بعد عزاء امي كامله
بعد عزاء امي كامله
دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط… لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها.لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.
والله العظيم لحد النهارده مش عارفة ألوم نفسي ولا ألومها.
أمي طول عمرها بتقول إن الحال على قده.بتبيع فطاير وعيش في السوق يومين في الأسبوع وتلف على البيوت تساعد الستات في التنضيف عشان توفر حق الدوا والأكل
وكل ما أقولها يا أمي اشتري لنفسك حاجة عدلة.
كانت تضحك نفس الضحكة المكسورة اللي عمرها ما فارقت وشها وتقول:
أنا كويسة يا بنتي.أهم حاجة أنتِ تاكلي وتشبعي.
وكنت بصدقها.
كنت فاكرة فعلًا إن أمي ماعندهاش غير اللي في جيبها.
لحد اليوم اللي ماتت فيه.
أمي ماتت على سرير المستشفى وإيديها كانت ساقعة بشكل عمره ما هيفارق خيالي ورجليها كانوا ورمين من التعب والمرض.. وأنا قاعدة جنبها ماسكة إيدها وبقولها متسبنيش لكنها سابتني.
ولما دفناها والله العظيم ما كان معايا فلوس الجنازة كاملة.
الجيران هما اللي وقفوا جنبي واحد دفع تمن الكفن وواحد جاب الأكل وواحدة ساعدتني في مصاريف العزا.
وأخويا سامح كان أول واحد يسأل على البيت مش على أمي.
بعد الدفنة بيومين بس دخل عليا وقال:
بصي يا هناء… البيت ده قديم وخربان.نبيعه ونقسم تمنه وخلاص.
بصيتله كأني أول مرة أشوفه وقولت:
إحنا لسه راجعين من المقابر.
مراته نهلة ضحكت وقالت:هو يعني الست الله يرحمها كانت سايبة إيه؟ ده البيت واقع أصلاً.
ساعتها حسيت إن النار ولعت جوايا.لكني سكت لأني كنت تعبانة وموجوعة ومكسورة.
ومن يوم ما أمي تعبت وأنا شايلة كل حاجة لوحدي أنا اللي كنت بجيب دواها وأكشف عليها وأبات جنبها في المستشفى.
أما أخويا فكان بيقول:
انا معايش مليم.اتصرفي أنتي.
وأحتفظت بكل الرسائل دي كل كلمة كل موقف كل إهانة. يمكن علشان جوايا كان حاسس إن يوم الحساب جاي.
وفي ليلة بعد العزا.كنت قاعدة لوحدي في البيت. البيت كان ساكت بشكل يخوف.
ريحة القهوة البايتة لسه موجودة وطرحتها لسه معلقة ورا الباب.
وكأنها هتدخل دلوقتي وتقولي: اعمليلي كوباية شاي يا بنتي.
ورغم إني كنت بموت من التعب.فضلت ألف بعيني في البيت.
وفجأة عيني وقعت على مفتاح صغير جدًا مربوط فيه شريط أحمر.
المفتاح ده كان مع أمي طول عمرها وأنا صغيرة كنت أسألها:
بيفتح إيه يا أمي؟
فتضحك وتقول
حاجات أحسن تفضل مقفولة.
افتكرت كلامها وحسيت بقشعريرة غريبة.
وفي اليوم اللي بعده وأنا برتب البيت.المطر بدأ ينزل.والسقف القديم بدأ يسرّب مية زي عادته.
طلعت أحط جردل تحت النقطة اللي بتنقط وساعتها لاحظت حاجة غريبة.
حتة صاج في السقف شكلها مختلف طلعت فوق الكرسي وبعدين فوق الترابيزة ومديت إيدي جوه الفتحة ولمست حاجة ملفوفة.
سحبتها وكانت علبة صاج قديمة متربة عليها قفل صغير.
قلبي كان بيدق بشكل مرعب طلعت المفتاح الأحمر وحطيته والقفل اتفتح من أول مرة.
فتحت العلبة ولقيت جواها دفتر بنك وظرف أصفر وصورة قديمة.
مسكت الصورة الأول والله العظيم إيدي كانت بتترعش.
لأن الست اللي في الصورة كانت أمي. بس مش أمي اللي أعرفها.
ست شيك جدًا. لابسة فستان أبيض وشعرها متظبط وحواليها ناس شكلهم من عالم تاني خالص.
قلبت الصورة ولقيت اسم عمري ما سمعته قبل كده. اسم مش اسم أمي.
ساعتها فتحت دفتر البنك وفي اللحظة دي حسيت إن روحي خرجت مني.
لأن الرقم اللي قدامي كان بالملايين. ملايين!أمي اللي كانت بتعد الجنيهات قبل ما تشتري الدوا.
أمي اللي كانت تقول معنديش. أمي اللي دفناها بتبرعات الناس.
كان عندها ملايين وقبل ما أستوعب اللي شوفته.موبايلي رن.
كان أخويا سامح. رفضت أرد.
بعدها بثواني بعت رسالة صوتية. شغلتها وفجأة سمعت صوت مراته وهي بتقول من بعيد:
هو لقى الصندوق ولا لسه؟
وفي نفس اللحظة سمعت أ يهمس بصوت خلّى الدم يتجمد في عروقي
وفي نفس اللحظة سمعت أخويا يهمس بصوت خلّى الدم يتجمد في عروقي:
مش هسيبها تاخد مليم واحد من فلوس الهاربين دي يا نهلة.. الورقة اللي معاها هي اللي هتوصلنا للمكان الأصلي.. بس اتقلي عليها لما نهد البيت فوق دماغها
التلفون وقع من إيدي على الأرض والشاشة اشرخت.. قعدت على السرير وجسمي كله بيتنفض.. فلوس الهاربين؟ يعني إيه؟ وأمي مين أصلاً؟ الست اللي في الصورة دي تشبه أمي في الملامح بس العيون فيها قسوة وجبروت عمري ما شوفتهم في عين أمي الغلبانة اللي كانت بتلف على البيوت تكنس وتمسح
مديت إيدي وأنا كلي بترعش وفتحت الظرف الأصفر.. كان جواه ورق رسمي قديم.. شهادة ميلاد تانية خالص.. باسم “مديحة السيوفي”.. وتنازل عن أملاك مقطوع نصين.. وجنبهم رسالة مكتوبة بخط إيد أمي.. الخط اللي أنا عارفاها كويس.. كانت كاتبة:
“إلى من يجد هذه العلبة.. أنا مش فاطمة بياعة العيش.. أنا مديحة اللي هربت من تلاتين سنة بفلوس لا حصر لها بعد ما دمرت عائلات كاملة.. عشت السنين دي كلها بعاقب نفسي بالفقر والذل.. المرض نهش في جسمي وكنت قادرة اشتري المستشفى باللي فيها.. بس كنت حاسة إن كل قرش هصرفه على جسمي من الفلوس دي هيكون نار بتولع فيا.. سيبتلك يا هناء الفلوس دي عشان تعوضك عن حرمانك.. بس افتكري.. الفلوس دي وراها دم وخراب.. وسامح أخوكي مش ابني.. ده ابن الراجل اللي أنا دمرت حياته.. وهو بيدور على تاره”
البيت كله لف بيا.. سامح مش أخويا؟ وأمي مش أمي؟ دي طلعت هاربة ومجرمة؟ والدوا اللي كانت بترفض تشتريه مكنش قلة حيلة.. ده كان عقاب ذاتي بتعاقب بيه نفسها.. وأنا اللي عشت محرومة وأمشي بملابس مقطعة وسط البنات.. عشت في ذل الفقر عشان وهم!
فجأة سمعت صوت خبط رزع على الباب التحتاني.. خبط قوي يهد الحيطة.. وصوت سامح وهو بيزعق برة في الشارع:
افتحي يا هناء.. افتحي وعارف إنك جوه.. مش هتمشي بالصندوق لوحدك
لميت الورق والدفتر والعلبة بسرعة البرق في الشنطة.. قفلتها ودموعي نازلة شلالات.. مش دموع خوف.. دي دموع قهر وصدمة في الست اللي دفنتها بإيدي من تلات أيام.. بصيت على الشباك اللي بيطل على المنور.. مكنش قدامي حل غيره.. رميت الشنطة ونطيت وراها وسط الضلمة والمطر اللي كان نازل يغسل الشوارع.. وقلبي بيدق مع كل خطوة وأنا مش عارفة أنا رايحة فين.. ولا هربانة من مين.. من أخويا اللي طلع غريب.. ولا من ماضي أمي اللي طلع كله دم
المنور كان ضيق وضلمة كحل.. مية المطر النازلة من السطوح غسلت وشي وخلتني مش شايفة قدامي غير طرطشة المية على الحيطان المشرخة.. نزلت على رجلي ووقعت في الطين.. الوجع سمع في ضهري بس الخوف كان أقوى من أي وجع.. قمت بسرعة ولميت الشنطة في حضني كأني حاضنة قنبلة موقوتة.. وسمعت فوقي صوت رزع الباب الجواني وهو بيتكسر.. وصوت سامح وهو بيجعر في الصالة:
فينها؟ راحت فين البت دي؟ العلبة مش هنا يا نهلة.. الشباك مفتوح.. البت هربت من المنور!
جريت في الممر الضيق اللي بيطلع على الشارع الوراني.. الشارع كان فاضي تماماً والمطر مغرق الدنيا والستائر مقفولة في كل البيوت.. مفيش صريخ ابن يومين واقف.. فضلت أجرى وأنا حافية.. رجلين الاتنين اتجرحوا من الطوب والزجاج المكسور في الأرض بس مكنتش حاسة بحاجة.. عقلي كان واقف عند جملة واحدة: “سامح مش أخوكي.. ده ابن الراجل اللي أنا دمرت حياته”.
قعدت أجري لحد ما وصلت لآخر الحارة.. استخبيت ورا عربية نقل قديمة مركونة.. وطلعت التلفون المشرخ.. الشاشة كانت بتنور وتطفي.. حاولت أجمع أفكاري.. هروح فين؟ الجيران اللي دفعوا تمن كفن أمي؟ لو رحتلهم وسامح جه ورايا بهيبته وشره هيصدقوه هو.. هيقولهم البت اتجننت وسرقت حاجتي.. ومحدش هيصدق إن أمي بياعة الفطير الغلبانة معاها ملايين في البنك.
فتحت الشنطة تاني وسط ضلمة العربية النقل.. طلعت دفتر البنك وبصيت على الفرع.. الفرع الرئيسي في وسط البلد.. وبصيت على التاريخ.. آخر حركة حساب كانت من شهرين بس! يعني أمي كانت بتروح بنفسها وهي بتعرج ورجليها ورمة عشان تتابع الحساب؟ ولا حد تاني كان بيحرك الفلوس؟
وفجأة.. نور كشافات عربية ضرب في وشي.. جمدت في مكاني.. العربية وقفت قصادي بالظبط.. ونزل منها سامح ومراته نهلة.. نهلة كانت ماسكة شمسية وبتبصلي بضحكة صفرا تشبه سم العقرب.. وسامح في إيده حديدة.. قرب مني وهو بينهج وصوته كله غل:
وقعرتي يا هناء.. فاكرة نفسك ذكية؟ ده أنا حافظ شوارع المنطقة دي شبر شبر.. هاتي الشنطة دي بالذوق بدل ما أدفنك جنب مديحة السيوفي.. وأهو كله يترحم عليكي مع السنيورة أمك.
رجعت لورا وأنا حاضنة الشنطة وبصرخ بأعلى صوتي:
أنت مش أخويا! أنت مين؟ وأمي عملت فيكم إيه؟
سامح وقف مكانه وثواني وضحك ضحكة عالية رنت في الشارع الفاضي.. ضحكة مرعبة خلت شعر جِسمي يقف.. قرب خطوة ورفع الحديدة وقال:
عرفتي؟ كويس.. وفرتي عليا الشرح.. أمك الحرباية سرقت شقى أبويا من تلاتين سنة.. سابته يموت بالثه والفقر بعد ما كان أكبر تاجر قماش في المحافظة.. عاشت هي في الفقر تمثيل وخوف مننا.. بس الفلوس دي حقي وحق أبويا اللي مات مقهور.. هاتي الشنطة يا هناء.. مالكيش ذنب بس لو وقفتي في طريقي هفوت فيا.
في اللحظة دي.. لمحت من بعيد كشافات عربية تانية جاية بسرعة جنونية.. العربية فرملت برعب وعملت صوت صريخ على الأسفلت المغرق مية.. ونزل منها راجل كبير في السن.. شعره أبيض كله.. بس هيبته تخوف.. لابس بدلة شيك جداً ورغم المطر مكنش مهتم.. بص لسامح وبصلي.. وصوته هز المكان:
سيب الشنطة يا سامح.. وسيب البنت في حالها.. الحساب ده معايا أنا مش معاها.
سامح برق وعينيه طلعت لبرة.. والحديدية اترخت في إيده وقال بصدمة:
أنت؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ وطريقنا عرفته منين؟
الراجل العجوز قرب مني ومد إيده وقال بصوت هادي بس مليان أسرار:
تعالي معايا يا هناء.. أنا اللي كنت مستني اللحظة دي من تلاتين سنة.. أنا الوحيد اللي عارف أمك مديحة عملت إيه.. ومين اللي ظلم التاني فعلاً!
بعد عزاء امي ج2
نهلة مراته رجعت خطوتين لورا وخبت وشها تحت الشمسية وهي بتبص للراجل العجوز برعب.. وسامح كان واقف مكانه زي الصنم والحديدة اتزحلقت من إيده ووقعت في الطين وعملت صوت مكتوم.. المطر كان بيزيد وصوته على سقف العربية النقل كأنه ضربات قلب حاسمة برن في ودني.. كنت لسه قاعدة في الأرض والطين مغرق رجلي الحافية والشنطة في حضني.. بصيت للراجل العجوز وعينيا كانت بتتحرك بينه وبين سامح.. الرعب اللي في عين سامح خلاني أحس إن الراجل ده معاه مفتاح سر أكبر بكتير من سري.
الراجل قرب خطوة كمان.. الإضاءة الفيروزية من كشافات عربيته الفارهة رسمت ظله طويل جداً على الحيطة المشرخة ورايا.. وطى عليا ومد إيده اللي كانت مليانة تجاعيد بس باين عليها العز والرفاهية.. وقال بنبرة هادية بس تقطع النفس:
قومي يا هناء.. متقعديش في الطين.. مديحة السيوفي مكنتش تسيب بنتها تتبهدل البهدلة دي لو كانت في وعيها.. قومي معايا وماتخافيش من الكلب ده.
سامح فاق من صدمته فجأة وصوته طلع مخنوق ومليان غل:
أنت جاي تاخد الشقى كله على الجاهز يا عامر بيه؟ تلاتين سنة وإحنا بندور ورا الست دي.. تلاتين سنة وأبويا مات بجلطته بسببها وبسبب الفلوس اللي هربت بيها.. ودلوقتي جاي تاخد الدفتر والورق من البت دي؟ مش هسيبك.. الفلوس دي حقي!
عامر بيه مالتفتش لسامح أصلاً.. فضل باصص في عيني وأنا بقوم ببطء ورجلي بتترعش.. سحبني وراه ببرود مرعب وفتحلي باب العربية الوراني.. ركبت وأنا حاسة إني بحلم.. أو في كابوس مش عايز يخلص.. نهلة جريت على سامح وشدته من كم جاكيته وهي بتهسس بصوت واطي:
امشي يا سامح.. الراجل ده لو قلب علينا هيدفننا هنا.. ده عامر الشافعي.. أنت مش قده.. يلا نمشي ونشوف هنعمل إيه بعدين.
العربية جرت بسرعة جنونية والمطر بيمسح الزجاج الأمامي.. بصيت من الشباك لورا.. شوفت سامح واقف في وسط المطر والظلمة بيبص للعربية وهي بتختفي.. ومراته بتجر فيه.. لفيت وشي وبصيت لعامر بيه اللي كان قاعد جنب السواق بكل هدوء.. بيعدل ياقة قميصه الشيك.. وطلع منديل قماش أبيض ونظيف وناولهولي لورا من غير ما يلتفت:
امسحي الطين والدم اللي في رجلك يا بنتي.. مديحة كانت غالية عليا.. رغم كل اللي عملته.
مسكت المنديل وإيدي لسه بتتنفض وقولت بصوت طالع بالعافية:
أنت مين؟ وأمي عملت إيه؟ وسامح ده يقربلك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.. أنا دفنت أمي بفلوس الجيران يا بيه.. عشنا سنين بنموت من الجوع والفقر.. كانت بتاكل العيش الناشف وتقولي مفيش.. وفي الآخر يطلع معاها ملايين؟ والرسالة دي.. الرسالة اللي في الصندوق بتقول إنها مجرمة؟
عامر بيه تنهد تنهيدة طويلة.. وطلع سيجار وولعه.. ريحة الدخان الغالي اتخلطت بريحة الجلد بتاع كراسي العربية.. وبص برة الشباك على شوارع وسط البلد الفاضية اللي بدأنا ندخلها وقال:
أمك مكنتش مجرمة يا هناء.. أمك كانت ضحية.. بس ضحية ذكية جداً.. من تلاتين سنة.. أنا وأبو سامح.. اللي هو “عتمان المنياوي”.. كنا مشغلين مديحة السيوفي معانا في أكبر شركة استيراد وتصدير وقماش في المحافظة.. مديحة كانت عقل الشركة.. بتدير كل حاجة وبأمانة عمري ما شوفت زيها.. عتمان أبو سامح كان راجل جشع.. طمع في مديحة وفي شطارتها.. ولما رفضته.. قرر يدمرها.. لفقلها قضية اختلاس كبيرة.. قضية كانت هتحبسها بقية عمرها.. وحجز على شقتها الصغيرة وطرد أهلها.
سكت شوية وخد نفس من السيجار وكمل:
بس مديحة مكنتش ست عادية.. قبل ما البوليس يوصلها بيوم واحد.. قدرت تدخل على حسابات الشركة السرية.. الحسابات اللي عتمان كان مخبي فيها فلوس غسيل الأموال وتجارة السلاح.. وسحبت كل مليم.. الملايين اللي شوفتيها في الدفتر دي مكنتش فلوس الشركة.. دي كانت فلوس الحرام بتاعة عتمان والناس اللي وراه.. مديحة هربت بالفلوس وغيرت اسمها لـ “فاطمة”.. وعاشت في أفقر حي عشان محدش يوصلها.. عتمان لما فلوسه اتسرقت.. الناس الكبار اللي كان شغال معاهم ميرحموهوش.. دمروه ومات مقهور بجلطته.. وسامح كبر وهو حاطط في دماغه إن مديحة هي اللي سرقت شقى أبوه الغلبان.. ميعرفش إن أبوه كان تاجر سلاح ومجرم.
دموعي نزلت تاني.. بس المرة دي كانت دموع حيرة.. سألته:
طب وهي؟ ليه عاشت في الفقر ده كله؟ ليه حرمتني وحرمت نفسها؟ لو الفلوس معاها ليه مخدتش دوا الضغط وماتت بسببه؟
عامر بيه لف وشه وبصلي لأول مرة بعيون مليانة حزن وندم:
لأن مديحة كان عندها فكرة غريبة عن العدالة الإلهية.. كانت شيفاها فلوس حرام.. ومكنتش عايزة تصرف منها مليم على نفسها عشان متدخلش النار.. كانت شيفاها “أمانة” هتوصل ليكي في الوقت المناسب لما تكبري وتعرفي تحمي نفسك.. الدوا اللي مكنتش بتشتريه.. كان تكفير عن ذنب هي حاسة إنها ارتكبته لما سرقت الفلوس دي حتى لو كانت من مجرم.. أمك ماتت بالفقر بإرادتها يا هناء.. عشان تحميكي أنتِ.. وعشان الفلوس تفضل نظيفة ليكي ومحدش يعرف يوصلها عن طريق حركات السحب والإيداع.
العربية وقفت فجأة قدام عمارة ضخمة جداً وحارسين واقفين على الباب.. عامر بيه نزل وفتحلي الباب وقال:
انزلي يا بنتي.. هنا هتبقي في أمان.. بس لازم تعرفي إن سامح مش هيسكت.. والورقة اللي في الصندوق اللي مقطوعة نصين دي.. النص التاني معاها سر مكان “الخزنة القديمة” اللي فيها المستندات اللي تودي سامح والناس اللي وراه في داهية وتثبت براءة أمك قدام الدنيا كلها.. سامح بيدور على النص بتاعك.. وإحنا لازم نلاقي الخزنة دي قبل ما هو يوصلها.
دخلت وراه العمارة الكبيرة ورجلي بتعلم طين على الرخام الأبيض الغالي.. كنت باصة للشنطة اللي في إيدي كأنها حبل المشنقة اللي اتلف حوالين رقبتي ورقبة أمي السنين دي كلها.. طلعنا في الأسانسير لآخر دور.. الشقة كانت واسعة جداً والحيطان عليها لوحات قديمة لبلاد برة.. ريحة المكان كانت غريبة عليا.. ريحة غنا فاحش عمري ما اتخيلت إنه موجود برة التلفزيون.
قعدت على طرف كنب شيك جداً وأنا مش قادرة أصلب طولي.. دخلت عليا ست كبيرة في السن شكلها طيب.. جابتلي عباية نظيفة ومية دافية أغسل بيها رجلي المجروحة.. وعامر بيه سابني ساعة كاملة لحد ما هديت وجمعت نفسي.. وبعدين دخل المكتب وطلبني.
دخلت ولقيته حاطط نظارة القراءة وقاعد قدام مكتب خشب ضخم.. وباصص لنص الورقة المقطوعة اللي كانت في الصندوق.. رفع عينه ليا وقال بصوت واطي:
* يقعد يا هناء.. لازم تفهمي إحنا في سباق مع الوقت.. سامح مش لوحده.. سامح معاه ناس من حيتان السوق.. ناس كانت مستنية مديحة تموت عشان تظهر وتطالب بالفلوس والورق ده.
قعدت وقولتله وصوتي لسه مخنوق:
* أنا مش عايزة الملايين دي يا عامر بيه.. الفلوس دي حستها نار.. زي ما أمي شافتها نار وعاقبت نفسها بيها.. أنا عايزة أعيش في أمان.. أنا دفنت أمي من تلات أيام وبدل ما أقرالها الفاتحة.. بقيت هربانة في الشوارع!
عامر بيه ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
* الفلوس دي حقك يا بنتي.. تعويض عن كل يوم عشتيه في الحرمان والبرد.. أمك مديحة سابتلك نص الورقة دي.. النص ده فيه أرقام وإحداثيات لبيت قديم في بلدنا في الصعيد.. البيت ده اتهد من زمان.. بس الأرض لسه موجودة وتحتها الخزنة المدفونة.. الخزنة دي مش بس فيها الفلوس السايلة.. دي فيها مستندات غسيل الأموال وتجارة السلاح اللي كانت هتحبس عتمان والناس اللي معاه.. لو سامح وصل للنص ده.. هيقفل القضية تلاتين سنة لورا.. وهيطلع هو الوريث الشرعي لكل حاجة بحجة إن مديحة سرقتهم.. والناس الكبار هيدفنوا السر ويدفنوكي معاها.
بصيت للورقة المقطوعة.. كانت ورقة صفرا وقديمة.. ومكتوب في آخرها بخط ممسوح:
“المفتاح في حضن العذراء.. تحت الشجرة التي لا تثمر..”
قولتله باستغراب:
* يعني إيه الكلام ده؟ أمي مكنتش بتقول ألغاز.. أمي كانت ست بسيطة في كلامها!
عامر بيه قام وقف وبص من الشباك على أنوار القاهرة والمطر اللي بدأ يهدى:
* أمك كانت أذكى مننا كلنا يا هناء.. “حضن العذراء” ده اسم دير قديم مهجور في قريتنا في الصعيد.. والشجرة التي لا تثمر كانت شجرة جميز ميتة جنب سور الدير.. الخزنة هناك.. وسامح أكيد دلوقتي في طريقه للصعيد.. لأن مراته نهلة من هناك وعارفة المنطقة شبر شبر.
في اللحظة دي.. تليفون عامر بيه اللي على المكتب رن بصوت عالي.. الراجل رد وسكت تماماً.. ملامح وشه اتقلبت وبقت صفرا زي الليمونة.. قفل التليفون وبصلي وعيونه مليانة رعب:
* سامح مسبناش يا هناء.. سامح مراقب عربيتي من الأول.. والرجالة بتوعه دلوقتي محاصرين العمارة تحت.. وقطعوا سلك الأسانسير!
النار ولعت في قلبي تاني.. قمت وقفت والشنطة في إيدي.. وبصيت لعامر بيه وقولتله بعزم ما فيا:
* مش هسيبهم ياخدوا حق أمي.. ولا هسيبهم يوسخوا سمعتها وهي في قبرها.. لو الفلوس دي تمن عذابها تلاتين سنة.. يبقى الفلوس دي هتحرقهم كلهم.. قولي نخرج من هنا إزاي يا بيه؟
بعد عزاء امي ج3
عامر بيه بص حواليه بسرعة ملامحه كانت مشدودة فتح درج المكتب وطلع منه مسدس أسود صغير حطه في جيبه وبصلي
عامر بيه: مفيش وقت يا هناء السلم الخلفي بتاع العمارة هو طريقنا الوحيد بس لازم نتحرك من غير صوت
مسكت الشنطة في حضني أكتر وخرجنا من باب المكتب الشقة كانت ضلمة والست الكبيرة اللي جابتلي العباية كانت واقفة مرعوبة عند المطبخ عامر بيه شاورلها تسكت وفتح باب خشب صغير ورا المطبخ بيؤدي لسلم الصيانة
نزلنا السلم بسرعة ودرجاته كانت ضيقة وبتعمل صدى صوت مرعب في ودني كنت حاسة إن خطوات رجالة سامح قريبة مننا وسمعت صوت رزع قوي جاي من الأدوار اللي تحت
صوت راجل من برة بيزعق: اقلبوا العمارة حتة حتة عامر الشافعي والبت مش لازم يخرجوا من هنا سامح بيه قال حية أو ميتة
قلبي كان هيقف من الرعب مديت إيدي ومسكت في كم جاكيت عامر بيه اللي كان نازل بثبات غريب كأنه متعود على المواقف دي وصلنا للدور الأرضي بس مخرجناش من البوابة الرئيسية عامر بيه زق باب حديد صدىء وطلعنا منه على ممر ضيق بين عمارتين المطر كان لسه بينزل بغزارة وغرق وشنا في ثواني
عامر بيه همس وهو بيشاور على عربية نص نقل قديمة واقفة في آخر الممر
عامر بيه: اركبي ورا في الصندوق واستخبي تحت المشمع بسرعة وماتتحركيش مهما حصل
جريت ونطيت جوه صندوق العربية ودفنت نفسي تحت مشمع بلاستيك تقيل ريحته جاز وتراب وعامر بيه ركب قدام جنب السواق اللي كان مستنيه ودور العربية وطلعت بأقصى سرعة
كنت سامعة صوت المطر بيخبط بقوة فوق المشمع وصوت الموتور العالي وجسمي كله بيتهز مع كل مطب في الطريق مكنتش عارفة إحنا رايحين فين بس كلام عامر بيه عن الصعيد ودير العذراء كان بيلف في دماغي زي الساقية الفلوس اللي عشت عمري كله محرومة منها وبشوف أمي بتموت قدام عيني بسبب نقص الدوا بقت هي السبب في إني أكون مطاردة في نص الليل زي المجرمين
بعد ساعات طويلة من السواقة والطريق اللي بدأ يبقى كله تراب ومكسر حسيت العربية وقفت فجأة المشمع اترفع وفجأة لقيت وش عامر بيه قدامي ونور الفجر بدأ يظهر في السماء بلون رمادي
عامر بيه: انزلي يا هناء إحنا وصلنا الصعيد ودخلنا طريق المزارع قبل سامح ورجالته بس لازم نتحرك رجلينا الدير المهجور مش بعيد من هنا
نزلت ورجلي كانت متبنجة من القعدة الطويلة بصيت حواليا لقيت أرض زراعية واسعة والنخل عالي ومغطي السماء وفي الأفق كان فيه سور قديم جداً مبني من الطوب اللبن ومهدوم من أطرافه
عامر بيه طلع نص الورقة المقطوعة وبص فيها وقال وهو بينهج من التعب
عامر بيه: المفتاح في حضن العذراء تحت الشجرة التي لا تثمر الشجرة هناك اهي
شاور على شجرة جميز ضخمة جداً بس غصونها كانت ناشفة وسودا كأن النار كلتها مفيش فيها ورقة واحدة خضرة كانت واقفة زي الشبح جنب سور الدير القديم المهجور
قربنا من الشجرة وبدأنا نحفر في الطين والتراب بإيدينا عامر بيه كان بيحفر بكل قوته ونفوذه وأنا بنبش معاه والشنطة تحت باطي لحد ما إيدي لمست حاجة حديد ناشفة وقوية مدفونة تحت الجذور الضخمة
وفجأة وبدون مقدمات سمعنا صوت عربيات جاية من بعيد وتراب الشارع الزراعي بيطير في الهواء وصوت كشافات عالي كسر ضلمة الفجر وبيقرب مننا بسرعه جنونية
عرفت إن سامح وصل والصوت كان بيقرب والوقت مابقاش في صالحنا والحديد اللي تحت إيدي كان محتاج قوة عشان يترفع
أمسكتُ بالحاجة الحديدية بكل ما أوتيتُ من قوة، وعامر بيه يسندني وهو ينهج. كانت ماسورة حديدية سميكة ممتدة تحت جذور شجرة الجميز الميتة، وفي نهايتها قفل ضخم مغطى بالطين الصعيدي النتن. صرختُ بصوت مكتوم والمطر يخف تدريجياً مع تباشير الصبح:
* عامر بيه! امسك معايا، العلبة أو الخزنة مش ه تطلع غير لو شدينا سوا!
في تلك اللحظة، فرملت سيارتان ربع نقل بعنف خلفنا، وطار التراب ليغطي وجوهنا. نزل سامح وهو يحمل بندقية خرطوش، وخلفه ثلاثة رجال ملامحهم قاسية كالصخر، ونهلة تقف عند باب السيارة وتصرخ:
* خدهم يا سامح! خدهم قبل ما يطيروا بالورث!
سامح وجّه البندقية نحونا مباشرة، وعيونه حمراء من الغل والتعب وقال بصوت يخرج كالفحيح:
* ابعدي عنها يا هناء.. ابعد عن الحديدة يا عامر يا شافعي. تلاتين سنة وأنا عايش في وهم إن أبويا مات غلبان، وفي الآخر يطلع غسيل أموال وسلاح؟ الفلوس دي حقي أنا، أنا اللي عشت بلقب ابن الحرامي في وسط البلد بسبب أمك مديحة! هاتي المفتاح والورقة اللي معاكي!
عامر بيه وقف بثبات عجيب، ومد يده أمام جسدي ليحميني، ونظر لسامح بكل برود وقال:
* أبوك كان مجرم يا سامح، ومديحة السيوفي مخدتش الفلوس لنفسها، أمك عاشت ميتة وحرمت بنتها عشان الفلوس دي ترجع للناس اللي أبوك دمرهم.. المستندات اللي تحت الشجرة دي فيها حبل المشنقة ليك وللناس الكبار اللي مشغلينك ودلوقتي البوليس على وصول!
سامح ضحك بجنون ورفع البندقية:
* بوليس إيه في وسط المزارع دي؟ مفيش حد هيسمع صوتكم!
وقبل أن يضغط على الزناد، تملكتني شجاعة عمري ما حسيت بيها.. شجاعة جاية من قهر السنين، من صورة أمي وهي بتموت ورجليها ورمة، ومن ذل الفقر اللي عشته. سحبتُ الحديدة بقوة غاشمة فجأة فانكسر الجذع المتعفن، وخرجت معها علبة معدنية مصفحة ملتصقة بالماسورة. وفي نفس اللحظة، دوت سرينة شرطة قوية جداً من خلف التلال المحيطة بالدير!
عامر بيه التفت لسامح بابتسامة نصر:
* أنا مكنتش بهددك يا سامح.. أنا مأمن طريقي من أول ما خرجنا من القاهرة، وبلاغي للنيابة العامة بملف عتمان المنياوي القديم اتقدم من ساعتين.
رجالة سامح لما سمعوا سرينة الشرطة والسيارات بتهجم على المكان، جريوا وسابوه في وسط الأرض. سامح تراجع برعب والبندقية اترخت في إيده، ونهلة صرخت وركبت العربية وحاولت تهرب لوحدها بس البوكسات قفلت عليها الطريق من كل حتة.
وقع سامح في الطين وهو بيبكي من القهر، والكلابشات اتقفلت في إيده وإيد مراته.
بعد أسبوعين من الحادثة..
كنت قاعدة في مكتب عامر بيه بوسط البلد، والعلبة المصفحة مفتوحة قدامنا. المستندات والفلوس والدفاتر اتسلمت للجهات الرسمية عشان ترجع لأصحابها والمشاريع الخيرية اللي أمي أوصت بيها في نص الورقة التاني اللي كان عامر بيه شايله معاه من زمان.
أمي مديحة طلعت بريئة من السرقة، بس عاقبت نفسها بأقسى عقاب ممكن إنسان يتحمله عشان تحميني وتطهر الفلوس. النيابة سابتلي الجزء الشرعي الحلال من ثروة أمي الأصلية قبل الهروب.. رقم يكفيني ويعيشني في مستوى عمري ما حلمت بيه.
طلعت من مكتب عامر بيه وتمشيت في شوارع وسط البلد.. المطر وقف، والشمس طالعة دافية. لأول مرة من سنين، حسيت إن رجلي شايلاني، وإن روحي هديت. بصيت للسماء وقولت: “الله يرحمك يا أمي.. خلاص، حاجات كتير كانت مقفولة، والنهاردة اتفتحت.. وأنا مسمحاكي”.


تعليقات
إرسال تعليق