القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 رد الظلم 



رد الظلم حكايات انجى الخطيب


يوم فرحي لقيت أخت جوزي وأمه لابسين فساتين فرح زي فستاني بالظبط! أخدوا جوزي مني وقعدوا يرقصوا معاه طول الفرح، وأنا وقفت على جنب مقهورة، دموعي بتنزل في صمت ومش عارفة أعمل إيه.. الكل كان بيبصلي بنظرات شفقة، وأنا حاسة بنار بتاكل في قلبي…

أنا منى، عندي 21 سنة، يتيمة ومليش حد في الدنيا دي.. عايشة لوحدي في شقة بابا وماما الله يرحمهم. لما اتقدملي جاري “أحمد”، فرحت قولت ربنا عوضني، شاب كويس ووحيد أمه وله أخت واحدة….

#انجي_الخطيب

حصلت مواقف كتير قبل الفرح كنت بعديها وأقول: “استحملي وعيشي يا منى، مين ده اللي هيرضى بواحدة يتيمة وملهاش أهل؟ واهو جاري وأهله كانوا عارفين أهلي الله يرحمهم وهيحافظوا عليا، وكبار المنطقة كمان متدخلين في الجوازة دي ومستحيل أصغرهم عشان حاجات ممكن أي حد يشوفها تافهة وتعدي”.

أول موقف حصل لما كنت بحجز فستان الفرح، اخترت واحد قستُه وكنت طايرة بيه، لقيت حماتي وأخت جوزي بعدوا عني شوية، ورجعوا وفي إيد حماتي فستان تاني خالص، مش حلو .. قالتلي بلؤم: “لا خدي ده!”، قولت بصدمة: “بس يا طنط ده مش عاجبني والتاني أحلى بكتير”، لوت بوزها وقالتلي: “هو أنتِي عايزة تغرمي ابني وخلاص؟ ما ترضي بأي حاجة، كلها فساتين بيضا وهي ليلة وهتعدي، لية ابني يدفع مبلغ مع ان الفستان االي نقيتة مكنش غالي كان سعره عادي بس معرفش هي عملت كدا لية…

سكتّ، الكلمة اتغرست في قلبي زي السكينة، ومتكلمتش ورضيت، وأخدت فستان مش مقتنعة بيه عشان المركب تمشي

بس الموقف الأكبر كانت قبل الفرح بكام شهر .. اتفاجئت بيهم داخلين عليا الشقة، وحماتي قعدت وحطت رجل على رجل وقالتلي ببرود: “بصي يا منى، أحمد معندوش شقة تمليك، والإيجار الجديد هيقطم وسطه، فإيه المشكلة بقا لما توضبوا شقة أبوكي وأمك الله يرحمهم وتقعدوا فيها؟ أهو توفري على جوزك، ولا أنتِي عايزة تشحططيه؟”

أحمد كان واقف باصص في الأرض ومش بينطق بكلمة! طبعاً وافقت.. وافقت وأنا مكسورة وبقول لنفسي مش مهم الشقة، المهم أعيش في أمان….

#انجي_الخطيب

وتمر الشهور.. ونيجي لليلة اللي غيرت كل حاجة والاقي حماتي واخت جوزي لابسين فساتين فرح زيي واللي وجعني اكتر ان الفستان اللي نقيتة لاقيت اختة لابساة قلبي اتكسر ومن الصدمة بقي واضح علي وشي ولما اخدوا جوزي مني واحنا بنرقص واعدوا يرقصوا معاه طول الفرح وانا لوحدي وبقيت احاول الم الموقف عشان نظرات الناس ليا ساعتها بس حسيت انهم بيقولولي فوقي انتي مالكيش لازمة…

عدي الفرح وبقت تحصل مواقف بس كنت بعديها واسكت لكن اللي حصل بعد كدا مكنش يتسكت علية…

بعد الجواز بكام شهر، كانت حماتي وأخت جوزي عندي في الشقة، شقة بابا وماما اللي واخدينها لحسابهم! كنت واقفة في المطبخ بعملهم غدا، وسمعتهم بالصدفة بيتوشوشوا في الصالة، أخت جوزي قالت لأمها بضحكة خبيثة: “والله وبقى لاحمد اخويا شقة في وسط البلد ، والبت دي نايمة على ودنها وفاكرة إن أحمد بيحبها، ده هو اتجوزها مخصوص عشان الشقة !…

وحماتي ردت عليها بضحكة أعلى: “سبيها.. هي تقدر تنطق دي ملهاش لسان تنطق بيه اصلاً، بكرا نطفشها وساعتها اجوز ابني االي علي مزاجي اللي اختارها انا….

الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. الرعشة اللي كانت في إيدي اختفت فجأة، والدموع اللي كانت دايماً قريبة جفت في ثواني. حسيت بحاجة جوايا بتموت.. وحاجة تانية خالص بتصحي. حوشت كل الكسرة والغل اللي عشته من يوم الفرح، ومن استحلالهم لحاجتي اللي كنت بحيبها بشقايا واللي ساعدوني فيها الناس وكانوا بياخدوا اللي يعجبهم عندي ومكنتش بقدر انطق جمعت كل دا في ابتسامة غامضة وهادية جداً.

طلعت من المطبخ، شايلة الصواني، وبصيتلهم بكل برود.. ملامحي مكنتش ملامح “منى اليتيمة المكسورة” خالص. حماتي اتخضت من نظرتي وقالت بتلعثم: “في إيه يا بت بتبصيلنا كده ليه؟”

قربت منهم، حطيت الصواني على السفرة براحة شديدة، ووطيت على ودن حماتي وقولتلها بصوت واطي وناعم : “الغدا جاهز يا طنط..

سيبتهم واقفين مكانهم مذهولين، ودخلت أوضتي وقفت ورا الباب.. وفي ضلمة الأوضة، طلعت تليفوني، وعملت مكالمة واحدة لشخص مكنش يخطر على بالهم أبداً، وقولت جملة واحدة بس….

ألو.. إزيك يا حاج صالح؟ أنا منى.. منى بنت المرحوم عبد الرحمن جارك.. أنا محتجاك يا حاج، ومحتاجة كبار المنطقة اللي كانوا شاهدين على جوازتي وجايبين أحمد بإيديهم.. لو ليا خاطر عندك وعند الناس الطيبين، تجيلي الشقة دلوقتي حالا.. الشقة بتتسرق مني يا حاج، وعرض غاليكم بيتهان.. هستناك.

قفلت السكة والنفس اللي طلع مني كان سخن ومحمل بنار بقالها شهور بتاكل فيا.. مسحت وشي في الضلمة، وبصيت لنفسي في مراية الدولاب.. مكنتش شايفاها، كنت شايفاها واحدة تانية خالص، واحدة ميتة بس صاحية تاخد حقها. فتحت الباب وخرجتلهم الصالة، كانوا لسه واقفين مكانهم بيبصوا لبعض بوجل، بس حماتي حاولت تسترد جبروتها بسرعة، حطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة عالية مهزوزة:

إيه يا بت دخلتك وخرجتك دي؟ وإيه النظرة اللي باصة بيها دي؟ فاكرة نفسك مين؟

وقفت بثبات مميلتش راسي زي كل مرة، وقولت ببرود يوجع:

فاكرة نفسي منى.. منى صاحب الشقة اللي انتوا قاعدين فيها وبتخططوا هتطردوني منها إمتى..

أخت أحمد شهقت وحطت إيدها على بوقها، وحماتي وشها جاب ألوان، بس اتعافت وقربت مني وهي بتشاور بصباعها في وشي:

جرى إيه يا مقصوفة الرقبة! شكلنا دلعناكي زيادة عن اللزوم، شقة إيه وضفت إيه؟ دي شقة ابن أحمد، ومكتوبة باسمه في عقد الإيجار الجديد اللي هيدفعه ليكي يا بت، وإلا نسيتي إنك ملكيش حد والكلاب كانت هتاكلك في الشارع لولا إننا لميناكي؟

في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل أحمد.. كان شايل أكياس في إيده، وبص للمنظر باستغراب:

في إيه؟ صوتكم جايب لآخر الشارع ليه؟

أمه جريت عليه ومسكت في دراعه بتمثيل رخيص:

الحق يا أحمد.. الست هانم اللي لميناها من الشارع وجوزناهالك عشان تسترها، واقفة بتتطاول عليا وعلى أختك، وبتقول الشقة شقتي وبتقول كلام ميتعقلش.. شفت آخرة عطفنا عليها؟

أحمد بصلي بضيق ونفخ:

في إيه يا منى؟ جرى إيه لجهنم اللي قايدة في البيت كل ما أدخل؟ ما تلمي الدور بقا واحمدي ربنا على العيشة!

بصيتله وأنا حاسة بنفور عمري ما حسيته تجاهه.. الراجل اللي كنت فاكراه عوض، طلع أراجوز في إيد أمه.. قولت وهادي بصوت قوي:

العقد اللي بتقولوا عليه ده، مش باطل بس.. ده حبر على ورق، عشان الشقة دي شقة إيجار قديم باسم بابا الله يرحمه، والملاك الأصليين للعمارة كتبولي تنازل رسمي وموثق في الشهر العقاري باسمي أنا لما اتوفى، يعني الشقة دي ملكي أنا قانوناً، وعقد الإيجار الجديد اللي انت مضيت عليه مع نفسك ده تبلوا ميتة وتشربوا ميتها..

أحمد تنح، والشنط وقعت من إيده:

أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ واعية للكلام ده؟

أمه زعقت بصوت مسرسع:

كدابة! دي بتخوفك يا أحمد، اضربها وعلمها الأدب عشان تعرف مقامها!

وقبل ما أحمد يتحرك خطوة واحدة، الباب خبط خبطات قوية ورا بعض.. خبطات لها هيبة..

جريت وفتحت الباب، ودخل الحاج صالح، كبير المنطقة، ووراه اتنين من كبار العائلات اللي كانوا حاضرين كتب الكتاب وكانوا ضامنين لأحمد وأهله..

الحاج صالح دخل ووشه مفسرش، وبص لأحمد وأمه اللي اتسمروا مكانهم:

السلام عليكم.. جرى إيه يا جماعة؟ صوتكم بره جايب لآخر الشارع، وبنت الغالي كلمتني وهي بتستنجد بينا.. إيه اللي بيحصل هنا في بيت المرحوم عبد الرحمن؟

حماتي بلعت ريقها وحاولت تبتسم بلؤمها المعتاد:

أهلاً يا حاج صالح.. مفيش حاجة يا خويا، دي خناقة عائلية بسيطة، والبنت دي بتتبلى علينا وبتقول كلام..

الحاج صالح قاطعها برفع إيده بقوة:

أنا مسمعتش منك.. أنا هسمع من بنت الغالي.. قولي يا منى، في إيه يا بنتي ومين اللي بيستحل حاجتك؟

وقفت قدامهم كلهم، دموعي اللي حبستها شهور نزلت، بس المرة دي مكنتش دموع كسرة.. كانت دموع حق بيرجع:

يا حاج صالح.. من يوم ما دخلت البيت ده وأنا بتهان.. سكت يوم الفرح لما حماتي وأخت جوزي لبسوا فساتين زيي وأخدوا عريسي وقعدت لوحدي مقهورة والناس بتتفرج عليا وتشفق عليا وسكت.. سكت لما أخدوا دهبي اللي بابا شايلهولي بحجة إن أحمد مديون وم شفتش منه جنيه.. سكت وقولت يتيمة وماليش أهل ومستحيل أصغر كبار المنطقة اللي جابوا أحمد وضمنوه.. لكن يوصل بيهم الحال يدخلوا بيتي، بيت أبويا وأمي، ويخططوا إزاي يطردوني منه ويجوزوه واحدة تانية على مزاجهم بعد ما يستولوا على الشقة؟ أنا سمعتهم بإدني يا حاج.. سمعتهم بيضحكوا عليا ويقولوا البت دي نايمة على ودنها وملهاش لسان..

الحاج صالح وشه احمر من الغضب، وبص لأحمد اللي كان باصص في الأرض وعرقان من الكسوف:

الكلام ده صحيح يا أحمد؟ أنت وأهلك بتعملوا كده في البت اليتيمة اللي أمناكم عليها؟ ده احنا كنا فاكرينكم ناس بتوع ربنا وهتصونوها!

أخت أحمد حاولت تتدخل:

يا حاج صالح دي بتتبلى علينا وعايزة تعمل مشكلة من مفيش..

الحاج صالح زعق بصوت هز الحيطة:

اسمعي يا ست أنتِ وهي! المنطقة دي ليها كبار، وإحنا اللي جوزنا البت دي واحنا أهلها وسندها.. واليوم اللي تفتكروا فيه إنها مقطوعة من شجرة، يبقا بتغلطوا في المنطقة كلها!

بص لأحمد وقاله بنبرة حاسمة:

الشقة دي شقة أبوها، والدهب اللي أخدتوه يرجع غصب عنكم.. والست والدتك وأختك ياخدوا بعضهم دلوقتي حالا ويطلعوا بره البيت ده، ومشوفش وشهم هنا تاني..

أمه بصت لأحمد وهي مستنية يدافع عنها، بس أحمد كان مرعوب من كبار المنطقة ومن شكل عيلته اللي بقت في الأرض.. مشيت حماتي وأختها وهما بيبصولي بنظرات غل وحقد، بس مكنتش فارقة معايا.. خرجوا وقفلوا الباب وراهم..

التفتت لأحمد اللي كان واقف زي التلميذ الخايب، وقولتله بمنتهى القوة والجمود:

وأنت يا أحمد.. ورقتك توصلي لغاية عندي.. الشقة دي هتنضف منكم كلكم.. من اللحظة دي، منى اليتيمة ماتت، واللي واقفة قدامك دي واحدة هتاخد حقها تالت ومتلت بالقانون ومن غير ما تتهان تاني.

………

أحمد بصلّي بصدمة، بوقه اتفتح ومش عارف ينطق بكلمة، كأنه أول مرة يشوفني.. أو كأنه مش مصدق إن “منى” الضعيفة المستكينة هي هي البنت اللي واقفة قدامه وراسمة على وشها ملامح أصلب من الحديد.

الحاج صالح حط إيده على كتف أحمد وبص له بنظرة كله احتقار وقاله:

سمعت الست هانم قالتلك إيه؟ لم هدمك يا أحمد، والباب يفوت جمل.. البنت دي في حمايتنا، ولو شوفتك بتوجّه لها كلمة ولا بتعدي من تحت بيتها، مش هتعرف إحنا هنعمل فيك إيه.. يالّا يا ابن الناس، مع السلامة.

أحمد ملقاش مفر، وشه كان جايب ألوان وعينيه في الأرض من الخزي قدام رجالة المنطقة، دخل الأوضة وعبي هدومه في شنطة بسرعة وهو بيترعش، وخرج من باب الشقة من غير ما يجرؤ يرفع عينه فيا.. قفل الباب وراه، والبيت فجأة فضي.. فضي من ريحتهم، ومن غلهم، ومن الكتمة اللي كانت كاتمة على نفسي.

الحاج صالح التفت ليا، ملامحه الحادة اتحولت لطيبة وأبوة، وقالي بنبرة هادية:

متخافيش يا بنتي، طول ما فينا نفس مش هنسيبك.. حقك وذهبك هيجوا لحد عندك، والكلب ده هيطلقك وتطلعي من الليلة دي كسبانة وراسك فوق.. إحنا أهلك يا منى، وافتكري إن أبوكي الله يرحمه كان راجل طيب وعمره ما ساب حد في ضيقة، وربنا من فوق مبيسبش حد واكل حق يتيم.

هزيت راسي بامتنان، ودموعي نزلت.. بس المرة دي كانت دموع راحة، دموع نصر. شكرتهم وودعتهم لحد باب الشقة، وقفت وقفلت الباب وراهم بالمفتاح والترباس.

لأول مرة من شهور أحس إن الهوا اللي داخل في صدري نضيف.. بصيت للشقة، شقة بابا وماما.. كأن روحهم رجعت تطبطب عليا وبتقولي: “عفارم عليكي يا بنتي.. صنتي بيتنا وصنتي نفسك”. مشيت خطوتين ووقفت قدام مراية الصالة، صلحّت شعري، وابتسمت لنفسي في المراية.. الابتسامة دي مكنتش غامضة ولا حزينة، دي كانت ابتسامة البداية الجديدة.. البداية اللي مفيهاش مكان لكسرة النفس تاني أبداً.

…….

قعدت على الكنبة، وفردت ضهري لأول مرة من غير ما أكون خايفة من دخلة حد عليا، ولا مستنية كلمة تسمّ البدن من حماتي، ولا نظرة برود من أحمد. البيت كان هادي.. هدوء جميل ومريح، كأن الحيطان نفسها كانت مكتومة وبدأت تتنفس معايا.

عدت الأيام، ومفوتش أسبوع والتاني إلا وكان الحاج صالح جايبلي حقي تالت ومتلت. جابلي دهبي كله لغاية عندي بعد ما عمل قعدة عرب في المنطقة مسح بكرامة أحمد وأهله الأرض، وخلاهم يمضوا على وصل أمانة بقيمة كل حاجة أخدوها مني، وورقة طلاقي وصلتني لحد باب البيت، مرفوعة الراس ومفيش مخلوق قدر يكسر عيني.

في يوم، كنت نازلة أشتري طلبات للمطبخ، لقيت حماتي وأخت جوزي.. أقصد طليقي.. واقفين عند أول الشارع بيتكلموا مع جارتنا. أول ما عيني جت في عينيهم، لقيت الضحكة الخبيثة والجرأة اللي كانوا بيقابلوني بيها اتمسحت تماماً. أخت أحمد حطت عينيها في الأرض ولفت وشها الناحية التانية، وحماتي جيت تفتح بوقها عشان تلقح بكلام، بصيتلها من فوق لتحت بنظرة برود وثقة خلت الكلمة تقف في زورها. مشيت من جنبهم وراسي في السماء، وسامعة جارتنا بتقولهم بصوت واطي: “بس بس.. دي وراها رجالة المنطقة كلها، بلاش مشاكل معاها لتروح للحاج صالح”.

ضحكت من جوايا.. ضحكت لأن الدنيا دارت بسرعة أسرع مما كنت أتخيل، وعرفت إن اليتيم مش اللي ملوش أب وأم، اليتيم هو اللي ملوش كرامة ولا ضهر يحميه، وأنا ربنا بعتلي ضهري وسندي في الوقت المناسب.

رجعت الشقة، دخلت المطبخ وفتحت الشبابيك عشان الهوا والشمس يدخلوا يطردوا أي طاقة سلبية سابوها وراهم. طلعت تليفوني ومسحت كل الأرقام اللي تخصهم، ومسحت صور الفرح الكئيب اللي كنت فاكراه ليلتي.. وبدأت أرتب حياتي من جديد. قسيت، آه قسيت.. بس القساوة دي كانت الدرع اللي هحمي بيه نفسي بعد كده. مفيش “منى الضعيفة” تاني، من هنا ورايح مفيش غير منى القوية اللي هتعيش لنفسها، لبيتها، ومستقبلها، واليوم ده مكنش نهاية قصتي.. ده كان أول يوم في عمري الجديد.

……..

مرت سنة كاملة على اليوم اللي غير حياتي. الشقة اللي كانوا عايزين يطردوني منها، بقيت أنا صاحبتها الآمرة الناهية فيها، غيرت ديكورها كله، دهنت الحيطان بألوان مبهجة تفتح النفس، وشيلت كل ركن كان بيفكرني بأيام الكسرة والهم.

نزلت اشتغلت في حضانة قريبة من البيت، وبقيت بكمل تعليمي المفتوح اللي كنت مأجلاه عشان خاطر أحمد وأهله.. قررت إن قيمتي مش هتيجي من راجل يسترني، قيمتي هتيجي من شهادتي وشغلي وكياني اللي هبنيه بنفسي.

وفي يوم جمعة، وأنا نازلة أزور قبر بابا وماما عشان أقرا ليهم الفاتحة وأقولهم إن بنتهم بقت قوية ومحدش قادر عليها، لقيت الست “أم أحمد” قاعدة على دكة قدام بيتهم.. شكلها كان غريب، وشها دبلان، والجلابية اللي لابساها قديمة، ومفيش في إيدها غوايش الذهب اللي كانت بتتباهى بيها وتتمنظر قدام الناس.

أول ما شافتني، وقفت بسرعة وجريت عليا، وعينيها كانت مليانة دموع.. مكنتش نظرة اللؤم والشر بتاعة زمان، كانت نظرة انكسار حقيقية. وقفت قدامي وقالت بصوت مرعوش ومبحوح:

منى.. إزيك يا بنتي؟ عاملة إيه؟

بصيتلها ببرود تام، ومردتش.. فضلت واقفة مكاني مستنية أشوف آخرتها إيه. لقيتها بتعيط وبتقول:

سامحيني يا بنتي.. الله يجازيكِ كل خير سامحيني.. الدنيا دارت بينا وربنا انتقم مننا أشد انتقام. أحمد اتجوز واحدة تانية زي ما كنت عايزة، بس طلعت حرباية.. أخدت منه كل حيلته، وخلته يمضي على شيكات وودته في داهية، ودلوقتي هو محبوس بسببها، وأخت أحمد اتطلقت ورجعتلي بفضائحها وعيالها.. البيت اتهد علينا يا منى من يوم ما ظلمناكي.. دعواتك صابتنا ومبقيناش ملاحقين على المصايب.

كنت سامعة كلامها وقلبي مفيش فيه أي شماتة، بس في نفس الوقت مفيش فيه نقطة تعاطف واحدة. افتكرت يوم فرحي ودموعي اللي نزلت في صمت، افتكرت كسرة نفسي في المطبخ وأنا سامعاهم بيخططوا لطردي.. بصيتلها وقولت بمنتهى الهدوء:

أنا لسه بروح للغاليين يا طنط.. وفي كل سجدة وفي كل وقت، مكنتش بقول غير “حسبي الله ونعم الوكيل”.. والوكيل مبيضيعش حق حد. ربنا يديكوا على قد نيتكم.. عن إذنك.

سبتها واقفة بتعيط وبتندم في مكانها، ومشيت.. مشيت ورجلي ثابتة في الأرض، ومبصتش ورايا ولا خطوة. عرفت ساعتها إن العدالة الإلهية مابتتأخرش، وإن اللي يظلم يتيم ويسرق فرحته، لازم يشرب من نفس الكأس ولو بعد حين.

كملت طريقي وأنا حاسة بسلام داخلي عمري ما حسيته قبل كده.. أنا منى، عندي 22 سنة، صحيح يتيمة ومليش أهل، بس عندي رب كريم، وعندي كرامة تسوى الدنيا كلها.. وقصتي اللي بدأت بدموع وكسرة، انتهت وأنا واقفة على رجلي، قوية، حرة، وبضحك للدنيا والدنيا بتضحكلي.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close