جبروت جوزي كاملة
جبروت جوزي كاملة
اتخانقت مع حماتي.. جوزي جِري عليا، ضربني بالقلم وهو بيزعق: “اطلعي بره البيت ده!”.. بس اللي مكانوش يعرفوه إن الـ ٢٠٠ ألف جنيه اللي بيقبضوهم كل شهر كانت بتطلع من جيبي أنا.. وإن الفيلا دي هي كمان مكتوبة باسمي!
القلم كان قوي لدرجة إن دبلة الجواز جرحت كف إيدي.
لمدة تلات ثواني، الصالة الكبيرة اللي كلها رخام في الفيلا بقت هس سس.. مفيش فيها صوت خالص.
وفجأة، حماتي ابتسمت شماتة.
— اطلعي بره البيت ده! — زعق جوزي عادل، ووشه كان مقلوب من الغضب، الغضب اللي عادة بيطلعه بس على الناس اللي شايفهم أقل منه — أنتِ صوتك ميعلاش على أمي في بيتها!
بيتها!
رفعت عيني وبصيت لـ “النجفة” الكريستال الضخمة، والسلم الرخام الأنيق، والأرضيات الإيطالي المستوردة اللي أنا نفسي منقياها، والصورة العائلية الكبيرة اللي متعلقة فوق الدفاية.
في الصورة كنا أنا وعادل وأمه بدرية.
أنا كنت واقفة وراهم بشوية.. كأني خيال مالوش لزمة بس بفلوس كتيرة.
بدرية بدأت تمسح دموع مش موجودة أصلاً بمنديل حرير، وقالت بصوت متهدج ومتمثل صح قوي:
— أنا كل اللي قولتهولها إنها لازم تحمد ربنا.. في ستات بتتجوز وتلاقي عيشة مرتاحة وفجأة بتنسى مقامها وأصلها!
— مقامي؟ — سألتها بصوت واطي جداً.
عادل قرب مني خطوة وقال:
— مش عايزة كلام كتير.
بس أنا خلاص، كنت بدأت ومفيش رجوع.
بعد تلات سنين من الذل والإهانات في عزومات العيلة بتاعة كل يوم حد، والابتسامات المزيفة في الحفلات، وتلقيح الكلام المستمر من بدرية وهي بتفكرني كل شوية إني “محظوظة” عشان عادل بصلني واختارني.. فيه حاجة جوايا أخيراً اتكسرت.
في العصرية دي، بدرية أعلنت قدام ستة من قرايبنا إني مابخلفش، وماليش لزمة، وعايشة عالة على خير ابنها!
الكل وطى رأسه وبصوا في فناجين القهوة.. محدش نطق بكلمة، ولا حتى عادل.
ساعتها أنا ضحكت.
مكانتش ضحكة عالية، ولا عملت مشهد درامي.. كانت ضحكة قصيرة.. باردة.. ومليانة مرار.
وده كان كفاية جداً عشان يقلب الدنيا.
بدرية وقفت في ثواني وحطت إيدها على صدرها زي ممثلات المسلسلات العربي:
— دي بتقل أدبها عليا في بيتي!
وطبعاً عادل جِري زي الأسد يدافع عنها.
ودلوقتي، علامة إيده كانت بتعلم وبتوجع على خدي.
— لمي الهدوم الرخيصة اللي جيتي بيها — قالتها بدرية بقرف — وسيبي الدهب والمجوهرات، وسيبي مفاتيح العربية.. سيبي كل حاجة ابنني دفع تمنها عشانك.
بصيت لها في صمت.
الـ ٢٠٠ ألف جنيه اللي كانت بتصرفهم كل شهر على الـ “سبا” والنوادي، والشنط البراند، والسواق الخصوصي.. عمرهم ما طلعوا من جيب عادل!
التحويلات آه كانت بتعدي على حسابات شركة جوزي.. بس الفلوس دي كانت فلوسي أنا.. كلها!
وحتى الفيلا اللي بدرية بتسميها “بيت ابنها” مكانتش ملك عادل اصلاً.. دي كانت معملية ومشتراه عن طريق شركة عقارات.. شركتي أنا!
عادل قرب أكتر وزعق:
— أنتِ لسه واقفة مكانك بتعملي إإيه؟
أخدت شنطتي من على الترابيزة اللي عند الباب، وإيدي مكانتش بترتعش:
— واقفة عشان عايزة أفتكر اللحظة دي كويس أوي وبكل تفاصيلها.
بدرية ضحكت بسخرية:
— ليه يا حبيبتي؟ عشان تكتبيها في مذكراتك؟
بصيت في عين عادل مباشرة، ووشه لسه أحمر دم من العصبية:
— لا — رديت بكل برود وثقة — عشان المحكمة.
لأول مرة، هما الاتنين سكتوا ومبقاش فيهم نفس.
بس هما لسه مفهموش إيه اللي حصل بالظبط.. لسه مايعرفوش إن القوة الحقيقية للعيلة دي عمرها ما كانت في إيد عادل، ولا في إيد بدرية، ولا حتى في الفيلا دي..
القوة كانت في إيد الست اللي هما لسه طاردينها حالا من بيتها!
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ولفيت ضهري، وخرجت من الباب الكبير قبل ما حد فيهم يستوعب إن اليوم ده مكانش نهاية قصتي أنا..
ده كان يادوب البداية.. لقصتهم هما
فتحت باب الفيلا وخرجت، والجو برا كان هادي ومنعش، عكس النار اللي كانت قايدة جوايا. ركبت عربيتي المرسيدس اللي عادل كان فاكر إنه “مشتريها” ليا من تعبه، ودورت الموتور. قبل ما أتحرك، بصيت في المراية؛ خدي كان لسه أحمر، بس عيني كانت بتلمع بقوة مبقتش خايفة من حاجة.
طلعت تليفوني وطلبت رقم “شريف”، المحامي العام لشركاتي وصديق عمري اللي كان دايماً بيحذرني من عادل.
— أهلاً يا فريدة، غريبة مكلماه في وقت عصرية الأحد!
— شريف، جهز كل الأوراق. القرض الصوري اللي باسم شركة عادل، وعقد إيجار الفيلا، والتوكيل المالي اللي كنت عاملاه له. الغي كل حاجة فوراً.
صوت شريف اتغير تماماً وبقى فيه نبرة انتصار:
— أخيراً ف وقتي؟ ده أنا مستني اليوم ده من تلات سنين! ساعتين وكل حاجة هتتنفذ قانوناً.
المشهد الأول: صدمة البنك (الساعة 10:00 صباحاً من اليوم التالي)
صحيت الصبح في شقتي القديمة اللي محدش يعرف عنها حاجة. قعدت أشرب قهوتي بروقان وأنا عارفة السيناريو اللي بيحصل هناك.
في نفس التوقيت، عادل كان واقف في مكتبه بالشركة، لابس بدلتة الأنيقة وبيقدم لعميل كبير مشروع جديد. دخلت السكرتيرة ووشها أصفر:
— أستاذ عادل.. السيستم واقف، وفي إشعار جه من البنك بالحجز على الحسابات الجارية للشركة!
عادل ضحك بثقة:
— حجز إيه يا بنتي؟ تلاقيه عطل فني، أنا لسه محول ٢٠٠ ألف جنيه لمصروف البيت امبارح.
مسك تليفونه وطلب مدير البنك اللي كان دايماً بيرحب بيه، بس النبرة المرة دي كانت مختلفة:
— عادل بيه.. للأسف الشديد، شركة “فريدة هانم للخطوط العقارية” سحبت الغطاء المالي والوديعة الضامنة لشركتك، وبناءً عليه، القرض المليوني اللي كنت واخده بضمانها اتلغى، وحساباتك أصبحت مكشوفة وومنوعة من السحب.
عادل التليفون وقع من إيده، والعميل انسحب في صمت. في لحظة واحدة، اكتشف إن “الشركة” الكبيرة بتاعته عبارة عن قشرة فاضية، والملأ المالي كله كان جاي من حسابات مراته “الغلابة”.
المشهد الثاني: طرد ملكي (الساعة 4:00 عصراً)
في الفيلا، بدرية كانت قاعدة بتشرب شاي الياسمين وبتتكلم في التليفون مع واحدة من صاحباتها:
— أيوة يا حبيبتي، طردتها بره بيتي، أصلها مكانتش من مقامنا..
وفجأة، جرس الباب رن بعنف. الشغالة فتحت، ودخل شريف المحامي ومعاه اتنين رجالة ببدل رسمية، وفي إيدهم ورق مختوم بختم النسر.
بدرية وقفت بزعيق:
— أنتم مين؟ وإزاي تدخلوا هنا كده؟ فين الأمن؟!
شريف ابتسم بهدوء وثقة وقدم لها الورق:
— مساء الخير يا بدرية هانم. أنا المستشار القانوني لشركة المالكة للفيلا دي. ده أمر إخلاء فوري لعدم سداد القيمة الإيجارية، بالإضافة لإلغاء عقد الاستضافة اللي كان مسموح بيه للأستاذ عادل.
بدرية صرخت:
— إيجار إيه؟ دي فيلا ابني! عادل شاريها بفلوسه!
شريف ضحك ببرود:
— ابنك عادل ميعملكش تمن الرخام اللي تحت رجلك ده. الفيلا دي ملك الست فريدة، وابنك كان قاعد هنا بعقد إيجار رمزي قيمته “جنيه واحد في السنة” عشان مءاذيش مشاعره الرجولية. ودلوقتي، العقد اتلغى. قدامكم ٢٤ ساعة تلموا حاجتكم.. وإلا الإخلاء هيبقى بالقوة الجبرية.
المشهد الثالث: الانكسار
الساعة 9 بالليل، تليفوني متبطنش رن. عادل.
سبته يرن تمن مرات، وفي المرة التاسعة فتحت السبيكر وحطيت التليفون قدامي وأنا باكل تفاحة ببرود.
— فريدة! أنتِ فين؟ إيه اللي بيحصل ده؟ البنك قفل حساباتي والشركة هتفلس! وأمي بتكلمني بتبكي وتقول إن فيه ناس عايزين يطردوها من الفيلا! أنتِ اتجننتي؟!
رديت بنبرة هادية جداً:
— أهلاً يا عادل. مش أنت اللي قولتلي “اطلعي بره البيت ده”؟ وأمك قالتلي سيبي الهدوم والرخيصة والدهب؟ أنا نفذت كلامكم بالظبط. سبت لكم كل حاجة.. وسحبت بس “حاجتي”.
صوته اتحول من الغضب للرعب، وبدأ يستوعب حجم الكارثة:
— فريدة.. أرجوكي، إحنا عشرة تلات سنين، مش عشان خناقة ستات تقلبي حياتنا! أنا جوزك!
— جوزي اللي ضربني بالقلم عشان صليت لربنا ودافعت عن نفسي؟ جوزي اللي كان سايب أمه تذلني كل يوم حد عشان مفهمنها إنك أنت اللي بتصرف عليا؟
سمعت صوت بدرية في الخلفية وهي بتعيط وتلطم: “قولها تسامحنا يا عادل.. بيتي هيضيع يا ابني!”
أخدت نفس طويل وقولتله جملتي الأخيرة:
”الـ ٢٠٠ ألف اللي كنتوا بتبهروا بيها الناس كل شهر، والفيلا، والمنظرة الكدابة.. دي كانت تمن سكوتي على قلة أدبكم. ودلوقتي، السكوت ده مبقاش للبيع. نتقابل في محكمة الأسرة يا عادل.. عشان تطلقني وتدفع مؤخر الصداق والنفقة.. من فلوس شركتك المفلسة.”
قفلت السكة في وشه، وعملت له بلوك. لأول مرة من تلات سنين، حسيت إن خدي مش بيوجعني.. وحسيت بنسمة حرية حقيقية. اللعبة انتهت، والبيت اللي اتبنى على الكدب والظلم، انهار فوق دماغ أصحابه بلمسة واحدة مني.
مر أسبوع كامل من غير ما أسمع صوتهم، أسبوع كان كفيل يرجعلي فيه سلامي النفسي اللي اتهرس تحت رجلي العيلة دي. لكن طبعاً، المصايب لما بتنزل على الناس اللي عاشت بالكدب، بتنزل ورا بعضها ومابتسميش.
يوم السبت الصبح، تليفوني رن وكان المتصل هو “إيهاب”، المحاسب القانوني لشركة عادل.. أو اللي كانت شركة عادل.
— أهلاً يا إيهاب، فيه جديد؟
صوته كان مرعوب ومتردد:
— فريدة هانم، أنا آسف إني بكلمك، بس الوضع هنا كارثي. عادل بيه بقاله تلات أيام مبيخرجش من المكتب، والنهاردة الصبح عمال وموظفين الشركة عملوا إضراب لما عرفوا إن الشيكات بتاعة المرتبات ارتدت من البنك ومفيش رصيد. عادل بيه بينهار، وجاتله أزمة صحية ونقلوه المستشفى من ساعتين!
سمعت الكلام ومتحركتش فيا شعرة واحدة. قولتله ببرود:
— الله يكون في عونه يا إيهاب.. بلغ المستشار شريف باللي حصل عشان يتابع إجراءات الحجر على أصول الشركة المعطلة. مع السلامة.
المشهد الرابع: الزيارة الأخيرة (مستشفى الاستثماري)
رغم كل اللي عمله، كان لازم أحط “نقطة النهاية” بنفسي وفي وشهم. لبست فستان أسود أنيق، ونضارة شمس سوداء، ورحت المستشفى.
أول ما وصلت الدور اللي فيه أوضته، لمحت بدرية قاعدة على كراسي الانتظار. مكانتش بدرية بتاعة زمان؛ الحرير اختفى، والشنطة البراند مكنتش معاها، ووشها كان باهت وعينيها منفوخة من العياط. أول ما شافتني، وقفت بسرعة وجريت عليا، ومسكت في إيدي.. الإيد اللي من كام يوم بس كانت بتقولي سيبي فيها الدهب والمفاتيح!
— فريدة! يابنتي.. أرجوكي سامحينا، عادل بيموت جوه! الضغط عليّ عنده والشركات قفلت والفيلا اتشمعت والناس بتاكل وشنا! أبوس إيدك رجعي كل حاجة وأنا هبوس على رأسك قدام العيلة كلها!
شيلت إيدها من عليا بمنتهى الهدوء، وبصيت في عينيها وقولت:
— مقامي يا بدرية هانم.. مش إنتِ اللي كنتِ بتسألي عن مقامي وأصلي؟ أهو أصلي ومقامي هما اللي كانوا منيمينكم على ريش نعام. بس إنتوا افتكرتوا إن الكرم ضعف.
سبتها واكفة مذهولة ودخلت الأوضة لعادل.
المشهد الخامس: الحساب
عادل كان نايم على السرير، ومتركبله محاليل. أول ما شافني، عينه لمعت ببريق أمل كداب.. افتكر إني جيت أحن أو أرجع. حاول يقعد وهو بيتكلم بصوت مبحوح:
— فريدة.. أنا.. أنا كنت غبي. الشيطان عمى عيني، والغلية من كلام أمي عميتني. أنا بحبك يا فريدة، متخربيش بيتنا.
وقفت بعيد عن السرير، وحطيت إيدي في جيوب بالطو الفستان، وابتسمت:
— بيتنا؟ إنت لسه بتقول بيتنا برضه؟ عادل.. أنا مش جاية أعاتب ولا جاية أسمع اعتذار. أنا جاية أسلمك الورقة دي بنفسي.
طلعت من الشنطة “إنذار على يد محضر” برفع دعوى خلع، ودعوى تزوير وشيكات بدون رصيد كنت شايلاها في الدرج من سنة؛ شيكات هو وقعها بنفسه لما كان بياخد من حساباتي عشان يغطي خسائر شركته القديمة وكنت بعديها بمزاجي.
— دي إيه؟ — سألني وصوته بيرتعش.
— دي تذكرتك للمكان اللي تستاهله. القرض اللي اتسحب ضمانه، شيكاته هترجع للنيابة بكره الصبح. يعني مش بس هتطلع من الفيلا.. إنت والشركة وأمك هتبقوا في الشارع، وإنت غالباً هتقضي كام سنة ضيف عند الحكومة لو مدفعتش الفلوس اللي عليك لشركتي.. وهي تمنها ملايين يا عادل.
وقع الورق من إيده على السرير، وبصلي بذهول كأنه بيشوفني لأول مرة:
— أنتِ معندكيش قلب؟ هترقدي جوزك السجن؟
قربت منه خطوة، ونزلت النضارة شوية وبصيت في عينه بقسوة ميعرفهاش عني:
— القلم اللي ضربتهوني امبارح، طير من قلبي أي رحمة ناحيتك. إنت مكنتش شايفني بني آدمة، كنت شايفني خزنة فلوس متحركة وبتديك برستيج قدام ناسك. ودلوقتي.. الخزنة قفلت، والبرستيج اتمسح بكرامة الأرض.
المشهد الأخير: البداية الجديدة
خرجت من المستشفى وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة من تلات سنين. ركبت عربيتي، وشغلت مزيكا هادية.
تلفوني رن، كان شريف المحامي:
— فريدة هانم، الفيلا تم إخلائها تماماً واتغيرت الكوالين، والشركة دلوقتي تحت التحفظ القانوني. خطوتنا الجاية إيه؟
بصيت للطريق قدامي، وابتسمت ابتسامة حقيقية وصافية:
— خطوتنا الجاية يا شريف.. إننا نهد الفيلا دي خالص. مش عايزة أي حيطة تفكرني بالوجع. ابدأ إجراءات رخص الهدم، وابني مكانها مجمع سكني جديد باسم “فريدة”.
قفلت الخط، ودُست بنزين.. وأنا بسيب ورايا عادل وبدرية، وكل الأيام الضلمة، وببدأ صفحتي الجديدة.. بفلوسي، وقوتي، وكرامتي اللي مفيش مخلوق هيقدر يمسها تاني
بعد مرور سنة كاملة على اليوم اللي اتقلب فيه كل شيء…
كنت واقفة في نفس المكان اللي شهد إهانتي، لكن المرة دي المنظر كان مختلف تماماً. النجفة الكريستال الضخمة، السلم الرخام، والحيطان اللي شافت ظلمهم… كلها بقت مجرد ذكريات وتراب تحت العواميد الخرسانية الجديدة للمشروع الاستثماري الضخم اللي ببنيه باسمي: “برج فريدة”.
قاطعت تأملي رنة الموبايل، كان المستشار شريف:
— فريدة هانم، جلسة النطق بالحكم في قض..ية الشيكات خلصت حالا. المحكمة حكمت على عادل بالسجن ٣ سنين مع الشغل والنفاذ، وطبعاً حكم الخلع بقاله شهور نهائي.
خدت نفس عميق، وقولت براحة:
— الحمد لله يا شريف. كده كل حق رجع لأصحابه.
شريف كمل بنبرة فيها تعجب:
— وعلى فكرة، بدرية هانم كانت واقفة قدام المحكمة، شكلها يصعب على الكافر.. باعت دهبها كله وكل اللي وراها وقدامها عشان تدفع جزء من التعويضات ومصاريف المحامين، ودلوقتي مأجرة أوضة وصالة في منطقة عشوائية هي وبنتها. بعتتلي مع المساعد بتاعي رجاء وبوسة إيد إنك تتنازلي عن باقي التعويض المالي عشان متتحبسش هي كمان.
بصيت على العمال اللي شغالين في الموقع وعيني لمعت بقوة:
— قول لها إن “الست اللي مابخلفش ومالهاش لزمة” مش هتاخد منها فلوس تاني.. أنا هتنازل عن التعويض المالي، مش عشانها، عشان أنا فلوسهم متبقاش في جيبي، وعشان يعرفوا إن الرحمة دي صفة الأسياد اللي هما عمرهم ما هيكونوا منهم. قفلنا الصفحة دي يا شريف وللأبد.
قفلت الخط، ورفعت راسي للسما والشمس مغرقة المكان.
القلم اللي علم على خدي من سنة، مكسرنيش.. ده كان الصدمة اللي فوقتني عشان أفتكر أنا مين وبنت مين. عادل وبدرية عاشوا في وهم القوة اللي كان من فلوسي، ولما سحبت البساط، وقعوا في القاع اللي يستاهلوه، لأن القوة الحقيقية مش في الفلوس اللي بنملكها، القوة في الكرامة والنفس العزيزة اللي مابتقبلش الإهانة.
ركبت عربيتي، ودست بنزين وأنا ببص في المراية… المرة دي مكنش فيه أثر للوجع، كان فيه بس ابتسامة ست بدأت حياتها الحقيقية من جديد، وهي حاطة الكل في مقامه الصح.


تعليقات
إرسال تعليق