي دخلت فيه بيت جوزي، وأنا شايلة البيت ده والمسؤولية كلها فوق كتافي لوحدي، بحاول بكل طاقتي وجهدي وما بخلتش بثانية واحدة إن ما أخليش أي حاجة ناقصة في البيت، لا على جوزي حسام اللي كنت فاكراه سندي، ولا على عيالي الغاليين، ولا على طلبات البيت نفسه اللي مابتخلصش.
كنت بصحى من النجمة، قبل الفجر بأوقات طويلة، والدنيا لسه ساكتة وضلمة والناس كلها نايمة في سريرها مرتاحة، وأبدأ يومي وأنا حاسة من جوايا إني داخلة معركة جديدة وطاحنة. كنت لازم أنظم الوقت بالدقيقة والثانية عشان المركب تمشي…
أجهز نفسي بسرعة للشغل ولبسي، وأصحي الأولاد واحد واحد وألبسهم وأجهزهم للمدرسة والحضانة، وأراجع طلباتهم وشنطهم، وأدخل المطبخ على السريع أسيب أكل مطبوخ أو جاهز على التسخين، وأدي التعليمات للكل، وأجري في الشارع عشان ألحق المواصلات وأوصل شغلي في معادي.
أرجع آخر النهار بعد الظهر وجسمي مهدود حرفياً من التعب والوقفة، لكن مفيش في قاموسي وقت للراحة أو الأنتخة. أدخل من باب الشقة جري على المطبخ، أطبخ لقمة سخنة، وألم اللي متبهدل، وأرتب الصالة، وأقعد أذاكر للعيال وأتابع دروسهم، وأراجع لبس بكرة المكوي والمغسول، وأشوف ناقصنا إيه من السوق،
وأفضل ألف في الساقية دي وأكمل لحد ما اليوم يخلص وأرمي جسمي على السرير كأني قتيلة. كان عندي ست طيبة بتساعدني في شغل البيت وتيجي لي مرة في الأسبوع، لكن حتى مع وجودها ومساعدتها ليا، الحمل والمسؤولية كانوا كبار وتقال أوي على ضهري؛ لأن في تفاصيل وحاجات كتير في تربية العيال والبيت ما حدش يقدر يشيلها أو يحس بيها غير الأم.
صح… كنت بتعب تعب يهد جبال. وكان الإرهاق ساعات يوصل لعظمي وأحس بنغزات في ضهري من كتر الشقا. لكن عمري ما اشتكيت، ولا فتحت بقي بكلمة، ولا حسست حد في البيت إني تعبانة أو جاية على نفسي. كنت دايمًا أصبر نفسي وأقول: الست الشاطرة الأصيلة هي اللي تعرف توازن بين شغلها وبيتها، وتستحمل المرار، وتلم الدنيا حواليها وتحافظ على جوزها وعيالها.
لكن اللي ما كنتش أعرفه ولا يخطري على بال… إن جوزي كان شايف كل التضحية والصبر ده ضعف وقلة حيلة مني، مش قوة وشطارة ست بدم بقلبها. كان اسمه حسام… راجل طول عمره أناني، عايش لنفسه و لمزاجه وبس. ما حسيتش معاه يوم واحد إنه شايل مسؤولية بيت،
ولا حاسس إن وراه أسرة وعيال لحم ودم رقبة منه. طول الوقت برا البيت وقاعد في الشارع. قعدات على القهاوي، سهرات لحد وش الفجر، صحاب وخروجات وسفر، ومزاجه وكيفه أولى عنده من أي حد ومن عياله.
يرجع آخر الليل وأنا خلاص نايمة ومغمضة عيني من التعب الشديد، لأن عندي صحيان وشغل الصبح بدري. يدخل ينام ويغط في النوم لحد العصر، يصحى على الجاهز ياكل ويشرب، يبدل هدومه بقميص مكوي، وينزل تاني يسهر. وده كان نظامه وطبعه اللي عايش بيه سنين وسنين معايا.
أما أنا بقا… فكنت بجري في ساقية مابتوقفش وماب ترحمش. أكون راجعة من الشغل، عرقانة وهدومي عليها تراب اليوم والمواصلات، وكتافي شايلة تعب البيت وهم العيال، ولسه يادوب داخلة من الباب وبقول يا فتاح يا عليم وبحاول ألم نفسي وآخد نفسي، ألاقيه قاعد مستنيني في الصالة على الكنبة، حاطط رجله فوق رجل بمنتهى البرود، وماسك الموبايل في إيده بيلعب فيه، كأنه مش مستني مراته وشريكة حياته، لأ.. ده كأنه مستني موظف القبض والخزنة اللي هتدفع له!
يرفع عينه ليا بنظرة ناشفة، ويقول بكل برود وجفاء:
— “هاتي المرتب.”
أقف في مكاني متنحة وأبص له ثانية، وأقول بصوت هادي وميت من كتر التعب:
— “السلام عليكم الأول يا حسام.”
يرد عليا من غير ما يرمش ومن غير ما يبص في وشي حتى:
— “وعليكم السلام… هاتي الفلوس يلا مخلصاش.”
أفتح الشنطة بقلب مكسور، وأطلع ظرف المرتب، وإيدي كانت بـترتعش من جوايا من قلة التقدير. أقول له بنبرة رجاء:
— “سيبلي بس جزء صغير منه النهاردة… العيال ناقصهم لبس للشتا، والمدرسة طالبة مصاريف وأنشطة مستعجلة، وأنا نفسي محتاجة أجيب دوا للصداع والضغط بتاعي.”
يبصلي بضيق وزهق كأني بشحت منه، ويضحك الضحكة الصفرا البايخة اللي كانت دايماً تكسرني وتصغرني قدام نفسي ويقول:
— “هو أنا هاخدهم أصرفهم في قمار ولا على النسوان؟ أنا راجل البيت هنا، وأنا أدرى بالمصلحة وبتدبير الأمور.”
أقول بصوت واطي ومخنوق بالدموع:
— “أنا بس بسألك بالراحة… الفلوس دي كلها بتروح فين والبيت دايماً ناقصه حاجات؟”
يقف فجأة من على الكنبة زي الملسوع، ويزعق ويوجه صباعه في وشي:
— “إنتي هتحققي معايا ولا إيه؟ هو أنا حرامي في بيتي؟ ما تبطليش بقى شغل الستات واللوى والنكد ده!”
أسكت وأكتم في نفسي… لأن أي كلمة تانية كنت هقولها بعدها كانت بتولع خناقة كبيرة ملهاش آخر والعيال تتفزع. يمد إيده بكل جشع وياخد ظرف المرتب كله من إيدي، يقعد يعده قدامي ورقة ورقة، ويحط نصه في جيبه، والنص الباقي يبص له شوية ويفكر، وبعدها يمد إيده وياخده هو كمان ويحطه في جيبه التاني!
أقول وأنا العبرة خانقاني ودموعي محبوسة:
— “طب وأنا وعيالي؟ هنعمل إيه طول الشهر؟”
يرد عليا وهو بيلبس جزمته ومتجه لباب الشقة عشان ينزل لأصحابه:
— “إنتِ أكلِك وشربِك متوفر في البيت وموجود… عايزة إيه تاني؟ بلاش طمع.”
وأفضل واقفة مكاني في نص الصالة، ماسكة الشنطة الفاضية بإيد تترعش، وحاسة من جوايا بقهر وكسرة نفس، حاسة إني أنا اللي اتنهبت واتسرقت في كرامتي… مش مجرد المرتب اللي ضاع.
بعدها بأيام قليلة، أكون لسه خارجة من تعب وهم الولادة، جسمي كله مهدود وموجوع والوجع في عضمي، والطفل الصغير لسه بيعيط ومش بيسكت، واثنين غيره من العيال الكبار بيلعبوا ويتخانقوا ويصرخوا في الصالة، وأنا يادوب بلم في نفسي وبحاول أقف على رجلي. يدخل عليا الأوضة بكل برود، ويقول بنبرة عادية كأنه بيطلب كباية شاي أو حاجة ساقعة:
— “عايزين نشد حيلنا ونجيب العيل الرابع بسرعة.”
أرفع عيني له بذهول وصدمة ومش مصدقة وداني:
— “رابع؟ رابع إزاي يا حسام! أنا لسه قايمة من ولادة وتعبانة وجسمي منمل وعروقي مفتوحة!”
يقول بحدة وعصبية ويربع إيده:
— “يعني إيه مش قادرة؟ العيال عزوة وسند في الدنيا… وبعدين إنتِ لسه صغيرة وصحتك تجيب، متدلعِش.”
أقول وأنا دموعي نزلت خلاص على طرف عيني ومش قادرة أكتمها:
— “أنا تعبانة بجد وشقيانة… جسمي مش قادر يشيل حمل وولادة وسهر تاني دلوقتي.”
يقرب مني بخطوات ثقيلة، وصوته يبقى ناشف زي الحجر ويقول:
— “ما تجيبيش سيرة تعب دي على لسانك تاني. كل الستات بتولد وبتربي ومحدش بيشتكي.”
أهمس بصوت مجروح:
— “خليني بس أرتاح شوية، أخد نفسي والصغير ده يكبر حبة.”
يضرب بكفه بكل قوته على الترابيزة اللي جمب السرير لحد ما الحاجات اتهزت وزعق:
— “مافيش أي مانع حمل يدخل البيت ده ولا أشوفه، فاهمة ولا مش فاهمة؟”
أسكت تاني وأكتم قهرتي جوة قلبي. لأن الاعتراض والكلام معاه كان في نظره جري..مة وقلة أدب، والتعب والوجع الحقيقي عندي كان بيشوفه دلع ستات وفراغة عين.
وفي ليلة كئيبة من ليالي الشتا، دخلت الحمام وقفلت الباب، ووقفت أبص لنفسي بتركيز في المراية. لقيت وش شاحب زي الليمونة… عينين مطفية مفيهاش أي لمعة فرحة… شعر متبهدل ومقصف من الإهمال… وواحدة ست عجوزة واقفة قدامي في المراية أنا نفسي ما أعرفهاش ولا تشبهلي في حاجة. سألت نفسي همسًا وبكسرة:
— “إنتِ مين؟ فين سلمى الشابة الفرفوشة؟”
ومن جوه قلبي ومن وسط كسرتي جالي الرد الواضح:
— “أنا الست الغبية اللي بتصرف… وتتعب… وتتشقى… وتتسرق وتتنهب كل يوم باسم الجواز والستر.”
ولما كنت بفيض بيا الكيل وأروح لبيت أمي وأقعد معاها وأحكي لها بنص كلمة ومن ورا القناع عن اللي بيحصلي، كانت تطبطب عليا وتمسح على كتافي وتقول بكلام زمان:
— “استحملي يا بنتي واشتري خاطره… جوزك هو جنتك ونارك، والست ملهاش غير بيت جوزها.”
أسمع كلامها وأرجع بيتي ساكتة وقافلة بقي. وأقول لنفسي وأصبر روحي بالأوهام:
— “أكيد بكرة هيحس… أكيد بكرة هيتغير ويبقى حنين علينا.”
لكن بكرة ده كان كل يوم بييجي ويمر عليا… بيبقى أسوأ وأعنف من اليوم اللي قبله. طول سنين جوازنا والمراد ده، ما كانش يقول لي كلمة حلوة واحدة أو يبتسم في وشي إلا لو كان ورا الابتسامة دي طلب ومصلحة. ولو طلب فلوس أو قرشين، لازم أدي ومفيش نقاش. ولو القرشين اللي معاه في جيبه خلصوا على قعداته، ييجي يمد إيده وياخد من مرتبي وشقايا بالعاطل. ولو آخر الشهر جه والقبض نزل، يمد إيده في نص المرتب أو أكتر وياخده، وأنا العبيطة كنت بصدق كلامه وملاعيبه. كنت بديه الفلوس وأنا مطمنة ونيتي بيضا.
فاكرة ومستمنية إنه بيحوشهم لينا في البنك. بيخطط لمستقبل عيالنا. بيفكر في بيت أكبر وأوسع يلمنا، أو بيعمل شهادة استثمار تـأمن العيال، أو بيشيل قرش أمان وزمن لينا لو جرالنا حاجة.
لكن الحقيقة والواقع كانوا مرين وصدمة تفوق. كان بياخد تعبي وشقايا وعرقي…
ويصرفه بالطول والعرض على نفسه وعلى لبسه ومزاجه وسهراته وسجائره وصحابه. والأصعب من كل ده وكسرة النفس، إنه كان قاصد وعايز يفضل دايماً كاتم على نفسي وماسكني من إيدي اللي بتوجعني عشان ما أرفعش راسي. كل ما أولد وأقول هشم نفسي، يضغط عليا بالخناق والزعق عشان أخلف تاني وتاني. يرفض رفض قاطع أي وسيلة أو حبوب تمنع الحمل. يزعق، يهدد بالطلاق، يحلف باليمين… المهم في نظره وفكرته إني أفضل طول الوقت مشغولة، عيلة في إيدي وعيلة في بطني، تايهة، مشوشة، وغرقانة في الطلبات ومسؤليتهم ومبقاش فاضية أفكر في حالي أو في فلوسي اللي بياخدها.
تلات أولاد ورا بعض زي القطار مفيش بينهم فواصل. حمل، وتعب جسم، وولادة وفتح بطن، ورضاعة وسهر طول الليل، وتعب وتربية ليل نهار، وأنا فوق كل ده ست عاملة وموظفة بنزل كل يوم الصبح. كنت ساعات من كتر الإجهاد أقف أبص لنفسي في المراية ومابقاش عارفة ملامحي. وش مرهق وتعبان، عينين باهتين ومحوقين بسواد، وجسم منهك وناحل من الشقا. وهو؟ ولا كأنه شايف ولا كأن في ست عايشة معاه في البيت وبتموت بالبطيء. حتى احتياجات وجزم ولبس الأولاد، أغلبها ومصاريفها عليا أنا ومن شقايا. مصروفهم اليومي، لبس العيد، علاجهم ودكاترتهم لما يتعبوا، مصاريف مدارسهم وكتبهم، كل حاجة شايلاها فوق دماغي.
دلوقتي لما بقعد مع نفسي وبفتكر الأيام دي، بستغرب أوي وبقول: أنا استحملت وعشت العذاب ده كله إزاي وجبت الطاقة دي منين؟ يمكن لأني من صغري اتربيت واتغذيت على فكرة وعادات غلط. أمي، الله يرحمها ويحسن إليها، كانت ست طيبة وعلى نياتها وقلبها أبيض زي التيل، لكن كانت دايمًا تقولي الوصية دي: “الزوج يا بنتي جنة ونار… ارضيه واكتمي سرك تعيشي مستورة”. وكانت فاكرة ومفتكرة إن كل الرجالة صنف واحد وزي أبويا الله يرحمه، راجل محترم، شهم، شايل بيته على راسه، حنين، وبيخاف ربنا في مراته وعياله وميظلمش. فكنت بسمع كلامها وبنفذه حرفياً بالحرف. وأدي من صحتي ومالي. وأتنازل عن حقوقي كلها. وأقول بكرة يتعدل ويتغير حاله.
لكن الراجل اللي كان قدامي ومتجوزاه ما كانش يستاهل ربع التضحية دي ولا يثمر فيه معروف. حسام فهم طيبتي وسكوتي وضعي، وفهم صبري وتحملي للمرار غباء وقلة حيلة مني.
واستغل حبي الكبير وخوفي لعيالي أبشع وأقذر استغلال ممكن راجل يعمله. كان عارف ومطمن إني بموت فيهم ومقدرش أستغنى عنهم ثانية واحدة. وإني أهون على نفسي وأتحمل الذل والضرب وكل حاجة عشان خاطرهم وميتبهدلوش في المحاكم. فعشان كده، كان حاطط في بطنه بطيخة صيفي ومطمن أوي إني مش همشي وأسيب البيت ولا هرفع صوتي. خلاني بأسلوبه مقطوعة عن الدنيا وعن أهلي وعن كل الناس.
عيالي صغيرين ورا بعض وسنهم متقارب، وصوتهم عالي في الشقة، وحركتهم كتير وطلباتهم مبتخلصش ومابتنتهيش. وأنا لوحدي، بطولي، بطحن في كل الصخر ده ومن غير سند.
حتى لما كان بيجي عليا وقت وبكون مخنوقة أوي ونفسي بس أخرج أتنفس هوا نضيف، أو أروح أزور أهلي وأقعد معاهم شوية أفك عن نفسي، أو حتى أغير جو في أي مكان قريب… كان بيرفض علطول ويقفلها في وشي. ولما كنت أقوله طب هاخد الست اللي بتساعدني في شغل البيت معايا عشان تشيل عني العيال برة وأعرف أتحرك، ما يرضاش أبداً ويقولي بلاش مَصاريف فارغة، ولا يرضى ييجي هو معانا ويخرجنا، ولا حتى كان يسهّل عليا بأي طريقة ويشيل عني عيل وهو قاعد. ولو غلبت معاه ووافِق إني أروح أقعد عند أهلي كام يوم في الصيف،
كان ياخدني يرميني هناك بالشهور ويفضل هو قاعد في الشقة لوحده بطوله. لا يسأل بالتليفون يطمن علينا، ولا ييجي يزورنا، ولا حتى يفكر يبعت مصروف للعيال وأكلهم وشربهم طول فترة غيابه. ومع كل الجفاء والمرار ده… أول ما أول الشهر ييجي والمرتب بتاعي ينزل في الحساب، ألاقيه واقِف فوق دماغي ويمد إيده عليه عشان ياخده. وأرجع أشتكي لأمي وأبكي لها، فـ أسمع منها نفس الكلام القديم: “اديه يا بنتي وماتعمليش مشاكل… ده جوزك وأبو عيالك، وأكيد بيشيل القرش ده وبيعمل حسابكم وحساب الزمن”. وأنا من كتر طيبتي وهبلي كنت بسكت وأصدق.
فضل الحال المايل ده ماشي بيا لحد ما جه اليوم اللي فوقني وضَربني على دماغي وصحاني من الوهم اللي كنت عايشة فيه. في السنة الخامسة من جوازنا، قولت في نفسي أحاول أصلح الأحوال وأقرب المسافات والود اللي مات بيني وبينه، فـ قولتله بنبرة حنينة:
— “إيه رأيك يا حسام لو نسافر يومين تلاتة نغير جو؟ أي حتة مصيف قريبة… نِفرح ونفرح العيال ونفصل شوية من ضغط الشغل، ونرجع زي الأول وأحسن”.
رد عليا ببرود تام ملوش مثيل وهو عينه راشقة في الموبايل ومش معايا أصلاً:
— “معيش فلوس للكلام الفاضي والمصايف ده”.
قلت بسرعة ولهفة وأنا وشي منور وفرحانة بالفكرة إنها ممكن تقربنا:
— “خلاص يا حبيبي، أنا عاملة جمعية كبيرة مع زمايلي في الشغل، وهقبضها الأسبوع اللي جاي… نسافر ونقضي الإجازة بيها ومش هتكلفك مليم”.
رفع عينه وبصلي لأول مرة من زمان، ونظرة الجشع لمعت في عينه وقال:
— “ماشي… خلاص، لما تقبضيها قوليلي”.
فرحت أوي وقتها… فرحت زي طفلة صغيرة هتاخد لعبة جديدة. وأول ما قبضت فلوس الجمعية من الشغل، جيت جري على البيت وحطيت المبلغ كله في إيده وأنا كلي ثقة وأمل. كنت فاكرة ومستمنية إنه هياخد الفلوس ويحجز لنا حتة شيك، أو هيفاجئني بفسحة حلوة، أو على الأقل هيديني إحساس كزوجة وشريكة حياة إن ليها قيمة وتمن عنده.
لكن الأيام عدت ورا بعضها، يوم ورا يوم… والإجازة بتاعتي قربت تخلص تماماً وتضيع عليا، ومفيش أي حاجة حصلت ولا حجز ولا حتى جاب سيرة السفر….تابع للجزء 2
مرتب مراتي ج2
قلبي بدأ يقلق ويوجعني من تصرفاته، فـ روحت وقفت قدامه وسألته بهدوء:
— “هو إحنا هنسافر إمتى يا حسام؟ الإجازة بتخلص”.
رد عليا بعصبية وزعيق كأني بغلط فيه:
— “نسافر فين؟ يعني إيه هنسافر إمتى؟ إنتي هتفضلي تِزني!”
قلت له وأنا مستغربة ومترددة وصوتي واطي:
— “امال فلوس الجمعية الكبيرة اللي اديتهالك عشان السفر… راحت فين؟”
فجأة لقتيه انفجر في وشي زي البركان. قام وقف من على الكنبة، وصوته عِلي في الشقة، ووشه اتقلب وبقى أحمر من الغل، وقال وهو بيزعق ويشوح بإيده:
— “إنتِ كل شوية هتقعدي تقوليلي فلوس فلوس! إنتي إيه مابتشبعيش؟ كفاية وبوسِ إيدك شعر ودقن إني مستحملك ومستحمل قرفك في البيت ده أصلًا!”
وقفت في نص الصالة مصدومة، دموعي اتجمدت في عيني ومش قادرة أنطق. وكمل كلامه وجرحه فيا من غير أي رحمة ولا إنسانية:
— “إنتِ أصلاً مش نافعة كزوجة ولا تملي العين… واحمدي ربنا ليل نهار إني سايبك على ذمتي ومسترك في بيتي وماتطلقتيش لحد دلوقتي!”
الكلام ده نزل على قلبي وعزتي زي السكاكين التلمة اللي بتقطع في حشايا. أنا؟ أنا سلمى اللي شايلة البيت ده كله على كتافي؟ اللي بشتغل الصبح وبالليل، وبصرف من مرتبي على الأكل والشرب واللبس، وبربي تلات عيال، وبسكت على الإهانة والقلة؟ أنا اللي مستحملة قرفه وأنانيته وسهراته السنين دي كلها؟ كنت واقفة ببص في وشّه… ومش قادرة أستوعب ولا أصدق إن ده الراجل اللي ضيعت صحتي وعمري وشبابي وأنا بحاول أرضيه وأشتري خاطره. كان بيتكلم بجحود أعمى كأنه عمره في حياته ما شاف تعبي، ولا قدر دموعي، ولا حس بوجعي، ولا افتكر الحاجات الكتير اللي ضاعت مني ومن كرامتي عشانه وعشان بيته.
في اللحظة دي بالذات… حسيت إن في حاجة كبيرة أوي وغالية اتهدت واتكسرت جوايا ومستحيل تتصلح تاني؛ حاجة اسمها الاحترام، وحاجة اسمها الستر، وحاجة اسمها الوهم اللي كنت متبنجة فيه. ومن ساعتها… عمري ما رجعت سلمى الطيبة بتاعة الأول ولا هأرجع.
بعد اليوم ده، وبعد خناق طويل عريض وشد وجذب ومقاطعة مابتنتهيش، وصلنا لحل وسط يادوب يمشّي المركب؛ إنه ياخد نص المرتب بتاعي بس أول ما أقبضه، ويسيبلي النص التاني للبيت والعيال. وساعتها، من كتر ما كنت ساذجة ومكسورة ومغسولة الدماغ من كلام أمي، كنت بقعد أبرر له وأقول لنفسي: “ماشي مش مهم، هو أكيد بيحافظ على الفلوس وبيشيلها في البنك عشان ما أصرفهاش أنا في أي حاجة تافهة، وإنه راجل وأدرى بمصلحة البيت وبكرة الفلوس دي تنفعنا”. كنت بضحك على نفسي وبصبر روحي بكدبة كدبتها وصدقتها… أو يمكن كنت بحاول ألاقي أي قشة أتعلق بيها عشان أعرف أعيش وأربي عيالي.
فضلنا فترة على الحال المايل ده. مشاكلنا برضه ما كانتش بتخلص ولا بتهدى؛ خناقات على أتفه الأسباب، نكد ليل نهار، تحكم في الرايحة والجاية، وأربع حيطان قافلين عليا وعلى أنفاسي. كان حابسني في البيت ومنعزل عن الدنيا كأني سجينة في معتقل؛ لا خروج مع أصحاب، لا زيارات لقرايب، ولا حتى مخليني أعرف آخد نفسي. لحد ما في يوم، طفح بيا الكيل ومبقتش قادرة أستحمل أكتر من كدة قهر، ورحت اشتكيت وبكيت لأخويا الكبير محمود. محمود كان ساكن في الشارع اللي ورايا، راجل عاقل وموزون ومحترم وصاحب كلمة، وجوزي حسام أصلًا كان بيعمل له ألف حساب ويخاف من هيبته.
أخويا محمود جه البيت وقعد معاه في الصالة واتكلم بهدوء ومن غير زعيق ولا قلة أدب ولا تجريح. بص له وقال له بوضوح:
— “يا حسام، إنت راجل والبيت ده بيتك، وسلمى دي مراتك وأم عيالك، والبيت لازم يبقى فيه سكي..نة وراحة للكل… سيب أختي تروح وتيجي وتزور أهلها وتعيش وتشم الهوا زي باقي خلق الله، بلاش الخنقة دي”.
جوزي حسام قعد ساكت وراسه في الأرض، وما اتجرأش يفتح بقه بسيرة المرتب أو يشتكي من الفلوس قدام أخويا؛ لأن أخويا محمود قالهالِ صريحة وسمّعهاله بأدب:
— “ومرتب سلمى وشقاها في وظيفتها ده حقها الشرعي والقانوني… تديك منه برضاها أو ما تديكش، ده قرارها وحريتها هي ومحدش يشاركها فيه. إياك تجبرها على حاجة مش عايزاها يا حسام”.
أنا شوفت في عينيه في اللحظة دي نظرة رعب وخوف حقيقية. حس وعِرف إن لجام التحكم بدأ يفلت من تحت إيده، وحس إن الست الغلبانة المطواعة اللي عمرها ما فتحت بقها، ولا اشتكت لحد، ولا قالت كلمة “لأ” في وشه… بدأت تصحى وتفوق وتعرف حقها. وأكيد قال بينه وبين نفسه وخاف: “النهارده الست دي قويت وراحت اشتكت لأخوها الكبير… بكرة لو ضغطت عليها أكتر ممكن تروح تشتكيني لأبوها وتعملي فضيحة”. ومن اليوم ده، طبعه اتغير شوية؛ ما بطلش يتحكم طبعاً في الخروج، لكنه بقى أهدى شوية وصوته مبقاش يعلى زي زمان.
بس فضل الصراع المكتوم على المرتب قائم ومولع جواه. هو دايماً عايز ياخد أكتر قدر ممكن من الفلوس ويحلب الشقى بتاعي، وأنا لأول مرة في حياتي بقيت ناشفة وماسكة في حقي ومصرة بكل عناد إنه ياخد النص بالمليم ومفيش مليم زيادة فوقيه. كان هيتجنن من الموضوع ده. ولو خرجت رحت لأمي، يتعصب ويقلب وشه؛ ولو اشتريت حاجة ليا أو للعيال، يفتعل خناقة؛ ولو ضحكت أو هزرت مع العيال، يتقلب وشه نكد. المهم والأساس عنده في الدنيا دي حاجة واحدة بس… الفلوس الكاش اللي بياخدها من إيدي.
عدى الوقت والشهور، وجيه الصيف والإجازات. ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا، ما قولتلوش ولا عرفته إني هروح أقعد عند أهلي الصيف ده. كنت عارفة ومتابعة إن أهلي عندهم أفراح وقرايب مسافرين وزيارات وزحمة في البيت، ومكنتش عايزة أروح أثقل عليهم بالعيال ودوشتهم، وخصوصاً إنه كان كل سنة بياخدها حجة ويرميني هناك بالشهور ويمشي يعيش حياته، ولا يسأل فينا ولا بقرش. لكنه لما لقى الصيف جه وأنا قاعدة في الشقة، بدأ يقلق ويتحرك مش على بعضه. كان يلف ويدور حوالين الموضوع ويفتح الكلام من بعيد لبعيد، وأنا أعمل نفسي هبلة ومش فاهمة تلميحاته. لحد ما زهق وقالها صريحة وبشكل مباشر:
— “إمتى بقا هتشيلي العيال وتروحي تقعدي عند أهلك وتغيري جو؟”
قلت له بمنتهى البرود والثبات وأنا بقلب في التلفزيون:
— “لسه ما قررتش… ومش هروح في حتة دلوقتي، أنا قاعدة في بيتي”.
وشه اتشد وعروقه ظهرت من كتر الضيق. كان نفسه وبيموت إني أمشي من الشقة وآخد العيال بأي طريقة عشان يفضاله الجو تماماً؛ ويبقى براحته، يعمل اللي هو عايزه من غير رقيب ولا حسيب. أما أنا، فاستغليت الشهر ده في الراحة؛ نمت شبع نوم لأول مرة من سنين طويلة كنت بصحى فيها قبل الفجر. بقيت أصحى براحتي من غير ضغط، ومن غير هم الشغل، ومن غير خنقة التحكم. كنت حاسة وأنا قاعدة لوحدي في هدوء إني برجع لنفسي القديمة ولملامحي واحدة واحدة.
لكن في ليلة من الليالي، الدنيا كلها اتقلبت فوق تحت؛ اليوم اللي ربنا سبحانه وتعالى قرر فيه بكرمه وعَدله إنه يكشف لي الحقيقة كاملة ويشيل الغمامة من على عيني. كنت من زمان أوي حاسة ومستشعرة إن في حاجة غامضة ومش مظبوطة في حياته وسهراته؛ حاجة مستخبية ومدفونة عني. لأني زمان كنت بنام بدري أوي أنا والعيال بسبب صحيان الفجر، وهو كان دايماً يرجع الشقة وش الفجر وإحنا غرقانين في النوم فمش بشوفه. لكن في الصيف ده ونظام السهر، نظامنا كلنا اتغير؛ بقينا نسهر شوية بالليل في الصالة، والعيال يناموا قبلي وأنا أفضل صاحية.
وفي ليلة، ليلتها كانت من الليالي الكئيبة الصعبة اللي عمرها ما هتتنسي من ذاكرتي طول ما أنا عايشة… سمعت صوت عربيته برة في الشارع وهي بتهدي وبتدخل تركن تحت البيت. استنيت وبصيت في الساعة عشان يدخل من باب الشقة؛ عدت دقيقة… اتنين… عشرة… ربع ساعة ومفيش أي صوت على السلم ولا الباب اتفتح. قلبي بدأ يدق بسرعة وبخوف غريب. قمت من على السرير ومشيت براحة وبخطوات مكتومة ورحت عند شباك الصالة وبصيت بهدوء من ورا الستارة…
لقيته قاعد جوة العربية تحت في الضلمة، منور نور الصالون الخفيف، وقاعد بيضحك بـأعلى صوته وفرحان، وماسك التليفون على ودنه وبيتكلم بـانسجام تام. ضحكه كان غريب ومش طبيعي… ضحك وفرحة وصوت عالي أنا ما شفتهمش معاه ولا ضحكهم في وشي معايا من سنين طويلة.
كان بيعمل إشارات غزل ودلع بإيده في الهوا، والابتسامات مالية وشه، وكلام طويل ملوش آخر ورغّي. قعد على الحال ده جوة العربية تقريبًا ساعتين كاملين… أو يمكن أكتر بكتير. أنا في اللحظة دي ما كنتش حاسة بالوقت ولا بالدنيا أصلاً؛ كنت حاسة ونبضات قلبي بتسابق بعضها إن كل دقيقة بتعد وهو بيتكلم، بتكشف لي خيانة جديدة وكسرة نفس جديدة وجرح هيموتني. وبعدين، بعد ما الساعتين خلصوا، شوفته قفل المكالمة ووشه لسه منور بالضحكة…
وشوفته بعيني وهو بيوطي بضهره جوة العربية وحط الموبايل ده بالذات تحت الكرسي بتاع السواق وداراه كويس، وبعدين طلع موبايل تاني خالص.. الموبايل الأصلي اللي أنا عارفاة، ونزل بيه من العربية وقفل الباب وقفل السنتر لوك.
وقتها حسيت إن الأرض بتميد بيا وبتلف، وراسي تقلت أوي. موبايل تاني؟ سر مستخبي؟ مين الست اللي بيكلمها ويتمقطع معاها كل الليل ده ومن ورا ظهري ومن شقايا؟ جريت بسرعة الصاروخ على السرير، واتغطيت باللحاف وعملت نفسي نايمة وغرقانة في النوم. لكني والله العظيم ما ذوقت النوم ولا عيني غفلت ثانية واحدة؛ أفكار سودا، ووجع في قلبي، وخوف من اللي جاي، وغضب نار قايدة في صدري. ومن الليلة دي بالذات…
بدأت أراقب وأركز في كل تفصيلة. كل ليلة، نفس الفيلم ونفس الحكاية؛ يرجع، يقعد في العربية ساعتين يتكلم ويدلع، يخبي الموبايل تحت الكرسي، وينزل بالتاني. قررت في نفسي وقسماً بالله لازم أعرف سر الموبايل ده وإيه اللي جواه، وقلت لنفسي بعناد: لو الموبايل ده تحت الأرض… هجيبه يعني هجيبه. بدأت أخطط وأفكر؛ كنت عايزة أركب العربية بأي طريقة وهو مش هنا، وأمد إيدي تحت الكرسي وأفتش، لكن كنت خايفة جدًا؛ خايفة يلمحني من شباك أو يرجع فجأة ويشوفني… وخايفة من رد فعله ومن جنانه لو اتمسكت.
لحد ما لقيت الحل الوحيد اللي هينقذني. اتصلت بأخويا الكبير محمود، وقلت له بصوت مكسور ومخلوق بالدموع: “محمود… أنا محتاجاك جمبي أوي”. سكت لحظة وفهم من نبرتي إن في مصيبة، وقال: “قولي يا أختي وسامعك، مالك؟” قلت: “هفهمك كل حاجة بالملي لما أشوفك… بس أبوس إيدك ساعدني في موضوع العربية ده”. قال من غير تردد ولا تفكير: “اعتبريه حصل يا سلمى، رقبتي ليكي”. وفي نفس الوقت، أهلي كانوا خلاص خلصوا المناسبات والأفراح اللي عندهم والبيت فِضي، وقررت أستغل الفرصة وأروح أقعد عندهم باقي أيام الصيف عشان أبعد عن وشه.
قلت لجوزي حسام ببرود: “أنا هلم العيال وأروح أقعد عند أهلي كام يوم…
زهقت من القعدة هنا”. لو شوفتم فرحته واللمعة اللي ظهرت في عينه في اللحظة دي! وشه نور فجأة والانبساط بان عليه؛ كان هيموت ويتخلص مني ومن دوشة العيال بأي طريقة عشان يخلو الهوا لمزاجه، مع إننا أصلًا كنا زي عدمنا ومطفيين في حياته ومالناش وجود، لكن الحقارة والنذالة درجات وهو قفل الدرجات كلها. رتبت مع أخويا محمود إني هسافر معاه في عربيتو، والصراحة…
ما كانش فيا طاقة ولا حمل أقعد جمب جوزي في طريق طويل، وأستحمل صمته القاتل ووشه المكشر اللي يقطع الرزق. اتفقنا نسافر بعد يومين بالتمام، وأخويا محمود نبه عليا وقال لي: “أول ما يرجع الليلة دي ويركن العربية تحت البيت، كلميني وبلغيني فوراً”. قلت له: “حاضر من عينيا”. وفعلًا، أول ما سمعت صوت عربيتو وركن، كلمت محمود وبلغته، فقال لي بصوت هادي ومطمن: “روحي نامي دلوقتي يا سلمى… وكبري المخدة وماتشيليش هم”. ما فهمتش ساعتها قصده إيه بالكلمة دي، لكن الصبح…
صحينا وفوقنا كلنا في البيت على صوت صريخ وزعيق حسام وهو في الشارع. نزلت أجري على السلم، لقيت عربيتو واقفة تحت البيت في مكانها…
الكاتبة نرمين عادل همام
بس إزاز الشباك بتاع السواق مكسور مية حتة ومتفرفد على الأرض، وموبايله السري اللي تحت الكرسي… مسروق ومش موجود! وكان واقف في نص الشارع بيشد في شعره بإيديه الاتنين، وعينه مبرقة وشبه المجنون ومش دريان بالناس.
أول ما نزلت وشفته واقف جنب العربية بالمنظر ده، عامل زي المجنون، بيشد في شعره وبيبص حوالين نفسه في الأرض وعلى الرصيف، قربت منه ووقفت جمبه وقلت بهدوء مصطنع وبارد: “فداك يا حسام… الحمد لله إنك كويس وجت في حديد، العربية تتعوض والإزاز يتصلح”. لكن هو ما كانش سامعني ولا حاسس بوجودي أصلًا؛ كان تايه، مرعوب، ووشه شاحب وأصفر زي الليمونة بشكل غريب ومرعب. كل همه وتفكيره في اللحظة دي كان حاجة واحدة بس… الموبايل المخفي. كان بيلف حوالين العربية زي الديب، يوطي ويبص تحت الكراسي،
ويفتح الأبواب ويقفلها بعنف، ويقول بصوت متوتر وبيرتعش: “فين؟… فين التليفون راح فين؟” قلت له وأنا براقبه وبراقب كل حركة من حركاته الخايفة: “طب ما تطلع على القسم وبلغ الشرطة ييجوا يعاينوا ويبصوا على البصمات”. لف ناحيتي بسرعة الصاروخ، وقال بعصبية وهستيرية: “لا… لا، مالوش لزوم الشرطة ووجع الدماغ وبلاغات على قلة فايدة! أنا هجيبه بنفسي… وهعرف أخد حقي بإيدي وأعرف مين اللي عملها”.
الكلام كان كله استعراض قوتة وهبل، لكن عينيه المفزوعة فضحته وعرفتني الحقيقة؛ كان خايف ومرعوب… مش على حتة موبايل بفلوس، لأ.. ده كان مرعوب على البلاوي والوساخة اللي جوه الموبايل ومكتوبة فيه. ومن أول ثانية في الموقف ده فهمت وعرفت إن أخويا محمود هو اللي جه بليل وكسر الإزاز وأخد الموبايل… وأنا طبعاً سكت، وعملت نفسي هبلة ومش فاهمة حاجة خالص، وفضلت واقفة أراقب المنظر في صمت.
تاني يوم الصبح، جه أخويا محمود بعربيته عشان يسفرني أنا والعيال عند أهلي زي ما اتفقنا. جوزي حسام استقبله في الصالة بأخلاق زيادة عن اللزوم وبمنتهى الأدب، ابتسامات عريضة، وترحيب كبير، وتمثيل محترم كأنه أعز قرايبه عشان يداري خيبته وفضيحته بخصوص العربية.
ودعنا حسام، ونزلنا وركبنا العربية مع محمود، وأول ما بعدنا عن المنطقة وعن البيت شوية، أخويا محمود بصلي في المراية وقال بنبرة هادية: “اللي طلبتيه وعايزاه… معايا في جيب الجاكيت”.
قلبي دق بعنف شديد وحسيت برعشة في جسمي، وقلت له بلهفة وسرعة: “هاتّهولي دلوقتي حالا يا محمود مش قادرة أصبر”. قال بحزم وقوة ومفيش فصال: “مستحيل أدهولك دلوقتي في السكة. أولًا مراتي قاعدة جمبي وما ينفعش تعرف حاجة عن الحكايات دي، وثانيًا عيالك قاعدين ورا وما يفهموش إيه اللي بيحصل ومينفعش يشوفوا توترك. نستنى لما نوصل بالسلامة عند أهلك”. وفضلت طول طريق السفر متوترة،
على أعصابي، ونار قايدة بتاكل فيا من جوايا؛ نفسي أعرف اللي فيه وموتة الفضول هتموتني… وفي نفس الوقت مرعوبة وخايفة أعرف الحقيقة اللي ممكن تنهي حياتي وتكسرني.
وصلنا بالسلامة بيت أهلي، والكل رحب بينا، تعشينا مع بعض، وقعدنا ندردش، وأنا عيني راشقة ومثبتة على أخويا محمود طول الوقت وبلمح له بإيدي. لكنه كان مطنش تماماً ورايق، وبيشرب شاي ولا كأن في أي حاجة أو مصيبة في جيبه. تاني يوم الصبح، أول ما خرج محمود عشان يودي مراته عند أهلها يقضوا اليوم، رجع بعدها بشوية على بيت أهلي ودخل عليا الأوضة، ومد إيده وطلع الموبايل السري من جيبه وقال لي بجدية:
“خديه يا سلمى… واقفلي على نفسك باب الأوضة بالمفتاح، وشوفي كل اللي فيه لوحدك ومن غير شوشرة. وأقسم بالله العظيم ما في مخلوق شاف اللي جوه الموبايل ده غيرك، ولا حد هيشوفه لحد ما تقرري بنفسك هتعملي إيه مع الراجل ده”. أخدت الموبايل منه، وإيدي كانت بـترتعش وجسمي كله بيلتفض من الخوف….تابع للجزء الثالث
مرتب مراتي ج3
دخلت أوضة الضيوف بسرعة، وقفلت الباب بالمفتاح ورايا عشان محدش يلمحني ولا يحس بيا. قعدت على طرف الكنبة وإيدي بتترعش، وفتحت التليفون.. ومن كتر غبائه وتطمينته إن محدش هيلمس حاجته، ما كانش حاطط باسورد ولا قفل للشاشة. وأول ما الشاشة نورت في إيدي.. اتفتحت جهنم وبلاويها في وشي. صور.. فيديوهات.. مقاطع.. رسائل متبادلة.. تسجيلات صوت.. سفريات.. وضحك وهزار وحاجات تشيب الراس وتهد جبال. حاجات تهز ثقة أي ست محترمة وصاينة نفسها وجوزها، حاجات تدمر وتدبح قلب الست وهي صاحية وعايشة.
الموبايل كان مليان تفاصيل حياة تانية خالص.. حياة كاملة ووسخة أنا ما أعرفهاش عنه ولا شوفتها. سهرات مختلطة برة، فسح وخروجات، سفر وتذاكر طيران، مطاعم خمس نجوم، وهدايا دهب وبراندات. في اللحظة دي فهمت وعرفت الحقيقة المرة؛ كان كل صيف يلف ويدور عشان يرميني بالشهور عند أهلي أنا والعيال، ويطير هو يعيش حياته ويهيص بفلوسي وشقايا وعرقي اللي بياخده من إيدي.
لكن أكتر حاجة دست على قلبي ووجعتني في نفوخي.. كانت واحدة ست معينة ظاهرة في كل الصور والرسائل، وواضح من التواريخ إن بقالها معاه سنتين تقريبًا عايشة معاه في الحرام. صورهم سوا في غرف ومصايف، ضحكهم المبتذل، هزارهم، كلامهم في الشات وقربهم من بعض.. كأنها هي اللي مراته وحبيبته وأنا الست الغريبة اللي جايبها من الشارع. ولقيت المصيبة الأكبر، رسائل بينهم قاعدين بيتريقوا عليا ويسخروا مني؛ عليا أنا اللي طاحنة نفسي عشان بيته وعياله! كان بيقول لها في الشات إني ست غبية ونايمة على وداني، وإني زنّانة ونكدية، وإني تقيلة على قلبه ومبقاش طايقني، وقاعد بيعيب في شكلي وجسمي بحاجات وتفاصيل عمرها ما كانت فيا ولا شافتها عيني.
كل كلمة وتمريرة شات كنت بقراها كانت بتنزل على وشي زي الصفعة الحامية. لكن الضربة والكسرة الأكبر اللي شلت تفكيري.. إن كل طلباتها، وهداياها، وخروجاتها الفخمة دي كانت بتتصرف وتتدفع من فلوسي أنا ومن مرتبي وشقايا؛ طلبات، هدايا، خروجات. آخر رسالة مبعوتة منها كانت بتدلع عليه وتطلب منه طقم مكياج غالي وماركة من برة، وهو بكل نذالة وجحود بيرد عليها ويقول لها: “اصبري عليا بس كام يوم لما المرتب ينزل وأقبض وأجيبلك كل اللي إنتي عايزاه يا حبيبتي”.
مرتبي أنا! شقايا أنا وعرقي في الوظيفة وتعب صحتي! أنا وعيالي لحمه ودمه ما كناش بنشوف منه الجنيه للبيت إلا بالخناق والعافية والذل.. وهو مستني وواقف على نار مستني مرتبي عشان يرضي ويصرف على واحدة تانية في الحرام! في اللحظة دي أنا انهرت تماماً، الموبايل وقع من إيدي على السجادة وجسمي كله ساب، وقعدت على الأرض أعيط.. عياط مرير وخوف وقهر عمره ما خرج مني بالشكل ده ولا بالكسرة دي طول حياتي.
دخل أخويا محمود عليا الأوضة فجأة، وأول ما شاف منظري ودموعي والموبايل في الأرض عرف وفهم كل حاجة من غير ما أنطق بكلمة. قعد جمبي على الأرض، وأخدني في حضنه وقال وهو بيبوس راسي وبيهديني بنبرة كلها غيظ:
— “اهدي يا سلمى.. اهدي وامسحي دموعك، والله العظيم ما هسيبه ولا هعدي له اللي عمله فيكي، وحقك هي رجع تالت ومتلت”.
قلت له وأنا شهقاتي خانقاني ومخنوقة من كتر العبرة:
— “قولّي أعمل إيه يا محمود.. بالله عليك دلني، أعمل إيه في المصيبة والكسرة دي؟”
بص في عيني مباشرة وقال لي بثبات:
— “إنتِ واثقة فيا وفي أخوكي الكبير يا سلمى؟”
قلت له من غير تفكير ولا تردد:
— “لو ما وثقتش فيك إنت وفي أخويا وأبويا.. هثق في مين في الدنيا دي؟”
ابتسم ابتسامة هادية وباردة كأن وراها بركان، وقال:
— “يبقى تسكتي خالص، وماتفتحيش بقك معاه ولا تظهري أي حاجة.. وسيبي الليلة دي كلها عليا أنا أديرها بطريقتي”.
وبدأ أخويا محمود ينفذ خطته القاتلة من ساعتها. مسك موبايل حسام السري، وبعت منه رسالة لرقمه التاني الشغال اللي معاه، كأن اللي واخد الموبايل وسارقه حرامي مجهول، ومضمون الرسالة كان واضح ويهد حيله: “معايا صورك وفيديوهاتك كلها وبلاويك اللي على التليفون.. لو عايز الحاجات دي تتمسح والستر يفضل موجود، حضّر وموت نفسك وهات 550 ألف جنيه كاش خلال أسبوع بالتمام والكمال.. ولو ما دفعتش الفلوس في الميعاد، كل حاجة وصورك هتنزل على السوشيال ميديا وتتفرش قدام أهلك وأصحابك وشغلك”.
أول ما الرسالة دي وصلت على تليفون جوزي حسام.. الراجل اتجنن وطار عقله من الرعب والفضيحة. اتصالات ورا بعض مابتنتهيش، رسايل ترجي وتوسل، تهديد كداب بالشرطة، خوف ورعشة باينة في كلامه. وأخويا محمود كان بيرد عليه من التليفون التاني ببرود قاتل وكلمتين وبس: “الموعد الأربعاء الجاي.. الفلوس كاش ومفيش نقاش”. وأنا كنت قاعدة جمب أخويا بتفرج وبسمع رناته، ولأول مرة من يوم ما اتجوزته أشوفه بالحجم ده، ضعيف، مرعوب، وقليل الحيلة.
بعد ساعتين من الحوار ده، كلمني حسام على موبايلي الشخصي، وكان صوته متغير وعامل فيها الزوج الحنين المهتم على غير عادته وقال:
— “ها يا سلمى.. وصلتم بالسلامة لبيت حمايا؟ طمنيني عليكي وعلى العيال عاملين إيه؟”
ضحكت من جوايا بمرارة وسخرية على تمثيله؛ من يوم ما سافرت وركبت مع أخويا، ما سألش فينا، ولا اتصل يطمن، ولا حتى كلف نفسه يبعت رسالة يقول توصلوا بالسلامة.. وفجأة دلوقتي افتكرنا وبقا حنين؟ قلت له بنبرة باردة وناشفة:
— “لسه في الطريق وموصلناش”.
قعد يرغي شوية في التليفون ويقول كلام ملوش لازمة، ويلف ويدور حوالين الموضوع، وبعدها دخل في دغري وفي الأساس والمصلحة وقال:
— “بصي يا سلمى.. أنا واقع في ضيقة ومحتاج مرتبك كله الشهر ده ضروري أوي ومن غير ما تنقصي منه مليم، عليا التزامات وديون مستعجلة ولو ما دفعتش في الميعاد هتوحل وهتخرب فوق دماغي”.
قلت له بمنتهى الهدوء والبرود كأني بصب مية ساقعة فوق دماغه:
— “كنت مستنياك تتصل بيا فعلاً عشان أقولك الكلمتين دول.. مرتبي الشهر ده والشغل بتاعي، ما فيش منه ولا جنيه هيدخل جيبك، انسى الموضوع ده خالص”.
سكت لحظة من الصدمة ومصدقش إني بقول كدة.. وبعدها انفجر في التليفون زي المجنون؛ زعق بأعلى صوته، شتم بأقذر الألفاظ، وهددني بالطلاق والبهدلة. وأنا لأول مرة في حياتي معاه.. كنت زي الحجر والصخر ومش متهزة. قلت له بلهجة قاطعة:
— “العلم وصلك والكلام انتهى يا حسام. ومش هتشوف مني ولا ريال واحد من هنا ورايح. أنا جاية هنا لأهلي عشان عايزة راحة بال.. حتى منك ومن قرفك”. وقفلت الخط في وشه.
رجع يتصل تاني وتاني وعشرة، فتحت عليه، قال بعصبية وغل وعروقه نافرين:
— “لو ما حولتيش المرتب كامل وبسرعة على الحساب.. ما ترجعيش البيت ده تاني والعيال هخدهم منك!”
قلت ببرود تام وثبات:
— “ما أرجعش؟ مش مهم خالص وميفرقش معايا.. هو أنا يعني سايبة في بيتك حاجة عدلة وتستاهل أرجعلها وأندم عليها؟” وقلتله سلام، وقفلت السكة.
فضل يومين كاملين يزن على دماغي ويبعت رسايل تهديد واستعطاف، يرجع يطلب المرتب كله بأي طريقة عشان يلم مصيبته، وأنا واقفة زي السد وأرفض. وفي الآخر لما زهقت من زنه، قلت له بوضوح:
— “أنا جاية أريح نفسي وأقعد عند أهلي شهرين كاملين ومحدش ليه دعوة بيا.. لو أزعجتني أو رنيت تاني، هروح دلوقتي حالا لأبويا وأقوله على كل حاجة بتعملها معايا”.
حاول يلف ويدور ويغير الطريقة لما لقى الوش التاني، وقال بنبرة هادية:
— “طيب طالما مش هتديني المرتب، انزلي البنك هناك وطلعيلي قرض ببياناتك، وأنا هسدده ومتقلقيش”.
ضحكت في اللحظة دي لأول مرة من كل قلبي وبأعلى صوتي على بجاحته، وقلت له:
— “قرضين يا حسام؟ قرضين مع بعض؟ أنا أعرف قرض العربية اللي باسمنا وأنا بدفع نصه من شقايا كل شهر.. القرض التاني بقا اللي بتقول عليه وبتقولي مخلصاه ده فين وراح فين وبتاع إيه؟”
قال بارتباك:
— “ديون وشغل برا ملوش دعوة بيكي”.
قلت له بدعوة طالعة من وسط حشايا المقهور:
— “الله يفقرك ويذل نفسك لحد ما تمد إيدك لكلاب الشارع وماتلاقيش اللقمة”.
اتجنن وفقد أعصابه وقال بزعيق:
— “يا حيوانة بتدعي عليا!”
قلت له بمنتهى البرود:
— “آه.. وأمين يا رب العالمين على دعوتي كمان عشان تستاهلها”. وقفلت الخط في وشه فوراً، وعملت للرقم بتاعه حظر من كل حتة. ومن اليوم ده.. بدأ حسام يفهم ويعرف يعني إيه الست الطيبة لما تصحى وتفوق وتجيب حقها.
بعد ما عملت له الحظر، فضل يحاول بكل الطرق والوسائل الممكنة إنه يوصل لي؛ مرة يرن من أرقام صحابه ومحلات، ومرة يبعت على أرقام غريبة، ولما يئس تماماً ولقى الأبواب مقفولة.. اتصل على تليفون أمي. أمي ردت عليه، ومن أول ثانية في المكالمة حسام قلب حنيّة وأدب وتمثيل، وصوته بقى هادي وكلامه كله نفاق وخبث. قال لها إنه زعلان من تصرفاتي، وإنه متصل عشان خايف عليا وعايز يطمن على عياله، وإنه مش فاهم سلمى متغيرة وناشفة معايا كدة ليه وعملت لها إيه. أمي بصت لي وأنا قاعدة جمبها، وغمزتني بعينها بنبرة لوم كأنها بتقول: “إيه الجنان واللي إنتِ عاملاه في جوزك ده؟ بوظتي العيشة”. وقالت له في التليفون: “سلمى نايمة وتعبانة دلوقتي يا حسام”. وهو كان سامع صوت حركتي ونفسي في الخلفية وعارف إني صاحية. أمي شدتني من إيدي بعد ما حطت إيدها على المايك، ووشها مليان عتاب وبصت لي وقالت بصوت واطي ومستنكر:
— “إزاي تكسري كلام جوزك وتعملي معاه كدة؟ الراجل شاري وخايف عليكي ومستحمل!”
سحبت إيدي منها بقوة، وسيبتها تكمل المكالمة الكدابة معاه، وأول ما قفلت معاه.. شديت الموبايل من إيدها ودخلت على الأسماء وعملت له حظر هو كمان من تليفونها.
لكن حسام بجاحته مكنش ليها حدود وما وقفش عند كدة؛ اتصل علطول على موبايل أبويا. وأبويا، بحكم إنه راجل طيب وعلى نياته ومش عارف البلاوي، ناداني بصوته الحنين وقال:
— “تعالي يا سلمى يا بنتي، خدي كلمي جوزك حسام باين عليه قلقان وتعبان”.
قلت بحزم وقوة وثبات:
— “مش هكلمه يا بابا، ومش عايزة أسمع صوته”.
أبويا استغرب جداً من أسلوبي ونبرتي وقال:
— “ليه يا بنتي؟ حصل إيه بينكم يزعل كدة؟”
بصيت في عينه وقلت له بوضوح:
— “بعد شوية لما نقعد لوحدنا هقولك على كل حاجة بالملي وهتفهم”.
أبويا رجع للموبايل وقال لحسام بهدوء وأدب:
— “معلش يا حسام يا ابني، شكلها زعلانة ومقريفة شوية من السفر.. حصل خير سيبها تهدى ونتكلم بعدين”. ولكن بعد ما قفل المكالمة، قعدني قدامه في الصالة وبص في وشي وقال بجّدية:
— “احكيلي يا سلمى.. في إيه بالظبط؟”
وقتها، ولأول مرة من خمس سنين جواز، فتحت قلبي وطلعت كل المرار والوجع اللي كتماه؛ قلت له وأنا بدمع:
— “يا بابا.. حسام بياخد مرتبي كله وشقايا أول ما بقبضه، ما بيسيبليش في إيدي جنية واحد للعيال ولا لنفسي، ولا أنا ولا العيال بنشوف منه خير ولا حنية وكل فلوسي بيصرفها على نفسه وسهراته برة”.
أبويا سألني بصدمة وذهول وعينه برقت:
— “يعني بياخده منك غصب وعافية يا بنتي؟”
قلت وأنا راس في الأرض ومكسورة:
— “لو ما اديتهوش الظرف كامل، بيقلب البيت جهنم وينكد عليا وعلى العيال عيشتنا ويشتمني ويهددني بالطلاق”.
سكت أبويا شوية، والوجع والكسرة والندم ظهروا في عينيه إنه جوزني لراجل بالدناءة دي. بعدها مسك التليفون بتاعه علطول، واتصل بحسام، وأول ما فتح الخط، أبويا قال بصوت هادي.. لكنه تقيل ويخوف زي الصخر:
— “اسمع يا فلان.. بعد شهرين لما الإجازة تخلص وترجع من السفر، بيني وبينك كلام كتير أوي وقعدة رجال مش هتعجبك”. وسكت لحظة ياخد نفسه، وبعدين كمل بقوة: “وبنتي سلمى قعدت معايا وقالت لي إنها تعبت وجابت أخرها معاك، وإن شغلها وتعبها على مرتبها وحقها، وهي من هنا ورايح مش عايزة تديهولك ولا ليك دعوة بفلوسها”.
الناحية التانية حسام أول ما سمع كلام أبويا انفجر زي الكلب المسعور، وبقى يشتم ويصرخ ويقول كلام بجح:
— “بنتك كذابة وجاحدة ومابتثمرش فيها لقمة.. دي بتقلبك عليا وعايزة تخرب البيوت وتطلق!”
لكن أبويا ما اهتزش ولا نبرة صوته اتغيرت، قال له بثبات وثقة راجل بجد:
— “بنتي تربيتي ومابتكدبش عليا أبداً، وأنا عارفها وعارف أصلها كويس أوي.. واللي بتعمله فيها وفي حقها من يوم ما دخلت بيتك وأخدتها من حضني، هنتكلم فيه وتتحاسب عليه لما تيجي وتحضر قدامي”. وقفل السكة في وشه.
ولأول مرة من خمس سنين، حسيت بـالأمان، حسيت إن في راجل بجد، سهر وحق واقف في ضهري وهيجيبلي حقي. بعدها أبويا بص لي وطلب مني أفك الحظر من على تليفوني وقال:
— “فكي الحظر وسيبيه يتكلم ويبعت اللي هو عايزه، وأنا موجود هنا ومحدش يقدر يمسك”.
فكيت الحظر علطول عشان خاطر كلمة أبويا وطوعته. وأول ما الفون لقط شبكة، أول رسالة جتني منه على الواتساب كانت كلها سم وغل وكلام يِقرف:
— “إنتِ بتفشليني وبتصغريني قدام أبوكي يا واطية وتطلعيني حرامي؟.. تفّي عليكي وعلى اليوم اللي عرفتك فيه”.
بصيت للشاشة، وضحكت ببرود تام وثقة مكنتش عندي زمان، وبعت له رسالة واحدة:
— “ما تخافش أوي كدة.. ولا حاجة من البلاوي الكبيرة اللي في دماغك وفي تليفونك اتقالت لأبويا لسه.. بس اختفي من وشي واقفل بقك خالص عشان ما أطربقهاش فوق دماغك ودماغ اللي معاك”.
واضح وصريح إنه أول ما قرا الرسالة اتصدم واتفزع؛ لاني طول عمري وسنين جوازي كنت ست ساكتة ومطاطية راسي، بعدي الإهانة وأسكت على مالي وصحتي. دلوقتي بقا في واحدة تانية خالص واقفة قدامه وبتلوى دراعه. فضل يحاول يرجعني لطريقته القديمة والاستعطاف المالي، فبعت يقول بنبرة مسكنة:
— “يرضيكي آخد قرض جديد من البنك وأنا لسه مخلص قرض ومزنوق؟ ساعديني المرة دي بس والنببي والشهر الجاي هحولهملك وارجعهولك بعدين قرش قرش”.
رديت عليه من غير تفكير وبكل قسوة:
— “وقسماً بالله العظيم ما أطلع لك قرض ولا أضمنك في بنك ولو بنص جنيه.. والباب ده اتقفل للأبد”. وقفلت الشاشة. ومن اللحظة دي.. عِرف واتأكد إن ليلى القديمة ماتت والباب اتقفل تماماً في وشه.
بعد يومين بالتمام، بعت حسام رسالة على الرقم التاني المخفي اللي مع أخويا محمود كاتب فيها وهو بيموت من الرعب:
— “الفلوس جاهزة كاش الـ 550 ألف.. وعايز التليفون والحاجة بتاعتي”.
أخويا محمود رد عليه ببرود وثبات محامين:
— “كويس.. نرتب مكان الاستلام والتسليم. بس خد بالك كويس واعمل حسابك، لو لعبت بديلك أو جبت حد معاك، كل الصور والفيديوهات والفضايح اللي في المبايل هتنزل على السوشيال ميديا في ثانية”.
الراجل انكسر تماماً وضهره انحنى من الخوف، وبقى يترجى في الشات ويبكي:
— “استروا عليا الله يرضى عليكم ويبارك لكم.. أنا عندي عيال ومش حمل فضايح”. وأخويا محمود كان سايقه زي الحمار لآخر الطريق وبياخده على الهادي. وبالفعل، اتقابلوا في مكان عام وأخويا استلم منه الشنطة وفيها الفلوس كاملة تمن شقايا وسرقتي وتأكد إن المبلغ مظبوط. ولما أخويا محمود رجع البيت ودخل عليا الأوضة، حط الشنطة والمبلغ الكبير كله قدامي على السرير.
بصيت للفلوس وقولت له بذهول وصدمة:
— “محمود.. خد منك نص الفلوس دي على الأقل تعبك ومجهودك وإنت اللي جبتهم”.
أخويا محمود ابتسم وزق الشنطة والفلوس كلها ناحيتي وقال بقوة وأصل:
(بقلم نرمين عادل همام)
— “دي فلوسك إنتي وشقاكي يا سلمى، الفلوس اللي أكلها الواطي ده منك بالباطل وسرقها من بق عيالك طول السنين اللي فاتت، أنا ماليش حق في مليم واحد منها، دي تحويشة شأكي وتعبك وجاتلك لحد عندك تالت ومتلت”…..تمت


تعليقات
إرسال تعليق