ســر تحـت شجـرة الجـوافة كاملة
ســر تحـت شجـرة الجـوافة كاملة حكـايات منـي السـيد
مـرات إبنـي كانـت بتدينـي عيـش بايـت وهـي وإبنـي بيـاكلوا لحمـة مشويـة، وكـانت دايـمًا تقـول: الحاجـة السخـنة لأهـل البيـت…. لـكن محـدش فيهـم كـان يعـرف السـر اللي مدفـون تحـت شجـرة الجـوافة فـي الجنينـة….
— العيش الطري معمول لأهل البيت… إنتِ يكفيكي العيش البايت بتاع امبارح.
قالتها نجـلاء بصوت عالي قدام الكل، من غير ما تحاول حتى توطي صوتها. كأنها عايزة الجيران كلهم يسمعوا.
أنا الحاجـة أمينـة، عندي 74 سنة، وإيديا اتبهدلت من سنين الشغل والتعب. كنت قاعدة على طرف السفرة الصغيرة اللي جنب المطبخ، بينما ابني أحمد ومراته نجلاء وحفيدي عمر قاعدين قدام أطباق اللحمة المشوية والسلطات.
أما أنا فكان قدامي طبق فيه شوية أكل بارد من امبارح.
الوجع الحقيقي ماكانش في الأكل.
الوجع كان إني أشوف ابني أحمد مطاطي راسه وساكت.
من تلات شهور بس، لما قفلت الورشة اللي كنت شغالة فيها من سنين طويلة، هو اللي كلمني بنفسه.
— تعالي يا أمي اقعدي معانا… البيت بيتك.
وصدقته…بعد وفاة جوزي الله يرحمه، ربيت أحمد لوحدي. اشتغلت ليل ونهار عشان أعلمه وأجوزه وأوقفه على رجليه.
ولما اتجوز، أنا اللي ساعدته يشتري الشقة اللي عايشين فيها دلوقتي…. حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
جيتلهم بشنطتين قدام، فاكرة إني هقضي آخر سنين عمري وسط أهلي وولادي.
بس نجلاء كان ليها رأي تاني…في الأول قالت إن السفرة ضيقة…بعدها نقلتني أكل في المطبخ ، وبعدين بدأت تديني بواقي الأكل ، وكل مرة كانت تقول نفس الجملة:
— الظروف صعبة يا طنط أمينة… وكل واحد لازم يستحمل.
وأحمد يسمع ويسكت… الشخص الوحيد اللي كان بيتكسف من اللي بيحصل هو عمر، حفيدي اللي عنده سبع سنين.
في ليلة من الليالي دخل عليا وأنا قاعدة لوحدي.
كان لابس بيجامة عليها عربية سباق، ومستخبي ورا ضهره.
طلع حتة لحمة صغيرة ملفوفة في منديل.
— خدي يا تيتا… خبّيتها عشانك.
ابتسمت بالعافية.
— كلّها إنت يا حبيبي.
— لا… إنتِ لازم تاكلي.
— وإنت كمان لازم تكبر.
بصلي بعينيه الصغيرة وقال:
— المدرسة قالت إن الجدود زي الشجر الكبير… بيدّوا ضل لكل اللي حواليهم.
#حكايات_منـي_السيـد
ساعتها دموعي نزلت غصب عني.
ومن اليوم ده، عمر بقى يزورني في السر.
مرة يجيبلي جبنة.
مرة يجيبلي رغيف سخن.
ومرة يخبّيلي قطعة فراخ في جيبه.
وأنا أحكيله عن زمان، وعن الأيام الحلوة، وهو يرسمنا كلنا قاعدين على سفرة واحدة.
لكن محدش كان يعرف السر اللي شايلاه جوايا.
طول عمري كنت بخبي جزء من فلوسي.
وكل ما أوفر مبلغ كويس، كنت أشتري دهب.
مش غاوية بنوك ولا حسابات.
لحد ما جمعت ثروة كبيرة.
حوالي خمسة مليون جنيه…وحطيتهم في صندوق حديد مقفول بإحكام…ومن سنين طويلة دفنته تحت شجرة الجوافة اللي في جنينة البيت….والأهم من كده…
الشقة نفسها لسه باسمي أنا.عمري ما قلت لأحمد الحقيقة.
كنت عايزة أعرف هيحترمني عشاني أمه…ولا عشان الفلوس.
في يوم جمعة، عمر دخل عليا جاري وفي إيده قطعة لحمة ملفوفة في منديل…قبل ما يوصلها ليا، دخلت نجلاء فجأة.
وشها كان أحمر من الغضب.
— إنت بتعمل إيه هنا؟
اتخض عمر.
— كنت بدي تيتا حتة لحمة.
مسكته من دراعه بعنف.
— مش قولتلك متديهاش حاجة؟
بدأ الولد يعيط.
— بس يا ماما… تيتا جعانة.
— تاكل اللي يتحطلها وبس!
في اللحظة دي دخل أحمد بعد ما سمع الصوت.
بص لعمر ، وبصلي ، وبعدين بص لمراته … وقال بهدوء:
— وطي صوتك شوية… الجيران هيسمعوا.
بس…ولا كلمة واحدة يدافع بيها عن ابنه…ولا عن أمه.
من اليوم ده نجلاء بدأت تحبس عمر في أوضته وقت العشا.
من الساعة ستة لحد تسعة بالليل ، وكنت كل يوم أسمعه بيعيط ويطلب مية…ساعتها فهمت إن سكوتي بقى بيأذي أكتر ما بيفيد… حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
بعد كام يـوم سمعت نجلاء بتتكلم مع جارتها في البلكونة.
وقالت وهي بتضحك:
— والله الست دي حمل تقيل… يا رب ربنا ياخدها ونرتاح.
الجملة دي كسرت آخر حاجة جوايا…
وفي اليوم اللي بعده خرجت الجنينة وهي ماسكة مجلة ديكورات…
وقالت لأحمد:
— الشجرة دي لازم تتشال.
— ليه؟
— عايزة أعمل مكانها حمام سباحة صغير للأطفال.
وأشارت بإيديها على نفس المكان…نفس المكان اللي مدفون تحته صندوق الدهب…في الليلة دي ما نمتش.
بصيت على ابني وهو نايم…وسمعت حفيدي بيعيط جوه أوضته ، وخدت قراري…مش هتوسل لمكان في بيت أنا اللي ساعدت في شراؤه ، ومش هسيب حفيدي يتعلم إن الرحمة ضعف… حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
الساعة تلاتة الفجر…مسكت الفأس الصغيرة وخرجت للجنينة.
وقفت تحت شجرة الجوافة ، وبدأت أحفر ، وماكنش حد في البيت كله متخيل المفاجأة اللي كانت مستخبياهم تحت التراب…#حكايات_منـي_السيـد
الفصل الثاني
الساعة كانت داخلة على تلاتة ونص الفجر، والبيت كله غرقان في السكون.
كنت واقفة تحت شجرة الجوافة وإيديا بترتعش من التعب والسنين، لكن كل ما كنت أغرز الفأس الصغيرة في التراب كنت بحس إن جوايا قوة غريبة.
يمكن قوة الظلم لما يزيد عن حده.
ويمكن قوة أم اتكسرت من أقرب الناس ليها.
حفرت شوية، وبعدين شوية كمان.
العرق نزل على وشي رغم إن الجو كان بارد.
وفجأة…
سمعت صوت الحديد يخبط في حاجة صلبة.
وقفت مكاني.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
نزلت على ركبتي ومسحت التراب بإيديا.
وظهر طرف الصندوق المعدني.
نفس الصندوق اللي دفنته من أكتر من عشرين سنة.
ساعتها دموعي نزلت لوحدها.
مش عشان الدهب.
لكن عشان السنين كلها عدت قدام عيني.
افتكرت جوزي الله يرحمه وهو بيقولي:
— خليكي دايمًا مأمنة نفسك يا أم أحمد… الدنيا مبتأمنش لحد.
افتكرت الليالي اللي كنت أوفر فيها خمسة جنيه وعشرة جنيه وأخبيهم.
وافتكرت كل مرة كنت أشتغل زيادة عشان أأمن مستقبل ابني.
طلعت الصندوق بالعافية.
كان تقيل جدًا.
ض
سحبته لحد المخزن الصغير اللي آخر الجنينة وخبيته هناك مؤقتًا.
وبعدين رجعت أوضتي قبل ما حد يصحى.
أول ما حطيت راسي على المخدة سمعت صوت الأذان.
لكن النوم ماجاش.
فضلت أبص للسقف وأفكر.
هل أحمد فعلًا بقى الراجل ده؟
هل ابني اللي كنت بم..وت نفسي عشانه بقى قادر يشوف أمه بتتهان ويسكت؟
ولا نجلاء هي اللي غيرته؟
الأسئلة كانت كتير.
لكن الإجابة واحدة.
الواقع قدامي.
مع شروق الشمس صحيت على صوت نجلاء.
كالعادة كانت بتزعق في الشغالة اللي بتيجي مرتين في الأسبوع.
— إنتِ مبتفهميش؟ الأرض دي لازم تتغسل كويس.
خرجت من أوضتي بهدوء.
لقيتها أول ما شافتني قلبت وشها.
— صباح الخير.
قلت بهدوء:
— صباح النور.
ردت ببرود:
— الفطار على الرخامة.
بصيت.
لقيت رغيف ناشف وكوباية شاي بارد.
بينما أحمد وعمر قدامهم فول وجبنة وبيض.
حتى عمر لاحظ الفرق.
بصلي بحزن.
لكن قبل ما يتكلم، نجلاء رمقته بنظرة خلت الولد يسكت.
عدى اليوم كله وأنا مراقبة.
مراقبة بس.
من غير ما أتكلم.
ومن غير ما أعاتب.
العجيب إن لما الإنسان بيبطل يتكلم، بيبدأ يشوف حاجات كتير كانت مستخبية.
لاحظت إن أحمد بقى بيرجع متأخر كل يوم.
ولاحظت إن نجلاء بتصرف فلوس بشكل مبالغ فيه.
كل أسبوع شنط جديدة.
وكل شوية طلبات أونلاين.
وأجهزة.
ومكياج.
وحاجات ملهاش لازمة.
وفي المقابل كانت بتتحجج بالفقر لما تيجي عليا.
بعد يومين كنت قاعدة في البلكونة.
سمعت نجلاء بتتكلم في التليفون.
واضح إنها كانت بتكلم صاحبتها.
— والله يا سوسن، أنا خلاص قربت أقنع أحمد يبيع البيت.
اتجمدت مكاني.
كملت كلامها:
— المنطقة سعرها غلي جدًا.
البيت ده لو اتباع هنشتري فيلا في كمبوند.
سكتت شوية وبعدين ضحكت.
— أمه؟ دي ملهاش كلمة. أحمد بيمشي ورايا في أي حاجة.
حسيت بحرارة طالعة في جسمي.
البيت اللي بتتكلم عنه كأنه ملكها…
لسه باسمي أنا.
وهي أصلًا متعرفش.
من يومها بدأت أفكر بطريقة مختلفة.
أنا مش عايزة أنتقم.
لكن لازم أحمي اللي باقي من عمري.
وأحمي عمر.
بعدها بيومين حصل موقف خلاني أتأكد إن قراري صح.
كان عمر راجع من المدرسة.
داخل جاري وهو فرحان.
— تيتا… تيتا… جبت عشرة من عشرة في التعبير.
حضنته وفرحتله.
لكن نجلاء خرجت من المطبخ وقالت بعصبية:
— سيبك من اللعب ده وروح أوضتك.
الولد اتصدم.
— بس يا ماما أنا عايز أوريها الكراسة.
— قولت أوضتك.
بصلي عمر بعينين مليانين حزن.
ودخل أوضته.
ساعتها لأول مرة اتكلمت.
— هو عمل إيه غلط؟
بصتلي باستفزاز.
— أنا بربي ابني بالطريقة اللي تعجبني.
— الولد كان فرحان بس.
— وأنا حرة.
رجعت سكت.
لكن جوايا كان بيتغير.
في الليل سمعت خناقة بين أحمد ومراته.
كانت أول مرة أسمعهم بيتخانقوا بجد.
نجلاء كانت بتزعق.
— أنا تعبت من وجود أمك هنا.
أحمد رد بصوت واطي:
— دي أمي.
— وأنا مراتي.
— بس برضو دي أمي.
— يبقى اختار.
ساعتها ساد صمت طويل.
استنيت أسمع أحمد يدافع عني.
استنيت أسمعه يقول كلمة واحدة.
أي كلمة.
لكن اللي سمعته خلاني أحس إن قلبي وقع.
قال:
— حاضر يا نجلاء… هفكر في حل.
حاضر يا نجلاء.
الجملة فضلت ترن في وداني طول الليل.
بعدها بيوم، وأنا بنضف دولابي، لقيت ملف قديم وسط هدومي.
ملف فيه كل أوراق البيت.
وعقد الملكية.
وشهادات الدفع.
وكل حاجة تثبت إن الشقة دي لسه باسمي.
فضلت أبص للأوراق كتير.
وبعدين حطيتهم في شنطة صغيرة.
ومن غير ما أقول لحد، خرجت الصبح.
أحمد كان في الشغل.
ونجلاء عند الكوافير.
وعمر في المدرسة.
ركبت تاكسي وروحت لمكتب محامي قديم كنت أعرفه من سنين.
الأستاذ شريف.
أول ما شافني قام يسلم عليا.
— يا نهار أبيض… الحاجة أمينة!
ابتسمت.
— إزيك يا أستاذ شريف؟
— الحمد لله… خير؟
قعدت قدامه وحكيتله كل حاجة.
من أول يوم دخلت البيت.
لحد العيش البايت.
ولحد حبس عمر.
ولحد كلام نجلاء عن بيعي البيت.
كان ساكت بيسمع.
ولما خلصت قال:
— يعني البيت لسه باسمك بالكامل؟
— أيوة.
— والورق كله سليم؟
ناولته الملف.
راجع الورق بدقة.
وبعدين رفع راسه.
— الورق ممتاز.
سألته:
— لو حبيت أتصرف في البيت… أقدر؟
قال بثقة:
— طبعًا تقدري.
سكت شوية وبعدين قال:
— بس واضح إن عندك خطة.
ابتسمت لأول مرة من شهور.
— يمكن.
وأنا خارجة من المكتب، رن تليفوني.
كان رقم المدرسة.
قلبي وقع.
رديت بسرعة.
— ألو؟
— حضرتك ولية أمر عمر؟
— أيوة.
— ممكن تيجي المدرسة ضروري؟
— حصل إيه؟
الموظفة سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— عمر دخل في مشاجرة مع أحد زملائه… وهو دلوقتي قاعد بيعيط ومش راضي يكلم حد.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
عمر عمره ما كان طفل عدواني.
أبدًا.
ركبت أول تاكسي واتجهت للمدرسة.
وطول الطريق سؤال واحد كان بيلف في دماغي:
إيه اللي حصل للولد؟
وليه فجأة اتخانق؟
لكن لما وصلت وشفت عمر قاعد في مكتب المديرة، وعينيه حمرا من كتر العياط…
عرفت إن فيه حاجة أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
حاجة هتغير كل اللي جاي…
يتبع في الفصل الثالث
الفصل الثالث
أول ما دخلت مكتب المديرة، قلبي اتقبض.
عمر كان قاعد على كرسي صغير في الركن، راسه في الأرض وعينيه منفوخين من كتر العياط.
أول ما شافني جري عليا ورمى نفسه في حضني.
— تيتا…
حضنته جامد.
— مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟
لكن قبل ما يرد، المديرة قالت بهدوء:
— اتفضلي اقعدي يا حاجة أمينة.
قعدت وأنا ماسكة إيد عمر.
المديرة فتحت ملف قدامها وقالت:
— عمر النهاردة ضرب زميله في الفصل.
بصيت للولد بدهشة.
— عمر؟
— أيوة.
عمر عمره ما مد إيده على حد.
كان من أهدى الأطفال اللي أعرفهم.
المديرة كملت:
— الولد اللي اتخانق معاه قاله كلام ضايقه جدًا.
لفيت ناحية عمر.
— قالك إيه؟
بدأت شفايفه ترتعش.
وسكت.
وبعدين دموعه نزلت تاني.
— قال إن تيتا شحاتة…
حسيت كأن حد ضربني على صدري.
المديرة بصتله بحزن.
لكن عمر كمل وهو بيعيط:
— وقال إن ماما قالت لمامته إن تيتا قاعدة عندنا عشان معندهاش فلوس ومحدش عايزها.
ساعتها فهمت كل حاجة.
الكلام اللي نجلاء كانت بتقوله في كل حتة وصل للأطفال كمان.
والولد الصغير بقى بيتعاير بيه في المدرسة.
عمر كمل بصوت متقطع:
— ولما قال إنك حمل علينا… زقيته.
حضنته أكتر.
وكنت بالعافية ماسكة دموعي.
المديرة قالت:
— بصراحة أنا شايفة إن عمر طفل محترم جدًا، ودي أول مشكلة تحصل منه.
هزيت راسي.
— وهو عمره ما عمل كده قبل كده.
بعد شوية خرجنا من المدرسة.
وفي الطريق، عمر كان ساكت.
لحد ما فجأة سألني:
— تيتا؟
— نعم يا قلب تيتا.
— إنتِ فقيرة؟
سؤاله وجعني أكتر من أي حاجة.
ابتسمت بالعافية.
— لا يا حبيبي.
— أمال ليه ماما بتقول كده؟
سكت ثواني.
وبعدين قلت:
— في ناس بتفتكر إن قيمة الإنسان بفلوسه.
بس ربنا بيبص للقلوب.
فضل يفكر شوية.
وبعدين قال:
— أنا بحبك حتى لو معندكيش جنيه واحد.
دموعي نزلت غصب عني.
ومسحتها بسرعة عشان ما يشوفنيش.
رجعنا البيت بدري.
وأول ما دخلنا، لقيت نجلاء قاعدة في الصالون.
أول ما شافتنا قامت.
— إيه اللي حصل؟
رديت بهدوء:
— عمر اتخانق في المدرسة.
اتخضت.
— ليه؟
بصلها عمر مباشرة.
وقال:
— عشان الولد قال إن تيتا شحاتة.
اللون اتغير من وشها.
لكن بسرعة حاولت تتماسك.
— وأنت تضربه؟
— عشان إنتِ اللي قولتي كده.
ساعتها اتوترت.
وبدأت تبص يمين وشمال.
— أنا؟!
— سمعتك.
الصمت نزل على المكان كله.
في اللحظة دي دخل أحمد.
وكان واضح إنه راجع من الشغل.
بص علينا باستغراب.
— في إيه؟
عمر جري عليه.
وحكى كل حاجة.
كل كلمة.
كل تفصيلة.
وأنا كنت واقفة أراقب.
أول مرة أشوف أحمد مش عارف يرد.
بص لمراته.
وبعدين بص لابنه.
وأخيرًا بصلي.
لكن كالعادة…
سكت.
الصمت بتاعه بقى أسوأ من الكلام.
دخل أوضته من غير ما يقول حاجة.
أما نجلاء فدخلت وراه وهي متعصبة.
بعد نص ساعة سمعت صوت خناقة جديدة.
أعلى من كل مرة.
— ابنك بقى يرد عليا!
— لأنك غلطتي يا نجلاء.
— أنا غلطت؟!
— مينفعش تقولي على أمي الكلام ده.
أول مرة أسمعه يعترض.
لكن فرحتي ما كملتش.
لأن بعدها مباشرة قال:
— بس الموضوع مش مستاهل نكبره.
كالعادة.
نص موقف.
ونص دفاع.
ونص رجولة.
أما النصف التاني فكان ضايع.
في الليل، وأنا قاعدة في أوضتي، لقيت عمر بيخبط.
دخل وقفل الباب.
وكان ماسك حصالة صغيرة.
الحصالة اللي بيجمع فيها مصروفه.
حطها قدامي.
— خدي.
استغربت.
— إيه ده؟
— الفلوس بتاعتي.
ضحكت.
— ليه؟
— عشان لو محتاجة فلوس.
ساعتها مقدرتش أمسك نفسي.
حضنته وفضلت أعيط.
يمكن لأول مرة من شهور أحس إن حد حاسس بيا.
حتى لو طفل عنده سبع سنين.
بعدها بأيام بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
نجلاء بقت مهتمة بالجنينة بشكل مبالغ فيه.
كل يوم تنزل.
تقيس.
وتصور.
وتكلم ناس.
وفي يوم سمعتها بتقول في التليفون:
— الحفار هييجي الأسبوع الجاي.
الحفار.
الكلمة خلتني أنتبه.
رجعت أوضتي وأنا بفكر.
واضح إن موضوع إزالة الشجرة بقى قريب جدًا.
لكن الحمد لله.
الصندوق ما بقاش تحتها.
في نفس الأسبوع، الأستاذ شريف المحامي كلمني.
— محتاج أشوفك ضروري.
روحتله تاني.
أول ما دخلت لقيته مجهز ملف كبير.
— فيه حاجة لازم تعرفيها.
قلبي دق بسرعة.
— خير؟
فتح الملف.
— ابنك عليه ديون.
اتجمدت مكاني.
— إيه؟
— ديون كبيرة.
— مستحيل.
— للأسف حقيقية.
طلع أوراق قدامي.
قروض.
وأقساط.
وكروت ائتمان.
وأوراق موقعة باسمه.
أرقام كبيرة جدًا.
أكبر مما كنت أتخيل.
حسيت بدوخة.
— أحمد عمره ما كان مسرف.
هز راسه.
— غالبًا المصاريف زادت جدًا في آخر سنتين.
افتكرت شنط نجلاء.
والسفر.
والمشتريات.
وكل حاجة.
وفجأة الصورة بدأت تكتمل.
يمكن عشان كده كانت عايزة تبيع البيت.
مش رفاهية.
دي كانت غرقانة في مشاكل مالية.
رجعت البيت ودماغي مليانة أسئلة.
وفي نفس الليلة، وأنا رايحة أشرب مية، سمعت صوت جاي من الصالون.
وقفت.
كان أحمد ونجلاء بيتكلموا.
— البنك بعت إنذار أخير.
قالها أحمد بصوت مكسور.
نجلاء ردت بعصبية:
— وأنا أعمل إيه؟
— لازم نلاقي حل.
— قولتلك نبيع البيت.
— البيت مش باسمي.
الصمت نزل فجأة.
وقفت مكاني.
واضح إنه أخيرًا عرف الحقيقة.
نجلاء اتكلمت بعد ثواني:
— يعني إيه؟
— البيت باسم أمي.
— إيه؟!
— لسه باسمها من يوم ما اشترته.
اتحول صوتها لصريخ.
— وإنت ساكت كل السنين دي؟
— كنت فاكر إنها هتنقله باسمي.
— وإيه اللي يضمن إنها تعمله دلوقتي؟
سكت أحمد.
أما أنا ففضلت واقفة برا الباب.
أسمع.
وأفهم.
وأول مرة أشوف الحقيقة كاملة.
مش بس نجلاء هي المشكلة.
أحمد كمان اختار الراحة.
اختار السكوت.
اختار إنه يسيب الأمور تكبر لحد ما خرجت من إيده.
في اليوم التالي، حصلت المفاجأة.
رجعت من صلاة العصر.
لقيت عربية فخمة واقفة قدام البيت.
ورجل ومراته قاعدين جوه الصالون مع نجلاء.
أول ما دخلت سكتوا.
لكنني سمعت الجملة الأخيرة.
— البيت مناسب جدًا فعلًا.
وقفت مكاني.
وبصيت لنجلاء.
هي كمان اتوترت.
قلت بهدوء:
— مين الضيوف؟
ردت بسرعة:
— ناس أصحابنا.
لكن الراجل رد قبلها.
— إحنا جايين نشوف البيت.
اتجمد المكان كله.
وأنا بصيت لنجلاء.
هي حاولت تبتسم.
لكن ارتباكها كان واضح.
— أصل كنا بنفكر لو حبينا نبيع في المستقبل.
فهمت فورًا.
كانت بتعرض البيت للبيع.
من ورايا.
ومن غير حتى ما تملك حق التصرف فيه.
ابتسمت لأول مرة.
بس كانت ابتسامة مختلفة.
ابتسامة خلت نجلاء نفسها تقلق.
لأنها أول مرة تشوفني هادية بالشكل ده.
وأول مرة تشوفني مش مكسورة.
وأول مرة تحس إن في حاجة كبيرة مستخبية.
حاجة هي ولا أحمد ما يعرفوهاش.
وفي نفس الليلة، وأنا قاعدة في أوضتي، وصلني اتصال من الأستاذ شريف.
قال جملة واحدة قلبت كل الأحداث:
— الحاجة أمينة… فيه شخص جه يسأل على البيت النهاردة، ولما راجعت بياناته اكتشفت إنه مستثمر عقارات معروف جدًا… وعارض مبلغ ضخم لو حبيتي تبيعي.
سألته بدهشة:
— مبلغ قد إيه؟
رد بهدوء:
— رقم هيصدمك.
سكت ثواني.
وبعدين قال:
— لكن فيه حاجة أخطر… الراجل ده قال إن في حد من أهل البيت وعده إن إجراءات البيع هتتم خلال أيام.
قفلت التليفون وأنا حاسة إن العاصفة الحقيقية لسه ما بدأتش.
لأن اللي جاي مش مجرد خلاف عائلي.
اللي جاي هيكشف أسرار محدش في البيت مستعد يسمعها.
وأولهم أحمد نفسه…
يتبع في الفصل الرابع
الفصل الرابع
بعد ما قفلت المكالمة مع الأستاذ شريف، فضلت قاعدة على السرير فترة طويلة وأنا ماسكة التليفون.
مش قادرة أستوعب.
يعني نجلاء وصلت بيها الجرأة إنها تعرض البيت للبيع فعلًا؟
ومن ورايا كمان؟
والأصعب من كده…
إن أحمد كان عارف.
يمكن مش موافق بالكامل، لكن أكيد كان عارف.
وإلا المستثمر عرف منين؟
حسيت إن السنين كلها بتمر قدام عيني.
كل مرة دافعت عن ابني.
كل مرة قلت لنفسي إنه مضغوط.
وإنه طيب.
وإن مراته هي السبب.
لكن الحقيقة كانت أوضح من الشمس.
الراجل اللي قدامي دلوقتي مش هو الطفل اللي ربيته.
مش هو أحمد اللي كان بيجري يحضني أول ما يرجع من المدرسة.
مش هو أحمد اللي كان بيعيط لو شافني تعبانة.
في حاجة جواه اتكسرت من زمان.
وأنا اللي كنت برفض أشوف.
في الليلة دي، سمعت خبط خفيف على الباب.
كان عمر.
دخل وقعد جنبي.
بصلي وسأل:
— تيتا… إنتِ زعلانة؟
ابتسمت بالعافية.
— لا يا حبيبي.
هز راسه.
— لا… إنتِ زعلانة.
ضحكت وسط دموعي.
— بقى تعرف منين؟
— عشان عينيكي بتبقى مختلفة.
حضنته.
وكان نفسي أوقف الزمن عند اللحظة دي.
الولد ده بقى أغلى حاجة في حياتي.
وفجأة سأل:
— لو أنا كبرت، هتفضلي معايا؟
سؤاله وجع قلبي.
— طبعًا يا حبيبي.
— حتى لو كل الناس مشيت؟
مسكت وشه الصغير بين إيديا.
— حتى لو الدنيا كلها مشيت.
نام عمر في حضني الليلة دي.
وأنا فضلت أبصله.
وأفكر.
يمكن علشان خاطره لازم أعمل اللي ناوية عليه.
تاني يوم الصبح، نزلت المطبخ بدري.
لقيت نجلاء قاعدة لوحدها.
أول ما شافتني اتوترت.
واضح إنها مش مرتاحة بعد موضوع المستثمر.
لكنها حاولت تتظاهر بالعادي.
— صباح الخير.
— صباح النور.
سكتنا شوية.
وبعدين قالت:
— إنتِ كنتِ فين امبارح؟
بصيتلها.
— مشوار.
— مشوار إيه؟
— يخصني.
أول مرة أرد بالشكل ده.
وأول مرة تحس إنها مش متحكمة في الحوار.
وشها اتغير.
لكنها سكتت.
بعدها بكام ساعة، أحمد رجع بدري من الشغل.
وكان شكله متوتر جدًا.
دخل عليا الأوضة.
وقف شوية.
وبعدين قال:
— ينفع أتكلم معاكي؟
أشرتله يقعد.
قعد قدامي.
وفضل ساكت.
دقيقة.
اتنين.
تلاتة.
لحد ما قال:
— إنتِ زعلانة مني؟
ضحكت ضحكة صغيرة كلها وجع.
— دلوقتي بس سألت؟
نزل عينيه في الأرض.
— عارف إني قصرت.
— قصرت؟
رفع راسه.
فكملت:
— لما مراتك كانت تهيني كنت ساكت.
لما كانت تمنع حفيدك عني كنت ساكت.
لما كانت تحبس الولد كان ساكت.
لما كانت تقول إني حمل عليكم كنت ساكت.
إيه اللي فاضل عشان تسميه تقصير؟
ملامحه اتكسرت.
وأول مرة أشوفه بالشكل ده.
قال بصوت واطي:
— أنا كنت بحاول أحافظ على البيت.
ضحكت بمرارة.
— والبيت اتحافظ عليه؟
ما ردش.
عشان هو نفسه عارف الإجابة.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— عندي مشاكل كبيرة يا أمي.
عرفت إنه بيتكلم عن الديون.
لكن ما بينتش إني عارفة.
قلت:
— زي إيه؟
مسح وشه بإيده.
— فلوس.
— قد إيه؟
سكت.
وبعدين قال رقم خلاني أتجمد.
رقم أكبر حتى من اللي شفته في الأوراق.
واضح إن فيه حاجات تانية مستخبية.
قلت بهدوء:
— وكل ده حصل إزاي؟
بص بعيد.
— مصاريف.
أقساط.
قروض.
شغل خسر.
والحياة بقت أصعب.
سألته:
— ونجلاء تعرف؟
ضحك ضحكة مكسورة.
— هي السبب في نصهم.
الصمت نزل بينا.
وأول مرة أحس إن أحمد نفسه بدأ يفوق.
لكن بعد فوات الأوان.
قبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال:
— مهما حصل… إنتِ أمي.
الكلمة جات متأخرة جدًا.
لدرجة إنها ما وجعتنيش.
خرج وسابني أفكر.
وفي نفس اليوم حصلت حاجة غريبة.
كنت قاعدة في الجنينة وقت العصر.
ولقيت عربية نقل صغيرة وقفت قدام البيت.
نزل منها اتنين عمال.
وبعدهم نزل راجل لابس بدلة.
دخل مباشرة على نجلاء.
وبدأوا يتكلموا.
بعد دقائق شفتهم جايين ناحية الشجرة.
شجرة الجوافة.
وقف الراجل.
وبدأ يقيس الأرض.
ويكتب ملاحظات.
عرفت فورًا إنه مقاول.
نجلاء كانت ناوية تبدأ الشغل فعلًا.
لكن اللي ضحكني من جوايا إن المكان اللي فاكرة إنها هتلاقي فيه كنز…
بقى فاضي.
فضلت أراقب من بعيد.
وفجأة الراجل سألها:
— متأكدة إن الأرض ملككم؟
اتوترت.
— طبعًا.
— لأن لازم نشوف الورق الأول.
قالتها بثقة مصطنعة:
— الورق موجود.
وأنا ساعتها ابتسمت.
لأول مرة أحس إن الكفة بدأت تميل.
في المساء، رن جرس الباب.
فتحت.
ولقيت الأستاذ شريف بنفسه.
استغربت.
— خير؟
دخل وقفل الباب.
وبعدين قال:
— لازم نتكلم فورًا.
قلقت.
— في إيه؟
طلع ملف جديد.
وحطه قدامي.
— المستثمر اللي كلمتك عنه رجع تاني.
— وبعدين؟
— المرة دي جاب معلومات أكتر.
بدأ قلبي يدق بسرعة.
فتح الملف.
وفيه صور.
وأوراق.
وتسجيلات عقود.
وساعتها قال الجملة اللي قلبت الدنيا:
— مرات ابنك ماضية على اتفاق مبدئي مع ناس، على أساس إنها هتبيع البيت خلال شهر.
اتصدمت.
— إزاي؟
— واضح إنها كانت واثقة إن الملكية هتتنقل ليهم قريب.
فضلت أبص في الورق.
وكل دقيقة كنت بكتشف إن الموضوع أكبر مما تخيلت.
فيه عربون اتدفع.
وفيه التزامات.
وفيه ناس مستنية الصفقة.
قلت:
— يعني لو البيع ما تمش؟
قال:
— هتدخل في مشاكل كبيرة.
سكت شوية.
وبعدين أضاف:
— ويمكن دي تكون بداية انهيار كل الأكاذيب اللي اتبنت الفترة اللي فاتت.
رجعت البيت وأنا بفكر.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت مستنياني.
أول ما دخلت سمعت صوت عياط.
جريت ناحية الصوت.
لقيت عمر قاعد على الأرض.
وشه أحمر.
وعينيه مليانة دموع.
حضنته بسرعة.
— مالك يا حبيبي؟
قبل ما يرد، شفت اللعبة المفضلة بتاعته مكسورة على الأرض.
كانت هدية من أبوه يوم عيد ميلاده.
بصلي وهو بيعيط.
وقال:
— ماما كسرتها.
اتصدمت.
في اللحظة دي خرجت نجلاء من أوضتها.
وشها كله عصبية.
— أصل الولد بقى مش بيسمع الكلام.
صرخت فيها لأول مرة من يوم ما دخلت البيت:
— ده طفل!
اتجمدت مكانها.
هي نفسها اتفاجئت.
عمري ما عليت صوتي عليها.
لكن المرة دي خلاص.
وصلت لنهايتي.
قلت بغضب:
— كفاية ظلم.
كفاية قسوة.
كفاية اللي بتعمليه في ابنك قبل أي حد.
نزل الصمت على المكان.
ولأول مرة شفت الخوف في عينيها.
الخوف الحقيقي.
مش من كلامي.
لكن من إن سيطرتها بدأت تضيع.
وفي اللحظة دي بالذات…
دخل أحمد من الباب.
وشاف عمر بيعيط.
وشاف اللعبة المكسورة.
وشافني واقفة قدام نجلاء.
وسأل بصدمة:
— إيه اللي حصل هنا؟
بصيتله مباشرة.
وعرفت إن اللحظة اللي مستنياها من شهور قربت جدًا.
لحظة انكشاف كل حاجة.
الديون.
والبيت.
والكذب.
والصفقة السرية.
والسر اللي محدش يعرفه لحد دلوقتي…
سر الصندوق اللي غير موجود تحت الشجرة.
لكن ما قلتش حاجة.
لسه.
لأن المواجهة الحقيقية كانت هتحصل قريب جدًا.
ومحدش في البيت كله كان مستعد للي هيعرفه في الفصل الأخير…
الفصل الأخير
أول ما أحمد دخل وشاف عمر بيعيط واللعبة مكسورة على الأرض، وقف مكانه كأنه اتصدم.
بص لابنه.
وبص لنجلاء.
وبعدين بصلي.
وقال بصوت عالي لأول مرة من سنين:
— إيه اللي حصل هنا؟
عمر جري عليه وهو بيعيط.
— ماما كسرت اللعبة بتاعتي.
أحمد انحنى عليه.
— ليه يا نجلاء؟
ردت بعصبية:
— عشان بقى مش بيسمع الكلام.
لكن المرة دي أحمد ما سكتش.
— ده طفل.
نفس الجملة اللي كنت قايلالها من شوية.
أول مرة أحس إن فيه حاجة اتغيرت جواه.
يمكن المشاكل كسرت غروره.
يمكن الديون خنقته.
يمكن بدأ يشوف الحقيقة أخيرًا.
لكن أياً كان السبب…
كان متأخر جدًا.
نجلاء بدأت تصرخ.
— كلكم ضدي!
أمك ملعّباكم عليا!
بصيتلها بهدوء.
وسألتها:
— وأنا عملتلك إيه غير إني استحملتك؟
اتلخبطت.
وأحمد فجأة قال:
— هو صحيح موضوع البيت؟
اتجمدت.
وأنا عرفت إن اللحظة وصلت.
نجلاء حاولت تتظاهر بالهدوء.
— موضوع إيه؟
— الناس اللي جت تتفرج عليه.
— مجرد استفسار.
— والكلام مع المستثمر؟
سكتت.
وأنا شفت الخوف الحقيقي في عينيها لأول مرة.
أحمد قرب منها.
— ردي.
— كنت بحاول أنقذنا.
— من غير ما ترجعيلي؟
— عشان إنت عمرك ما بتاخد قرار.
الصمت نزل على البيت كله.
لكنها كملت.
— لو كنت استنيتك كنا هنغرق.
ساعتها أحمد قعد على الكرسي كأنه فقد طاقته كلها.
وقال:
— وإحنا فعلًا غرقنا.
لأول مرة نجلاء سكتت.
أما أنا فقمت بهدوء.
ودخلت أوضتي.
ورجعت بعد دقايق بالملف الكبير.
وحطيته قدامهم على الترابيزة.
أحمد بصلي باستغراب.
— إيه ده؟
قلت بهدوء:
— الحقيقة.
فتح الملف.
وأول ورقة كانت عقد الشقة.
قرا الاسم.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وبعدين رفع عينيه ناحيتي.
— البيت باسمك؟
هزيت راسي.
— أيوة.
نجلاء شهقت.
— إيه؟!
كملت بهدوء:
— عمره ما اتنقل باسم حد.
ساعتها وشها اصفر.
لأنها فهمت إن كل اللي خططتله وقع.
أحمد فضل يبص للورق.
وكأنه مش مصدق.
— طول السنين دي؟
— أيوة.
— وليه ما قولتيش؟
بصيتله بحزن.
— كنت مستنية ابني يحبني عشان أنا أمه.
مش عشان البيت.
نزل راسه في الأرض.
وما عرفش يرد.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
طلعت مفتاح صغير من جيبي.
وحطيته على الترابيزة.
أحمد استغرب.
— مفتاح إيه ده؟
ابتسمت لأول مرة.
— سر كنت مخبياه من أكتر من عشرين سنة.
نجلاء كانت بتبصلي كأنها مش فاهمة.
فكملت:
— فاكرة لما كنتي عايزة تشيلي شجرة الجوافة؟
اتوترت فورًا.
— مالها؟
— كنتي بتحفري فوق أغلى حاجة أملكها.
الصمت نزل تاني.
وأنا حكيت كل حاجة.
عن الدهب.
وعن السنين.
وعن الصندوق المدفون.
وعن الليلة اللي طلعته فيها قبل ما العمال ييجوا.
في البداية محدش صدق.
لكن لما فتحت المخزن.
وسحبت الصندوق المعدني قدامهم.
اتجمدوا كلهم.
حتى عمر وقف فاتح بقه من الدهشة.
فتحت الصندوق.
وظهر الدهب.
قطع.
وسبايك.
وعملات قديمة.
سنين عمر كاملة متخزنة قدامهم.
نجلاء شهقت.
وأحمد قعد على أقرب كرسي.
كأنه مش قادر يقف.
قال بصوت مرتعش:
— كل ده؟
هزيت راسي.
— أيوة.
— يساوي كام؟
— أكتر من خمسة مليون جنيه.
ساعتها نجلاء بدأت تعيط.
فجأة.
ومن غير مقدمات.
لكن دموعها ما أثرتش فيا.
لأن الإنسان لما يتوجع كتير…
بيوصل لمرحلة ما بقاش يصدق الدموع.
قالت وهي بتعيط:
— سامحيني يا طنط أمينة.
بصيتلها.
وسكت.
— أنا غلطت.
برضو سكت.
— والله غلطت.
أخيرًا اتكلمت.
— لما كنتي بتديني العيش البايت… كنتي غلطانة؟
نزلت عينيها.
— أيوة.
— ولما حبستي عمر؟
— أيوة.
— ولما قولتي يا رب أموت؟
انهارت أكتر.
لكن الإجابة ما خرجتش.
لأنها عارفة إنها حصلت.
أما أحمد فكان بيعيط بصمت.
أول مرة أشوف ابني بيعيط بالشكل ده.
قال:
— سامحيني يا أمي.
بصيتله.
والحقيقة إن قلبي وجعني.
لأنه مهما حصل…
هيفضل ابني.
لكن الغفران حاجة.
واسترجاع الثقة حاجة تانية.
قلت بهدوء:
— أنا مسامحاك.
رفع راسه بسرعة.
فكملت:
— لكن عمري ما هنسى.
دموعه نزلت أكتر.
وأنا لأول مرة حسيت إن الرسالة وصلت.
في الأيام اللي بعدها حصلت تغييرات كتير.
أول حاجة عملتها إني سددت جزء كبير من ديون أحمد.
مش عشان يستاهل.
لكن عشان عمر.
كنت خايفة الولد يدفع تمن أخطاء الكبار.
بعدها نقلت ملكية جزء من الدهب لحساب باسمه هو.
مستقبل عمر.
وبس.
أما البيت…
فده كان القرار الأصعب.
قعدت أفكر أسبوع كامل.
وفي النهاية جمعتهم كلهم.
وقلت:
— عندي قرار.
أحمد اتوتر.
ونجلاء كمان.
أما عمر فكان قاعد جنبي ماسك إيدي.
قلت:
— البيت هيفضل باسمي طول ما أنا عايشة.
هز أحمد راسه موافق.
قبل حتى ما أكمل.
لكن المفاجأة كانت بعدها.
قلت:
— وبعد وفاتي… البيت هيبقى باسم عمر.
اتصدموا كلهم.
حتى عمر نفسه.
قال:
— أنا؟
ضحكت.
— أيوة يا حبيبي.
لأنك الوحيد اللي افتكرت إن الجوع وجع.
والوحيد اللي افتكرت إن الكبير له حق.
والوحيد اللي حبيتني من غير ما تعرف عندي كام جنيه.
ساعتها عمر حضني.
وبدأ يعيط.
أما أنا فكنت بحاول أمسك دموعي بالعافية.
عدت شهور.
ونجلاء اتغيرت فعلًا.
يمكن خوف.
يمكن ندم.
يمكن الاتنين.
بقت تعاملني باحترام.
لكن العلاقة ما رجعتش زي الأول.
لأن في كسور عمرها ما بتتصلح بالكامل.
أما أحمد…
فبدأ يقضي وقت أكتر مع ابنه.
ويحاول يعوض اللي فات.
وكان كل يوم تقريبًا يقعد جنبي يشرب الشاي.
من غير كلام كتير.
بس وجوده كان بيقول حاجات كتير.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة في الجنينة تحت شجرة الجوافة.
الشجرة اللي بدأت منها الحكاية كلها.
وعمر كان بيلعب قدامي.
وفجأة سألني:
— تيتا؟
— نعم يا حبيبي؟
— إيه أهم حاجة في الدنيا؟
ابتسمت.
وبصيت ناحية البيت.
وبعدين ناحيته.
وقلت:
— إنك تفضل إنسان.
حتى لما يبقى معاك فلوس.
وحتى لما مايبقاش معاك.
هز راسه كأنه فهم.
ورجع يلعب.
أما أنا فبصيت للسماء.
وحسيت براحة ما حسيتش بيها من سنين.
لأن الفلوس عمرها ما كانت الكنز الحقيقي.
الكنز الحقيقي كان الطفل الصغير اللي خبّى في جيبه حتة لحمة عشان يطمن إن جدته ما تنامش جعانة.
وساعتها بس…
عرفت إن تعبي كله ما راحش هدر.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق